السبت، 25 يناير 2014

تجربة في تعلم لغة أجنبية بقلم :الاستاذ سامي مهدي

تجربة في تعلم لغة أجنبية
 بقلم :الاستاذ سامي مهدي

حين كنت أتعلم اللغة الفرنسية في معهد كافيلام CAVILAM في مدينة فيشي ، وهو معهد متخصص بتعليم الأجانب هذه اللغة ، كنت أشعر بأنني أمام تحد ينبغي لي مواجهته والتغلب عليه بأي ثمن ، ولذا كنت أحرص على تحضير دروسي وكتابة واجباتي بهمة ونشاط ورغبة ، وعملت بنصيحة معلمتي " كريستين بونفوا " ، فرحت أحاول قراءة الصحف والمجلات ، أياً كانت ، ومتابعة برامج التلفزيون الفرنسي بقنواته الثلاث ، وحفظ الأغاني ، لا سيما أغاني جاك بريل وإديث بياف وشارل أزنافور ومغنية جميلة صاعدة اسمها ميراي ماتيو ، وكان هذا كله يغني حصيلة مفرداتي المتواضعة ، ويعلمني نطق الكلمات ، وييسر لي قراءة النصوص وفهمها ، ويعوضني إلى حد ما عن الاختلاط المباشر بأهل اللغة من سواد الناس ، على ضرورته .
تذكرت في هذا الخضم بعد حين ، نصيحة مدرس اللغة الإنكليزية في ثانوية الكرخ الأستاذ " بديل حمّو " في تقوية معرفتي بهذه اللغة عن طريق قراءة مسرحيات شكسبير دون اكتراث للصعوبات التي تواجهني عند قراءتها ، فاشتريت من صاحبة محل قرب المعهد تبيع فيه الكتب القديمة والحديثة نسختين قديمتين من مسرحيتي ألبير كامو : كاليغولا ، وسوء تفاهم ، ومنها صرت أتردد على هذا المحل أسبوعياً لأشتري ما يهمني من الدواوين الشعرية والمسرحيات وغيرها . وكانت صاحبة المحل ، وهي سيدة جميلة ، تتعجب من إقبالي على شراء هذه الكتب وهي ترى أن حديثي الركيك المتعثر معها لا يكشف عن مقدرة على قراءة ما أشتريه منها . فلم تمنع نفسها ذات يوم من أن تسألني عن ذلك ( قل لي : هل تستطيع قراءة ما تشتريه ؟! ) فقلت لها ضاحكاً : إنني أشتريه للمستقبل ، فصارت تتعاطف معي وتبيعني بسعر مخفض ، وتنبهني إلى كتب تعتقد أنها تهمني ، ومنها دواوين شعرية زهيدة الثمن لشعراء فرنسيين شبان لم أسمع بهم .
بقيت أعاني من صعوبة في التكلم بالفرنسية . كنت أفهم ما يقال لي وما أسمعه بسهولة ، ولكنني كنت أتلكأ كلما هممت بالتكلم . كانت مفردات اللغة تهرب مني حتى لينتابني بعض الخجل أحياناً . غير أن أغلب الناس هم من اللياقة والتهذيب واللطف بحيث يحاول فهمك ويعيد عليك الجملة التي نطقتها بعد تصحيحها دون أن يخجلك أو يحرجك أو يضيق بك ذرعاً ، ربما لتعودهم على السياح الأجانب والمهاجرين الجدد ، وربما لسرورهم بأن هناك من يريد تعلم لغتهم .
لازمتني هذه الصعوبة مدة عام تقريباً ، فكنت أستعين في اللقاءات والمناسبات المهمة بمترجم من العاملين معي في المركز الثقافي ، ولكن هذه الصعوبة كانت تتضاءل بمرور الأيام ، بالاختلاط بالناس ، والاستمرار في متابعة الصحف اليومية والمجلات الأدبية وبرامج التلفزيون ، وقراءة الدواوين الشعرية والمسرحيات ، حتى صرت أعتمد على نفسي في كل شؤوني ، فاستغنيت عن أية مساعدة .
لم أنقطع عن القراءة بالفرنسية بعد نقلي إلى بغداد ، بل واصلتها بالهمة نفسها . فقد اصطحبت معي ما كنت اشتريته من الكتب والمجلات الأدبية في فيشي وباريس ، وهي تعد بالعشرات ، وكان صديقي وزميلي جليل العطية يزودني بالصحف والمجلات الأدبية مثل : مغازين ليترير ولير ، وببعض الكتب أحياناً ، مع بريده الإسبوعي بوصفه مراسلاً لجريدة الجمهورية في باريس . وكنت كلما أحظى بسفرة إلى باريس أعود بشيء من الإصدارات الجديدة . وكانت آخر سفرة لي إلى هناك عام 2000 ، كنت مدعواً للمشاركة في مهرجان شعري ، وكان سعدي يوسف مدعواً هو الآخر غير أنه لم يحضر . حتى إذا وثقت بنفسي وعدّتي رحت أترجم مختارات من شعر جاك بريفير وهنري ميشو وألان بوسكيه وباول تسيلان وغيرهم ، ولهذا حديث آخر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إنقلاب بكر صدقي 29 تشرين الثاني 1936 في العراق أول انقلاب في الشرق الاوسط والوطن العربي ا.د.ابراهيم خليل العلاف

                                                                    بكر صدقي ومحمد علي جواد  إنقلاب بكر صدقي 29 تشرين الثاني 1936 في العراق ...