الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

ذكريات الاستاذ سامي مهدي (56) خبير بريدي رغماً عنه

ذكريات الاستاذ سامي مهدي  (56) خبير بريدي رغماً عنه :
********************************************
ما سأسرده هنا ليس من ذكرياتي الأدبية ، ولكنه من ذكريات مرحلة انتقالية على مستوى حياتي الشخصية أحببت تسجيلها .
بعد شهر أو أقل من إنقلاب 18 تشرين الثاني 1963 فصلني اللواء الركن عبد الكريم فرحان وزير الإرشاد في حكومة الإنقلاب من عملي في جريدة الجماهير . وبقيت أبحث عن عمل آخر مدة عام أو أكثر . ورغم أنني وجدت أكثر من فرصة عمل ، منها فرصة في مصرف الرافدين ، كانت معاملتي تصطدم برفض متكرر من الجهات الأمنية . حتى جاء يوم وجدت فيه وظيفة في المديرية العامة للبريد والبرق والهاتف بوساطة خاصة ، ولكن المعاملة توقفت مرة أخرى عند تلك الجهات ، ولما استعنت بوساطة أخرى من داخلها ، فوجئت بأن الموافقة على تعييني مرهونة هذه المرة بمقابلة مدير الأمن العام شخصياً ، وأبلغت بموعد محدد لإجراء هذه المقابلة .
كان عمري يومئذ ثلاثة وعشرين عاماً ، وكان مدير الأمن العام العقيد رشيد محسن ، وهو من ضباط الإنقلاب ، فتهيبت ، بل خفت ، فالرجل موصوف بالتشدد ، ورحت أتساءل : ماذا يريد مني هذا المدير العام حتى يصر على مقابلتي ؟ هل المقابلة فخ لإلقاء القبض علي ، أم أن الرجل يريد أن ينتزع مني معلومات ، أو يطالبني بتقديم براءة على الطريقة التقليدية ؟ بقيت أقلب الأمر على وجوهه واحتمالاته حتى اتخذت القرار . قررت أن أجري هذه المقابلة رغم كل الإحتمالات ، فقد كانت بي حاجة ماسة للعمل ، كنت رب عائلة ، وكانت هذه العائلة تنتظر مولوداً في ظروف مادية شديدة الصعوبة ، فقلت لنفسي : سأذهب وليكن ما يكون !
وذهبت في الموعد المحدد ، وبعد انتظار قليل أدخلني السكرتير على المدير العام وهو يحمل إضبارة ضخمة . عرفت أنها إضبارتي فتعجّبت من نفسي ، وكاد دمي يتيبس في عروقي . ولكنني لم ألبث أن استعدت رباطة جأشي رغم تجهم وجه المدير العام وحدة نظراته . اكتشفت أنه لا يملك ما يحاسبني عليه سوى عملي في الجريدة إن كان هذا العمل يستوجب الحساب . سألني أسئلة كثيرة ، عن أشخاص وجماعات ، وعن أحداث ومواقف ، فلم يحظ مني بشيء ، كنت حاضر البديهة ، متوثباً للرد على أسئلته ، فأنكرت حتى ما كنت أعرفه . ثم راح يستل من الإضبارة تقارير مخبرين سريين وأخذ يقرأ علي فقرات عجيبة منها ، فكذبت بالمنطق كل ما جاء عني فيها ، حتى أسقط في يديه ، وقال لي بغضب ( إمشي ، ولّي من كدّامي ، أنت مثل البزون منين ما أذبّك توكع على رجليك ! ) وكتب على معاملتي ( لا نوافق ! ) ودفع بالإضبارة إلى السكرتير .
وعندئذ تجرأت فقلت له ( هناك عائلتان تنتظران نتيجة هذه المقابلة ، وها أنت تخيب أمل العائلتين رغم أنني لم أفعل شيئاً ألام عليه ! إسمح لي أن أسالك : ماذا تنتظر مني الآن أن أفعل بعد خروجي من هنا ؟ بصراحة ، ستتلقفني مقاهي الكرخ ، مثل أي غاضب رافض ، وأنت أعلم مني بمقاهي الكرخ وما يدور فيها ) . فبهت الرجل ، وانتبه كما لو أنني ذكّرته بشيء فات عليه ، فحدجني بنظرة طويلة متأملة ، ثم مد يده يستعيد الإضبارة من السكرتير، وشطب ما كان كتبه على المعاملة ، وكتب بدله ( موافق ! ) . وكان منطقياً مع نفسه في اتخاذه هذا الإجراء . ولكنه هددني بالويل والثبور إن جاءه شيء عني بعد اليوم . ويذلك انتهت الأزمة ، وحصلت على أول وظيفة رسمية في حياتي .
نسبتني المديرية العامة للبريد والبرق والهاتف بعنوان ( مدقق ) إلى مديرية بريد بغداد المركزي . وفي اليوم الأول من أيام العمل استدعاني مدير البريد ، وهو رجل كبير السن طيب القلب ، فأخبرني بصراحة بأن المعلومات الواردة عني تصفني بأنني ( خطير ! ) رغم أنني كنت لا أعرف أين تكمن خطورتي على العمل البريدي ، وأبلغني بأنني سأنسب مدة شهر واحد لكل قسم من أقسام المديرية بغية تدريبي ، وأن أول قسم سأنسب إليه هو قسم ( التفريق ) .
والتفريق قسم معني بتلقي الرسائل البريدية العادية في أحواض خشبية كبيرة ، وتفريقها حسب عنواناتها في ( خانات ) ضمن رفوف خشبية مثبتة على جدران الغرفة المخصصة للقسم ، لترزم محتوبات كل ( خانة ) في ما بعد وترسل إلى الجهات المرسلة إليها . وكان القائمون بهذا العمل يدعون ( المفرقين ) فصرت واحداً منهم . وكل ما كنت أقوم به من عمل ، طوال وقت الدوام ، هو تفريق الرسائل ووضعها في الخانات المخصصة لها .
بعد دقائق من مباشرتي العمل في يومي الأول جاءني رجل كهل ، داكن اللون ، طويل القامة ، نحيفها ، يضع على رأسه سدارة فيصلية ، فسلم علي وصافحني وكأننا تعارفنا منذ زمن طويل ، وقال لي بلطف : أنا عمّك الحجّي ، فرحبت به ، ثم جلس على كرسي بلا مساند ( ستول ) كان قريباً مني ، وطلب أن أضيّفه بشاي ، فضيّفته وأنا أفكر في ما يريده مني وأرى زملائي المفرقين ينظرون إلينا وهم يتهامسون ويتبسمون . ثم سألني بعض الأسئلة الإعتيادية فأجبته بتحفظ ، وبعد أن شرب الشاي شكرني وذهب ، وبعد ذهابه أخبرني زملائي المفرقون بأن ( عمّي الحجّي ) هو ( عريف أمن الدائرة ) فأدركت من ساعتها أنني مراقب ، وصار ( عمّي الحجّي ) يحل ضيفاً علي صباح كل يوم ، ولكنه ، والحق يقال ، كان كثير التهذيب ، يؤدي واجبه دون أن يزعج أحداً أو يؤذيه ، فلم أتثاقل منه .
بعد شهر من عملي في قسم التفريق نسبت إلى قسم آخر هو ( قسم المسجلات الداخلية ) وهو معني بالرسائل المسجلة التي ترسل داخل العراق ، ثم نقلت بعدئذ إلى قسم المسجلات الخارجية ، وهو معني بالرسائل المسجلة المرسلة من داخل العراق إلى خارجه ومن خارجه إلى داخله ، ثم نقلت من هذا القسم إلى قسم التوفير ومكثت فيه نحو عامين . ورغم أن العمل في هذا القسم كان أفضل من غيره ، ولكنني عانيت منه ما عانيت . فالعمل فيه هو إيداع المبالغ وسحبها ، وحدث أن سهوت وأخطأت عدة مرات في دفع المبالغ المسحوبة ، فدفعت لبعض المودعين أكثر من المبالغ التي أرادوا سحبها ، وكان علي إما أن أغرّم الفرق بين المبلغين وهو كبير عادة ، أو أن أكتشف مع من أخطأت من الساحبين لأسترد منه هذا الفرق ، وكانت هذه عملية مبهضة للنفس ومضنية رغم أنني اجتزتها كلها بنجاح .
كنت ما أزال أعمل في قسم التوفير حين أحيل مدير الدائرة على التقاعد لبلوغه السن القانونية ، وجاءنا مدير جديد أفتى منه وأوسع أفقاً ، وكان هذا المدير من قراء جريدة صوت العرب فاكتشف أنني من محرريها ، وصار يقرأ ما أكتبه ويعجب به ، فاستدعاني ذات يوم وأبلغني بأنه يريد نقلي إلى قسم ( التحريرات ) لتطوير العمل فيه فرحبت ، لأنه كان في نظري ونظر بقية العاملين أفضل الأقسام .
كان هذا القسم معنياً بمراسلات المديرية مع المديرية العامة ، والتحقيق في شكاوى المواطنين ذات العلاقة بعمل الدائرة ( فهو قسم : كتابنا وكتابكم ) . وكان يرأس القسم رجل مسيحي كبير السن ، رفيع الخلق ، اهتم بي ورعاني ، وخاصة حين اكتشف قدرتي على الكتابة بلغة سليمة وموجزة ودقيقة في التعبير عن المراد ، وهي لغة أفضل من لغته هو نفسه باعترافه . وبعد عام من العمل معه بلغ هو الآخر السن القانونية للتقاعد فرشحني لأعقبه في رئاسة القسم رغم وجود من هم أقدم مني ، وكان هذا ما يدور في خلد المدير ، فعينت بعده رئيساً لقسم التحريرات .
العمل البريدي عمل بسيط جداً ، وكانت الأغلبية العظمى من العاملين فيه من صغار الموظفين والمستخدمين ، من خريجي الدراستين الإيتدائية والمتوسطة ، وكان خريجو الدراسة الثانوية قليلي العدد ، ومنهم اختير رؤساء الأقسام ، أما الجامعيون فكانوا لا يزيدون عن ثلاثة أو أربعة وكنت واحداً منهم .
كان العمل في البريد من البساطة بحيث أصبحت خبيراً به وبتفاصيله خلال ثلاث سنوات ، رغماً عني . ولكنني قضيت فيه نحو خمس سنوات دون ضجر . وفي أواخر عام 1969 استدعاني وزير الإعلام ، يومئذ ، المرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي ، وعرض علي نقل خدماتي إلى وزارة الإعلام فرحبت ، وتمت معاملة نقل خدماتي في مطلع عام 1970 ، وكان أول عمل كلفت به في هذه الوزارة رئاسة تحرير مجلة ( المثقف العربي ) . وعمل معي في هذه المجلة كل من الشاعر المرحوم عبد الأمير معلة والناقد المرحوم محمد مبارك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خزانة الدكتور ابراهيم خليل العلاف في المكتبة المركزية العامة -نينوى

  خزانة الدكتور ابراهيم خليل العلاف في المكتبة المركزية العامة -نينوى تم وبأشراف الاخ والصديق العزيز الاستاذ جمال محمود العبد ربه مدير الم...