محمد حسنين هيكل الكاتب والصحفي الوفي لجمال عبد الناصر وحامل أسراره
ما إن طُلب مني أن أكتب عن الأستاذ هيكل حتى تداعت في مخيلتي ذكريات متدافعة حميمة.. فقد وعيت عليه، منذ كنت طفلة صغيرة، قريبا من والدي تربطه به علاقة من نوع خاص؛ عمل وصداقة في الوقت ذاته، فكثيرا ما كنت أدخل على والدي في حجرة نومه أو في مكتبه فأفهم أن »هيكل« كما كان يناديه على خط التليفون. وقد كانت حواراتهما ممتعة فهو وإن كان مصدرا أمينا للأخبار السياسية والاجتماعية الا أن تعليقاته اللماحة واللاذعة أحيانا كانت مثار أحاديث كثيرة في أسرتنا. ولقد تعودنا على مكالمات الأستاذ هيكل التليفونية في أوقات غير عادية لينقل الى والدي خبرا هاما او يستطلع رأيه في مسألة عاجلة، فكم من مرة توقف عرض الفيلم في منزلنا لأن ورقة دخلت الى والدي تنبئه بأن الأستاذ هيكل يريد الاتصال به فورا، وكم من مرة تركنا والدي في حديقة منزلنا لكي يرد على مكالماته الطويلة.. لقد كان الأستاذ هيكل يتحاور مع والدي في موضوعات شتى، وأحيانا يدعم أحاديثه بأبيات من الشعر.. وأتذكر أنني دخلت يوما على والدي في حجرة نومه فوجدته على الخط مع الأستاذ هيكل، وكان يضحك عاليا ثم علمت أنه كان يتلو عليه أبياتا من شعر كامل الشناوي دونها والدي أمامي كما هي موضحة بخط يده في الورقة المرفقة تعليقا على تعيينات في مستويات عليا في السلطة تقول: دعمتها بالواهنين وصنتها بالضائعين لكي تطيل بقاءها إن كان هذا للبقاء فيا ترى ما كنت تفعل لو أردت فناءها أما زيارات الأستاذ هيكل الى والدي فقد كانت زيارات عمل بالدرجة الأولى في مكتبه او في حجرة صالون منزلنا، وكنا نعرف على الفور أنه موجود عندما يمتلئ مدخل المنزل برائحة السيجار الذي كان يدخنه باستمرار.. والتي ما زالت حتى اليوم تأخذني بعيدا الى منشية البكري وتلك الأيام الجميلة. وكانت أول مرة تعرفت فيها عن قرب إلى الأستاذ هيكل ورفيقة حياته السيدة الرقيقة هدايت كانت عندما رافقانا في رحلة رسمية الى يوغوسلافيا على اليخت »الحرية« في يوليو سنة 1958، وأعترف بأنني في تلك الرحلة أعجبت بالدرجة الأولى بهدايت، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت لها منزلة خاصة عندي. أما الاستاذ هيكل الكاتب والصحافي فقد بدأت أتابع مقاله الاسبوعي »بصراحة« في جريدة »الأهرام« منذ كنت طالبة في المرحلة الثانوية وفي الجامعة، خاصة أنني اخترت دراسة العلوم السياسية، وكانت مناقشات والدي مع الأستاذ هيكل حول هذه المقالات او حول الموضوعات التي كانت تثيرها مثار جذب لي.. وخاصة تلك التي كانت تنتقد النظام او تتناول ظواهر سلبية في المجتمع المصري آنذاك. وقد أتاحت لي الظروف أن أقترب أكثر من الأستاذ هيكل بعد رحيل والدي وقراري الفوري بترك عملي في رئاسة الجمهورية، فقد عرض علي الأستاذ هيكل العمل في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في »الأهرام« لأكون مسؤولة عن قسم يوثق للحقبة الناصرية. ومنذ استقلت من »الأهرام« في فبراير 1974 عندما تولى علي أمين رئاسة التحرير وحتى الآن استمرت علاقتي الوثيقة مع الأستاذ هيكل وهدايت نتشارك في الأيام العصيبة، ومناسبات النجاح والأفراح؛ فلن أنسى مطلقا موقفه معنا في الفترة القاسية بعد رحيل والدي.. وأولها حين اكتشفت بعد أيام عدة سرقة خزنته التي كانت موجودة في حجرة مكتبه، ولن تمحي من ذاكرتي مطلقا مساندته لنا طوال فترة الردة الساداتية بعد حرب أكتوبر 1973؛ عندما أصبحنا مستباحين نتعرض لحملات مكثفة من الهجوم الشرس استهدفت اغتيال شخصية جمال عبد الناصر في وجدان الشعب العربي واستخدمت فيها جميع الوسائل المتدنية وغير الأخلاقية، وكثيرا ما لجأت الى الأستاذ هيكل والدموع في عيني أطلب التفسير او المساندة.. لقد كان الأستاذ هيكل دائما يطمئنني، فبحكم خبرته وقراءته المتعمقة للتاريخ كنت دائما أجده واثقا من أن تلك الحملات لن تثمر، وكان يحثني دائما على الصبر الذي كان عسيرا في تلك الأيام السوداء مؤكدا على البعد الزمني الذي من شأنه أن يضع التجربة الناصرية في مكانها الصحيح في التاريخ. ولن أنسى أبدا وقع كلماته وتحليلاته علي وعلى والدتي التي عانت كثيرا طوال عشرين عاما عاشتها في نار، بسبب مناورات الهجوم الاعلامي على والدي التي كانت تطلع علينا بين فترة وأخرى بافتراء جديد يستغرق وقتا حتى تكذبه الوقائع والشهادات التاريخية من المخلصين الذين عاصروا تلك الفترة المجيدة من تاريخ مصر والأمة العربية. وكثيرا ما حمدت الله أن مد في عمر الأستاذ هيكل حتى يُتم مهمة كان والدي يتحدث عنها؛ وهي تسجيل تفاصيل تلك المرحلة، فقد كان يقول لي عندما أسأله عن كتابة مذكراته خاصة بعد أن كبرت وشغلتني الأحداث السياسية: »ليس لدي وقت للكتابة.. هيكل سيتولى ذلك«. وخلال أكثر من 33 عاما منذ يوم الرحيل الحزين في 28 سبتمبر 1970 امتلأت بها مواقف عدم الوفاء بل الخيانة وخيبة الأمل من جانب الكثيرين ممن عملوا مع والدي، استمر الأستاذ هيكل ثابتا على المبدأ.. لم يتغير بل ظل على عهده وذلك برغم مساحة الاختلاف مع جمال عبد الناصر التي عرضها في كتبه ومقالاته. وإني أعترف بأن موقف الأستاذ هيكل هذا قد ساعدني على الحفاظ على توازني خلال تلك السنوات العصيبة التي استنفدت أجمل سنوات عمري في قلق وغضب وثورة وإحساس بالعجز طالما حاولت ترويض نفسي على تحملها بلا فائدة. ولعل ذلك كله هو ما دفعني الى الاهتمام بتوثيق حياة والدي فقضيت سنوات طوالا أعد نفسي حتى أكون علميا على مستوى تلك المسؤولية الكبرى. فلقد بدأت على الفور الدراسات العليا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم حصلت على الماجستير والدكتوراه، واخترت موضوعات تؤهلني لهذه المهمة العسيرة وتشبع في الوقت نفسه فضولي العلمي؛ الأول كان عن »الديموقراطية الليبرالية« التي طالما تشدق بها السادات، والثاني عن »الحركة الوطنية قبل ثورة 23 يوليو«، لأتمكن من دراسة دقائق الحياة السياسية لرجال »العهد البائد« الذين فتح لهم السادات أحضانه مع سياسة »الانفتاح« التي سبقت تنازلاته في كامب ديفيد. وعندما بدأت مهمة التوثيق كان أول أمر فكرت فيه هو جمع مقالات »بصراحة« للأستاذ هيكل وطبعها على اسطوانات ليزرية ليتاح للشباب أن يطلع على ذلك التسجيل الأمين لفترة صُرفت الملايين من أجل تشويهها، خاصة أن مقالات الأستاذ هيكل كانت قد توقفت عن الوصول للقارئ المصري بعد أن أقاله السادات من »الأهرام« في فبراير 1974، واقتصرت معرفة الجيل الجديد به من خلال سلسلة من الكتب الموثقة. ولكم تمتعت بإعادة قراءة هذه المقالات بعد أكثر من ثلاثين عاما من كتابتها، وكانت سعادتي أكثر عندما كان طلبتي في كلية الاقتصاد يناقشونني فيها معربين عن دهشتهم من ذلك المستوى الصحافي الراقي، الذي لم تعرفه أجيالهم. فقد أدرك هذا الشباب الواعي حقيقة الهجوم الذي تعرض له الأستاذ هيكل خلال ما يقرب من الثلاثين عاما، والذي تواكب مع التقارب من الصهاينة والإذعان لعقد السلام معهم وهم ما زالوا يحتلون أرضا عربية، بل لقد وصل الأمر الى حد اتهامه »بالصحافي الأوحد«، وبأنه استغل قربه من جمال عبد الناصر ليحارب الصحافيين الآخرين! لقد أثبتت الأيام عكس كل ذلك، ومن خلال عملي في »الأهرام« في فترتين من حياتي.. الأولى مع الأستاذ هيكل من أكتوبر 1970 وحتى فبراير 1974، والثانية حينما دعيت لإنشاء وحدة دراسات الثورة المصرية في سبتمبر 1996 وحتى استقالتي في يوليو 2002، خبرت بنفسي الفارق الكبير بين الفترتين.. لقد نجح الأستاذ هيكل في جعل »الأهرام« مدرسة للصحافيين الشباب تخرج منها العديد من الرئاسات الصحافية الحالية، التي وإن غير بعضهم توجهاته من أجل مصالح مادية إلا انهم ما زالوا يتمتعون بالكفاءة المهنية. وقد ذهب طموح الأستاذ هيكل الى أبعد من ذلك فقد جعل من »الأهرام« أكبر تجمع حضاري للأدباء والكتّاب والشعراء والفنانين؛ مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ولويس عوض ومحمود درويش وعائشة عبد الرحمن وصلاح طاهر، وقد أضفى هؤلاء وغيرهم مناخا ثقافيا أبعد تأثيرا من المقالات التي كانوا يسطرونها في جريدة »الأهرام«. وأهم من ذلك كله فلقد خلق الأستاذ هيكل في مؤسسة »الأهرام« إحساسا بالانتماء ورغبة في الارتقاء المستمر بالعمل الصحافي وبالدور الثقافي لتلك المؤسسة العريقة، وهو ما غاب عنها حاليا. وأختم حديثي عن الأستاذ هيكل بأن أقدم للقارئ خطابا منه لم ينشر من قبل، وجدته بين أوراق والدي، كان قد أرسله له من نيويورك قبيل زيارة الرئيس جمال عبد الناصر لها في سبتمبر 1960 لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق