الزهاوي في الاستانة..شاهد على العهد الدستوري
| |
بقلم : أ. د. علي شاكر علي المولى
كلية التربية -جامعة كركوك
بين بغداد و استانبول أكثر من وشيجة تاريخية و دينية و سياسية, فكلتا المدينتين , كانتا عاصمة للخلافة , الاولى الخلافة العباسية 132- 656هــ وغدت الثانية عاصمة للخلافة العثمانية حتى سنة 1924م , والمدينتان حملتا شعلة النور و الايمان لارجاء المعمورة , بل ان استانبول ,
غدّت فعلا بعد دخولها في الحيز العثماني سنة 1534م ((عاصمة الدنيا الثقافية )) , حيث امتزجت الثقافات في مدارسها , وبمرور الزمن و بموازاة توسع الدولة العثمانية سواء في الغرب او الشرق ومع اهتمام السلاطين العثمانية بأفتتاح المدارس الدينية التي رفدت الولايات التابعة للدولة بمئات العلماء الذين شغلوا مناصب دينية ولاسيما في سلك القضاء.
فتوثقت العلاقات الثقافية و الدينية بين استانبول و بغداد بعد دخول الاخيرة الفضاء العثماني سنة 1453م, وقد وصفت الادبيات العثمانية بغداد بأنها انبل مدن اسيا, اشارة الى مكانتها التاريخية و الدينية والمتتبع للمصادر والوثائق العثمانية يجد اسماء مئات العلماء البغداديين ممن تتلقوا دراستهم في مدارس اسطنبول و تسنموا مناصب هامة في اجهزة الدولة المختلفة , وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر و في ظل القوانيين الاصلاحية التي عرفت بفترة التنظيمات, ازداد الارتباط الثقافي بين بغداد و استانبول .بفعل عدة اعتبارات منها تطور المواصلات بين العاصمة العثمانية وولاياتها وانتشار دوائر التلغراف و البريد فضلا عن الطباعة و الصحافة و افتتاح المدارس الحديثة التي قربت المسافة بين مثقفي بغداد و استانبول وابتداءً من الربع الاخير من القرن التاسع عشر, اذ قصد البغداديون مدارس استانبول مقر الخلافة و مدينة الامال و الاحلام الجميلة كانت استانبول قبلة رجال العراق الطامحين, فمن اراد وظيفة مرموقة ملأ حقيبته بالهدايا الثمينة وهرع الى استانبول و من اراد ترقية و ترفيعا ملأ جيبه بعشرات الليرات الذهبية وذهب الى استانبول ومن اراد من العوائل الموسرة ان يثقف ولده ثقافة عالية اوفده مدللا و معززا الى استانبول و كان اكثرهم يلتحق اما بكلية الحقوق او الملكية الشاهانية (كلية العلوم السياسية و الادارية) اما العوائل الفقيرة فكانت تلحق ابناءها بالمدرسة الاعدادية العسكرية ليتسنى لهم اكمال دراسته في الكلية العسكرية في الاستانة و يتخرجوا منها ضباطا في الجيش العثماني بعد دراسة أمدها ثلاث سنين. والى جانب هؤلاء , كان المثقف العراقي سواء ممن تلقى دراسته في المدارس الدينية او المدارس الرشدية يجد ضالته السياسة و الفكرية في استانبول , وقد وقع اختيارنا على اثنين من ادباء بغداد وهما معروف الرصافي (1876- 1945) و جميل صدقي الزهاوي (1863-1939) لدراسة الاثر الذي تركته استانبول في فكرهما السياسي و الادبي بحيث يمكن القول ان الاثنين كانا حلقة وصل بين الفكر العثماني المتجدد و الفكر العراقي الحديث من جهة , ومن جهة اخرى فان اجواء استانبول السياسية والثقافية تركت اثار هامة في تعميق الوعي السياسي والثقافي لللأديبين كما انهما اطلعا على الثقافة الاجنبية حتى الفرنسية فكانت استانبول في نظر المثقفين العراقيين منبع التجدد في العهد العثماني. ومما لاشك فيه ان ما ساعد الاثنين, على الاندماج في مجتمع استانبول الثقافي و السياسي, هو اتقانهما اللغة التركية, وتدريسهما للاداب و اللغة العربية في المدارس البغدادية فضلا عن ذلك فأن خلفيتهما الدينية , شّكلت عاملا اخر في تعميق الاحساس بمفردات كانت شائعة في تلك الحقبة التاريخية مثل الحرية والمساواة والعدل و الديمقراطية و الجمهورية وسيدفع هذا الاحساس المفرط بمعاني الالفاظ في اعلاه , الى التمرد على قيم وعادات و تقاليد تأصلت في سلوكهما اثناء دراستهما في المدارس الدينية البغدادية . لملاحظة الجديرة بالإشارة هنا , ان كلاً من الرصافي و الزهاوي , قد رحلاّ الى العاصمة العثمانية و قد اكتملت المعرفة التقليدية لديهما (فالزهاوي , قد تعلم الفارسية حتى اتقنها بأشراف من والده الشيخ ..الذي علمه ايضا الكردية لانها لغة لاجداده و علمه التركية لانها لغة البلاد الرسمية وعلمه العربية لانها لغة القران فاصبح يجيد عدة لغات كان لها اثرها في ثقافته و في حياته فيما بعد ثم درسه له بنفسه التفسير في البيضاوي و الفقه في شرح الموقف حتى اكتمل نضوجه الفكري , فألتحق سنة 1884 معلما بالمدرسة السليمانية و هي مدرسة دينية ملحقة بأحد المساجد في محلة الميدان , وهو يتزى بزي الشيوخ (الجبة والعمامة). غير ان دروسه في المدرسة الدينية لم تمنعه من الاطلاع على ثقافة الغرب وابتكاراته العلمية, غير ان جهله باللغات الاوربية يقف حائلا دون تعمقه , فليقرأ اذن ما يترجم الى التركية او الفارسية فقرأ مؤلفات شكسبير و جوته و هوجو و غيرها , مترجمة الى التركية , فعاش في صراع فكري بين ما قدّمته و يجد ما تطرحه النظريات الغربية من افكار (الجاذبية , والنشوء و الارتقاء وموقف العلم المتطور من الدين) و في اواخر 1887 عين مصطفى باشا واليا على العراق فحضر الزهاوي مع والده المفتي محمد فيض الزهاوي , مراسيم تنصيب الوالي المذكور , فقرأ الوالد دعاء التنصيب باللغة العربية طبقا للمراسيم التقليدية, ثم تقدم الابن الشاعر فمدح الوالي بقصيدة, فنالت اعجابه , فعّين اثر ذلك عضوا في مجلس معارف بغداد (( وهو منصب لم يحلم به الا قلة من شيوخ بغداد)) وفي السنة التالية أي 1888م أسندت إليه مطبعة الولاية التي تطبع جريدة الزوراء الرسمية غير انه تركها سنة 1890م ليصبح عضوا في محكمة الاستئناف (لان صلة الزوراء بالادب واهية ,بينــــما صلة العــــــدالة والقانــــــون بما درس من فقه قوية) وفي سنة 1892م اقترن بفتاة تركية من عائلة بغدادية معروفة , وهي الانسة زكية . و في سنة 1896م دعاه السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) الى العاصمة العثمانية بوصفه ابرز شعراء بغداد و فقائها و كانت الزيارة بداية احتكاك الزهاوي بالسياسة العثمانية بشكل مباشر في ضوء ما سبق نستطيع القول, ان الشاعرين قصدا استانبول في ظروف سياسية غاية في التعقيد, حيث الصراع بين انصار الجامعة الاسلامية و خصومها على أشده, فضلا عن المناقشات الحامية التي كانت تدور بين اقطاب التحديث, ودعاة المحافظة على الوضع القائم في الدولة العثمانية. الأول (الزهاوي) استدعي من قبل رأس الهرم في الدولة العثمانية (السلطان) لمساندة مشروعه الانقاذي للمسلمين (الجامعة الاسلامية) و الثاني (الرصافي) استدعاه احد اقطاب التجديد في العاصمة . لنشر افكاره باللغة العربية بين العرب في الدولة العثماني. الزهاوي في استانبول سبق وان نّوهنا , ان الزهاوي استدعي الى استانبول سنة 1896م بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني , و في السنة التالية 1897م , كلف بمهمة رسمية ضمن بعثة ارسلت الى اليمن لمعالجة اوضاعها الثائرة , وقد امضت البعثة عاما كاملا نجحت خلاله من تهدئة الأوضاع في هذا البلد فحصل الزهازي على وسام المجيدي من الدرجة الثالثة, غير أن هذا التكريم لم يمنع الشاعرالزهاوي من مهاجمة سياسة السلطان عبد الحميد الثاني في قصيدته ( حتام تغفل) و ختمها : وايديك ان طالت فلا تغترر بها فأن يد الأيام منهن أطول. فأمر السلطان عبد الحميد باعتقاله ومعه كل من الشاعر التركي صفا بك وعبد الحميد الزهراوي, واللذان كانا يشاركان الزهاوي في التنديد بسياسة السلطان عبد الحميد غير ان مكوثه في السجن لم يدم طويلا, فأطلق سراحه وابعد عن العاصمة العثمانية ليعود الى بغداد ,ثم رجع الى استانبول مرة ثانية بعد انقلاب 1908م فكلف بتدريس الفلسفة الاسلامية في المكتب الملكي, وكما عمل مدرسا للاداب العربية في دار الفنون في العاصمة العثمانية و ألف في هذه الفترة كتاباً باللغة التركية سماه ((حكمة إسلامية درسلري)) أي دروس في الحكمة الاسلامية و كان شاهد عيان لاحداث استانبول بين سنتي 1908-1909 . كما اطلع كما يذكر ذلك بنفسه على كتب مترجمة الى التركية لكتاب غربيين امثال فيكتور هوجو و شكسبير و الكسندر توماس و غيرهم , فضلا على قراءته كتباً تركية كلها في العلوم العصرية الامر الذي ترك اثارا على معظم مؤلفاته التي تناولت (الجاذبية) (والنشوء والارتقاء) وغيرها , ربما اطلع على نتاجات أدباء أتراك معاصرين غير ان تأثير هؤلاء لم يظهر في شعره , مثلما ظهر على شعر الرصافي كما اشرنا سابقا . ربما يكمن تفسير ذلك في انصرافه للبحث في امور اخرى تمثلت بالدفاع عن المرأة , واندفاعه غير المتوازن احيانا في لوى نصوص فقهية لصالح أرائه الشخصية. ومهما يكن من أمر, فقد انتخب الزهاوي سنة 1912 نائبا عن بغداد في مجلس المبعوثان العثماني وكان انتخابه وهو كشاعر و مدرس لمادة ( المجلة) في مدرسة الحقوق , يتوافق خط الاتحاديين في اشراك العناصر المثقفة ببغدادفي السياسة العثمانية كما ان صلته بأقطاب السياسة العثمانية في العاصمة استانبول كلها تقف وراء عضويته في البرلمان العثماني وقد عرفته قاعة المناقشات في البرلمان كنائب جرئ و ناقد لاذع و مهاجم عنيد للافكار التي تطرح للمناقشة و من المفيد ان نشير هنا للاستدلال على جرأته في الطرح دون ان يأبه بموقف المحافظين في المبعوثان العثماني فقد تصدى عند مناقشة ميزانية وزارة الحربية للآراء التي دعت إلى تقليل ميزانية وزارة الحربية و الإبقاء على الأساليب القديمة تقوية الأسطول العثماني فكان صوت الزهاوي الداعي إلى الأخذ بالتقنية العسكرية الحديثة في تجديد الجيش والأسطول, و من جانب اخر نجد الاثر الاجتماعي لاستانبول في سلوك الزهاوي , وقد رافقه الطربوش الاستانبولي طيلة حياته , كما ان بدلته الاستانبولية ظلت ترافقه ايضا , اذ عرف عن كرهه ( للبراوة ) التي كان يتبرم فيها اشد التبرم فأصبحت البدلة العثمانية , مقياسا لكل بدلاته اللاحقة, ووسيلة للتخلص من مشكلة البراوة. والمتفحص لأشعار الزهاوي يلاحظ تاثر الشاعر بنزعة التخلص من قيد القافية في الشعر , وذلك بدعوته الى الاخذ بالشعر المرسل او المنثور اعتقادا منه ان (القافية هي سبب فقدان الشعر القصصي عند العرب و القافية هي سبب قلة الابتكار وتفاهة المعاني و الموضوعات ايضا) الامر الذي اثار عليه انصار الشعر المنظوم, الذين اتهموه بتقليد الغرب , ففتح بذلك لنفسه معركة فكرية استمرت لسنوات كما لصق به الكفر و التمرد على الأفكار الدينية خاصة بعد نشره سنة 1924 قصيدته المعروفة بأسم (الدمع ينطق) قال خصومه عنها ان القصيدة تتنكر لبعض المعتقدات الدينية. السؤال الذي يطرح نفسه , هل اراد الزهاوي في دعوته الشعر المرسل تقليد المدرسة التركية ( مدرسة ثروت فنون) الادبية التي اتهمت انها تخرج على الكلائش الشعرية القديمة و تدعواالى مزج الشعر بالنثر فأذا ما قارنا بين قصيدة الشاعر التركي (توفيق فكرت) و قصيدة الزهاوي نجد ان الاثنين دعيا الى التزام الجانب الانساني في الحياة كما ان الاثنين اتهما بعدم التقيد بالضوابط الكلاسيكية في التعامل مع بعض المعتقدات المتوارثة. الجواب على ذلك السؤال المثار في اعلاه نعم اذ قضى الزهاوي شطرا من حياته وأطلع على نتاج الشعراء الاتراك كما وقف على التيارات الادبية الغربية من خلال الترجمة التركية ربما حاول تقليد انصار مدرسة (ثروت فنون) والترويج لها في بيئة بغداد الادبية . وتأسيسا على ما سبق كله, نستطيع القول, ان استانبول كعاصمة للعلم والمدنية , شكلت مهادا فكريا للنخبة العراقية المثقفة بشكل عام و الشاعرين الزهاوي و الرصافي بشكل خاص فمن خلال تواجدهما في استانبول فقد احتكا بالفكر الغربي والتركي معا و اطلعا على التيارات السياسية العالمية والعثمانية والتي وجدت لها أرضية صلبة في استانبول وأصبحت النخبة العراقية سواء المقيمة في استانبول او القاصدة لها في مهام إدارية او سياسية تحمل معها الأفكار السياسية و تبشر بها في بغداد التي كانت هي الأخرى كمدينة للعلماء و المفكرين ترنو إلى احتضان الأفكار الجديدة و القادمة و هضمها بما يتلاءم مع واقعها التاريخي و ليس أدل على ذلك فان الاتجاه الإصلاحي الاجتماعي , السياسي لم يكن إلا فرزا من إفرازات تلك الأفكار الداعية إلى الفقر والجهل و الفضاء الرحب للحرية في وطن مستقل لا يتماها مع الاحتلال الانكليزي للعراق . الزهاوي و الرصافي و دعوتهما للتحرر الاجتماعي و كسر قيود التي تحول دون تحرر المرأة كانا يمثلان نموذج للنخبة العراقية التي هضمت الثقافة الجديدة القادمة من استانبول و أضفت عليها صبغة عراقية أضحت سمة لازمة للأدب العراقي في العصر الحديث.
*http://almadasupplements.com/news.php?action=view&id=9717
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق