الأحد، 6 أغسطس 2017

قرية الاربجية في الموصل ..أقدم قرية زراعية في العالم ا.د. ابراهيم خليل العلاف



قرية الاربجية في الموصل ..أقدم قرية زراعية في العالم 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل 
قرية الاربجية ، سألني عنها أحد الاصدقاء ، وقال ارجو ان تكتب عنها فقلت له قبل بضعة ايام تحدثت عنها امام فريق وكالة رويترز الاعلامي والاعلامية ايزابيل وكان الحديث عن الرواية البريطانية البوليسية اجاثا كريستي التي عاشت فيها أي في قرية الاربجية وتزوجت زوجها الاثاري الشهير ماكس مالوان عندما كان ينقب فيها سنة 1933 وفيها تعرفت عليه وتزوجا .
وقلت له ان الاربجية ومعناها بالتركمانية رجال الشعير أو من يزرع الشعير ويبيعه وهناك من يقول انها اي الكلمة تركمانية تتكون من مقطعين اربه اي الشعير وجيه اي المنطقه (اي منطقه الشعير ) وهي اقدم قرية زراعية ليس في العراق وانما في العالم قاطبة ؛ ففيها عرف الانسان القديم الزراعة زراعة الشعير والحنطة .. واضفت انها لاتبعد عن دار سكني الان في حي النور سوى أقل من كيلو متر واحد ، وانها الان تقع في حي القادسية الثانية وهي تقع في شرقي مدينة الموصل وعلى بعد بضعة اميال من مركز الموصل في باب الطوب وفيها تل اثري يعرف بتل الاربجية .
وقد كتب عنها الاستاذ جمال بابان في كتابه ( أصول أسماء المدن والمواقع العراقية ) الجزء الاول وقال انه في سنة 1933 جرت فيها تنقيبات وخاصة في تل الاربجية وقامت بالتنقيب بعثة اثرية بريطانية برئاسة ماكس مالوان واسفرت التنقيبات عن حقيقة رائعة وهي ان القرية تقوم في موضع هذا التل ـ وانها اقدم قرية زراعية في العالم . وقد عاشت هذه القرية في نهاية الالف السادس قبل الميلاد ولكنها استمرت حتى اواخر عصر العبيد والدليل على ذلك يعتمد على وجود فخاريات من عصر العبيد في الطبقات 4-1 وعلى وجود مسمار فخاري يكثر وجوده بين اثار عصر العبيد في المواقع الاثارية في جنوب العراق كما يقول الاثاري ماكس مالوان Mallowan في كتابه مع روس Rose والموسوم : Excavation at Tell Arpchiyah-IRAQ-1935
وقد كتب عنها ماكس مالوان في مذكراته التي ترجمت الى العربية . كما كتب عنها الاستاذان بشير فرنسيس وكوركيس عواد في المجلة الاثارية العراقية الشهيرة (سومر )وفي العدد (17 ) سنة 1961 وعلى الصفحة (44 ) وقالا : ان موقع قرية الاربجية كان آهلا بالسكان وهؤلاء السكان إمتهنوا الزراعة وتربية المواشي وصنع الفخار وقد كشفت فيها البعثة البريطانية نحوا من عشرة أدوار مختلفة للسكن الواحدة فوق الاخرى .
وفي الحقيقة لانعلم الاسم القديم لقرية الاربجية فما يزال الاسم مجهولا عند العلماء الاثاريين .
لكن مما ينبغي ذكره ان الاثاري ماكس مالوان اكتشف فيها اوان فخارية مما يدل على انها كانت مكانا ومركزا مهما لصناعة الفخار ولاريب ان الاثار المكتشفة في هذا الموضع تمثل لنا صورة زاهية لحضارة عراقية زاهية غابرة ترجع الى حقبة كان الانسان في بدء خروجه من العصر الحجري .
لقد وجدت في الاربجية دور مشيدة باللبن .. كما لوحظ ان شوارعها كانت مبلطة بالحجارة وان اواني الفخار التي اكتشفت فيها من الفخار كانت مزينة بشتى النقوش ومختلف الالوان وبدقة فائقة .
عمل في التنقيب في هذه القرية الاثاري البريطاني ماكس مالوان سنة 1933 وقد ذكر الدكتور بهنام ابو الصوف في الفصل الذي كتبه في (موسوعة حضارة العراق ) بغداد 1985 ان ماكس مالوان انتقل من اور - الناصرية حيث كان يعمل مساعدا ل(وولي ) الى الاربجية ، وهي موقع صغير يبعد قليلا الى الشرق من نينوى العاصمة الاشورية فيما بعد تغطي سطحه وسفوحه كسرات من فخاريات حلف الملونة .وقد اراد مالوان من حفره في حفره في هذا الموقع التحقق من عائدية انواع فخاريات حلف الملونة وتسلسل تواجدها الزمني في طبقات متعاقبة نتيجة تنقيبات علمية دقيقة بموقع جديد بعد ان ظهرت انواع منها ممزوجة مع فخاريات سامراء في اسفل حفرة الجص في قوينجق وقبلها اكتشف من قبل البارون ماكس فون اوبنهايم بشكل عرضي في تل حلف (كوزانا ) على الفرات في شمال سوريا .
وقد علق احد الاصدقاء من قرية الاربجية وهو ابو منتظر الحمداني على مسودة مقالي هذا فقال :"عندي اضافتين اولها أنه بعد انتهاء عملية التنقيب سنة 1933 اجري سباق ضاحية من تل قوينجق مرورا بالخوصر وإلى موفع العمل والفائز الأول تم منحه هدية عباره عن بقرة والثاني خروف والثالث 100 بيضة على مااعتقد .والملاحظة الثانية ان العالم الأثار ي مالوان استرخص من صاحب الارض القريبة من الموقع لكي يضع المخيم واسمه عبدالرحمن آغا ومازال أحفاده موجودين لحد الان " 
اما الدكتور تقي الدباغ فقد كتب عن الاربجية في الفصل الذي كتبه في كتاب (حضارة العراق ) الجزء الاول بعنوان ( الثورة الزراعية والقرى الاولى في العراق ) وقال ان قرية الاربجية من اقدم القرى الزراعية في العالم وهي نفسها (تبة رشوة ) وقد اكتشف تل الاربجية الاثاري في سنة 1928 وفي سنة 1933 نقبت فيه البعثة البريطانية كما نقبت فيه سنة 1971 بعثة عراقية وتثير الاواني الفخارية التي اكتشفت في الاربجية الاهتمام لروعتها وانتظام شكلها وجمال زخارفها وفيها القدور والصحون والاطباق والاقداح والجرار والاباريق .اما الزخارف فهي ذات اشكال متناسقة كالنقوش الهندسية والنباتية والحيوانية مثل الازهار واوراق النبات والشجيرات والطيور والافاعي والغولان ورؤس الثيران وبعدة الوان .وتشير سعة القرية التي اكتشفت بقاياها في تل الاربجية الى تقدم قرى الفلاحين من حيث التنظيم واساليب البناء واصبحت الاربجية بفضل ذلك اقرب ما تكون الى مدينة صغيرة نقدم فيها بناء البيوت بيوت السكن وترتيبها في شوارع مبلطة بالاحجار الطبيعية .
ومع ان الطين بقي المادة الشائعة في بناء البيوت الا انه ظهر كذلك استعمال اللبن .وفي الاربجية اكتشفت عشرة مبان من الابنية المدورة التي اكتشف مثلها في قبرص وكريت .ويبلغ قطر هذه المبان مابين خمسة ونصف متر وسبعة امتار وهي مشيدة من الطين على اسس من الحجارة على هيئة خلايا نحل ، ويظن انها كانت تسقف معقودة ، ووجد للبعض منها مدخل امام البناء بشكل حجرة مستطيلة .
ويعتقد الاثاريون العراقيون ان بعض المباني الموجودة في مركز قرية الاربجية نوعا من المعابد الدينية او دواوين لاستقبال الضيوف . ووجد ايضا في قرية الاربجية فضلا عن الفخار والمباني السكنية الات وادوات زراعية وبقايا حيوانات مدجنة تدل على ان اهل القرية عرفوا الزراعة وتدجين الحيوانات ومها الاغنام والماعز والماشية ومارسوا الزراعة والرعي كما وجدت ايضا انواع جيدة من القلائد والتمائم الحجرية والاقراص الحجرية الصغيرة والمزخرفة بخطوط مستقيمة او متقاطعة كانت تستخدم كسدادات طينية للجرار والاواني الفخارية المنزلية التي تحفظ فيها الدهون او الزيوت كما وجدت رؤوس عصي حجرية ودمى حجرية وتماثيل بشرية للالهة الأم التي صنعت بصورة إمرأة بدينة تضع يديها على ثدييها وجسمها مزين بخطوط ونقط يظن انها نوع من الوشم . ووجدت في القرية ايضا مجموعة من المغازل والمخاريط وكرات المقلاع الطينية واغلب الالات والادوات اعدت من حجر الصوان او الزجاج البركاني وقد دفن اهل القرية موتاهم البالغين في القبور ودفنوا الاطفال في جرار فخارية .
وايا كان الامر فإن اختبار كربون 14 اكد ان قرية الاربجية تعود الى نحو 5077 سنة مضت .
حقا انني محظوظ فأنا اعيش في قلب التاريخ في العراق وفي الموصل وعلى مقربة من اقدم القرى الزراعية في العالم وهذا مما يجعلنا -حقا - أشعر بالفخر وانا اتنسم عبق التاريخ وعبق الحضارة الانسانية التي توافد للكشف عنها عدد كبير من الباحثين والمؤرخين والاثاريين ومن مختلف دول العالم ومما كشف في هذه المواقع ومنها الاربجية والنمرود واور ونينوى وبابل تملأ متاحف العالم وكلها تومئ الى العراق انه حقا كما قال ويكرام احد الرحالة والمبشرين الانكليز (مهد البشرية ) .
*موقع الاربجية في الموصل بالقرب من حي القادسية الثانية وصورة لها الان عند كتابة هذه السطور 5-8-2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق