الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

يوم كانت برلين برلينين .........ذكريات (45) بقلم :الاستاذ سامي مهدي

يوم كانت برلين برلينين .........ذكريات (45)
بقلم :الاستاذ سامي مهدي
عام 1976 قام وفد ثقافي عراقي بزيارة جمهورية ألمانيا الديمقراطية بناء على بند من بنود اتفاقية التعاون الثقافي المعقودة بين البلدين . وكان الوفد يتألف من كل من : الشاعر محمد جميل شلش مدير الثقافة العام في الوزارة ، والروائي عبدالله نيازي ، والناقد عبد الجبار داود البصري ، وكاتب هذه السطور ، وكنت يومئذ رئيس تحرير مجلة الأقلام .
حطت بنا الطائرة في برلين الشرقية ، فقد كانت ألمانيا ما تزال مقسمة إلى قسمين متناحرين : شرقي وغربي ، وكذلك مدينة برلين ، وكانت الحرب الباردة بين المعسكر الإشتراكي والمعسكر الرأسمالي في أوجها يومئذ .
استُضِفنا في فندق فخم يقع في أهم شوارع المدينة وأحدثها في العمران ، هو شارع أخينا طيب الذكر : كارل ماركس . وكان دليلنا ومرافقنا في هذه الرحلة ، وفي كل خطوة ، كهل عراقي - نجفي مقيم هناك ، إسمه مرتضى حسين ، راسل بعض المجلات العراقية الأدبية عدة سنوات ، وكان هذا الرجل غاية في اللطف والصبر والنبل والدماثة .
بعد وصولنا برلين بيومين زارني في الفندق صديقي المخرج المسرحي الراحل عوني كرومي ، فهو لم يكن يعرف أعضاء الوفد الآخرين معرفة مباشرة . قضينا معاً أكثر من ساعة نتجاذب أطراف الحديث ، سألني خلالها عن أصدقائه الفنانين ، وسألته عن أحواله . كانت على وجهه مسحة حزن ، وكان يشرد من حين إلى آخر ، ويتحفظ في أجوبته .
قضينا في برلين عدة أيام . كنا في النهار نتجول فيها ونتفقد معالمها ، وفي الليل نذهب إلى مسرح أو حانة أو مرقص ، ومعنا دليلنا حيثما نذهب ، لا يتركنا حتى يعود بنا إلى الفندق . زرنا برج المدينة الحديث ، وجدارها الشهير ، جدار برلين . وفي إحدى الليالي ذهبنا إلى مسرح شاهدنا فيه إحدى مسرحيات بريخت ( الأم الشجاعة ) وفي ليلة أخرى ذهبنا إلى مسرح آخر وشاهدنا باليه ( بحيرة البجع ) التي كنت قد شاهدتها في إحدى سفراتي إلى الإتحاد السوفيتي .
وقد كان برنامجنا يتضمن زيارة إلى مدينة ( فايمر ) وهي مدينة قديمة صغيرة في مساحتها ، وسكانها قليلون كان عددهم يوم زرناها خمسين ألف نسمة وربما أكثر من ذلك بقليل ، ولكنها مدينة عريقة ، فهي مدينة الشاعرين " غوتة " و " شيلر " . وقد زرنا فيها منزليهما المتقاربين ، وهما منزلان قدبمان متواضعان ، ولكن كلاً منهما متحف صغير ، وشاهدنا في إحدى ساحاتها تمثالاً يجمع الإثنين . وزرنا كذلك مكتبة الدوقة " آنا أماليا " وهي من أشهر المكتبات الكلاسيكية في أوربا . وأكلنا في أحد مطاعمها " لحم الغزال " وكانت هذه أول مرة أذوقه فيها وآخر مرة . ومعروف عن فايمر وتاريخها الحديث جمهوريتها " جمهورية فايمر " التي أعلنت بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919 واستمرت حتى وصول هتلر وحزبه النازي إلى السلطة عام 1933 .
وكان من برنامجنا أيضاً زيارة مدينة دريسدن . وتقع هذه المدينة على ضفة نهر " الألبه " وهي أجمل من فايمر بكثير . ولا تذكر دريسدن إلا ويذكر معها القصف الجوي الأمريكي – البريطاني الذي تعرضت له في أواخر الحرب العالمية الثانية ، ودمر عشرة كليمترات مربعة من مساحتها وقتل 25 بالمائة من سكانها في أقل التقديرات وأكثرها تحفظاً . وأذكر أن هذه المدينة واجهت نكبة أخرى عام 1999 إذ أغرق فيضان عارم الكثير من معالمها التاريخية .
وفي أول ليلة قضيناها في دريسدن سهرنا في مطعم يقدم لزبائنه دجاجاً مشوياً مع المشروبات ، قال دليلنا ومرافقنا إنه يدعى " كوخ الحرامية " . وقد انطلقنا هناك في تلك الليلة ، فسكرنا وابتهجنا وغنينا شيئاً من أغانينا العراقية بصوت عال ، فاجتمع حولنا جمع من الألمان شاركنا انطلاقنا وبهجتنا ، وحاول أن يردد معنا لوازم بعض الأغاني .
ولست أذكر أفي دريسدن أم فايمر أخذنا مضيفونا إلى موقع خارج المدينة أشيه بسجن قديم ، وربما كان سجناً في حقيقة الأمر ، ليرونا أفران الغاز التي كانت تحرق فيها جثث المغدورين اليهود وغيرهم فيها . ولكن ما رأيناه داخل هذا السجن كان غرفة محدودة المساحة ، فيها ما يشبه أفران الحمامات في البيوت العراقية القديمة ، وللأفران فتحات يبدو عليها أنها أضيق من أن تتسع لجثة إنسان ، وهذا ما جعل زميلنا البصري ينكر أن تكون أفراناً مخصصة لهذا الغرض .
وقد أحسسنا خلال هذه الزيارة أن النظام الحاكم يعاني من ظروف عصيبة ، وأنه آيل إلى زوال . فقد كان كثيرون ممن بادرونا بالحديث ، ولا سيما الشباب ، يعبرون عن سخطهم عليه علناً ، دون أن نسألهم رأيهم فيه . أما السياح البولونيون فكانوا أكثر قسوة في حديثهم عنه ، كانوا يشتمون ويلعنون دونما خوف أو حذر .
فاتني أن أذكر أننا لم نستقبل خلال هذه الزيارة من قبل أي مسؤول ألماني . فلا نحن طلبنا ولا هم طلبوا أو اقترحوا ، ولعلهم اكتفوا باختيارهم دليلنا ، وبذلك كنا أكثر حرية وانطلاقاً .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجمعية الدولية للمترجمين العرب تكرم الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف ونخبة من الاعلاميين والمبدعين

  حين كرمت الجمعية الدولية للمترجمين العرب الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف ونخبة من الاعلاميين والمبدعين في شبكة الاخبار العربية - محيط ...