السبت، 6 فبراير 2010

الأستاذ عز الدين المختار مربيا وإداريا وإنسانا



الأستاذ عز الدين المختار مربيا وإداريا وإنسانا

أ.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل


حين يوجه لي سؤال يتعلق بمن تأثرت من المدرسين والأساتذة في مسيرتي التربوية والتعليمية والوظيفية، أقول أنني كنت محظوظا لأني تعلمت وعرفت وشاهدت خيرة الأساتذة والمدراء والعمداء ورؤساء الأقسام ورؤساء الجامعات والوزراء .ففي المدرسة الابتدائية، وكانت مدرسة أبي تمام تعلمت من أساتذة أفذاذ يقف على رأسهم مديرنا الأستاذ القدير والمربي الكبير عزالدين محمد سليمان المختار .وفي متوسطة الجمهورية تتلمذت على خيرة التدريسيين ، وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الرزاق الشماع وعندما انتقلت إلى المتوسطة المركزية أعجبت بالأستاذ محمود عطار باشي وعامر داؤود نادر وعزالدين السردار. وفي الإعدادية الشرقية كان هناك الأستاذ غانم سعد الله حمودات والأستاذ عمر الطالب والأستاذ هاشم سليم والأستاذ شاكر النعمة والأستاذ عبد الله القليه جي.
وفي كلية التربية ببغداد درست على أيدي الدكتور جواد علي والدكتور فاضل حسين والدكتور زكي صالح والدكتورة نعيمة الشماع. وفي الجامعة اقصد جامعة الموصل عملت مع الدكتور محمد صادق المشاط والدكتور عبد الاله الخشاب والدكتور توفيق اليوزبكي والدكتور محيي الدين توفيق والدكتور خضر الدوري والدكتور قبيس عبد الفتاح والدكتور رياض الدباغ والدكتور زهير محمد عبد الله الشاروك وهكذا تعلمت وعلمت فنحن التربويون جسور نربط بين الأجيال ولدينا رسالة في الحياة لابد أن نؤديها وهي خلق جيل يؤمن بالله وبالوطن وبالأمة ويعمل في سبيل التقدم والوحدة.
وقبل أيام كنت أتحدث هاتفيا مع أخي وصديقي الغالي المربي الكبيرالاستاذ نزار المختار وقلت له إني مقصر بحق أستاذي عزالدين المختار وهو بالمناسبة أخاه وما أكاد انهي المكالمة حتى بدأت بكتابة هذه المقالة عن هذا الرجل الذي تربينا على يديه ونحن أطفالا صغارا.. انه الأستاذ عزالدين المختار (والد صديقنا وزميلنا الأستاذ الدكتور سعد وهو من جيلي الأستاذ في قسم الكيمياء –جامعة الموصل حاليا ) .
ولد الأستاذ عزالدين في محلة الجامع الكبير في الموصل سنة 1912 وهو الولد البكر لوالده محمد سليمان المختار عميد آل المختار.. الأسرة الموصلية العريقة والتي قدمت للعراق الكثيرين ممن أسهموا في بناءه وتكوينه في مختلف مجالات الحياة .
كان محمد سليمان مختارا لمحلة الجامع الكبير. وقد انتخب بعد إنهاءه الخدمة العسكرية في حلب إبان الحرب العالمية الأولى، وضمن وحدات الجيش العثماني مختارا .وكان محمد المختار والذي اكتسب التسمية من مهنته مختارا محبا للعلم ويطمح أن يكون أولاده من الأفندية لذلك حرص على إدخال ولده عزالدين المدرسة الرسمية وكانت المدرسة القحطانية للبنين، وللسنة الدراسية 1921-1922، وتخرج فيها سنة 1926-1927 وكان مدير المدرسة انذاك الأستاذ عبد العزيز النوري .
لم تكن في الموصل في العشرينات من القرن الماضي سوى مدرسة ثانوية واحدة تعرف ب(ثانوية الموصل ) ،وقد التحق عزالدين بها، وللعام الدراسي 1927-1928 وتخرج في القسم المتوسط العام الدراسي 1927-1929 إذ كانت مدة الدراسة المتوسطة سنتان وكان مدير ثانوية الموصل الأستاذ داؤود سليم .
التحق بدار المعلمين الابتدائية في بغداد السنة الدراسية 1929-1930 وتخرج فيها السنة 1930-1931 وعين معلما في مدرسة باب البيض الابتدائية للبنين ومن خلال اطلاعي على سجلات درجاته في دار المعلمين الابتدائية، اتضح لي انه كان متفوقا ومعدل درجاته لم يكن يقل عن أل 80% وكانت سمعة الدار طيبة ومستواها متقدما كيف لا ومديرها كان الأستاذ متي عقراوي الذي عين فيما بعد أول رئيس لجامعة بغداد 1958.
من التقاليد الجميلة في العراق آنذاك أن المتخرج من الدار أو الكلية يتلقى اثر قبول تعيينه كتابا من مدير معارف منطقته التربوية يخبره بالموافقة على تعيينه.. وفي الوثائق المتوفرة لدي وجدت أن الأستاذ عزالدين تلقى كتابا من مدير معارف منطقة الموصل برقم 23-1671 في 27 أيلول –سبتمبر 1931 جاء فيه :
"إلى حضرة عزالدين محمد المختار خريج دار المعلمين الابتدائية
جرى تعيينكم لمعلمية مدرسة باب البيض للبنين براتب قدره(12 -137) روبية شهريا( والروبية عملة هندية كانت تساوي 75 فلسا) اعتبارا من تاريخ مباشرتكم العمل ...وان المدارس تفتح في 1 تشرين الأول –أكتوبر 1931 ،فعليكم الحضور بمحل وظيفتكم بالوقت المعين " .
باشر الأستاذ عزالدين المختار في عمله.. وتدل التقارير التي كان يرفعها عنه المفتشون (المشرفون التربويون ) انه كان معلما ناجحا ومربيا متميزا ،وكانت علاقاته بزملائه وتلاميذه ممتازة .كما كان ملما بمادته يستخدم الوسائل التعليمية لذلك اختير مديرا لأكثر من مدرسة وقد أدركته أنا عندما كنت تلميذا بمدرسة أبي تمام للبنين أوائل الخمسينيات من القرن الماضي مديرا للمدرسة التي كانت من أفضل مدارس الموصل الابتدائية آنذاك .
عمل مديرا للمدرسة العراقية ومديرا للمدرسة القحطانية ،ومديرا لمدرسة الحدباء ومديرا للخزرجية المسائية ومديرا لمدرسة الأحرار.كما عمل معلما في مدارس عديدة داخل الموصل وخارجها وقد اكتسب من خلال عمله الكثير من الخبرات التربوية التي انعكست ايجابا مع تلاميذه .خدم في تلعفر وخدم في العمادية وعمل محاضرا في المدارس المسائية المخصصة لمحو الامية واسهم في هذا المشروع التعليمي كأحسن ما يكون وقد اتضح هذا لنا من الكتاب الذي وجههه مدير معارف لواء الموصل في الأول من تشرين الأول –أكتوبر 1933 والذي التمس منه أن يسهم في مكافحة (محو ) الأمية والقضاء عليها وبالفعل قام بذلك في مدرسة النجاح المسائية .
ومن الطريف أن تلجأ إليه مديرية تربية الموصل للعمل في مقر المديرية وقد كلف رحمه الله بمهام ذاتية معارف لواء الموصل وملاحظيتها مرتان ،إلى جانب قيامه بالتعليم أو الإدارة أحيانا الأولى في الأول من تموز-يوليو 1937 والى الأول من شباط-فبراير 1942.والثانية سنة 1953 .كما استعانت به كأمين سر(سكرتير ) للجنة ترفيعات موظفي الخدمة التعليمية المشكلة في متصرفية لواء الموصل، وقد قام بواجبه بكل جد وإخلاص وأمانة وقد تلقى كتاب شكر وتقدير من مدير معارف (تربية ) الموصل الأستاذ سعيد نعمان .
للأستاذ عزالدين المختار نشاطات عامة، فقد كان ،رحمه الله ،عضوا في لجان اكساء الطلبة الفقراء في لواء الموصل سنة 1942.. وكان منتخبا ثانويا في انتخابات أعضاء المجلس النيابي لدورات عديدة عن المنطقة التي تقع ضمنها محلة الجامع الكبير.. ولضيق الحيز المخصص لنا يتعذر علينا أن نورد كتب الشكر والتقدير والتكريم التي تلقاها طيلة حياته الوظيفية ومن جهات كثيرة وكلها تؤكد على قابليته الفذة وأسلوبه المتميز وطيبته وأريحيته وإيمانه برسالته وقد أدى فريضة الحج مرتان الأولى سنة 1935 (1353 هجرية ) ،وضمن فريق كشفي عراقي كان من بينهم 14 من معلمي ومدرسي الموصل ،والثانية سنة 1980 ولابد أن نشير إلى جهود السيدة زوجته ناثرة محمد علي الفتحي رحمها الله والتي وقفت إلى جانبه ورعته ورعت ولده الوحيد الدكتور سعد وأخواته الست المتخرجات جميعهن من الكليات والمعاهد العالية . وقد يكون من الطريف أن أشير إلى ما أفادني به الأستاذ نزار المختار حول البعثة الكشفية العراقية التي أرسلت إلى الديار المقدسة في الحجاز لأداء فريضة الحج وفي العام 1354 هجرية (آذار-مارس1935 ميلادية ) وقال في رسالة كتبها وأرسلها إلي في 12 تشرين الثاني –نوفمبر 2009 ،انه كان برفقة والده في استقبال أخيه عزالدين العائد من الديار المقدسة ضمن الوفد الكشفي الذي تظهر صورته إلى جانب هذه السطور، وقد أرسل لي –مشكورا - صورة من الأمر الإداري الصادر عن مديرية معارف لواء الموصل المرقم 4-1735 في 2-3-1345 الموافق 5-5-1935 موضوعه اجازة ومدرجة فيه اسماء المعلمين والمدرسين الذين أدوا فريضة الحج وعناوين مدارسهم ولم يرد اسم الأستاذ يحيى ق عبد الواحد في الأمر ، لأنه كان آنذاك لايعمل في مدارس لواء الموصل بل في لواء آخر .والمعلمين والمدرسين الموصليين كان عددهم 14 وهم كما يلي:
1.سعيد عبد الوهاب (الثانوية ) .
2.توفيق الدباغ (المتوسطة )
3.عبد الفتاح جليميران (المتوسطة )
4.عبد المجيد شوقي البكري (الميدان )
5.بشير حسن (الميدان )
6.محمود شيت الجومرد (القحطانية )
7.عبد السلام عبد الله (القحطانية ).
8 .محمود فوزي العريبي (العراقية )
9.شريف علي طاقة (العراقية )
10.عبد الرزاق السيد محمود (الوطن )
11.عزالدين المختار (باب البيض )
12.عبد العزيز نجم (باب البيض )
13 .احمد محمد عبد الله (النيلة ) (باب النبي )
14 .يحيى ق الشيخ عبد الواحد
وورد في هامش الأمر الإداري المذكور أعلاه إشارة إلى ضرورة إصدار أمر إجازة لطبيب الوفد، وموفد دائرة صحة المدارس الدكتور واصل رسلان ولمدة 34 يوما من قبل مديرية المعارف العامة ببغداد وقد أجيز جميع أعضاء الوفد براتب تام، وعدوا موفدين بصورة رسمية وقد وقع الأمر الإداري الأستاذ محمد عاصم ألجلبي مدير معارف لواء الموصل .
في الأول من حزيران –يونيو 1968 طلب الأستاذ عز الدين المختار إحالته على التقاعد وانصرف للقراءة، ومتابعة شؤون أسرته وارتياد المساجد والجوامع والإكثار من ممارسة الشعائر الدينية واستقبال الأهل والأصدقاء وقد تعرض في آذار –مارس 1993 لحادثة سقوط على الأرض واستوجب الأمر إجراء عملية جراحية، لكن حالته ساءت بسبب كبر سنه فتوفي بأجله الموعود يوم الجمعية 26 آذار –مارس 1933 عن عمر ناهز أل 81 عاما، رحمه الله، وجزاه خيرا على ما قدم لوطنه ومدينته وأمته .
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور إبراهيم
خليل العلاف ورابطها التالي : wwwallafblogspotcom.blogspot.com

الاثنين، 1 فبراير 2010

اصالة المدرسة الاثارية العراقية وتوجهها الوطني




أصالة المدرسة الاثارية العراقية وتوجهها الوطني


أ.د.إبراهيم خليل العلاف
 رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين


يعلم القاصي وألداني، أن آثار العراق، منذ أواخر القرن الثامن عشر،وأوائل القرن التاسع عشر، تعرضت إلى عمليات نهب وسلب واسعة قامت بها البعثات التنقيبية الأجنبية وخاصة البريطانية والفرنسية والأمريكية، هذه البعثات التي وجدت طريقها إلى مدن العراق وقصباته عندما كان العراق خاضعا للسيطرة العثمانية ومن بعد ذلك للاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، لذلك ليس عجبا إذا ما وجدنا إن متاحف لندن وباريس وبرلين ونيويورك وبرلين واسطنبول تزخر بآثار العراق وتحفه. ويمكن التدليل على حجم النهب الذي تعرضت له الآثار العراقية انه عندما وقع الاحتلال البريطاني لبغداد سنة 1917، واستولى الجيش البريطاني المتقدم نحو سامراء على قرابة (150) صندوقا كبيرا مليئا بالآثار المكتشفة في دور الخليفة في سامراء وحدها، وقد تم شحنها جميعا إلى المتحف البريطاني لتضاف إلى ما سبق أن سرقه( كلوديوس جيمس ريج) و(اميل بوتا) و(هنري اوستن لايارد) و(كريستين رسام)و(اوبرت كولد ناي)و(فالتر أندريه)و(ليونارد وولي) و(كإميل ثومن) و(ماكس مالوان) و (رالف سوليتر) وغيرهم.
لقد تأسست في العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى دائرة للآثار القديمة، سميت من قبل الانكليز المحتلين للعراق (الدائرة الاركيولوجية )، أي الاثارية، وتسلمت (المس كيروترود لوثيان بل Bell) سنة 1920 مسؤولية هذه الدائرة، وبل، هذه عملت سكرتيرة شرقية لدائرة المندوب السامي البريطاني ببغداد بعد الاحتلال، وكانت ضابطة سياسية Political Officer في المخابرات البريطانية، وقد جاءت العراق متسللة قبل بدء الحرب العالمية الأولى، وهي متخصصة بعلم الآثار، وتنقلت في إرجاء العراق الواسعة ،وألفت كتبا كثيرة وتوفيت ودفنت ببغداد سنة 1928، وقد ربطت دائرة الآثار أول الأمر بوزارة المعارف (التربية) ثم بعد ذلك بوزارة الإشغال والمواصلات ثم أعيدت إلى وزارة المعارف ثانية سنة 1926. وخلال فترة عمل (المس بل) في الآثار استطاعت استصدار قانون الآثار القديمة لسنة 1924، واعتمدت في وضعه على فقرة في صك الانتداب البريطاني تضمنت حصول البعثات التنقيبية الأجنبية على كثير من الامتيازات، ثم تولى إدارة الآثار بعد (بل) (كوك) وكان مستشارا لوزارة الأوقاف وقد عرف هذا بممارسة شراء الآثار العراقية، وتهريبها، وبيعها وحين ضبط متلبسا وهو يحاول تهريب احد الصناديق في الرطبة، اضطر المندوب السامي البريطاني (هنري دوبس) إلى تسفيره على الفور إلى بلاده بعد أن اتضح بان الصندوق يضم تحفا ولقى عراقية نفيسة، وقد عين سدني سميث الذي كان معاونا لمدير المتحف البريطاني في لندن، مديرا للآثار ولاشك في إن لتعيين (سميث) هذا على رأس دائرة الآثار العراقية إلف مغزى ومغزى.
لذلك اتسعت الدعوات المخلصة التي أطلقها نخبة من الوطنيين لتعريق دائرة الآثار وظهرت مقالات عديدة في الصحف، ثم أثيرت نقاشات حادة داخل المجلس النيابي العراقي حول ما تتعرض له آثار العراق من نهب ، لذلك اضطرت الحكومة آنذاك وكانت برئاسة (جميل المدفعي) سنة 1934 إلى إسناد (مديرية الآثار العامة) إلى المربي والمفكر العربي المعروف المرحوم الأستاذ ساطع ألحصري (توفى 1968) الذي كان يعمل آنذاك عميدا لكلية الحقوق بعد خروجه من مديرية المعارف العامة، ويعد ألحصري أول مدير وطني عربي عراقي يتولى إدارة الآثار في العراق.
وضع ألحصري نصب عينيه، حين باشر عمله سنة 1934، إعادة النظر في القانون الخاص بالآثار الذي وضعته (المس بل) ،وعمل على تعديل مواده بالشكل الذي يضمن الحفاظ على الآثار. ومما ينبغي ذكره في هذا الصدد أن السفارة البريطانية ببغداد أعربت عن امتعاضها من تعيين ألحصري، ووجه السفير البريطاني آنذاك مذكرة إلى وزارة الخارجية العراقية جاء فيها : ((علمنا أن ساطع ألحصري عين مديرا للآثار القديمة، وبما انه ليس من علماء الآثار ، فنخشى أن يتصرف في الأمور تصرفا يضر بمصلحة الآثار،ومصالح بعثات التنقيب عن الآثار... فرأينا إن نلفت أنظاركم إلى ذلك من ألان)).. وفي هذا يحاول المستعمرون البريطانيون إن يظهروا وكأنهم احرص على آثار العراق من العراقيين أنفسهم.. لكن الحقيقة أنهم باتوا يخشون على مصالحهم وإطماعهم في آثار العراق!!.
أعطى ساطع ألحصري لدائرة الآثار، بعد إن كانت صفتها بريطانية، ابتداء من التمثال النصفي للمس بل وكان موضوعا في مدخل بناية المتحف العراقي ببغداد وحتى اصغر عامل في الدائرة..كان الناس يتداولون فيما بينهم إن الآثار تنهب وتهرب إلى خارج العراق.. ويتألمون من ذلك.. كانت (التنقيبات)، وتسمى آنذاك (الحفريات) التي تقوم بها البعثات الأجنبية تجري دون أية رقابة . كانت الآثار التي تكتشف، تذهب وتقتسم بشكل عشوائي، لتوضع في المتحف البريطاني بلندن .. لذلك كله أقدم ألحصري على العمل من اجل سن قانون جديد للآثار سنة 1936 عد من ((أحسن قوانين الآثار الموضوعية في العالم)) باعتراف أعضاء المؤتمر الدولي للحفريات الذي انعقد في القاهرة سنة 1937.
ومما يذكر هنا، أن السفير الأمريكي ببغداد (جون نابنشو )، اشتكى ألحصري عند نوري السعيد وكان آنذاك وزيرا للخارجية،في وزارة جميل المدفعي الرابعة وقد كتب مذكرة في هذا الخصوص حتى إن نوري السعيد كلم ألحصري هاتفيا وكان في حالة نرفزة شديدة، كما يقول ألحصري في مذكراته (مذكراتي في العراق)، الجزء الثاني 1927_1941، بيروت 1968) وقال له بالحرف: ((شنو هذا يا أستاذ تطلع علينا مشاكل من دائرة الآثار، مع إننا إمام مشاكل سياسية كبيرة وكثيرة، سفير أميركا جاء يحتج رسميا)) فرد ألحصري قائلاَ: ((تأكد باشا إننا قد اعددنا للأمر عدته.. أرجوك لماذا تعتبرون القضية مشاكل سياسية.. قولوا لهم أن القضية قضية قانونية وعلمية.. ويمكن أن تحل بالوسائل القانونية والعلمية..)).
كانوا يريدون أن يستمروا في نهب آثار العراق وخيراته، ويتدخلوا في شؤون البلد وينزعجون إذا ما اعترض عليهم احد، أو إذا ما شعروا بأنه مخلص وأمين لوطنه ولامته.. جاء القانون الجديد للآثار ليحدد عملية القسمة بين مديرية الآثار في العراق وبين بعثات التنقيب، الأجنبية أو لنقل أعطى لأصحاب الدار الحق في الاحتفاظ بالمهم والنفيس مما يعثر عليه ولا تحدث القسمة أو الإهداء إلا في الآثار المكررة!!.
من الأمور التي وضع أسسها ألحصري، رحمه الله، الاهتمام بالآثار العربية والإسلامية، فضلا عن الآثار القديمة.. كما نشر العديد من الأدلة والكتب التعريفية بآثار العراق... أسس متحف الآثار العربية الكبير... ومتحف الأسلحة .. ومتحف الازياء ببغداد ، واستحصل موافقة وزارة المالية على تخصيص الأراضي والأموال اللازمة لبناء المتحف العراقي الحالي بجانب الكرخ من بغداد.
والاهم من ذلك كله، بدأ يخطط لإرسال بعثات علمية في تخصص الآثار إلى خارج العراق.
لقد كان من ثمار ذلك كله أن ظهرت في العراق بعد سنوات قليلة (مدرسة اثارية عراقية أصلية) كان من روادها المرحوم طه باقر. والمرحوم فؤاد سفر والمرحوم بشير فرنسيس والمرحوم محمد على مصطفى وغيرهم .
لقد تحمل هؤلاء الاثاريون مسؤولية ترصين المدرسة الاثارية العراقية وسرعان ما أصبح لهذه المدرسة خصائصها وفلسفتها وسماتها المعترف بها في الأوساط الاثارية العالمية، كما أن النتائج الباهرة التي حصل عليها الاثاريون العراقيون الرواد من خلال ممارساتهم لمواسم التنقيب في (حسونة و اريدو والحضر و واسط وحرمل وعقرقوف وسامراء) كان لها صداها الواسع ليس على صعيد العراق والوطن العربي وحسب وإنما في العالم كله.
لقد عرف أولئك الرواد بسعة الاطلاع، والثقافة العلمية، والحرص الشديد على آثار بلادهم، والرغبة الكبيرة في الكشف عن مكنونات حضارات العراق وكنوزه وتحفه.. وقد تميزت التقارير التي كانوا يضعونها عن نتائج التنقيبات، وكذلك البحوث والمقالات التي كانوا ينشرونها في المجلة الرائدة التي صدر عددها الأول باسم (سومر) في كانون الثاني سنة 1945 وتزال تصدر حتى ألان، حينما تولى منصب مدير الآثار العامة المرحوم الدكتور ناجي الأصيل (1894_1963)، تميزت بالدقة والموضوعية، وكان لسعة معرفتهم باللغات القديمة كالاكدية والآرامية وببعض اللغات الأجنبية كالانكليزية ، أثر كبير في نجاحهم في الإشراف على إعمال التنقيب والصيانة التي قامت بها دائرة الآثار طيلة السنوات السبعين الماضية.
ولم يتوقف هؤلاء ومن ساندهم من رجالات التاريخ والثقافة عند هذا الحد، بل أنهم بذلوا جهدا كبيرا في تأسيس أول معهد لدراسة الآثار والحضارات القديمة في العراق سنة 1951، وسرعان ما انتشر تلاميذهم الذين تحملوا المسؤولية في هيئة الآثار والتراث .. وتدل إعمالهم في التنقيب والصيانة التي قاموا بها ولا يزالون بأنهم أبناء وأحفاد بررة لاؤلئك الرواد العظام مؤسسي المدرسة الاثارية العراقية المعاصرة.
*ميدل ايست اون لاين 17-11-2009

قلعة دمشق ..عظمة التاريخ وعبقه !!


قلعة دمشق .. عظمة التاريخ وعبقه

أ . د ابراهيم خليل العلاف

مركز الدراسات الاقليمية – جامعة الموصل



في كل مرة أزور فيها دمشق الشام , أحرص أشد الحرص على الوقوف أمام قلعتها الشامخة , قلعة السلطان الأيوبي العادل , ويقينا أن قلعة دمشق تحتل اليوم في الذاكرة البشرية ماتستحقه من اهتمام , نظرا لما أدته من دور تاريخي عبر مراحل الزمن المختلفة 00 كانت قلعة دمشق , بتحصيناتها الدفاعية , ودورها السكنية أو مبانيها الحكومية والبلدية , وجوامعها ومساجدها وحماماتها وكل مرافق الحياة فيها , دمشق المدينة 00 دمشق العاصمة 00 ولئن اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ نشأتها الأولى , فانهم يتفقون على حقيقة مهمة وهي أن قلعة دمشق هي من أقدم قلاع الدنيا 00 وتاريخها هو تاريخ أعرق مدينة في العالم تلك هي دمشق لذلك ليس مهما القول أن بداياتها تعود لحصن روماني يرجع الى القرن الثالث الميلادي 00 لكن مما ينبغي ذكره ان هذه القلعة القديمة أعيد بناؤها , وجددت عبر عصور وقرون عربية اسلامية طويلة 0

في كتاب أعده المهندسان هزار عمران وجورج دبورة عن قلعة دمشق وصدر سنة 1998 , الكثير من الحقائق المتعلقة بهذه القلعة الحصينة والتي لاتزال آثارها شاخصة وسط العاصمة السورية , وهي تحكي قصة أولئك الرجال الذين عملوا من أجل وحدة هذه الأمة وخيرها واستقلالها , وثمة أمر لابد من ذكره وهو أن معظم مدن العصور القديمة والعصور الوسطى سواء في الشرق والغرب كانت تضم قلاعا , كانت هناك قلعة في الموصل وقلعة في اربيل وقلعة في كركوك وقلعة في حلب وقلعة في القاهرة 00وللقلعة, وتقع عادة في مكان مرتفع , ابواب وتحصينات دفاعية وأسوار وتحيط بها الخنادق , وعبر الزمن يتجدد بناء هذه القلاع وتضاف اليها بعض المباني وهكذا فان قلعة دمشق , كقلعة حلب مرت خلال تاريخها , بعدة مراحل فعلى سبيل المثال, بدأ القائد السلجوقي أيام حكم العباسيين آتسز بن أوق بتجديد بناء قلعة دمشق بعد دخوله اليها سنة 471 هجرية /1078 ميلادية . وفي عهد الدولة النورية ( الزنكية ) التي حكمت العراق والشام في السنوات الأولى من القرن الثاني عشر(549 هجرية/1154 ميلادية ) أقام نور الدين في دمشق وجعل قلعتها مقره , فأصبحت دمشق للمرة الأولى منذ نهاية العصر الأموي عاصمة للدولة العربية الإسلامية وقد جدد نور الدين القلعة ودعمها بالأبراج وبخندق محمي بســور0 كما انشأ فيها دورا ومساجد وحمامات ومدارس وقد توفي فيها رحمه الله سنة 1174 م ( 569 ) هجرية .

أما صلاح الدين الأيوبي , والذي تولى السلطة في الشام والعراق وأماكن أخرى من الوطن العربي ومنها مصر بعد انتهاء عهد الزنكيين فانه اتخذ من قلعة دمشق مركزا لعملياته العسكرية واستمر كذلك منذ 28 تشرين الأول 1174 م وحتى وفاته سنة 1139 وقد دفن رحمه الله بجوار القلعة وقرب الجامع الأموي وواصل ابنه الأكبر الأفضل علي , مسيرة ابيه مستعينا" بعمه العادل حاكم الجزيرة وقد اصبح العادل منذ سنة 1200 سلطانا" على الدولة ولنقل الإمبراطورية الأيوبية التي ترامت اطرافها لتشمل العراق ومصر والشام وخلال المسيرة التاريخية للدولة الأيوبية , فأن الملك الصالح ايوب , ومن بعده الناصر يوسف كان لهما دورهما الفاعل في تقوية اسس قلعة دمشق وتجديدها وتحصينها واضافة الكثير من المباني السكنية والإدارية داخلها .

لكن الخطر المغولي سرعان ما لاح في الأفق وخيم على الشام كما خيم من قبل على العراق , فبعد سقوط بغداد 1258 وسقوط الموصل 1260 سقطت حلب ومن ثم دمشق بيد المغول لكن المماليك في مصر والذي جاؤوا بعد الأيوبيين شمروا عن سواعدهم وتصدوا للغزاة المغول واوقفوهم عند حدهم .

اهتم المماليك بدمشق وقلعتها ونستطيع اليوم ان نتلمس آثار الكثير مما فعلوه. جدد الظاهر بييبرس القلعة وبنى فيها دارا كبيرة مع مرفقانها، واشاد طارمة واسعة فوق برج الزاوية الشمالية الغربية وحماما قرب البوابة الشرقية وأعاد بناء الجهة الشمالية المؤلفة من خمسة أبراج مع بدناتها. وعندما دخلت الشام تحت السيطرة العثمانية اثر انتصار السلطان سليم الأول (1512-1520) على المماليك , كان لقلعة دمشق ذكرياتها مع العثمانيين , لعل من أبرزها ان اسعد باشا العظم وهو من اهالي دمشق الشام احتل القلعة سنة 1746 وأصبح نائبا ( حاكما ) لدمشق وكلما كانت القلعة تتعرض للتخريب او الزلازل فان السلاطين العثمانيين كانوا يأمرون بصيانتها واعادة بناءها من جديد لكن عوادي الزمن كان لابد لها ان تترك تأثيراتها على القلعة , ففضلا عن أنها أصبحت مجرد انقاض مع مطلع القرن العشرين , فانها استخدمت حتى وقت قريب سجنا وثكنة عسكرية , كما أنها وجدت نفسها مطوقة بمجموعة كبيرة من الأسواق , حتى ان الواجهة الجنوبية للقلعة اختفت خلف ( سوق الحميدية ) الذي امتد حتى ملأ المسافات بين الأبراج 0 أما (سوق العصرونية ) فقد اتسع ليمتد على طول الجدار الشرقي للقلعة 0 وقد انتبهت الحكومة السورية لذلك فسلمت المبنى الى المديرية العامة للآثار والمتاحف ليرمم ويحافظ عليه فأزيل ( سوق الخجا ) من الواجهة الغربية , وحرر الجزء الشمالي من الواجهة الشرقية ، كما أزيلت جميع المباني عن الميدان الشمالي 0

وصف المهندسان هزارعمران وجورج دبورة القلعة في كتابهما المشار اليه آنفا فقالا ان قلعة دمشق تقع في الزاوية الشمالية الغربية من مدينة دمشق القديمة , بين باب الفرج من الشرق وباب النصر من الجنوب الذي يشغله حاليا مدخل سوق الحميدية وتبلغ أبعاده حوالي ( 150) م شمال جنوب و (220) م شرق غرب ويتعامد الجداران الشرقي والشمالي الذي يمتد بشكل مستقيم لمسافة تبلغ ثلثي طوله قبل ان ينحرف ليلاقي الجدار الغربي الذي ينقص طوله بمقدار الثلث عن الجدار الشرقي وقد صممت القلعة على هذا الشكل حتى تستفيد من الميزات الجغرافية والإستراتيجية للموقع 0 وقد بنيت القلعة على تل مرتفع ومع ان دمشق منبسطة بشكل عام مع بعض الارتفاع البسيط داخل المدينة , فقد تم بناء القلعة في هذا المكان المهم فجانبان منها فقط معرضان للغزو الخارجي 0 كما ان المصادر المائية هي اغزر ما يمكن في هذه المنطقة اذ يمر فرعان من نهر بردى من هذا المكان , فيحد ( نهر العقرباني ) القلعة من الشمال في حين يدخلها نهر بانياس جنوب البرج الثالث. لقد صممت القلعة لتعتمد على قوة دفاعاتها فهي تتألف من ثلاثة عشر برجا مع البدنات الرابطة بينها وتظهر الأبراج عن البدنات بارزة باتجاه الخارج ويتمتع الجانب الشمالي للقلعة بالمناعة لوجود أحد فروع نهر بردى بجانبه وقد زودت الأبراج بمرام في كل طابق مع تصوينة علوية مزدوجة مزودة بالسقاطات والرواشن ويتألف مكان الرمي من أيوان مجهز بمرمى ويسمح الفراغ بوجود اثنين من الرماة يتناوبان الرمي فيما بينهما ولتسيير حركة الجنود تم تأمين ابواب بالأبراج تصلها بالممر والممشى وقد اعادت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية بناء الابراج والبدنات في القلعة وفي القلعة طرق واذا مر الزائر عبر البوابة الغربية للقلعة الى الداخل فسيجد نفسه أمام ممر مسقوف. وللجدران الخارجية مناسيب دفاعية ولم يتبق من الممر المسقوف سوى الأقواس , اما القصر الأيوبي الذي كان واقعا في الجزء الغربي للقلعة فقد تهدم والقصر الحالي يعود الى أيام المماليك 0 وهناك كتابات على الأبراج والبدنات فالكتابة التأسيسية العائدة للسلطان بيبرس على سبيل المثال والموجودة على ( البرج 11 ) تقع ضمن اطار مستدير متوج بمستطيل ويحوي دائرة أصغرويبلغ ارتفاع الاطار 4 م وعرضه 5ر2 م وتقول الكتابة (( الملك لله رب العالمين مديم بنعمته على الشاكرين , بسم الله الرحمن الرحيم عز لمولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين العالم العادل المجاهد المرابط المؤيد المظفر المنصور بيبرس النجمي الصالحي آمر بعمارة القلعة المنصورة 000في سنة تسع وخمسين وستماية 0)

من داخل القلعة يمكن ان نقف على الكثير من الأبنية والمؤسسات من قبيل القصور التي كانت مقرا للسلاطين أو الحمامات أو الغرف المستطيلة المزودة بدرج للنزول اليها او القاعات الكبرى التي تحملها الأعمدة الجميلة الواقعة في منتصفها بتيجانها ولهذه القاعات مداخل والمداخل تفتح على ممرات طويلة مسقوفة وهناك أواوين مغطاة بصفوف من القرنصات وتقوم على قبب فيها كتابات وغالبا ما كانت المسافات بين الجدران مسقوفة بعدة مناسيب من الأرضيات الخشبية المحمولة على دعامات مثبتة ضمن حفر في جدران الأبراج 0 وتحاول المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية اعادة كل شئ الى نصابه في هذه القلعة كلما امكن ذلك , وطبقا للأساسيات التي يعثر عليها في الموقع , فعلى سبيل المثال أعادت بناء البرج الأول على غرار البرج ال (12) الأيوبي الوحيد المتبقي من القلعة , ومن الطبيعي فانها تستند الى كتابات الرحالة العرب والأجانب الذين زاروا القلعة وكتبوا عنها في مراحل تاريخها البعيد 0

لقد اعتمد معمار القلعة ومهندسها على الكتلة البنائية الضخمة للأبراج فأحجار الابراج هي أحجار ذات بطون ويساعدها هذا في امتصاص صدمات القذائف الموجهة اليها 0 كما زودت القلعة بممر مسقوف بالقبوات المتصالبة يدور حول كامل محيطها الداخلي مع ممشى على سطحه 0 وجدران القلعة تتألف من ثلاث طبقات 0 صفان من الحجارة النحيتة من أحد جانبها تحيطان بقلب أو حشوة من الدبش , وليس هناك أي اتصال بين حجارة الأبراج والبدنات المجاورة حتى لايسبب سقوط أحدهما انهيار الآخر وكل من يطلع اليوم على خارطة القلعة الخارجية يجد أنها محاطة بأسواق وخانات ومدارس ومستشفيات وجوامع ومقامات وطاحونات وأبواب , منها على سبيل المثال سوق الحميدية وباب النصر وسوق الحريقة وباب الجابية وخان أسعد باشا العظم وقصره والمدرسة النورية وقهوة النوفرة , والمدرسة الشميساطية والمدرسة الجقمقية ومقام صلاح الدين الأيوبي والمدرسة العادلية والمدرسة الظاهرية ثم طاحونة باب الفرج وباب الفراديس 00 وبيما رستان ( مستشفى ) النوري ومن يجلس في ( قهوة النوفرة ) وقد فعلت أنا ذلك قبل أيام ( نيسان 2007) يحس بعبق التاريخ ورائحته الزكية , تاريخ أولئك الرجال الذين نذروا أنفسهم في سبيل اعلاء كلمة الله في الأرض وعملوا من أجل العدالة والحق فتحية لهم ولذكراهم العطرة وتحية لأهلها الطيبين .

القدرات النووية الاسرائيلية


القدرات النووية الإسرائيلية


ا.د.ابراهيم خليل العلاف


مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل -العراق


نشرت قبل فترة الطبعة العبرية من كتاب الدكتور أفنير كوهين الموسوم : "إسرائيل والقنبلة"، الذي سبق ان صدرت طبعته الإنكليزية في نيويورك. وفي هذا الكتاب كشف هذا الباحث اليهودي المتخصص بالطاقة النووية الكثير من تفاصيل وأسرار صناعة السلاح النووي في إسرائيل. وقد أثار كوهين حفيظة المسؤولين الإسرائيليين لنشره هذا الكتاب ومتابعته لقصة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي، وكيف ان المخابرات المركزية الأميركية وبعض الرؤساء الأمريكيين أمثال دوايت ايزنهاور، وجون كندي، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون، كانوا على علم بهذا المشروع(1).


ان ما كشفه (أفنير كوهين) في الحقيقة لم يكن مجهولاً، بل ان المراقبين والمتتبعين لهذا الموضوع يعرفون بان إسرائيل تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية (200 قنبلة على الأقل)، فضلاً عن امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل الأخرى (الكيمياوية والجرثومية). وقد اعتمدت إسرائيل على سياسة باتت تعرف في الأدبيات السياسية بـ (سياسة الغموض النووي). وكما تكتمت الولايات المتحدة على مشروع بدء إسرائيل بتصنيع السلاح النووي منذ ما يقارب الخمسين سنة وفرضت على الموضوع ستاراً من الكتمان، فإنها اليوم تفعل الشيء ذاته، خاصة بعد ازدياد الضغط العربي والدولي على إسرائيل بضرورة التوقيع على معاهدة حظر وتحريم انتشار الأسلحة النووية لسنة 1968


Nuclear Non- proli feration Treaty.


والجدير بالملاحظة ان إسرائيل نجحت الى حد الآن وبدعم مباشر من الولايات المتحدة في الإفلات من أية رقابة دولية على أسلحتها النووية ، وكذلك من الموافقة على أي نظام لإخلاء منطقة الشرق الأوسط برمتها من أسلحة الدمار الشامل. هذا في حين يزداد الضغط الأميركي على الدول العربية والإسلامية من أجل منعها من امتلاك الأسلحة الحديثة ذات القدرات التقنية العالية ومنها الأسلحة النووية التي تمكنها من تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل.


ويبدو ان إسرائيل مرتاحة لما انتهجته من سياسة في هذا الشأن، فالغموض والكتمان والتمويه قد أفادها كثيراً، وهي مصرة اليوم على الاستمرار فيها. فهذا (الجنرال عوزي عيلام) المدير الأسبق للمجلس الإسرائيلي للطاقة الذرية يقول في حديث له مع صحيفة (ها ارتس) الإسرائيلية في شباط 1998: ((إنها لا تزال سياسة جيدة، وليست هناك حاجة لتغييرها)). اما (جدعون عزرا)، عضو لجنة الشؤون الخارجية والعسكرية في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي فيعترض على بعض من يريدون كشف ما تمتلكه إسرائيل من قنابل نووية وذلك في إطار توضيح طبيعة وأهداف الردع الإسرائيلي لمن يمتلك هذا السلاح في المنطقة على حد رأيهم، فيقول : ((كلما ازددت غموضاً، كانت قدرتك على الردع أفضل!! )).


لقد دأب المسؤولون الإسرائيليون منذ سنوات طويلة، على ترديد جواب محدد لكل من يسألهم عن ما إذا كانت إسرائيل تمتلك الأسلحة النووية ام لا، وقيل ان شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، حينما كان مديراً عاماً لوزارة الدفاع الإسرائيلية، هو صاحب ذلك الجواب وملخصه: ((إن إسرائيل لن تكون أول من يدخل سلاحاً نووياً الى المنطقة!! )). وقد عقب بيريز نفسه مرة على ذلك عندما قال سنة 1995 : ((سنتخلى عن الخيار النووي إذا أعطونا السلام)). وفي هذا إشارة صريحة على ان إسرائيل تمتلك الخيار النووي، لكنه عاد واستدرك ليقول في أثناء مقابلة صحفية أجرتها معه جريدة الحياة التي تصدر بلندن باللغة العربية (22 من كانون الأول 1995) : ((إن السرية التي تحيط بالبرنامج النووي الإسرائيلي أفادت في خلق عامل الردع المطلوب لدى الدول العربية !! )). وكان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أكثر إفصاحاً لما تفعله إسرائيل حينما صرح في 26 من كانون الثاني 1996 برفضه ((التخلي عن قدرات بلاده النووية والكيمياوية والجرثومية حتى ولو وقعت الدول العربية كلها على معاهدة سلام مع بلاده)). وجاء ايهودا باراك رئيس الوزراء الأسبق (1999) ليؤكد : ((ان سياسة إسرائيل النووية لن تتغير))(2).


ان قصة امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، قصة طويلة ابتدأت منذ اول يوم وطأ فيه الغزاة الإسرائيليون ارض فلسطين. ففي سنة 1949، أي بعد سنة واحدة من إعلان تأسيس كيانهم نشرت تقارير علمية تقول ان الاهتمام بالبحوث العلمية النووية في إسرائيل ابتدأ قبل انتهاء الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى سنة 1948 عن طريق حاييم وايزمان والجيل الأول من علماء الذرة أمثال تيلر واوبنهايمر. وكان هذا انعكاساً للأهمية التي أولتها الحركة الصهيونية للعلم والتقنية الحديثة في مواجهة ما أطلق عليه آنذاك بـ (متطلبات الأمن الإسرائيلي).


وقد أدرك وايزمن، وهو عالم في الكيمياء ترأس الكيان الإسرائيلي فيما بعد، أبعاد استعمال الذرة كسلاح عسكري وسياسي واقتصادي حينما قال في مذكراته المنشورة سنة 1950 بعنوان: (التجربة والخطأ) : ((إن (الذرة الإسرائيلية) ينبغي ان تحل محل (النفط العربي) )) و ((إن بالامكان جعل فلسطين مركزاً لهذا التطور العلمي الذي يمكن ان يخلص العالم من احتكار العرب للنفط!! )).


وفي أوائل سنة 1949 فتح (معهد وايزمن)، وهو مؤسسة بحثية، مركزاً لبحوث النظائر، ثم بدأت حملة مسح جيولوجي في صحراء النقب لتحديد حجم تراكيز اليورانيوم، وفي 13 من حزيران سنة 1952 تألفت (لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية) في إطار وزارة الحرب وزودت بميزانية مستقلة ومختبرات خاصة ووضع على رأسها الدكتور ارنست ديفيد برغمان الذي اكتشف اليورانيوم في النقب. وفي مطلع سنة 1953 وقعت إسرائيل مع فرنسا اتفاقية للتعاون المشترك وتبادل الخبرات العلمية في مجال الطاقة النووية. وفي السنة ذاتها أعلن الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بان بلاده لا تعترض على استعمال الذرة من اجل السلام وإنها مستعدة لوضع ما لديها من معلومات ومنشآت في متناول الدول الأخرى. وقد استفادت إسرائيل من هذا التوجه الاميركي، فوقعت على اتفاقية ثنائية للتعاون النووي مع الولايات المتحدة.


وفي سنة 1955 وافقت الحكومة الفرنسية على تزويد إسرائيل بمفاعل أبحاث حراري وقد أسس في منطقة ديمونة بصحراء النقب وقيل ان قدرته (25) ميكا واط. وفي 1960 افتتح مفاعل آخر بالتعاون مع الخبراء الأمريكيين ويقع في جنوب تل أبيب واسمه (ناحال سوريك) قرب معهد وايزمان للبحث النووي في رحوبوت. ومنذ ذلك الوقت والخبراء الإسرائيليون يعملون للتغلب على مشكلة الحصول على مورد كاف ومستمر من اليورانيوم الطبيعي والماء الثقيل وبدون ان ينتبه المجتمع الدولي لذلك. وقد أستطاعت إسرائيل ان تقيم علاقات جيدة مع جنوب أفريقيا وزائير والغابون ومن خلال هذه العلاقات حصلت على ما تريد. كما اعتمدت على المصادر الموجودة داخل فلسطين من اليورانيوم وخاصة في صحراء النقب، وقد أشار الدكتور هورنج في دراسة خاصة عن (التوازن العسكري في الشرق الأوسط) نشرت سنة 1969 ، أعدت خصيصاً لمؤسسة راند الأميركية الى إن إسرائيل تمكنت من التوصل الى إمكانية مختبرية لفصل البلوتونيوم وذلك يوفر لها كميات كبيرة من الوقود المشع لإنتاج القنابل الذرية.


ولم ينكر الدكتور ادوارد تيلر، العالم الذري الاميركي المعروف بعد زيارته لاسرائيل في 12 من ديسمبر- كانون الأول 1965 ان تكون اسرائيل قد صنعت القنبلة الذرية، بل وقامت باجراء تجارب لتفجيرها. كما ان اسرائيل توجهت سنة 1975 الى ان تطلب من الولايات المتحدة، نوعاً من الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، وبدأت المعلومات منذ سنة 1976 تتوالى عن امتلاك إسرائيل لـ (10-20) قنبلة نووية، وفي 13 من ابريل- نيسان 1976 ارتفع العدد الى (23) وهناك اليوم من يتحدث عن ان إسرائيل تمتلك خمسة مفاعلات نووية ونحو (200) قنبلة نووية.


وفي 26 من كانون الثاني- يناير 1978 حررت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تقريراً جاء فيه : ((ان هناك معلومات تؤيد ان إسرائيل قد أنتجت سلاحاً نووياً)). وفي تقرير صدر عن مركز الدراسات الإستراتيجية في كانبيرا باستراليا تحت عنوان: (الحالة الاستراتيجية للسنة 1980)، جاء فيه ان إسرائيل ستكون قوة نووية سنة 1980 ان هي أرادت ذلك.


وجاء (مردخاي فانونو) ذلك التقني الإسرائيلي الذي عمل قرابة سبع سنوات في مفاعل ديمونة ليكشف لصحيفة صنداي تايمز سنة 1986 عن تفاصيل النشاط النووي في إسرائيل قائلاً: ((ان الإسرائيليين اجروا تجارب نووية تحت سطح الأرض)). وقد حكم على فانونو بالسجن (18) عاماً بتهمة التجسس. وقد عقب (شاي فيلدمان) رئيس معهد جافي للدراسات الإستراتيجية في إسرائيل ان ما كشف عنه فانونو، أضر بسياسة الغموض النووي التي تنتهجها إسرائيل بنسبة (80٪)، وانه إذا أُميط اللثام عن الـ (20٪) الباقية، فان هذا يعرض للخطر المساعدات الاميركية التي تحصل عليها إسرائيل وقدرها ثلاثة مليارات دولار سنوياً، وربما تضر جهود إسرائيل والولايات المتحدة للحيلولة دون امتلاك الدول العربية او إيران للقنبلة الذرية!!


لقد أصبح معلوماً ان إسرائيل تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية، فضلاً عن امتلاكها ترسانات من أسلحة الدمار الشامل الأخرى، وتعتمد إسرائيل (سياسة الغموض النووي)، ويساعدها الغرب ويتستر عليها، ولا يجبرها على إخضاع ترسانتها النووية لأية رقابة دولية، كما يساعدها على التهرب من إقامة نظام لإخلاء المنطقة برمتها من أسلحة الدمار الشامل من جهة أخرى، هذا في حين تمنع إيران ويمنع العرب من امتلاك أية أسلحة تمكنهم من تحقيق توازن استراتيجي مع إسرائيل.


ان من الحقائق التي أصبحت واضحة للعيان، ان الدول النووية الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة هي التي ساعدت إسرائيل على امتلاك الأسلحة النووية، انطلاقاً من كونها قاعدة للغرب. وطبيعي ان هذا الانتشار النووي هو الذي دفع دولاً أخرى للحصول على الطاقة النووية، فليس من المعقول ان يضم (الشرق الأوسط) دولة نووية واحدة فقط هي إسرائيل. كما يقول جارلس ماينز في مقاله المنشور في مجلة (السياسة الدولية) العدد 82 لسنة 1991 ويبرز ماينز سياسة الكيل بمكيالين التي مارسها الأميركان ولا يزالون يمارسونها فهم قد دعموا إسرائيل نووياً، وحاربوا العراق واستخدموا مختلف أسلحة التدمير ضده بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل!!


يعلق الجنرال الكساندر هيغ وزير الخارجية الأمريكية الأسبق في حديثه مع محمد سلماوي المنشور في جريدة الأهرام يوم 22 من شباط 1999 على ذلك قائلاً: ((ان سياسة المعيار المزدوج التي تتبعها الولايات المتحدة عامل فعال في الانتشار النووي... دعني أقول لك بصراحة إن السياسة الأميركية الحالية في هذا الشأن يشوبها بعض السذاجة، فالتصور إننا عن طريق الابتزاز والحصار والمقاطعة يمكن أن نقضي على أسلحة الدمار الشامل هو تصور غير سليم وينم عن جهل بالدوافع التي توجد وراء رغبة الدول في الحصول على هذه الأسلحة)).


في 29 من نيسان 1999 قال وزير الدفاع الأميركي الأسبق (وليم كوهين) في تصريح نقلته جريدة الأهرام (المصرية) بأنه بحث مع نظيره الأسرائيلي آنذاك، موشي ارنز برامج التحديث العسكري في اسرائيل والتزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق النوعي لتل أبيب على الدول المجاورة. ويعلق الدكتور بكر مصباح تنيره في بحثه الموسوم: ((تطور الصراع الاستراتيجي بين القوى الإقليمية الدولية في الشرق الأوسط وأثره في مستقبل الوطن العربي)) على قول كوهين آنذاك، بقوله : ((ان هذا تحيز فاضح من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل لا يساعد على حل مشكلات الصراع في المنطقة. كما انه سيؤدي الى اختلال توازن القوى ويشجع إسرائيل على رفض تطبيق قرارات (الشرعية الدولية) واستمرار احتلالها لأجزاء واسعة من الأرض العربية واغتصابها حقوق السيادة للشعب الفلسطيني وتنفيذها استراتيجية التوسع الإقليمي بأحداثها تغييرات جغرافية وسكانية في الأراضي المحتلة وهو ما يمثل تحديا قويا للحقوق العربية وللامن القومي العربي بل ولدور الوطن العربي على الصعيدين الأقليمي والدولي))(4).


ويضيف الدكتور تنيرة الى ذلك قوله : ((ان استمرار الأعمال العسكرية التي تقوم بها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق دون تخويل صريح لهما من مجلس الأمن صاحب الاختصاص الأول في المحافظة على الأمن والسلام في العالم، وغض الطرف عن امتلاك اسرائيل أسلحة الدمار الشامل ومنها السلاح النووي، والإصرار على تجريد العراق من أسلحته الاستراتيجية، يمثل تهديداً خطيراً لمصالح الأمة العربية على المديين القريب والبعيد)).


لقد أصبح معروفا للجميع إن إسرائيل تمتلك مالايقل عن خمسة مفاعلات نووية ولديها رؤوس نووية تكفي لتدمير العالم كله كما إن أخبارا مؤكدة تشير الى قيامها بإجراء سلسلة من التجارب النووية تحت الأرض وقد كشف السفير محمد صبيح مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية في اجتماعات الدورة السابعة للجنة العربية الفنية المكلفة من قبل وزراء الخارجية العرب بمتابعة ورصد النشاط النووي الإسرائيلي المخالف لاتفاقية منع الانتشار النووي عن معلومات خطيرة تتعلق بقيام إسرائيل باستقدام 92 ألف عالم وخبير من الاتحاد السوفيتي (السابق) خلال السنوات الثلاث الماضية منهم عشرة آلاف عالم متخصص في الأسلحة النووية والأقمار الصناعية. وقال في تصريحات صحفية نقلتها جريدة الثورة (البغدادية)(5): ((إن إسرائيل تقوم حاليا بنشاط نووي ملحوظ على إحدى الغواصات الألمانية من طراز دولفين التي تسلمتها من اصل ثلاث غواصات)). وقد حذر صبيح من التبادل العسكري الإسرائيلي مع بعض الدول سواء الأطراف الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي ام غيرها لان ذلك التعاون يضر بالأمن القومي العربي كما طالب الولايات المتحدة بان لا تكيل بمكيالين في قضية أسلحة الدمار الشامل.


لقد ناقشت اللجنة المذكورة على مدى يومين (23-25) من كانون الثاني 2000 في القاهرة عدداً من القضايا المتعلقة بمتابعة ورصد النشاط النووي الإسرائيلي وفي مقدمتها التعاون العسكري النووي بين إسرائيل وبعض الدول الأعضاء في هذه المعاهدة وخطورة ذلك على مصداقيتها وعالميتها. وطالبت اللجنة الدول الأطراف في معاهدة منع الانتشار النووي ببذل الجهود الحثيثة لتحقيق انضمام إسرائيل الى مؤتمر مراجعة عدم الانتشار النووي المقرر عقده في نيويورك في نيسان 2000. وقد صرح السفير محمد زكريا إسماعيل الأمين العام المساعد للجامعة المكلف بملف أسلحة الدمار الشامل، ان اللجنة وضعت مشروعا لمعاهدة مقترحة، الهدف منه استبعاد خطر استخدام الطاقة النووية في الأغراض غير السلمية في المنطقة. وأوضح ان الدول العربية ومعها الدول الصديقة تسعى خلال مؤتمر المراجعة القادم في نيويورك، تأكيد ممارسة الضغوط بشكل أقوى من اجل التأثير في الموقف الإسرائيلي. وقال : ((انه لايمكن أن نتصور حالة تعيش فيها الدول العربية تحت تهديد السلاح النووي الإسرائيلي الذي يتخذه هذا الكيان أداة للابتزاز السياسي في المنطقة))(6).


في كانون الأول 2002 كشفت صحيفة (يديعوت احرونوت) التي تصدر في تل ابيب، وهي على صلة وثيقة بمصادر صنع القرار السياسي في إسرائيل، عن خبر إنشاء مفاعل نووي جديد في صحراء النقب وعلى مقربة من مناطق الحدود مع مصر. وفي البداية قالت المصادر الإسرائيلية ان المفاعل يخدم اغراضاً سلمية من قبيل توليد الطاقة الكهربائية، لكن الصحيفة عادت ثانية لتؤكد ان المفاعل الجديد هو للاستخدام العسكري، وان الجهة المشرفة عليه هي وزارة الدفاع الإسرائيلية، وهيئة الطاقة الذرية في رئاسة الأركان العامة(7). ومع ان تلك الأخبار عن النشاط النووي الإسرائيلي تعد جديدة بل ومثيرة كون ان الإسرائيليين، كما سبق أن قدمنا، ومنذ قرابة نصف قرن يتبعون سياسة الغموض في ما يتعلق بسياستهم النووية، إلا أن المراقبين والمتتبعين لهذا الموضوع يعرفون إن إسرائيل تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة بلغت على وفق آخر التقديرات الأميركية 400 رأس نووي، فضلاً عن امتلاكها أسلحة الدمار الشامل الأخرى الكيمياوية والبيولوجية.


إن مما يثير العجب والاستغراب حقاً أن تلاحق الولايات المتحدة إيران اليوم بسبب رغبتها في امتلاك القدرات النووية كما لاحقت العراق بناء على شكوك مفتعلة واتهامات باطلة وافتراضات مغرضة في حين يتم السكوت على قيام إسرائيل كل يوم بتعزيز وتطوير أسلحة الدمار الشامل وقذائف إيصالها. كما إن إسرائيل، كما هو معروف، لا تزال تمتنع عن توقيع معاهدة حظر وتحريم انتشار الأسلحة النووية لسنة 1968.


ان من الأمور التي ينبغي الوقوف عندها، ان امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، وإصرارها على احتكاره وقيامها بالحيلولة دون امتلاك اية دولة عربية لهذا السلاح ، بل وتدميره ان وجد كما فعلت عندما شنت هجومها على مفاعل تموز النووي السلمي في العراق وإقدامها على قتل العديد من الخبراء العرب في حقل الذرة، ان ذلك كله يهدد الأمن القومي العربي ويهدد مستقبل السكان في هذه المنطقة ورغبتهم في امتلاك ناصية العلم والتقنية، هذا فضلاً عن إنه يسهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة، ويترك المجال مفتوحاً أمام العدوان الإسرائيلي المستمر على الدول العربية. كما إن النشاط النووي الإسرائيلي والتجارب التي تتم تحت سطح الأرض تترك، بدون شك، اثاراً سلبية على الإنسان والبيئة في هذه المنطقة المهمة من العالم.


لذلك كله، كان لابد من ان تدرك الدول العربية مخاطر السياسة النووية الإسرائيلية وأهدافها على وجودها ومستقبلها، ومما يسجل في هذا الصدد ان هناك حملة جيدة، ينبغي لها أن تتواصل سواء على صعيد جامعة الدول العربية او الدول العربية منفردة، وخاصة مصر والعراق وسوريا ودولة الأمارات العربية المتحدة، لتوضيح مخاطر امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية. كما إن المثقفين العرب باتوا يشعرون، أكثر من غيرهم، بخطورة الأمر ويمكن الإشارة الى هذه المجهودات فيما نجم عن الاجتماع السادس للجنة متابعة النشاط النووي الإسرائيلي التابعة لمجلس جامعة الدول العربية والمنعقد في آب – أغسطس 1999 ومناقشة اللجنة لخطة التحرك العربية التي اتفق على طرحها في مؤتمر عام 2000 الخاص بمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي والمنعقد في نيويورك في ايار – مايو سنة 2000.


لقد بذلت الجهود في ذلك المؤتمر لضمان ادراج بند تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط، وبند القدرات الإسرائيلية في جدول الأعمال. كما أن مؤتمراً علمياً عقد يوم 20 من تشرين الثاني- نوفمبر 1999 في جامعة أسيوط بمصر حول مستقبل الخيار النووي في الشرق الأوسط، أكد ضرورة تحقيق التوازن الإستراتيجي في ظل امتلاك إسرائيل ترسانة نووية وضرورة التزامها بالقرارات الصادرة في هذا المجال. وقد دعا المؤتمر، الدول العربية الى عدم التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيمياوية، وممارسة الضغوط من أجل موازنة نصوصها التي تفرض عقوبات على غير الموقعين عليها بإضافة الالتزام نفسه الى معاهدة منع الانتشار النووي أو تعديل نصوصها بالإضافة الى دعم موقف بعض الدول العربية المتمثل في عدم الانضمام إليها. وأعرب عن رفضه لفكرة التعايش مع الترسانة النووية الإسرائيلية لكونها مسألة خطيرة تهدد الأمن القومي العربي وتجعل إسرائيل في وضع استثنائي في المنطقة. كما أوصى المؤتمر ببناء قدرة نووية عربية في مجال الاستخدام السلمي، وعدم استبعاد أية خيارات، وتحديث القوة الذاتية خاصة في مجال الأسلحة التقليدية وفوق التقليدية غير النووية، وبما يحقق التوازن العسكري في المنطقة.


ولعل آخر ما صدر في مجال ضرورة التأثير على مسار امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، ما ورد في قرارات مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في كوالالمبور واختتم أعماله يوم 30 حزيران- يونيو 2000 من مطالبة المجتمع الدولي ومجلس الأمن بإلزام إسرائيل بالانصياع لقرارات الأمم المتحدة وبالانضمام الى معاهدة حظر وتحريم انتشار الأسلحة النووية لسنة 1968 وتنفيذ قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.


وفي ما يتعلق بمفاعل النقب الجديد، فان على الدول العربية تذكير المجتمع الدولي المتمثل بهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها بمسؤوليته في حماية العالم ومنطقة الشرق الأوسط خاصة من مخاطر النشاط النووي الإسرائيلي ليس على الأمن القومي العربي وامن الشرق الأوسط وحسب بل وعلى الصحة والبيئة والإنسان كذلك. وقد أشارت مجلة الأهرام العربي (كانون الأول 2002) الى أن مصادر هيئة الطاقة الذرية المصرية وأدارة نزع السلاح في وزارة الخارجية المصرية بدأت بالتحرك ضد إنشاء هذا المفاعل، وأخذت بإجراء معاينات وقياسات عاجلة على طول الحدود في منطقة النقب لتحديد الأخطار الصحية والبيئية وان المخاوف المصرية تنحصر في مشكلتين عاجلتين اولاهما تتعلق بالتهديد المباشر للأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي. وثانيهما تزايد المخاوف من حدوث تسرب إشعاعي في هذا المفاعل ومخاطره على صحة وحياة المواطنين القاطنين على الحدود المصرية، وطبيعي فان السلطات المصرية المسؤولة ستلجأ الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن والجمعية العامة للامم المتحدة للإبلاغ عن هذا المفاعل وطلب فرض عقوبات دولية على إسرائيل خاصة وإنها لم تنضم، كما قلنا، الى معاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل وبالتالي يحظر عليها إقامة هذه المفاعلات والقيام بأية برامج لأسلحة الدمار الشامل بشكل كامل وبالتالي فان من حق مصر ان تطلب اجراءاً تفتيشياً ومراقبة دولية لمناطق الحدود وخاصة صحراء النقب في حالة صدور قرار من مجلس الأمن لحماية الحدود والمصالح المصرية والعربية.


الهوامش والمصادر:


(1) للتفاصيل انظر : إبراهيم خليل العلاف، ((طبيعة السياسة النووية الإسرائيلية وأهدافها))، نشرة متابعات إقليمية، يصدرها مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل، العدد (8) ، تموز 2004.


(2) انظر : إبراهيم خليل العلاف، ((الكيان الصهيوني وسياسة الغموض النووي))، جريدةٍ الثورة (البغدادية) 5 كانون الأول 1999.


(3) انظر : إبراهيم خليل العلاف، "مفاعل النقب الجديد"، جريدة الثورة، 17 كانون الأول 2002.


(4) انظر مجلة شؤون عربية ، القاهرة، العدد (100)، كانون الأول 1999.


(5) انظر العدد الصادر في 24 كانون الثاني 2004.


(6) انظر : إبراهيم خليل العلاف، ((الفقرة 14 من القرار 687 ومخاطر النشاط النووي الصهيوني)) ، جريدة الثورة 20 شباط 2000.


(7) انظر : إبراهيم خليل العلاف، ((مفاعل النقب الجديد))، جريدة الثورة 17 كانون الأول 2002.

ياسين عبد الكريم واسهاماته في كتابة التاريخ في العراق



ياسين عبد الكريم واسهاماته في كتابة التاريخ في العراق
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل
مؤرخ ومرب وأستاذ جامعي معروف، ولد سنة 1914 في مدينة تلعفر (محافظة نينوى /الموصل ) ودخل المدرسة الابتدائية في تلعفر وتخرج فيها سنة 1930. اما الدراسة المتوسطة فقد اكملها في مدينة الموصل سنة 1933 ودخل دار المعلمين الابتدائية ببغداد وتخرج فيها سنة 1935 وعين معلما في قضاء طوز خرماتو وبعد ذلك حصل على اجازة دراسية وانتمى الى دار المعلمين العالية ببغداد وتخرج فيها سنة 1940، وعمل مدرسا ثم مفتشا (مشرفا تربويا) قرابة عشر سنوات (1940 -1951)، وفي سنة 1951 التحق بالبعثة العلمية العراقية الى جامعة منسوتا بالولايات المتحدة الاميركية.وقد نال الدكتوراه في التاريخ الحديث عن رسالته الموسومة "علاقات الجمهورية التركية الخارجية 1939 -1942 " .
عاد الى العراق في اب 1956، وعين مدرسا في قسم التاريخ بكلية الاداب /جامعة بغداد وقد رقي الى استاذ مساعد واستاذ ودرس موادا عديدة منها "تاريخ اوربا الحديث "و "تاريخ الشرق الادنى الحديث ".
لقد ساعدته معرفته باللغة التركية واللغة الانكليزية في ترجمة بعض الكتب، منها الجزء الثالث من كتاب "تاريخ العالم الحديث " للمؤرخ الاميركي (بالمر). كما انه كتب بحوثا عدة باللغة الانكليزية منها "الاستعمار الانكليزي في بورما " و" الاستعمار الاميركي في الفيلبين " .
اسهم الدكتور ياسين عبد الكريم مع عدد من زملائه امثال الاستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري والاستاذ الدكتور جعفر خصباك والاستاذ الدكتور صالح احمد العلي في تاليف كراس بعنوان "تفسير التاريخ " ويصب هذا الكراس في اطار الصراع السياسي الذي شهده العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 وبخاصة بين التيارات القومية والتيارات الشيوعية والفصل الذي كتبه الدكتور ياسين عبد الكريم كان بعنوان " التفسير الاقتصادي ". وقد دعا في هذا الفصل الى الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي الذي يركز على دراسة الانتاج وتاريخ الزراعة والصناعة والتجارة والبنوك والاستثمار وغير ذلك من نشاط الانسان. ويعد الدكتور ياسين عبد الكريم من اوائل المؤرخين العراقيين والعرب الذين ناقشوا التفسير الماركسي للتاريخ وعرفوا به وتبنوا التفسير الاقتصادي ودعوا اليه وقد اشار الى ان التفسير الماركسي تفسير مثالي لم يات بنتيجة لدراسة الاحداث التاريخية، بل افترض سلفا تسويغ اراء سياسية لم تثبت صحتها عمليا .
وضمن فصله، أراء قيمة عن التاريخ، وفهمه وتفسيره، فلقد اشار الى ان العراقيين القدماء من سومريين وبابليين واشوريين انشأوا حضارة اصيلة، وأسهموا في بناء الحضارة الانسانية. وكان لسكان العراق معرفة واسعة بالزراعة والاداب والفنون والرياضيات وتنظيم المجتمع والدولة. وبعد ظهور الاسلام ونشوء الدولة العربية الاسلامية، اصبحت بغداد مركزا للسياسة والثقافة والحضارة .
ناقش الدكتور ياسين عبد الكريم اسباب الاختلافات بين المؤرخين حول كتابة التاريخ وفهمه وتفسيره وغايته وقال ان ذلك يرجع الى الى تاثير المذاهب الفلسفية والاراء الحزبية والنظريات العلمية، وما يمكن ان يحصل عليه المؤرخ من وثائق ومعلومات جديدة ومن هنا فالتاريخ بحاجة الى اعادة كتابة وبشكل مستمر وقال الدكتور ياسين عبد الكريم ان التفسير الاقتصادي يؤمن بان عوامل التاريخ معقدة ومتشابكة ومتفاعلة. اما التفسير الماركسي فهو تفسير ميكانيكي يؤكد اهمية العنصر الالي، في حين يؤكد التفسير الاقتصادي على نشوء المجتمعات والمؤسسات فان التفسير الماركسي يؤمن بالجبرية الاقتصادية حيث يسير الانسان بموجبها الى مصيره المحتوم الذي فسره كارل ماركس بانهيار الراسمالية وقيام دكتاتورية البروليتارية (العمال) وعلى هذا الاساس عدت الماركسية الانسان الة في المجتمع، بينما يعد التفسير الاقتصادي الانسان، مبدعا ومخترعا وقادرا على التكيف ويعد التملك غريزة ومن ضروريات المحافظة على الحياة، وبذلك يمكن من دراسة الماضي فهم الحاضر ووضع الخطط للمستقبل.
كان المؤرخ الدكتور ياسين عبد الكريم، في مقدمة المؤرخين العراقيين الذين دعوا الى الاهتمام بالوثائق والوثائق العثمانية بخاصة لما لها من اهمية في فهم تكوين المجتمع العربي خلال القرون الاربعة التي حكم فيها العثمانيون العالم العربي والتي امتدت من القرن السادس عشر الى القرن العشرين. وكان للدكتور ياسين عبد الكريم دور كبير في تاسيس المركز الوطني لحفظ الوثائق ( دار الكتب والوثائق ) سنة 1963 وذلك مع كل من المؤرخين الاستاذين الدكتورين عبد المنعم رشاد رحمه الله، وعبد الامير محمد امين ومما قاموا به هو فهرسة الوثائق التي عثر عليها في البلاط الملكي والوزارات المختلفة وتصنيفها ووضعها في متناول الباحثين وطلبة الدراسات العليا .
اشرف الدكتور ياسين عبد الكريم على عدد من طلبة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه ). كما القى محاضرات في معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية العراقية. وكان يحث طلبته على الرجوع دائما الى الاصول والوثائق. وقد اسهم الدكتور ياسين عبد الكريم مع زملائه المؤرخين العراقيين في مشاريع علمية منها انجاز كتاب (الجيش والسلاح ) بعدة اجزاء، وكتاب (تاريخ القوات العراقية المسلحة ) بعدة اجزاء. توفي رحمه الله في 24 حزيران 1988.

سامي طه الحافظ ورحلته مع الصحافة الموصلية


سامي طه الحافظ ورحلته مع الصحافة الموصلية

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الإقليمية_جامعة الموصل
سامي طه الحافظ ( 1933-1994 )، رحمه الله، صحفي وكاتب وقاص، كانت له بصمات واضحة في بنيان الصحافة الموصلية والعراقية من آثاره : قطار الظلام 1955 (قصص)، ألما عنده فلس 1963 (مسرحية)، صورة المرحوم 1971 (مسرحية)، 4-1=3، 1974 (مسرحية)، الحمام 1972 (مسرحية)،أتاحت له فرصة مرور (100) سنة على نشأة الصحافة الموصلية ليكتب مقالاً مهما بعنوان :( تجربة صحفي بلا هوية.. جوانب مضيئة في الصحافة الموصلية 1953_1988)، في جريدة الحدباء (الموصلية) بعددها الصادر في 6 حزيران 1989 ولأهمية المقال_الوثيقة، يسعدنا اليوم أن تقف عنده مبتغين إلقاء الضوء على واحدة من التجارب الصحفية الثرية.
ومما قاله في المقال إن الصحافة الموصلية خلال مسيرتها الطويلة منذ صدور جريدة الموصل في 25 حزيران 1885 تميزت بتنوعها ، وكثرة أعدادها إلى جانب مواضيعها الجادة والمتنوعة. وقد ظهر منذ ذلك الوقت صحفيون وكتاب يشار أليهم بالبنان أمثال الأساتذة إبراهيم ألجلبي وولديه محمود واحمد سامي، وعبدالباسط يونس وغربي الحاج احمد ومحي الدين أبو الخطاب ومحمود مفتي الشافعية .. ويضيف أن بداية عمله الصحفي كان في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وفي المدرسة الثانوية الشرقية حيث قام وأعضاء لجنة الخطابة بإصدار نشرة مدرسية بعنوان : (النبراس) وبأشراف مدرس اللغة العربية آنذاك الأستاذ محمود نوري. كما أسهم في الكتابة لمجلة (الإلهام) التي أصدرتها الإعدادية المركزية. وقد نظمت المجلة مسابقة للقصة القصيرة بأشراف الأستاذ شاذل طاقة، وشارك الحافظ بالمسابقة بقصته (بقايا رماد) التي فازت بالجائزة الأولى، ومنذئذ اخذ يطرق باب النشر في صحف الموصل وأهمها صحف عبدالباسط يونس (الهدف) و(الفجر) و(المثال) و(العاصفة) و(الراية) و(وحي القلم) و(النضال) للأستاذ غربي الحاج احمد و(فتى العراق) لصاحبها إبراهيم ألجلبي،و(الأديب) للأستاذ محي الدين أبو الخطاب و( الهدى) للأستاذ سامي الخطيب و(صدى الاشتراكيين) للأستاذ جار الله أيوب العلاف و(البرهان) للأستاذ عبدالله محمد الصوفي و(الأساس) للأستاذ أمين عبدالله اغا و(الذكرى) للأستاذ احمد الحاج إسماعيل و(الفنار) للأستاذ عدنان النقيب و(الحقيقة) للأستاذ لطفي العبيدي و(صوت الأمة) للأستاذ نجيب ادمون و(الوميض) للأستاذ رمزي العمري و(الواقع) للأستاذ محمود النعيمي و(الأهالي) للأستاذ يوسف الحاج اليأس و(الشبيبة) للأستاذ بشير مصطفى و(الحقيقة) جرجيس فتح الله و(مجلة الثقافة) للأستاذ عبدالله احمد الدبوني.
قدم الأستاذ سامي طه الحافظ مجموعة من قصصه للنشر في جريدة نصير الحق، والطريف إن اسمه الحقيقي كان يظهر إلى جانب عبارة (الأديب الناشئ) وكان يغتاظ من ذلك لكنه كان مضطرا لقبول ذلك على مضض!! .
وعن علاقته بجريدة فتى العراق يقول انه انتقل بعد (نصير الحق) و(الراية) إلى جريدة فتى العراق، واختار موضوعا غريبا وملفتا للنظر لنشره في جريدة فتى العراق لأول مرة، فلقد أصدر الشاعر محمود المحروق ديوانه الشعري(قيثارة الريح)، فكتب له نقدا قال فيه أن زمن تغريد البلابل قد ولى ولابد أن يكون شعرنا معبرا عن الحالة المأسوية التي تعيشها الأمة العربية بعد ضياع فلسطين وكان موضوعه :(البلبل في القفص). وقد أثار الموضوع بعد نشره جدلاً لدى الأوساط الأدبية، ونشر الشاعر هاشم الطعان رداً أيد فيه وجهة نظر المحروق.. واشترك في الحوار حول الموضوع شعراء آخرين منهم: احمد محمد المختار وعبد الغفار الصائغ وبعد انتقل الأستاذ سامي طه الحافظ لتحرير صحيفة الأسرة في جريدة فتى العراق، كما حرر عمود (صور وألوان) بالمشاركة مع محمود ألجلبي، وعبد الغفار الصائغ و عبد الحميد التحافي واحمد سامي ألجلبي، وذو النون شهاب وعدنان محمد شيت وعدنان الأمام،وافرد له سكرتير التحرير آنذاك تحرير صفحة كاملة بعنوان : ( حصاد الأسبوع)، ينشر فيها مواضيع أدبية واجتماعية ومن الذين نشر لهم في صفحته الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي، والأستاذ احمد فياض ألمفرجي.
سافر الأستاذ سامي طه الحافظ إلى بغداد، ودخل كلية الآداب_جامعة بغداد، وهناك التقى عددا من الأدباء والشعراء والكتاب منهم موفق خضر وسامي مهدي وغازي ألعبادي وإبراهيم الزبيدي وخضر الولي.. لكن ظروفه العائلية لم تكن على مايرام فقطع دراسته وعاد إلى الموصل والتحقق بالدورة التربوية. وعندئذ خصص له سكرتير تحرير جريدة فتى العراق الأستاذ احمد سامي ألجلبي، رحمه الله، صفحة كاملة للقصة القصيرة وقد وضع الحافظ خطة واضحة وهي انه كان يختار ثلاث قصص لنشرها. كما نظم مسابقة للقصة القصيرة وتقدم قرابة (50) من كتاب القصة للمشاركة وبعد إعلان النتائج فاز بالجائزة الأولى (معن عبد القادر آل زكر) وبالجائزة الثانية (خير الدين سلطان محمد) وبالجائزة الثالثة (طلال حسن عبد الرحمن) كما منحت لجنة التحكيم جوائز تقديرية لعشر قصص أخرى ومن جملة من فاز بها (حسب الله يحيى) و(طلال مجيد) و(تغريد ألجلبي) . كما أفسح الحافظ المجال لكتاب جدد اغنوا صفحته بنتاجاتهم منهم (أنور عبد العزيز) و (سالم العزاوي) و(عبد الوهاب ألنعيمي) رحمه الله، و(سالم حسين).
وقد تشكلت خلال هذه المرحلة رابطة ثقافية أطلق عليها (رابطة الفتى) ضمت كتاب جريدة فتى العراق الدائميين من الذين تفرغوا لمناسبة حركة الثقافة العراقية والعربية المعاصرة وكان من ابرز من انتمى الى هذه الرابطة (احمد سامي ألجلبي) و(عبد الغفار الصائغ) و(عبد الحميد اللاوند) و(احمد محمد المختار) و(عبد الحميد التحافي)، وتخصص كل واحد من هؤلاء في متابعة لون من ألوان الثقافة ، فالحلبي والصائغ تخصصا بمتابعة المقالات التي ترد الى الجريدة وتحديد مدى صلاحيتها للنشر في حين تخصص اللاوند والتحافي بقراءة القصص القصيرة, وقد استمرت الرابطة في عملها حتى توقفت الجريدة عن الصدور أواخر الستينات من القرن الماضي.
ويتحدث الحافظ عن جماعة (رواد الأدب والحياة) ويسميهم (رواد الأدب والحياة) فيقول ان مجموعة من الأدباء شكلوا تجمعاً أدبيا أسموه (رواد الأدب والحياة) وهم شاذل طاقة وغانم الدباغ ومحمود المحروق وهاشم الطعان ثم انضم إليهم فيما بعد عبد الواحد لؤلؤة وعبد الحليم اللاوند وهدفهم تقديم كتابات أدبية ذات قيمة فنية عالية واتخذوا من جريدة الراية لصاحبها الصحفي الرائد عبدالباسط يونس منبرا لنشر كتاباتهم وآرائهم.
ومما يذكره الحافظ أن الأدباء والكتاب في الموصل كانوا يتواجدون في إدارات الصحف وفي المقاهي، ومنها مقهى رأس الجسر القديم، ومقهى عبد هبرايا، ومقهى احمد باري، ومقهى طاهرو.
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، تعاظم التيار القومي، وأخذت الصحف الموصلية تدعو إلى الوحدة وجمع الشمل العربي، وظهرت صفحات خاصة تعبر عن وجهة نظر قومية، كان من كتابها عبد الغفار الصائغ وحكمت البزاز وارشد توفيق وقحطان محجوب وادهام هادي وذنون الاطرقجي وبشرى البستاني واحمد محمد المختار وعبد الحليم اللاوند. كما أخذت أفكار رواد الأدب والحياة تأخذ طابعا آخرا لمناهضة السلطة الملكية.
وبعد حدوث ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق سافر الحافظ إلى بغداد لإجراء بعض التحقيقات الصحفية التي نشرتها فيما بعد جريدة فتى العراق. ومنذ أوائل الستينات من القرن الماضي، صدرت صحف جديدة منها: نداء الجماهير لسعدالله الحسيني، والفكر العربي لأحمد عبد الله الحسو، وقد برز كتاب جدد تعمقت تجربتهم منهم محمود جنداري ونجمان ياسين وسيف الدين الجراح وحازم شيت وبشير يحيى ومحمود فوزي الصراف وعبد الوهاب ألنعيمي و محمد نوري عبد القادر وسالم حسين وصالح العارف وإبراهيم الجبوري وذو النون الاطرقجي وموفق الكاتب وصلاح الدين احمد وسالم العزاوي ومعن عبد القادر وعبد الحميد التكريتي .كما احتوت جريدة الفكر العربي عددا من الكتاب الذين اهتموا بالتراث والفكر العربي والإسلامي منهم احمد عبد الله الحسو وشقيقه محمد وعماد الدين خليل ومحمد علي الياس العدواني وسالم عبد الرزاق.
وتفردت جريدة فتى العراق بتخصيص صفحة جديدة بعنوان (الفكر الحر) واحتوت الصفحة كتابات (تدعو للغد المرتقب) ومن ابرز كتابها واحمد المختار وقحطان محجوب وادهام هادي وعبد الحليم اللاوند وحكمت البزاز . وبين صيف 1963 وصيف 1967 كتب الحافظ عدة تحقيقات عن سفرته إلى لبنان نشرها في جريدة فتى العراق وتحت تأثير نكسة حزيران 1967 نشر الحافظ سلسلة مقالات عن مااسماه معاول الهدم وعد أم كلثوم واحدة من هذه المعاول،لكن الشعراء سرعان مااعربوا عن سخطهم، واتهموا كاتب المقالات بالجهل.
وبعد تموز 1968 صدرت في الموصل جريدة الرسالة، وكان صاحب امتيازها سالم محمد غزال الطائي، وقد استهدفت الجريدة إحياء الحركة الثقافية في الموصل ومن كتابها نجمان ياسين وعبد الوهاب إسماعيل وحيدر محمود عبد الرزاق وامجد محمد سعيد وذوالنون الاطرقجي وبشرى البستاني وارشد توفيق وقحطان محجوب وثامر معيو ف وسالم الخباز. كما صدرت مجلة (الموصل اليوم)، لبلدية الموصل وانضم إلى تحريرها مجموعة من الكتاب منهم فوزي الغريري وعبد الرحمن الصراف ولؤي الزهيري ومؤيد الياس بكر.. كما صدرت جريدة (التعاون) لسان حال جمعية بناء المساكن للموظفين الصحيين ومديرها محمد سعيد ذنون ، وكتب فيها الحافظ.. وصدرت جريدة (نصير العمال) لسان حال نقابات العمال ومديرها فيصل الطائي واهتمت بقضايا العمال وتشريعاتهم، ومن الصحف والمجلات التي صدرت في السبعينات مجلتين الفكر المسيحي وبين النهرين وكان لجامعة الموصل مجلاتها الأكاديمية منها آداب الرافدين وهندسة الرافدين والتربية والعلم والجامعة.. كما أصدرت الجامعة مجلة ثقافية عامة هي مجلة الجامعة وكان هدفها تعميق الوعي وإقامة حوار بناء بين الجامعة والمجتمع .. وقدمت المجلة دراسات علمية وثقافية وكان من ابرز كتابها الدكتور عمر الطالب والدكتور إبراهيم خليل العلاف والدكتور هاشم يحيى الملاح والدكتور نجمان ياسين والدكتور عوني عبد الرحمن السبعاوي . كما انفتحت الجامعة على كتاب من خارجها منهم عبد الحليم اللاوند واحمد محمد المختار وامجد محمد سعيد وحيدر محمود عبد الرزاق ومعد الجبوري وغيرهم .
وفي سنة 1976 دعا عبد الوهاب ألنعيمي (رحمة الله) سكرتير مجلة غرفة تجارة الموصل، الحافظ للإسهام في الكتابة في المجلة وفعلا أسهم في التحرير حتى سنة 1979 وكان من كتابها الدكتور محمد أزهر السماك وزهير المفتي وربيع ألنعيمي. كما أسهم الحافظ في مجلة النبراس التي أصدرتها المديرية العامة للتربية في محافظة نينوى.
وبعد صدور جريدة الحدباء في 27 مايس 1979 دعا رئيس التحرير الأستاذ الدكتور محي الدين توفيق ،الحافظ للكتابة وباشر بعملة في زاوية (مع الناس) وباسم مستعار.. وأخيرا استقرت اغلب موضوعاته في الصفحة الأخيرة، حيث كتب في زوايا (محطات مضيئة)و( نظرة من الماضي القريب) و(فنار). ويرى الحافظ في جريدة الحدباء أنها تعد: (مدرسة أدبية تخرج منها وبصورة مستمرة عدد طيب من الأدباء والكتاب، خاصة، وأنها فتحت أمام الكتابات الشابة مجالا واسعاً).
لقد وفق الحافظ، حقا، في إضاءة بعض الجوانب المهمة عن الصحافة الموصلية ومشاركاته الرائعة فيها خلال أكثر من (30) سنة..ويقينا انه استند الى وثائق وقصاصات ،احتفظ بها في مكتبته ، فضلا عن بعض المعلومات التي استقاها من عدد من زملائه الصحفيين أمثال الأساتذة غربي الحاج احمد، واحمد سامي ألجلبي، وعبد الباسط يونس،كما اعتمد على ذاكرته "وبذلك قدم لنا الحافظ إضافة نوعية كما كنا نعرفه عن التاريخ الطويل للصحافة الموصلية المعاصرة.
*لطفا يرجى زيارة مدونة الدكتور إبراهيم العلاف ورابطها التالي : wwwallafblogspotcom.blogspot.com

كتاب جديد يتحدث عن "تاريخ العراق الثقافي المعاصر "


كتاب جديد يتحدث عن "تاريخ العراق الثقافي المعاصر"
نينوى - ابراهيم فائق

تاريخ النشر 13/01/2010 06:00
http://www.alesbuyia.com/inp/view.asp?ID=6141



شغل التاريخ العراقي الكثير من المؤرخين، أما تاريخ العراق الثقافي المعاصر فقد تناوله مدير مركز الدراسات الاقليمية بجامعة الموصل المؤرخ الدكتور ابراهيم خليل العلاف في كتابه الذي صدر حديثاً تحت عنوان " تاريخ العراق الثقافي المعاصر دراسات ومقالات" عن دار ابن الأثير للطباعة والنشر بعدد 332 صفحة.




وحمل الكتاب 43 مقالة ودراسة تتكلم عن المشهد الثقافي العراقي خلال 45 عاماً، ويبدأ العلاف كتابه بالحديث عن "جماعة الصحيفة 1924 وينهيه بدراسة عن "جماعة أصدقاء القصة في الموصل 1969".



ويتحدث العلاف عن عدد من التنظيمات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أكدت أهمية التغيير بعد ثورة 1920 العراقية الكبرى وتشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وتحقيق فكرة التقدم والرفاهية.



ويشير العلاف الى تعاظم دور التجمعات الثقافية والسياسية التي كان لها دورها في أواسط العشرينات والذي تعاظم في الثلاثينات والاربعينات، ومن ابرز التجمعات التي تحدث عنها العلاف: جماعة الصحيفة 1924، جماعة مجلة المجلة 1936، جماعة بغداد للفن الحديث 1951، جماعة اصدقاء الفن في كركوك 1952، مجلة الثقافة الجديدة-بغداد 1953، جماعة رواد الادب والحياة في الموصل 1954، جمعية التراث العربي في الموصل 1973، مجلة الاقلام العراقية 1964، فؤاد التكرلي 1927-2008، يوسف الصائغ والشعر الحر في العراق، الدكتور كاصد ياسر الزيدي والدراسات القرآنية واللغوية في العراق، الدكتور جلال الخياط وموقعه في حركة الثقافة العراقية المعاصرة، منذر الجبوري كاتباً وأديباً وصحفياً، الدكتور محمود عبدالله الجادر وحركة التحقيق التراثي في العراق، عبد الوهاب النعيمي أديباً وكاتباً وصحفياً، سليم حسون والصحافة العراقية المعاصرة، القاص والناقد انور عبد العزيز في مسيرته الابداعية، محمد قاسم مصطفى، الدكتور عمر محمد الطالب وجهوده في خدمة حركة الثقافة العراقية المعاصرة، زها محمد حديد والفن المعماري العالمي، الدكتور احمد عبد الستار الجواري وجهوده في خدمة اللغة العربية، الدكتور حسين علي محفوظ وجهوده في تأهيل التراث العربي والاسلامي، الدكتور عبد الواحد لؤلؤة وحركة الترجمة العربية المعاصرة، الدكتور ابراهيم الداقوقي، نجيب يونس والفن التشكيلي في العراق، نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق، نجيب فاضل الصيدلي، دار المعلمين العالية ببغداد، كلية الحقوق العراقية، الصحافة العراقية والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، محمد عطا الله، عبد الجبار داؤد البصري وريادة المقالة الصحفية في العراق، احمد سامي الجلبي وريادته في الاعلام الرياضي، رسالة بدر شاكر السياب الى شاذل طاقة، محمود جنداري والقصة العراقية المعاصرة، جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين، قاسم محمد الرجب ومكتبة المثنى، الدكتور عبدالاله احمد والتأريخ لحركة الادب القصصي في العراق، جماعة كركوك الادبية، طلال صفاوي وحركة النحت الحديث في العراق، الدكتور عادل محمد البكري، جماعة الوقت الضائع الادبية 1946، جماعة أصدقاء القصة في الموصل 1969.

حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر 1967

                                                 جمال عبدالناصر بين سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر  حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنس...