الخميس، 21 أبريل 2011

خيري أمين العمري 1926 – 2003 وكتابة تأريخ العراق المعاصر

خيري أمين العمري 1926 – 2003 وكتابة تأريخ العراق المعاصر



بقلم :  ا.د.إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل






حظي العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وتشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، بنخبة طيبة من المثقفين الذين اهتموا بالتاريخ ، واتخذوا منه وسيلة من وسائل التوعية الوطنية والقومية . وكان من أبرز نتائج هذا التوجه صدور كتابات تاريخية متنوعة تطرقت إلى موضوعات دقيقة ومهمة لم نشهدها في المؤلفات التاريخية السابقة، وكان لتنامي الحركة الوطنية، و وجود تنظيمات سياسية وثقافية وصدور صحف ومجلات اهتمت بالتاريخ وشجعت على نشر الدراسات التاريخية، أثر كبير في ظهور مجموعة من المؤرخين من غير المختصين بالتاريخ وقد أخذت هذه المجموعة على عاتقها إبراز ما تجاهله المؤرخون الغربيون، ولا سيما الانكليز الذين درسوا تاريخ العراق الحديث والمعاصر من منطلقات ومفاهيم استعمارية كان من ابرز أهدافها طمس تراث العرب وغمط نضال العراقيين وإغفال حيويتهم وقدرتهم على البناء ومواجهة التحديات .


لقد تبنى الرواد من هذه المجموعة ، نوعا من المنهج الوطني الذي استهدف إبراز الدور الحضاري للعراق عبر العصور، وتأكيد مبدأ الوحدة والتآلف الاجتماعي، والتعريف بتاريخ العراق وتراثه وربط الأحداث بالشخصيات، ومحاولة الوصول إلى دلالات ومعان تفيد في بناء المجتمع وتسهم في شحذ الهمم وتنمية الثقافة ونشر الوعي الوطني والقومي


حقا إن المؤرخين الذين مثلوا هذه الاتجاهات، من غير العاملين في الجامعات ، أو المتخصصين بالتاريخ، بيد أنهم قدموا دراسات مهمة أثرت البحث التاريخي، إذ لم يلتزموا بالمنهج التاريخي العلمي الذي سار عليه فيما بعد المؤرخون الجامعيون من المتخصصين بالتاريخ، و المعتمد على مسح المصادر الأساسية واستخدامها ومحاولة تحليل المادة العلمية وتفسيرها، فقد اقتصرت كتاباتهم على الجوانب التسجيلية للعملية التاريخية، وافتقدت السياق الفكري الموحد. لكن هذا لا يعني ان ماكتبه ممثلوا هذا الاتجاه يخلو من رؤية متميزة،كما ان الحقائق التي أوردها هؤلاء الرواد تشكل ،بحق، مجموعة قيمة من المعطيات المتعلقة بجوانب واسعة من الموضوعات التاريخية التي دارت حـــول تاريخ العراق ونضاله الوطني والقومي .


إن خيري محمد آمين العمري (1926-2003) صاحب المؤلفات العديدة في تاريخ العراق المعاصر ، واحد من هؤلاء المؤرخين ، فمن هو ؟ وما أهم مؤلفاته ؟ وما أثره في الكتابة التاريخية المعاصرة ؟.


ينتمي خيري العمري الى الأسرة العمرية المعروفة في الموصل ،وقد قدمت من المدينة المنورة في القرن السادس عشر ، واستقرت في الموصل ، وعرفت بأهتمامها بالثقافة والدين والآداب ، وبرز منها مؤرخون وشعراء وسياسيون عديدون . وخيري العمري هو ابن محمد أمين العمري (1889-1946) الذي عرف بمؤلفاته التاريخية والعسكرية وبدوره المهم في تشكيل الجيش العراقي ، حتى انه شغل قبل وفاته في 17 حزيران 1946،منصب رئيس اركان الجيش.


ولد خيري العمري في محلة علي أفندي قرب جامع علي أفندي ببغداد سنة 1926 ، وقد قضى طفولته في الكرادة الشرقية ، حيث كان والده آمرا للكلية العسكرية ، ثم انتقلت أسرته سنة 1933 الى دار إبتنته في شارع الزهاوي ، وهناك دخل المدرسة المامونية وكان من معلميها الذين تأثر بهم رؤوف الخطيب (اللغة العربية) وسعدي خليل (الرياضة) وعطا صبري (الرسم .(


وفي 29 تشرين الأول 1936 وقع انقلاب بكر صدقي ، و أبعد ياسين الهاشمي عن رئاسة الوزراء ، وكان والده قبل الانقلاب معاونا لرئيس أركان الجيش ، وعلى اثر الانقلاب نقل الى الموصل حيث أصبح آمرا لحاميتها . وقد بقي خيري مع والدته وإخوته ببغداد إلى ان حلت العطلة الصيفية ، فذهبوا الى الموصل ، وبعد الحركة المضادة التي قادها والده ضد حكومة حكمت سليمان التي جاء بها انقلاب بكر صدقي ، عاد خيري العمري مع اسرته الى بغداد وقضى المرحلة المتوسطة في المدرسة الغربية ، أما الاعدادية فقد اتمها في المدرسة المركزية.وقد دخل كلية الحقوق وتخرج منها سنة 1950.


وبعد تخرجه عمل لفترة قصيرة في المحاماة ثم عين في مديرية التسوية العامة ، وبعدها انتقل الى المحاكم ، حيث عمل في المحكمة الشرعية الجعفرية ، ثم اصبح محققا عدليا في حاكمية تحقيق الرصافة ، ثم نائب مدعي سنة 1952 ، وانتدب فترة للتدوين القانوني ، عاد بعدها الى الادعاء العام ، وعين مدونا قانونيا سنة 1964 ، وقام بتدريس مادة (اصول المحاكمات الجزائية) في كلية الشرطة ، وبقي في التدوين القانوني حتى سنة 1970 حين عاد الى الادعاء العام وبقي فيه حتى عين حاكما في محكمة البداءة سنة 1973 ، وبعد ايام انتدب للتدوين القانوني محتفظا بصفة الحاكمية ، ثم نقل الى محكمة بداءة بغداد وفيها تعرض الى حالة نزف في الدماغ ، وقد سافر الى القاهرة مرتين للعلاج وكان يعاني من فقدان القدرة على النطق بسبب النزف الى ان وافته المنية سنة2003م .


كان للجو السياسي الذي عاش فيه ، ولكون والده من العسكريين والمؤرخين المعروفين ، اثر كبير في توجهه نحو التأليف التاريخي وولعه بتدوين احداث العراق السياسية ومتابعة سير شخصياته . وقد أشار خيري العمري الى ذلك قائلا : كنت شديد التعلق بوالدي وتجمعني معه هواية قراءة التاريخ وكتابته . وقد اتجه الى قراءة الادب و التاريخ منذ دراسته المتوسطة ، واظهر تفوقا على زملائه في اللغة العربية التي كان يدرسها احمد حامد الشربتي ، كما اعجب بمدرسه احمد عبد الباقي الذي يدرسه التأريخ في المتوسطة الغربية وحين كان طالبا في كلية الحقوق ، قام بتدريس اللغة العربية في كلية بغداد وبدا بنشر المقالات ، وكان اول ما نشر له نقده ديوان (خفقة الطين) ، لصديقه الشاعر بلند الحيدري ، في جريدة الرأي العام (30 تموز 1947) ، كما نشر في جرائد الاخبار و البلاد والشعب والجزيرة الموصلية ، و في بعض الصحف والمجلات العربية مثل جريدة الحياة ومجلة الاديب وكان يتردد على المقهى السوسري ويلتقي بزملائه ، ومنهم جبرا ابراهيم جبرا ، وبلند الحيدري ، واكرم الوتري ،وعدنان رؤوف ، كما كان يذهب الى المقاهي الشعبية التي يجلس فيها الشاعر الزهاوي . وفي سنة 1949 عمل محررا في جريدة صدى الاهالــــي ، لباب : (مطبوعات جديدة) . وقد إستمر بالكتابة في معظم الصحف التي اصدرها الحزب الوطني الديمقراطي ومنها : الاهالي وصوت الاهالي .


لقد اهتم خيري العمري بتقديم نمط من الدراسة التاريخية يعد جديدا في العراق ، ويقوم هذا النمط على ربط الشخصيات بالاحداث التي لها أهمية في تاريخ العراق الحديث ، وهو حين يدرس هذه الشخصيات ، يحاول ان يكون موضوعيا ومحايدا جهد امكانه ، فيذكر ما لها وما عليها دون ان يظهر عليه أي تحيز . ويعد العمري من أبرز المؤرخين الذين اعتمدوا طريقة " المقالات الشخصية " مع الذين لهم صلة بما يكتبه ، وكان يعتمد تقديم اسئلة مكتوبة ، ويطلب من تلك الشخصية الاجابة عنها ، وكثير ما كان يستخدم المذكرات الشخصية غير منشورة لمن يكتب عنه . ومنهج العمري في دراسة بعض الاحداث يستهدف "التوصل الى حقيقة العوامل المؤثرة بها والاساليب التي ادت اليها ، والنتائج التي أسفرت عنها" ، ومنهجه هذا يعتمد الى حد كبير على ثقافة القانون التي تقوم على الادلة والبراهين قبل اصدار الاحكام ، وكتاباته تشبه إلى حد كبير كتابات المستشار طارق البشري عن تاريخ الحركة السياسية المعاصرة في مصر .


ويبدو ان ثمة حافزين رئيسيين كان لهما اثرهما في طريقة كتابته لتاريخ العراق الحديث والمعاصر ، أولهما : انه القى في تموز 1950 محاضرة موضوعها "الاحزاب السياسية في تاريخ العراق الحديث" وقد نشرت في جريدة صدى الاهالي . ويذكر العمري ان المرحوم الاستاذ كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي علق على المحاضرة بعد سماعها قائلا :"ان الاطلاع إلى تاريخ الأحزاب العراقية ذو فائدة للجيل الحاضر ،وان المحاضرة قيمة بالنظر لجهد المحاضر" . وكان الجادرجي يرى : "ان من الضروري توسيع المحاضرة من ناحية التيارات السياسية الحقيقية التي كان لها دورها في تأليف الاحزاب " واضاف : "انه لا يمكن للجيل الحاضر ان يسرد تلك الحقائق الا بالاتصال مباشرة بالاشخاص الذين اطلعوا على الوقائع السابقة ، وكانوا من المساهمين فيها لكي تبدو ملاحظاتهم بصفتهم شهودا احياء لاستكمال تلك الابحاث القيمة المفيدة " وعلى اثر هذا التوجيه بدأ العمري بزيارة السياسيين المخضرميين والمعاصرين للإحداث ، وصار يدون ما يسمعه منهم .


أما الحافز الثاني الذي وجهه لكتابة التاريخ والسير ، فصلته بالصحفي والسياسي روفائـيل بطي ، ويذكر العمري ان بطي شجعه على تقديم احاديث من اذاعة بغداد وكانت تدور حول شخصيات عراقية ، وقد تطورت الفكرة عنده بحيث اصبحت نواة لكتاب بهذا الاسم صدر الجزء الاول منه سنة1955 ، واحتوى الكتاب على ترجمة قلمية لاحدى عشر شخصية عراقية برزت في ادوار مختلفة من تاريخ العراق الحديث، ويشير العمري الى ان الجادرجي كان أول السياسيين الذين واظب على حضور مجلسه، وقد املى الجادرجي على العمري مذكراته التي نشرت فيما بعد بعنوان " أوراق كامل الجادرجي " . كما املى عليه مصطفى العمري مذكراته التي تدور حول تاريخ العراق المعصر من سنة 1921 حتى سنة 1958 وما تزال غير مطبوعة لحد الان . ويذكر العمري ان صلاته كانت قوية بكل من حكمت سليمان وطه الهاشمي ومحمود صبحي الدفتري وجميل امين وفائق السامرائي وتوفيق السويدي وصادق البصام وعلي محمود الشيخ علي وفخري الجميل وقاسم حسن وساطع الحصري ومزاحم الباجه جي ونائل سمحيري ونصرة الفارسي وحسين جميل ، ويحتفظ العمري بالكثير من المعلومات والوثائق حول دور هؤلاء السياسيين ومواقفهم إزاء ما شهده العراق في تاريخه المعاصر .


وفي السنوات الاخيرة اضاف العمري الى اهتماماته بتاريخ العراق الحديث المعاصر ، هواية جديدة هي جمع الوثائق وقصاصات الجرائد والصور والشرائح (السلايدات) لشخصيات معروفة تعد من التراث البغدادي ، كما اصبح هو شخصيا مرجعاُ حياُ يلجا اليه الباحثون وطلبة الدراسات العليا في أي موضوع يتعلق بتأريخ العراق المعاصر أو احدى شخصياته .


اصدر خيري العمري الجزء الأول من كتابه الأول " شخصيات عراقية " سنة 1955 وهو في حدود الثامنة والعشرين من عمره ،فاستقبل استقبالا جميلا وكتبت عنه أكثر من ثلاثين مقالة ، واتفق معظم الذين كتبوا معه انه كان فتحا جديدا في المكتبة التاريخية العراقية.


وفي سنة 1966 اصدر كتابه " حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث " وقد تناول فيه بعض الأحداث البارزة التي وقعت في العراق الحديث وشغلت الرأي العام وإثارت إهتماماته ردحا من الزمن . ومن ابرز هذه الحكايات : ناظم باشا وسارة خاتون وحزب الاتحاد والترقي ، ومعركة السفور والحجاب في العراق ، وكتاب وأزمة ، ومأساة عبد المحسن السعدون ، ويلقى هذا الكتاب اضواء على مشاكل من تاريخ العراق الحديث والمعاصر ، فكل حادث يتطرق اليه الكاتب ، ويعرض جوانبه يعكس دلالة ويبرز مغزى ، فعلى سبيل المثال ان اهتمامه بحادثة العلاقة بين ناظم باشا والي بغداد سنة 1910 والفتاة الارمنية سارة ، يعكس الصراع الحزبي الذي كان دائرا بين حزب الاتحاد والترقي الحاكم آنذاك ، وحزب الحرية والائتلاف المعارض . كما ان دراسته حول العرش العراقي تبرز طبيعة التيارات السياسية والفكرية التي ظهرت في العراق في أعقاب الحرب العالمية الاولى وتنازعات الرأي العام العراقي وسلطات الاحتلال البريطاني .


كما اصدر سنة 1978 كتابه الشهير " يونس السبعاوي سيرة سياسي عصامي " ، وفيه عرض لحياة وجهاد محمد يونس السبعاوي الكاتب والوزير العراقي الذي أسهم إسهاما فاعلا في ثورة مايس 1941 وتأجيج التوجهات القومية العربية في العراق ودفع حياته ثمنا لهذا حيث اعدم من قبل السلطة الملكية ، وفي سنة 1979 نشر كتابه " الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد "، وهو بالأصل مجموعة محاضرات ألقاها في قسم التاريخ بكلية الاداب ، جامعة البصرة في كانون الأول 1977 ، ويعد هذا الموضوع بكرا في تاريخ العراق المعاصر . وقد كشف العمري في هذا الكتاب النقاب عن خلفية كثير من الاحداث السياسية التي كانت صورها الظاهرة للعيان تختلف عن خلفيتها أو صورها الحقيقية التي كانت تختفي وراء الستار . وقد اعتمد في دراسته هذه على بعض الوثائق البريطانية والعراقية بعض المذكرات السياسيين العراقيين سواء المطبوع منها او المخطـوط مما اتيح له الوقوف عليها ، وكذلك على احاديث بعض الرجال الذين كان لهم ادوار في الاحداث ذات الصلة بموضوع الدراسة وعلى رسائل كتبها نوري السعيد خلال سنتي 1936 و 1937 في اعقاب انقلاب بكر صدقي سنة 1936 حين لجأ الى القاهرة ووجه معظمها الى سيدة بغدادية كان لها صالونها الذي يتردد عليه بعض السياسيين و الادباء العراقيين آنذاك .


ولخيري العمري مقالات عديدة نشرها في الصحف والمجلات العراقية والعربية منها على سبيل المثال مقالته " عندما جاء موند الى بغداد " التي نشرها في مجلة الاقلام (البغدادية) (السنة 2 ، الجزء 6 ، شباط 1966) ومقالته " ذكريات عن كامل الجادرجي " (نشرت في مجلة الهلال القاهرية ،السنة 76 ، العدد 4 ، أول ابريل – نيسان 1968) ومقالته عن " كامل الجادرجي في الثلاثينات " ، ونشرت في مجلة دراسات عربية التي تصدر ببيروت ( السنة 6 ، العدد 4 ، شباط 1950) ، ومقالته عن " جريدة الاهالي من 1932 الى 1937 "والمنشورة في مجــلة الاقـلام ( السنة 6 ، الجزء 1 ، تشرين الاول 1969) . وجميع مقالاته تكشف جوانب خفية من تاريخ العراق المعاصر ، لذلك فأن الباحثين يجدون فيها مادة خام لما يكتبونه من دراسات ورسائل جامعية تخص العراق .


إنتقد العمري أولئك المؤرخين الذين ركزوا في كتاباتهم على جمع :" المناهج الوزارية " و "مراسيم تأليف الوزارات " وأغلب الظن انه كان يقصد كتابات المؤرخ عبد الرزاق الحسني مؤلف الكتب الكثيرة في تاريخ العراق السياسي وأبرزها كتابه " تاريخ الوزارات العراقية " وقال ان مثل هذه الدراسات جاءت اقرب إلى " التقويم " المعتمد على الحوليات ، منها الى التاريخ الذي يستهدف التحليل للوصول الى الحقيقة ، ومن هنا فان العمري يرى ان مهمة المؤرخ " لا تقف عند حد الجمع والتدوين ، بل تتجاوزه إلى محاولة استنطاق تلك الوثائق بعد تحقيقها والتثبت من سلامة نصوصها بحيث يلعب المؤرخ دور القاضي ، فياتي بالشهود والرواة ويستجوبهم ويدقق في اقوالهم التي هي بمثابة افادتهم ، وبعد ذلك يقابل تلك الروايات ويعرضها على القاريء بأسلوب سلس واضح .


وفي منهجه في كتاب السير وحياة الشخصيات البارزة ، ابتعد العمري عن الأسلوب الذي ينتهجه بعض كتاب السير من قصر العناية على بيان ميلاد البطل وسنة وفاته والوظائف التي شغلها والمراكز التي تولاها ، واسرته ونسبه واصله ، والتركيز على الجوانب اللامعة والايجابية ، وتحاشي الخوض في الجوانب الداكنة السلبية والتهرب من القضايا الخاصة ، مما يجعل تلك السيرة جافة ، لا تنبض بروح الحياة ولا تصور صاحبها انسانا له (ضعفه) و (قوته) و ( نزواته) و (أهواؤه) ، بل تصوره ملاكا يسمو عن البشر واخطائهم ، ويرتفع عن الآدميين وأهوائهم . " وانما حاول ان يتقرب مما يسمى بـ (الاسلوب الواقعي) في كتابة السيرة ، وهو الاسلوب الذي يقوم على " أساس كشف الحقائق المتعلقة بالحياة (البطل) سواء تلك التي تتعلق بحياته الخاصة ، أو حياته العامة ، خلافا لأسلوب ازجاء الثناء الذي يتحاشى فيه بعض كتاب السير من التطرق الى الحياة الخاصة للعظماء ، وكشف النقاب عنها ، ورفع الاستار عن خفاياها " .


ويرفض العمري مثل تلك النظرة مقررا أنها لم تعد مقبولة ، لانه أصبح من الصعب رسم خطوط فاصلة بين ما هو خاص وما هو عام ، ويضيف : " انه اذا كانت تلك الخطوط تبدو واضحة المعالم قبل عصر التحليل النفسي ، فأنها لم تعد كذلك في ظل هذا العصر ، اذ اصبح كل شيء عن حياة البطل يتصل بأعماله من قريب أو بعيد ، يمكن الاستعانة به لفهم مواقفه ولمعرفة تصرفاته وتقويم أدواره .


واذا اردنا ان نجد معيارا رئيسا لتقويمنا أعمال خيري العمري الخاصة بالسير والتراجم ، فسوف لا نجد الا معيارا واحدا وهو مدى اقترابه ، وهو يؤرخ سير بعض الشخصيات العراقية ، من الهدف التربوي والتثقيفي الذي ننشده عندما نقدم ما أنجزه العمري في هذا المجال الى القراء .


والحق ان العمري نجح نجاحا جيدا وهذا ليس بغريب عليه ، وهو الذي قدم " شخصيات عراقية " و " حكايات سياسية " و " يونس السبعاوي " و " كامل الجادرجي " و " ياسين الهاشمي " وغيرهم . وتكشف كتاباته عن ان العمري ، فضلا عن كونه مؤرخا دؤوبا على العمل بصمت ، يتمتع بأمرين مهمين ، أولهما : ثقافة تاريخية وقانونية واسعة يرفدها جهد علمي جاد ومتميز . وثانيهما : معرفة دقيقة بفن السير والتراجم . ومن هنا يعد العمري من أوائل الذين أولعوا بتاريخ العراق المعاصر ، وفطنوا إلى أهمية تدوينه ، ووجهوا عنايتهم إلى معالجة موضوعاته بدقة وأمانة .


توفي خيري العمري ، رحمه الله ، في اليوم الثلاثين من كانون الاول سنة 2003 وترك بيننا إنتاجا غزيرا يذكرنا به .













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق