الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

سفرة ملبدة بالمفارقات والصدمات ...ذكريات (42) بقلم :الاستاذ سامي مهدي

ذكريات (42)
بقلم :الاستاذ سامي مهدي

سفرة ملبدة بالمفارقات والصدمات

حطت بي الطائرة في جاكارتا بعد ثلاث ليال قضيتها في طهران ، ووجدت في المطار دون عناء من يستقبلون المدعوين إلى دورة ( الجانيفو ) الرياضية ، فنقلوني في سيارة خاصة إلى فندق في قلب المدينة خصص لإقامة الصحفيين
كان الرئيس أحمد سوكارنو الذي قاد إندونيسيا نحو الإستقلال والتحرر من ربقة الإستعمار الهولندي ما يزال رئيساً للبلاد ، وكنا في أول المساء ، وما إن أودعتحقيبتي في غرفتي في الفندق حتى دعيت لحضور حفل افتتاح الدورة .
جرى الإفتتاح في مسرح كبير يعج بالمدعوين . كان أدلاء الحفل طلبة جامعيين من الجنسين ، وكان الحفل صاخباً ، لا يعرف أوله من آخره ، ولكنه بهيج رغم صخبه ، إلاّ أنني لم أستمتع فيه كما ينبغي لأنني كنت متعباً من السفر الطويل ما بين طهران وجاكرتا . وحين انتهى الحفل آويت إلى غرفتي ونمت حتى الصباح الباكر
وما أن أطللت في ذلك الصباح على الطريق من نافذة الغرفة حتى رأيت حشداً كبيراً من البشر ، يمتد على مدى النظر ، ينامون على الأرصفة صفوفاً ، بعضهم جنب بعض ، فكان منظراً غريباً لم أشهد مثيلاً له في أي مكان زرته من العالم . ولما سألت عنهم في ما بعد قيل لي : إنهم فلاحون فقراء قصدوا المدينة من القرى المجاورة لبيع منتجاتهم المتواضعة .
نزلت من غرفتي وذهبت إلى المطعم فوجدت مائدة كبيرة تتصدره وقد جلس حولها عدد من الصحفيين دلّ لغطهم وصخبهم على أنهم عرب ، فلما رآني بعضهم أقلّب نظري في الأرجاء عرفوا أنني من بني قومهم فدعوني إلى مائدتهم وأفسحوا لي مكاناً بينهم فحييتهم وعرّفتهم بنفسي وجلست ، وصرت أجلس معهم في أغلب الوجبات .
لم يكن ثمة قائمة بما يقدم المطعم من وجبات ، بل طعام نمطي رديء ، وندل يسألك في كل وجبة السؤال نفسه وبلغة شديدة التقشف :Eurpien or Chinese ؟ فيضعك فوراً بين خيارين لا ثالث لهما : إما وجبة أوربية أو وجبة صينية . وقد كنا نطلب وجبة أوربية في كل مرة ، لأننا لا علم لنا بالطعام الصيني . غير أن صحفياً سورياً قال ذات مرة : دعونا نجرب الطعام الصيني يا جماعة ، فوافقه أغلبنا . ولما جيء بالطعام الصيني ، وكان مرقاً أصفر بلون الكركم ، سأل أحدهم الندل : ما هذا ؟ فأجاب بلغته المتقشفة وبابتسامة عريضة Snakes فكف الجميع عن الأكل ، ولم يكن أي منا مستعداً لتذوق مرق الأفاعي وازدرادها ، ثم طلبنا تغيير الوجبة ، ولكنها لم تغير إلا بشق الأنفس .
تقع جاكارتا في جزيرة جاوة ، وكانت يوم زرتها أشبه ببلدة ريفية كبيرة ، لولا بعض المباني الحديثة التي أنشيء أغلبها في العهد الإستعماري . أما اليوم فهي مدينة كبيرة مزدهرة يقرب عدد سكانها من عشرة ملايين نسمة
تابعت فريقنا في الألعاب التي شارك فيها ، وكانت نتائجه جيدة نسبياً ، ولكنني لم أستطع إيصال ما كتبته عنه لانعدام وسائل الإتصال المناسبة ، بما في ذلك الهاتف .
كان يمثل العراق في جاكارتا يومئذ قائم بالأعمال ، فدعاني بعد أربعة أيام من وصولي إلى غداء وحدي مع بعض موظفيه . ولم أفطن إلى سبب هذه الدعوة ( الفردية ) إلا في ما بعد . كان يلف ويدور في الحديث ويسألني بعض الأسئلة عن الأوضاع في العراق وأنا أجيبه عنها بكل براءة . إلى أن سألني سؤالاً مباشراً : ماذا يجري الآن في بغداد ؟! فقلت له : لا أدري ، هل بلغك أنت شيء لا أعرفه ؟! فقال هناك أخبار تتحدث عن محاولة انقلابية فاشلة ، ولم يزد . فقلت له لا أدري لأنني لم أستمع إلى الإذاعات أو أقرأ الصحف منذ غادرت بغداد . فسكت الرجل وسكتّ ، ولكن ما قاله أقلقني كثيراً .
حين عدت إلى الفندق صادفت الصحفي السوري فسألني السؤال نفسه وأكد ما قاله القائم بالأعمال فازداد قلقي ، واحتجبت في غرفتي أبحث في راديو موجود فيها عن نشرة إخبارية تشفي غليلي دون جدوى . وأخيراً ، وعند الفجر ، عثرت على موجز إخباري باللغة الإنكليزية لم ألتقط منه سوى عبارة تقول : A curfew in Baghdad منع تجول في بغداد . وبذلك تضاعف قلقي ولم أنم ما تبقى من الليل .
وبعد الفطور مباشرة أبلغت زميلي السوري بأنني سأعود إلى بغداد في أول طائرة أحظى بها ، فنصحني بالتريث ريثما تنجلي الأمور ، ولكنني لم أقتنع بنصيحته ، وخرجت من الفندق قاصداً مكتب شركة ( بان أمريكان ) القريب منه وحجزت مقعداً لي في طائرة تغادر جاكرتا في منتصف ليل ذلك اليوم . ثم أبلغت رئيس وفدنا الرياضي والقائم بالأعمال في السفارة بنيتي . وحين اقترب موعد المغادرة جاءني موظف من السفارة ( إسمه إسماعيل ) ونقلني إلى المطار ، وكلفني بإيصال صندوق كارتوني مغلق وكبير نسبياً إلى أهله في بغداد ، بعد أن كتب عنوانهم ورقم هاتفهم على الصندوق نفسه ، وقال لي إن في الصندوق بعض الألبسة .
حطت بي الطائرة في مدينة بانكوك ضحى اليوم التالي ونقلت إلى فندق حللت فيه على نفقة شركة الطيران . وما أن دخلت غرفتي في هذا الفندق حتى نمت بملابسي ، ولم أصح إلا قبل الثالثة بعد الظهر بقليل . كنت أحس بالجوع فنزلت إلى مطعم الفندق ، فوجدته موشكاً على الإغلاق . رجوت الندل أن يأتيني بوجبة طعام لأنني لا أعرف المدينة ومطاعمها ، فاستجاب وقدم لي قائمة طعام لم أفهم منها شيئاً ، ولكن نظري وقع على وجبة فيها رز فطلبتها ، وإذا بها صحن رز وصحن مرق أحمر ، ولأنني مررت بتجربة صحن الأفاعي في جاكارتا خطر لي أن أسأله عن ماهية اللحم الذي وجدته في صحن المرق فقال بابتهاج : إنه لحم ثعلب فتركت الطعام قبل أن أتذوقه وخرجت من المطعم دون أن أكترث لاستغرابه وانزعاجه .
بحثت عن مطعم في الشوارع القريبة فلم أجد سوى دكان واسع تفوح منه روائح الأطعمة ، وضعت في مدخله لافتة صغيرة كتب عليها باللغة الإنكليزية : للمسلمين فقط . وما إن هممت بالدخول حتى استقبلتني وجوه غاضبة وعيون تقدح شرراً ، كانت وجوهاً هندية أو باكستانية ، فتراجعت متهيّباً وعدلت عن الدخول وعدت إلى التجوال في المدينة ، وبقيت جائعاً حتى ركبت عند منتصف الليل طائرة أخرى حطت بي في مطار بومباي للتزود بالوقود ، وبعدها أقلتني إلى مطار طهران ، ومن هناك ركبت طائرة أخرى حملتني إلى بغداد .
وصلت بغداد عند الغروب ، كان كل شيء يبدو معتاداً في المطار ، ولكنني لم أعثر على الصندوق الذي أرسله معي صاحبي ( إسماعيل ) إلى أهله بين حقائب ركاب الطائرة ، فبقيت حائراً لا أعرف ماذا أفعل حتى نصحني مسافر آخر بإخبار سلطات المطار ، ففعلت ، فزودني أحد الموظفين باستمارة وطلب مني إملاءها ومراجعة مكتب ( بان أميركان ) بشأن التعويض عن قيمة محتويات الصندوق إذا ما ثبت فقدانه .
كان ذلك مساء يوم 15 تشرين الثاني 1963 ، وحين وصلت البيت فهمت أن محاولة إنقلابية فاشلة وقعت قبل يومين ، وفي يوم 18 تشرين الثاني ، أي بعد ثلاثة أيام من عودتي ، حدث انقلاب عسكري آخر ، وفصلني الإنقلابيون من عملي بعد أيام !
راجعت مكتب ( بان أميركان ) بعد يومين من وصولي بغداد وشرحت للموظف المختص فيه التفاصيل المتعلقة بالصندوق المفقود ، فأخبرني بأنه فقد حتماً في محطة من محطات هذه السفرة الطويلة ، ورجّح فقدانه في مطار بانكوك ، ثم طلب مني مراجعته بعد أسبوعين ريثما تجرى الإتصالات . وراجعته بعد أسبوعين فأخبرني بأن الشركة لم تجد أثراً للصندوق في المطارات ، وطلب مني معلومات عن محتوياته وقيمتها لكي أعوّض . ولما أخبرته بأنني لا أعرف المحتويات ولا قيمتها ، رد علي بلهجة حاسمة مترفعة : إذن يستحيل التعويض !
وهكذا ضاع الصندوق ، وفات التعويض ، وتعذر علي الإتصال بأهل إسماعيل لجهلي بعنوانهم ، ولم أرَ إسماعيل نفسه بعد ذلك أبداً ، وذهبت سدى محاولات الإتصال به عن طريق وزارة الخارجية ، وبقي الصندوق وما فيه عالقاً بذمتي ، وبقيت أشعر بالحرج والخجل ، حتى اليوم !
كانت سفرة ملبّدة بالمفارقات والصدمات ، ولكنها حافلة بالدروس .
Top of Form


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاحزاب السياسية في العراق ودورها في التعليم منذ الاحتلال 1914 حتى 1968 أي المصادر والمراجع تُعتمد ؟!

  الاحزاب السياسية في العراق ودورها في التعليم منذ الاحتلال 1914 حتى 1968 أي المصادر والمراجع تُعتمد ؟ ! ا.د.ابراهيم خليل العلاف استاذ التار...