السبت، 30 يناير، 2010

الرئيس جمال عبد الناصر 1952-1970 والقضية الكردية في العراق


الرئيس جمال عبد الناصر(1952-1970 ) والقضية الكردية في العراق

ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ العربي الحديث والمعاصر -جامعة الموصل

كان الرئيس جمال عبد الناصر ( 1918 ـ1970) ، رئيس الجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا بعد الوحدة شباط/فبراير 1958 ) ، والزعيم العربي المعروف، على صلة وثيقة واطلاع كبير بشؤون العراق وقضاياه قبل ثورة 14 تموز/يوليو1958 ، وسقوط النظام الملكي وإقامة الجمهورية .وقد أشار صديقنا العميد المتقاعد خليل إبراهيم حسين في ندوة الذاكرة التاريخية التي نظمتها مجلة آفاق عربية ببغداد سنة 1987 إلى أن حركة الضباط الأحرار في العراق اتصلت بالرئيس جمال عبد الناصر منذ سنة 1953 وذلك عن طريق الملحق العسكري المصري العقيد الركن جمال حماد الذي جاء ليشارك في احد التمارين العسكرية للجيش العراقي في الشمال وأيد احد الضباط الأحرار وهو إسماعيل العارف هذه الواقعة في كتابه ( أسرار ثورة 14 تموز 1958 في العراق) وعلم الضباط الأحرار بموقف عبد الناصر الداعم لهم فيما إذا قاموا بالثورة وكذلك باهتمامه الشديد ومتابعته المستمرة لشؤون العراق آنذاك، وروى عبد الناصر فيما بعد انه كان على معرفة مسبقة بحركة الضباط الأحرار في العراق قبل تفجير الثورة، وانه قال لمن اخبره بان من الضروري حفظ الأمر سرا، والاعتماد على مصادرهما الخاصة ووضع الخطط الملائمة لظروف بلدهما .
كما تحدث كل من صديق شنشل ، احد قادة حزب الاستقلال ، ومحمد حديد احد قادة الحزب الوطني الديمقراطي ، وهما من الأحزاب العراقية، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية(1946 ) عن أنهما كلفا من قبل قائد تنظيم الضباط الأحرار الزعيم ( العميد) الركن عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر بين سنتي 1956 و1957 للاتصال بعبد الناصر والاستئناس برأيه حول القيام بالثورة ومواقف الدول الكبرى منها وفيما إذا كان لديه الاستعداد الكافي لدعمها إذا وقعت .
و قد أكد لهما عبد الناصر موافقته ومباركته لكل عمل يسهم في إسقاط النظام الملكي وسياسته الممالئة للغرب والأحلاف السياسية ومنها حلف بغداد الذي عقد سنة 1955 وضم كلا من العراق وتركيا وباكستان وبريطانيا ودخلت الولايات المتحدة الأمريكية إحدى لجانه المهمة . وقد جاء قرار اتصال المخططين للثورة في العراق من الضباط الأحرار بعد إدراكهم قيمة تجربة جمال عبد الناصر في الحكم والتي اتسمت بالثورية والواقعية والسعي باتجاه التخلص من الاستعمار والإقطاع والرجعية والعمل على بناء جيش قوي قادر على خوض الصراع ضد الأعداء ، وإتاحة فرص التعليم أمام جميع فئات الشعب وتحشيد الجهود لبناء مجتمع جديد وإعادة العرب ليكونوا امة موحدة ((يتعاون أبناؤها في الخير المشترك (( .
وقعت الثورة، ونجحت، وقام عبد الناصر بإعلان اعترافه بالنظام الجديد ودعمه للثوار ووضع كل إمكانيات الجمهورية العربية المتحدة لخدمة العراق .. وفيما يتعلق بموقفه من الأكراد فان الرئيس جمال عبد الناصر كان على معرفة تامة بالقضية الكردية وملابساتها وموقف الحكومات العراقية المتعاقبة منها وقد أكد في أول اتصال رسمي رأيه في أن القومية العربية لايمكن أن تتعارض مع القومية الكردية طالما كان هدفهما هو مقاومة الأحلاف والسياسة الغربية . وحين علم بان قادة ثورة 14 تموز 1958 قد رحبوا بعودة الملا مصطفى البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني من منفاه وجماعته من الاتحاد السوفيتي حرص على الالتقاء به والتأكيد له بأنه يدعم القضية الكردية ويحث الحكومة العراقية على حلها حلا سلميا ديموقراطيا ، وقد بنى عبد الناصر موقفه هذا على أساس معرفته الدقيقة بحق كل شعب أن يعيش حرا في وطنه وضمن أمته ، وكان يعرف أن الأكراد الذين يعيشون في الوطن العربي لهم ما لإخوانهم العرب خاصة وان هناك الكثير من الروابط التاريخية والكفاحية بينهما عبر مراحل التاريخ المختلفة .
ولم تكن مواقف الأكراد من نضال مصر ودفاعها عن مصالحها الوطنية والقومية وخاصة بعد تأميمها لقناة السويس في تشرين الأول 1956 والعدوان الثلاثي البريطاني –الفرنسي -الإسرائيلي الأثيم عليها غائبة عنه .. وقد تعرض العديد من قادة الأكراد للاعتقال والسجن في العراق لوقوفهم بجانب مصر وتنظيمهم التظاهرات شأنهم شأن إخوانهم العرب ، في مختلف المدن الكردية . لذلك وقرت في أذهان أولئك القادة الرغبة العارمة بالاتصال بعبد الناصر وتوحيد وتنسيق المواقف النضالية المشتركة معه خاصة بعد بروزه قائدا بارزا من قادة نضال الشعوب المستعبدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في تلك المرحلة المهمة من التاريخ .
غادر الملا مصطفى البارزاني موسكو في الحادي والثلاثين من آب/أغسطس 1958 متوجها إلى رومانيا يرافقه زميلاه مير حاج احمد واسعد خوشقي ، ومن بوخارست أرسل بواسطة سفارة الجمهورية العربية المتحدة برقية إلى قادة الثورة والزعيم الركن عبد الكريم قاسم يهنئهم فيها بانتصار الثورة . وقد رد قاسم على البرقية في الثاني من أيلول/سبتمبر 1958 بقوله: (( أننا نرحب بعودتكم جميعا إلى العراق العزيز ، وقد اتخذنا جميع الإجراءات لإصدار العفو وتسهيل سفركم )) . وقد دعاه قاسم إلى مراجعة سفارة الجمهورية العربية المتحدة في براغ بجيكوسلوفاكيا ( آنذاك) لتأمين عودته وزميليه . وفي اليوم ذاته أبرقت وزارة الخارجية العراقية إلى سفارة الجمهورية العربية المتحدة في براغ لتسهيل عودة البارزاني . ويشير الأستاذ مسعود البارزاني في كتابه: ( البارزاني والحركة التحررية الكردية) إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني شكل وفدا للسفر إلى براغ لمرافقة البارزاني في العودة إلى الوطن وضم الوفد كلا من إبراهيم احمد ، نوري احمد طه ، صادق البارزاني ، عبيد الله البارزاني ، والتحق بالوفد صالح ميران في القاهرة .
غادر البارزاني براغ في نهاية شهر أيلول 1958 متوجها إلى القاهرة ،واستقبله الرئيس جمال عبد الناصر بحفاوة بالغة في منزله ، ((ووضع البارزاني ، كما يقول الأستاذ مسعود ، في ذلك اللقاء لبنة العلاقة التاريخية مع رائد الحركة القومية العربية )) . وقد نقلت وسائل الإعلام في القاهرة تصريحا للرئيس عبد الناصر اثر لقاءه بالملا مصطفى البارزاني قال فيه : ((من حق الأكراد التمتع بحقوقهم المشروعة ضمن إطار الدولة العراقية ،وتبعا ضمن إطار الوحدة العربية الأوسع .ذلك لان للعرب عدوا خطيرا واحدا يهدد مستقبلهم وأمنهم ومصادر ثروتهم وهو إسرائيل وان عليهم أن يوجهوا قواهم العسكرية ومواردهم الاقتصادية كافة لدرء هذا الخطر)) .
ليست لدينا وثائق واضحة عن طبيعة ما جرى من حديث بين الرئيس جمال عبد الناصر والملا مصطفى البارزاني ،إلا أن ثمة وثائق بريطانية أمريكية تشير إلى بعض ما دار في ذلك اللقاء وقد علق الأستاذ مسعود على ذلك بقوله ((إن مرور البارزاني بالقاهرة في طريق عودته إلى الوطن ولقائه مع الرئيس جمال عبد الناصر يؤكد ترحيب الجمهورية العربية المتحدة بالبارزاني وبعودته .((
جاء في تقرير كتبه السفير البريطاني في بغداد السير مايكل رايت النصف دوري المؤرخ في 22 أيلول 1958 ولغاية 7 تشرين الأول/أكتوبر 1958 ((إن الملا مصطفى البرزاني عاد مساء يوم 6 تشرين الأول 1958 إلى العراق بعد زيارته السابقة للرئيس ناصر في القاهرة وكان هناك جمهور كبير في المطار لاستقباله مع جماعته )) . ونقل عن صديق شنشل وزير الإرشاد ( الأعلام) سام فول السكرتير الشرقي في السفارة البريطانية ببغداد في تقريره المرقم 16658/1013 والمؤرخ في تشرين الأول 1958 قول شنشل لفول في منزله : ((حول موضوع الكرد لم يعبر (شنشل) عن قلقه ويعتقد بأنهم سيتعاونون مع الحكومة العراقية ، ودافع عن قرار عودة الملا مصطفى البارزاني ومرة أخرى كان يعتقد بأنه لا يخلق المشاكل وكان يعتقد بأنه كان من الصعب عدم السماح للاجئ من هذا النوع بالعودة إلى وطنه ، وان مثل هذا القرار كان سيخلق عدم الرضى بين الكرد)) .
أما السفارة الأمريكية في القاهرة ، فقد وصفت لقاء البارزاني مع الرئيس جمال عبد الناصر في برقيتها إلى واشنطن المؤرخة في 7 تشرين الأول 1958 على النحو التالي : ((وصل إلى القاهرة من براغ في 3 تشرين الأول الملا مصطفى البارزاني ومعه ستة أكراد آخرين كانوا معه في المنفى في طريق عودتهم إلى العراق واستقبلهم ناصر في اليوم التالي ...)) .قال البارزاني)): كيف أن الكرد اللاجئين في المنفى علموا بالثورة المصرية ( ثورة تموز يوليو / تموز( 1952 ) ، اذ كانت روحا بعثت فيهم الحياة . وكان شعورنا ، يقول البارزاني ، كشعور أي عربي ، إن مشكلتنا مع الإمبريالية والفساد نفس الشيء ، واعتبرنا الثورة المصرية نصرا مجيدا لكافة الشعب العربي في الشرقين الأدنى والأوسط ، وان قاهرة الثورة هي مركز الإشعاع لشعوب الشرق الأوسط ، وتتذكر قلوبنا كل كلمة للرئيس عبد الناصر ، وكان صوته إشارة للنصر ، وقد تحققت آمالنا عندما وقعت الثورة ...)) .
استمر دعم الرئيس جمال عبد الناصر لقيادة ثورة 14 تموز 1958 وفي 20 تموز 1958 تم توقيع اتفاقية للتعاون بين العراق والجمهورية العربية المتحدة وأعلن عبد الناصر عن استعداد الجمهورية العربية المتحدة لتزويد العراق بكافة الأسلحة اللازمة أوعز لقيادة الجيش الأول في سوريا لتلبية طلبات العراق من الأسلحة والخبراء والأساتذة ((حتى وان أدى ذلك إلى عرقلة سير العمل في الجمهورية العربية المتحدة )) كما وافق على أن تمثل بلاده العراق في الأقطار التي لا توجد فيها ممثلية عراقية ، لكن الصراع بين قادة الثورة وخاصة بين الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ونائبه العقيد الركن عبد السلام محمد عارف أدى إلى التفاف القوميين حول عارف والتفاف الشيوعيين والديمقراطيين حول قاسم وأدى ذلك إلى إعلان العقيد عبد الوهاب الشواف يوم 8 آذار/مارس 1959 الحركة المسلحة في الموصل وكان من نتائج هذه الحركة أن ساءت العلاقات بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بعد اتهام الحكومة العراقية لسلطات الجمهورية العربية المتحدة ولعبد الناصر بدعم حركة الشواف وتزويده بالأسلحة والإذاعة والمعدات .. وقد أشار الأستاذ محمد حديد في مذكراته إلى أن أحد نشطاء الحزب الوطني الديموقراطي في الموصل وهو هاشم عباوي قد اعتقل بعد فشل حركة الشواف بتهمة تهريب أسلحة من سوريا وتزويد الأكراد بها مما يدل على أن عبد الناصر دعم الحركة الكردية المسلحة التي اندلعت في أيلول 1961 باعتبارها موجهة ضد عبد الكريم قاسم وحكمه . ويبدو أن عشائر شمر القاطنة في أراض على الحدود العراقية –السورية كانت تقوم بتسهيل انتقال تلك الأسلحة إلى الأكراد نكاية بعبد الكريم قاسم . وقد أكد عبد اللطيف البغدادي وهو نائب الرئيس عبد الناصر حصول اتصالات بين قادة الشواف وسلطات الجمهورية العربية المتحدة في سوريا كما أكد دعم عبد الناصر لما تحتاجه الحركة من سلاح وإذاعة وما شاكل .
لقد عكست جريدة خه بات ( النضال) لسان حال الحزب الديمقراطي الكردستاني فيما بعد طبيعة النضال العربي الكردي المشترك ضد الاستعمار والصهيونية عندما كتبت في عددها الصادر في اليوم الأول من شهر كانون الثاني/يناير 1961 تقول ((أن الأكراد يعدون أنفسهم شركاء للعرب في السراء والضراء ، ويعتبرون كل نصر تحرزه الأمة العربية انتصارا لهم ، لذا فان التضامن العربي ضد الاستعمار والرجعية والصهيونية ، ومن اجل تحقيق جميع الأهداف المشروعة للامة العربية المجيدة ضرورة قومية يجمع عليها الشعب العراقي بقوميتيه العربية والكردية )).
فشلت حركة الشواف واعدم قاسم عددا من الضباط من قادة ثورة 1958 وقد أمر الرئيس جمال عبد الناصر بتكثيف الحملة الإعلامية ضد قاسم وتفاقم الأمر بعد اندلاع الحركة الكردية المسلحة في أيلول 1961 ، واحتضنت القاهرة كثيرا من اللاجئين العراقيين الذين أسسوا ما عرف بـ(التجمع القومي) في مصر وضم التجمع ممثلين عن معظم الأحزاب العراقية وكان للأكراد حصة في هذا التجمع إذ مثلهم آنذاك شوكت عقراوي ومن هذه الأحزاب حزب الاستقلال والرابطة القومية والحزب العربي الاشتراكي وحركة القوميون العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الإسلامي والإخوان المسلمين والقوميون المستقلون . وقد تمتع اللاجئون العراقيون كما يقول الأستاذ جمال مصطفى مردان في كتابه ( عبد الناصر والعراق) بحقوق اللجوء السياسي الكامل وبالرواتب المجزية وبالتعليم المجاني لأولادهم وبالعلاج على نفقة الدولة وقد كان لهذا التجمع نشاط سياسي وإعلامي توقف قيام انقلاب 8 شباط 1963 وسقوط نظام حكم عبد الكريم قاسم .
أدرك الرئيس جمال عبد الناصر بعد 8 شباط أن الصراع بين القوى القومية من جهة والقوى الشيوعية من جهة أخرى قد اضر بمصالح العراق الوطنية وكما هو معروف فان الصراع ارتكز على الخلاف حول العلاقة مع الجمهورية العربية المتحدة ، ففي الوقت الذي دعت فيه الأحزاب القومية العربية إلى ضرورة الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة فان الحزب الشيوعي وبعض الأحزاب كالحزب الوطني الديمقراطي قد أكد على الاتحاد الفيدرالي ، لذلك أراد عبد الناصر من خلال لقاءه مع رئيس الحزب الوطني الديمقراطي الأستاذ كامل الجاد رجي في القاهرة أن يؤكد بان هدفه ليس تحقيق الوحدة أو الاتحاد مع العراق ، ذلك متروك للشعب العراقي والمهم هو ان يرص العراقيون صفوفهم ويتجهوا نحو بناء بلدهم .. وقد ظلت القضية الكردية حاضرة في فكر ونضال عبد الناصر ، ويعد الاتصال الذي جرى بالرئيس عبد الناصر من قبل وفد كردي ضم اللواء عارف والسيد جلال الطالباني بداية لتحديد موقف ناصري واضح للقضية الكردية وخاصة إبان محادثات الوحدة الثلاثية بين العراق والجمهورية العربية المتحدة في نيسان/أبريل 1963 .
يقول الأستاذ أمين هويدي في كتابه الشهير (كنت سفيرا في العراق )انه على الرغم من البيان الذي أصدره القادة الجدد في بغداد في آذار /مارس 1963 حول المشكلة الكردية وأشادوا فيه بالروابط الأخوية بين الشعبين العربي والكردي أكدوا على ضرورة تطبيق المشاركة بين جميع المواطنين في الوطن لضمان حقوق الأكراد ،إلا أن الملا مصطفى البارزاني طالب بتطبيق الحكم الذاتي في كردستان العراق ،وحدد موعدا نهائيا للحكومة يوم 7 آذار لتنفيذ ذلك .ويضيف هويدي قائلا : انه استلم رسائل من ((الملا مصطفى البارزاني في ذلك الوقت ،بواسطة صلح اليوسفي وشوكت عقراوي من أعضاء الحزب الديموقراطي الكردي يطلب فيها تدخل الرئيس عبد الناصر لحسم الموقف )) .وقد أرسلت الحكومة في بغداد وفدين إلى شمال البلاد لتطمين الأكراد أحدهما رسمي برئاسة طاهر يحيى رئيس أركان الجيش والآخر شعبي وكان به كل من السياسيين العراقيين المعروفين حسين جميل من الحزب الوطني الديموقراطي وفائق السامرائي من حزب الاستقلال .
بعد حركة آذار-مارس 1963 في سوريا توصلت القيادتان السياسيتان في العراق وسوريا إلى قرار مهم وهو الاستجابة لإرادة الجماهير في تحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ،فبدأت مباحثات الوحدة الثلاثية وعلى مراحل الأولى من 14- 17 آذار 1963 والثانية من 19 -20 آذار والثالثة من 7-17 نيسان 1963 وانتهت بتوقيع ما عرف بميثاق 17 نيسان /مايو 1963 وقد تطرق الرئيس عبد الناصر إلى الأكراد ودعا الحكومة العراقية الى تسوية المشكلة من خلال الاعتراف بالحقوق القومية للأكراد وقد أكد بان الأكراد ليسوا شعبا دخيلا على الوطن العربي، وإنما هم شعب عريق وأصيل .وقد سبق للرئيس عبد الناصر ان سمح بإنشاء إذاعة تبث باللغة الكردية من القاهرة سنة 1959 ولم تتوقف هذه الإذاعة إلا في سنة 1964 بطلب من الحكومة العراقية في عهد الرئيس عبد السلام عارف .وعندما استجاب عبد الناصر لطلب عبد السلام عارف إرسال قوات عربية مصرية إلى العراق في النصف الثاني من شهر كانون الأول 1963 لتامين الوضع في العراق والتأثير على الأوضاع السياسية في سوريا وافق الرئيس عبد الناصر على الطلب وارسل قوات بحجم لواءين(( شريطة عدم اشتراكهما في قتال الأكراد)).
لقد بين الرئيس عبد الناصر في مقابلة مع ايريك رو لو مراسل جريدة لوموند الفرنسية في كانون الأول 1963 أن الأكراد شعب شقيق للعرب ويحق لهم أن يتمتعوا بحقهم كغيرهم من الشعوب في ممارسة نوع من الحكم الذاتي ، و أعلن معارضته للقتال كأسلوب لحل القضية الكردية وفي الوقت نفسه اظهر معاداته للانفصالية .كما قال (( إن الحرب الكردية القائمة اليوم في جزء من الوطن العربي (يقصد العراق ) ،إنما هي إضعاف للجبهة ضد إسرائيل )) . ويروي الأستاذ جلال الطالباني في كتابه ( كردستان والحركة التحررية القومية الكردية) انه التقى الرئيس جمال عبد الناصر مع السيد شوكت عقرواي في العراق سنة 1963 فأفصح له عبد الناصر عن رأيه بان الحل السلمي للمسالة الكردية في نظره هو الحل الذي مارسته الدول الاشتراكية وعندما سأله الطالباني عن مفهومه للحل العلمي أجابه الرئيس عبد الناصر ((بأنه يعني حق تقرير المصير الذي سيستعمله الشعب الكردي حتما بشكل اتحادي مع أشقائه العرب )) . والواقع أن الرئيس عبد الناصر حتى وفاته في ايلول 1970 متمسكا بسياسته تلك ، وكان حريصا على الدوام على الاخوة العربية الكردية وعلى وجوب تعزيزها وتمتينها وتجنب كل ما يسيء إليها أو يضعفها . وكان يدعو باستمرار إلى التلاحم الكفاحي العربي الكردي ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية .
ويضيف الطالباني إلى ذلك قوله : (( كان ينبهني كثيرا من خلال أحاديثنا إلى ضرورة تجنب المزا لق التي تؤدي إلى وقوع القومية الكردية في صف الرجعية والتحالف مع الغرب )) و ((حذرني مرارا طالبا نقل رأيه إلى جميع قادة الحركة الكردية وخاصة السيد الملا مصطفى البرازاني ، أن لا ننخدع بوعــود )الغرب المعسولة) ولا مزاعم التأييد من قبل الأوساط الإمبريالية والصهيونية لان المسألة ليست إلا شراكا تنصب لإيقاع القومية الكردية في أحابيلها وذلك ضد مصلحتها الحقيقة ولتشويه سمعتها وتحوير محتواها(( .
ويقول الطالباني كذلك (( ولا ننسى أبدا النصائح الأخوية الثمينة التي أسداها لي الرئيس عبد الناصر في بداية حزيران/يونيو 1963 حينما قابلته في القاهرة .. فقد نصحني بتوضيح أمرين اثنين للامة العربية أولهما إن الحركة القومية الكردية تعادي الانفصالية ولا تروم تقطيع العراق بل هي تصر على الاتحاد مع القومية العربية ، وعلى صيانة الوحدة الوطنية للشعب العراقي ، وان القومية الكردية لاتعادي الوحدة العربية بل تعتبرها حقا طبيعيا لشقيقتها الأمة العربية . أما الأمر الثاني فهو أن الأكراد هم شعب أصيل يسكنون بلادهم كردستان منذ آلاف السنين ، فهم ليسوا شعب طارئ .. وهم ليسوا معاديين للعرب بل اخوة لهم )) .
وخلال سني القتال التي أعقبت الاتصال بالرئيس جمال عبد الناصر ظلت حكومة الجمهورية العربية المتحدة على موقف ودي من الأكراد ، فعندما تجدد القتال بين الأكراد والحكومة المركزية ببغداد سنة 1963 أعلنت القاهرة معارضتها للقتال كأسلوب لحل القضية الكردية ودعا الرئيس عبد الناصر اكثر من مرة إلى إيقاف القتال والشروع في محادثات سلمية لحل القضية الكردية ،وقد الرئيس عبد الناصر لانتقاد شديد من الحكومة العراقية وخاصة بعد حركة شباط /فبراير 1963 بسبب موقفه من الاكراد وقضيتهم وعدم كبح جماح وسائل الإعلام ( المصرية )التي كان تطلق على المسلحين الأكراد تعبير (الثوار)وأرسل وزير الدفاع آنذاك في 17 تموز 1963 برقية إلى جميع الوحدات العسكرية أعرب فيه عن أسفه لان جريدة الأهرام القاهرية تظهر ( التمرد )الكردي في شمال البلاد كثورة كردية وقال ان هذا يأتي ونحن ((قطر من أقطار الوحدة الاتحادية )) وفي 12 حزيران /يونيو 1963 ظهرت جريدة الطليعة البغدادية وفي صفحتها الأولى خبر منقول من إذاعة القاهرة (القسم الكردي ) ،نسبت فيه إلى هذه الإذاعة تأييدها للجانب الكردي ضد الجانب الرسمي العراقي في اذاعة لها يوم 11 حزيران 1963.
وقد أشار السفير المصري أمين هويدي إلى انه تلقى خطابا شخصيا من السيد طالب شبيب وزير الخارجية مساء يوم 13 حزيران 1963 جاء فيه (( لقد كان مؤسفا حقا ما نشر في الصحف عن إذاعة القاهرة الكردية .. ولقد كان نفي الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإرشاد (المصري )للخبر وقعه الحسن في نفوس الكثيرين زكم كان بودي ان يكون النفي اكثر وضوحا ليتفهم الشعب العربي في العراق حقيقة موقف الشقيقة العربية الكبرى )) وقد أكد امين هويدي في رده على خطاب وزير الخارجية العراقي نفي القاهرة لما رددته الصحيفة العراقية وقال هويدي ان موقف الجمهورية العربية المتحدة من القضية الكردية واضح وضوحا كاملا لكل الأطراف )) لاانفصال مع اعتراف بالقومية الكردية ضمن الدولة (العراقية )،وعدم اتخاذ الحرب وسيلة لحل الخلافات )) .
وبالرغم من كل هذه التوضيحات فقد ساءت العلاقات بين بغداد والقاهرة وكان من نتائج ذلك تجميد العمل بميثاق 17 نيسان /ابريل 1963 واستئناف القتال في الشمال .وقد ذكر أمين هويدي ان (( رسائل الملا مصطفى كانت تصل الينا باستمرار تطلب تدخل القاهرة لحل الموقف ،الا ان القاهرة لم تكن بقادرة على تهدئة الموقف وسط الجهود المحمومة للطرفين لاستئناف القتال ولتمسك كل طرف بموقفه )).حدثت حركة 18 تشرين الثاني 1963 وسيطر عبد السلام عارف على السلطة وابعد زملاء ألامس وانشأ ما عرف بالمجلس الوطني لقيادة الثورة وشكل طاهر يحيى وزارة جديدة وتسلم عدد من الضباط الناصريين الحكم بعد حركة تشرين الأول 1963 مع المشير الركن عبد السلام محمد عارف ومع هذا ظل الرئيس جمال عبد الناصر على موقفه الرافض لاقتتال الإخوة ، حتى انه رفض طلبات متكررة من الحكومة المركزية إبعاد المندوب الكردي الموجود في القاهرة انذاك .
وقد حدث تقارب شديد بين بغداد والقاهرة وتشكل مجلس رئاسة مشترك بينهما وتم إعداد اتفاقية إنشاء قيادة سياسية موحدة بين الجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة في 16 تشرين الأول /أكتوبر 1946 وصدرت قرارات اشتراكية في العراق وتأسس اتحاد اشتراكي وطلبت بغداد من القاهرة كما يقول هويدي (( الضغط على الأكراد لأنهم يثقون ... في الجمهورية العربية المتحدة ...لقبول حل القضية القائمة الآن (القضية الكردية )بطريقة تتفق مع رغبة الحكومة العراقية )) .ولكن انقلاب عارف عبد الرزاق في أيلول-سبتمبر 1965 واتهام القاهرة بأنها وراءه حال دون اتخاذ أية إجراءات بهذا الصدد .
أما الأحزاب والتنظيمات الناصرية في العراق ، فقد ظلت متمسكة بموقف الرئيس عبد الناصر إزاء الأكراد والمسألة الكردية ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى موقف الحركة الاشتراكية العربية سنة 1966 وكانت من أقوى التنظيمات السياسية الناصرية في العراق ، أقرت الحركة بوجود القومية الكردية وحقها في التمتع بحقوقها القومية والإدارية والثقافية ضمن العراق الموحد ودعت في الكثير من نشراتها إلى تلاحم القوى التقدمية العربية والكردية ومعارضته القتال أسلوبا لحل القضية الكردية ..
وتلخص دراسة نشرت في بغداد سنة 1969 بعنوان (( موقف الأحزاب السياسية في العراق من القضية الكردية)) موقف القوى الناصرية من القضية الكردية إلى أن الحركة الاشتراكية ، وخاصة في مؤتمرها الأول الذي عقدته في تموز 1968 وتأكيدها على أنها فرع منضبط من فروع حركة القوميين العرب ، أقرت التزامها بحق الأكراد في الحكم الذاتي ومما جاء في مقال نشرته مجلة طريق الثورة أن أهداف الشعب الكردي في التحرر والديمقراطية والاشتراكية لايمكن تحقيقها بدون الاستناد إلى روابط الاخوة والعيش المشترك مع الشعب العربي . لذلك فان ((مصلحة الشقيق وتقدمهما تتطلبان أن يتمتع الشعب الكردي الشقيق بحقه في تقرير مصيره ضمن صيغة الحكم الذاتي في جمهورية ديمقراطية شعبية يستطيع الشعبان بفضلها النضال معا ضد عدوهما المشترك الرجعية والاستعمار والصهيونية (( .
ومع أن الحركة الاشتراكية العربية قد انقسمت على نفسها ، فظهر جناح يقوده عبد الإله النصراوي وجناح يقوده هاشم علي محسن وجناح يقوده خير الدين حسيب وجناح يتزعمه كل من صبحي عبد الحميد وخالد علي الصالح ويسمى بحزب الوحدة الاشتراكي ، فان الحركة بكافة تياراتها وأجنحتها أكدت على ضرورة إيجاد تحالف بين الحركة التقدمية العربية والحركة التقدمية الكردية تضمن الحقوق القومية لشعب الكردي على أساس الحكم الذاتي وفي إطار جمهورية عراقية ديمقراطية وضرورة إنهاء الأوضاع الاستثنائية في المنطقة الكردية وسحب الجيش وحل الفرسان وإنهاء حالة الحصار الاقتصادي وإقامة مجلس تنفيذي ينبثق من مجلس تشريعي منتخب تكون له ميزانية خاصة ، وتشمل اختصاصاته الشؤون المحلية كالأعمار والتعليم والعدل والشؤون الاجتماعية والأمن الداخلي .
كما أكدت على المطالبة بتمثيل الأكراد في السلطات التشريعية والتنفيذية في العراق بنسبة عدد السكان .
كان رأي حزب الوحدة الاشتراكي ( الناصري) كذلك يدعو إلى أمرين مهمين أولهما تطبيق نظام اللامركزية وثانيهما تطبيق بيان 29 حزيران الذي أعلنه رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد السلام عارف ، عبد الرحمن البزاز لحل القضية الكردية .
أما مؤتمر القوميين الاشتراكيين ، وهو مجموعة منشقة عن حزب البعث العربي الاشتراكي اخذ يقودها أياد سعيد ثابت ، فقد حدد موقفه من القضية الكردية كما يلي :
1 . تحقيق اللامركزية في الحكم .
2 . التحام الكادحين الأكراد بالكادحين العرب في ثورة مشتركة اشتراكية لإقامة حكم اشتراكي يضمن حقوق العرب والأكراد الاقتصادية والاجتماعية.
وذهب موقف حزب العمال العربي الثوري والذي ضم عددا من الأعضاء السابقين الذين تركوا حزب البعث العربي الاشتراكي أمثال علي صالح السعدي ومحسن الشيخ راضي وحميد خلخال وهاني الفكيكي وأبو طالب عبد المطلب الهاشمي وحميد عبد المجيد والذين عقدوا مؤتمرهم الأول نهاية 1969 إلى ضرورة حل القضية الكردية حلا جذريا يمر عبر الاشتراكية .. وجاء في النشرة الصادرة عن القيادة المركزية القطرية للحزب ( العامل الثوري) إن الموقف من القضية الكردية يتحدد في ضوء مقررات مؤتمر الحزب القومي منه 1964 بما يلي :
1. إن تقرير المصير حق للشعب الكردي على أساس وحدة أراضى جمهورية العراق ، والنضال المشترك للعرب والأكراد .
2. سحب الجيش العراقي من الشمال ليأخذ مكانه في وجه الصهيونية .
3. إن تحرر الشعب الكردي لابد أن يمر عبر الوحدة العربية ، لذلك فان (تعويق) العراق، ووضعه في سجن إقليمي ليس الطريق إلى ضمان حقوق الأكراد بل هو تكريس لقوى الاستعمار في المنطقة والقوى الرجعية الضالعة معه .
4. (( إن الانفصال .. مناف لمصالح الأكراد ولمصالح الثورة العربية في آن واحد )).
5. إن الحزب يناضل لحل المشكلة الكردية لا من موقف ديموقراطي فحسب ، بل من موقف اشتراكي أيضا .
6. إن الحزب يناضل في سبيل وحدة جمهورية العراق على أساس اشتراكي .
7. يجب إقرار الحقوق اللغوية والثقافية للشعب الكردي إقرارا تاما ، والسير في تطبيق الحكم الذاتي إلى أوسع مداه .
لقد اقتربت مواقف التنظيمات والأحزاب الناصرية في العراق إزاء الأكراد والقضية الكردية من موقف الرئيس جمال عبد الناصر وبدون شك فان هذا الموقف النبيل والواضح والمبدئي هو الذي جعل الأكراد ويجعلهم باستمرار يذكرون عبد الناصر ليس على انه زعيما لدولة وإنما قائدا تاريخيا كان له دوره الفاعل في دعم نضال الشعوب وحقها في الحرية والحياة الكريمة ،ومن هنا يحق لهم أن يحتفلوا بذكراه ويعمدون إلى تكريمه .
*راجع لطفا مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي : wwwallafblogspotcom.blogspot.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق