لقاء الوفاء
والفكر: رحلة في ذاكرة الموصل مع سادن تاريخها :الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف
حوار:
رافع السراج
كاتب وصحفي -الموصل
في
رحابِ الفكرِ ، ومرافئِ الذاكرة، حيثُ تعانقُ "الحدباء" كبرياءَ
التاريخ، تفتحُ مجلة زهرة البارون، برؤيةِ رئيسِ تحريرها الأستاذ محمود صلاح
الدين، صفحةً استثنائيةً من صفحاتِ الوفاء لمعالمِ الفكرِ العربي. نحنُ اليومَ
لسنا في مجردِ لقاءٍ صحفي، بل نحنُ في مِحـرابِ علمٍ، بين يدي سادنِ التاريخِ
الموصلي، ومؤرّخِ الأجيالِ الاستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف
الكاتب والمؤرخ
والصحفي واستاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل ورئيس اتحاد كتاب الانترنت
العراقيين ، ورئيس رابطة كتاب تاريخ الموصل وتراثها
وإنني
إذ أحاورُهُ اليوم، فإني أحاورُ "الأستاذ" الذي له الفضلُ الأكبر في
دخولي الميدان الثقافي؛ فهو أولُ من أخذ بيدي واصطحبني إلى مركز يوسف ذنون في
بدايات تأسيسه، وهو من قدمني للمشهد الثقافي ودعم هوايتي في الكتابة والصحافة بكل
تجرد وسخاء. لقد كان لي "سنداً" في مواقف كثيرة، وما زلتُ أدينُ له بكل
حرفٍ كتبتُه وبكل محطةٍ بلغتُها في مشواري الأدبي، فإرشاده الفكري كان لي دوماً
البوصلة والمنارة.
نستضيفُ
اليومَ هذه القامةَ التي لم تحبس التاريخَ في رفوفِ المكتبات، بل صاغَهُ ثقافةً
جماهيريةً نابضة، ونثرهُ عبر "موصلياته" الشهيرة عِطراً في كلِّ بيت.
نلتقيهِ بصفتهِ رئيساً لرابطةِ كُتّاب تاريخ الموصل ورابطة كُتّاب الإنترنت
العراقية، لنبحرَ معه في شجونِ الثقافة، وشؤونِ التاريخ، وهمومِ المشهدِ المعاصر.
س/1
دكتور، لكل عالم
محطات تأسيسية صاغت وجدانه؛ لو عدنا معكم إلى بدايات الشغف بالتاريخ في أزقة
الموصل، كيف تشكلت تلك الهوية البحثية التي نراها اليوم؟
جـ/1
أولا اهلا وسهلا
بك اخي الأستاذ رافع حازم السراج ، الكاتب والإعلامي العزيز ، وانا فرح وسعيد بهذا
اللقاء الجميل ، وانت تعرف كم انك تحتل في حياتي ومسيرتي من مكانة وقيمة اعتز بك
وبنشاطك ومثابرتك . وفيما يتعلق بمحطات حياتي أقول انها كثيرة تبتدأ قبل 80 سنة في
محلة رأس الكور وهي من محلات الموصل القديمة في الجانب الأيمن وهي قريبة من قلعة
الموصل التي يسميها اهل الموصل (قليعات) والمحلة مجاورة لمحلات تاريخية منها محلة
باب النبي جرجيس ومحلة الشهوان ومحلة المكاوي ومحلة عبدو خوب وهكذا ولادتي في 25
كانونالاول سنة 1945 كانت في بيئة تاريخية واهم معلم تاريخي قريب عن بيت جدي
لايبعدسوى 100 متر وهو المسجد الجامع – الجامع الاموي واليوم جامع المصفي بني
بعددخول العرب الموصل وتحريرها سنة 16 هجرية-637 ميلادية .كل هذا جعلني احب
التاريخ واعيش اجواءه واتنفس هواه واحس بنكهته .لذلك اخترت ان أكون مؤرخا والحمد
لله
.
س/2
مَن
هما "الشخصية" و"الحدث" اللذان كان لهما الأثر الأكبر في
توجيه بوصلتكم نحو التخصص في التاريخ الحديث والمعاصر؟
جـ/2
قد تستغرب عندما
أقول لك بأن معلمي في المدرسة الابتدائية قبل 70 سنة وهي مدرستة ابي تمام المرحوم الأستاذ محمد إسماعيل مصطفى ابوجاسم هو
من كان وراء البوصلة التي قادتني بلطف وحكمة نحو التخصص في التاريخ الحديث
والمعاصر .كان يكلفني بإستنساخ وكتابة ما يرشحه من احداث او رموز يراها مهمة عنده
ويقول لي ان خطك جيد فأقوم بالمهمة ويمتدحني امام التلاميذ .
س/3
تُعتبرون
اليوم من أساطين كُتّاب التاريخ العربي؛ كيف استطعتم الموازنة بين "الأمانة
الأكاديمية" الرصينة وبين جعل التاريخ ثقافة جماهيرية ميسرة للجميع؟
جـ/3
نعم الموازنة
مهمة فالتاريخ ذاكرة الامة ولابد من ان يكون علما شعبيا فمن يعتز بمحلته يعتز
بمدينته ويعتز بوطنه ويعتز بأمته والتاريخ بهذه الصورة دافع نفسي يساعدالانسان على
ان يعرف نفسه وأهله وعشيرته ومدينته ووطنه وامته وبدون ذلك يبدو وكأنه انسان
فقدالذاكرة وأصيب بالزهايمر .الموازنة مهمة وعندما نريد من التاريخ ان يكون علما
شعبيا فعلينا ان نقدمه بموضوعية وعلمية وصدق .نكتبه كما وقع بالضبط ونقدمه للناس
كما وقع بالضبط وبهذا الأسلوب نكون قد حافظنا على التاريخ كمادة علمية وقدمناه
بإسلوب بسيط للناس للشعب وهكذا نحول التاريخ الى مادة بناءة .
س/4
تؤكدون
دوماً أن "التاريخ مدرسة لبناء المستقبل"؛ في ظل التحديات التي يمر بها
الوطن العربي اليوم، ما هو الدرس التاريخي الذي نغفله ويؤخر نهضتنا؟
جـ/4
للأسف الفيلسوف
الألماني الكبير فردريك هيغل من مؤرخي وفلاسفة القرن 19 يقول :"انالدرس الذي
نتعلمه من التاريخ هوان لانتعلم شيئا " .لهذا محكوم علينا ان نعيد الاحداث
ونقع بالاخطاءنفسه مرة بشكل كوميدي ومرة بشكل درامي . لهذا نبذل الجهود من اجل ان
نتعلم من التاريخ .الوحدة مهمة والحكمة مهمة والتسامح مهم والسلام مهم لكن الانسان
أحيانا لايتعلم .التاريخ مدرسة لكننا كشعوب وكحكام نفشل في ان نتعلم من هذه
المدرسة
.
س/5
بصفتكم
رئيساً لـ "رابطة كُتّاب تاريخ الموصل"، كيف تقيمون الحراك الحالي
لتدوين تاريخ المدينة؟ وهل ما زال هناك "فراغات تاريخية" لم تملأها
الأقلام بعد؟
جـ/5
الحراك رائع
ومتقدم ..دعوتي لكي يكون التاريخ شعبيا نجحت الشباب يهتمون بتاريخ اسرهم ومحلاتهم
وقراهم وكبار السن والنساء والجمعيات والروابط والمؤسسات الثقافية اليوم كلها تهتم
بالتاريخ وهذا شيء ممتاز حقا .. وبشأن الفراغات نعم توجد أحيانا يموت رمز ولاتوجد
لديه سيرة لا بل لاتوجد له صورة مثلا منشورة على الشبكة العالمية
للمعلومات-الانترنت لذلك أوجه بضرورة التدوين وكتابة السير وما شاكل ذلك .
س/6
الموصل
مدينة الأسبقية في العمارة والفكر؛ ما هو الجزء "المسكوت عنه" في تراث
الموصل والذي تتمنون أن تراه الأجيال القادمة موثقاً ومحقَّقاً؟
جـ/6
نعم كما تفضلت
..لابد ان نهتم بحركات الفكر ، واتجاهات الثقافة ، والرموز في القصة والرواية
والصحافة والتجارة والصناعة والزراعة والمهن ؛ فلكل شيء تاريخ ، ولابد لنا من تدوين ما نعرفه
عن الاسر والعوائل والمهن والعمارة والتجارة والفنون .
س/7
برنامجكم
الشهير (موصليات) تجاوز الـ 500 حلقة وكان أرشيفاً ناطقاً للمدينة؛ هل هناك مسعى
لإعادة صياغة مثل هذه البرامج الثقافية، أو تحويل ذلك الرصيد الهائل إلى موسوعة
مكتوبة؟
ج/7
نعم لابد من
استمرار التجربة وانا شخصيا قدمت 600 حلقة من برنامجي (موصليات) من قناة الموصلية ،
وكتبت المئات من المواد للقناة نفسها وتوقفت لاسباب خاصة تتعلق بي وارى ان هناك من
يكمل المسيرة وهذا شيء جميل ومهم وضروري .
س/8
تترأسون
(اتحاد كُتّاب الإنترنت العراقيين)؛ كيف تساهم هذه المنصة في استيعاب المواهب
المثقفة لتكون واجهة صحفية إلكترونية رصينة؟
جـ/8
منذ سنة 2008
ونحن في اتحاد كتاب الانترنت العراقيين نعمل بهدف ترصين النشر الالكتروني وتعميق
الثقافة الرقمية والتواصل مستمر واجد من خلال موقع الاتحاد ومنتدى الاتحاد ومواقع
المنضوين للاتحاد اننا قدحققنا الكثير في هذا المجال ..آخر من انتملا للاتحاد هو
الإعلامي الكبير الأستاذ وسيم إسكندر وتسلسله 707
وهو يعمل ويقدم برامجا وهكذا كثيرين مثله في الاتحاد يقومون بواجباتهم
وبالمناسبة هو أي الاتحاد في الفضاء السيبراني ولا وجود له على الأرض .
س/9
في
زمن "المعلومات السريعة"، كيف يمكن للمؤرخ أن يحافظ على موثوقية
المعلومة التاريخية من التشويه أو "التزييف الرقمي" الذي نراه أحياناً؟
جـ/9
عندما يكون
صادقا مع الله ، وصادقا مع نفسه ، وموضوعيا . انا اكتب ولا اتأثر بتوجهاتي
السياسية .. اكتب الاحداث كما وقعت . لكن
أقول ان ما اكتب للتاريخ وللبناء نستذكر الاحداث .. لكن لاننكأ الجراح ، وهناك
أناس تخصصوا بالتزييف لكنهم لم يفلحوا ، والناس
يكتشفون تزييفهم بسرعة ، وتظهر الحقائق ، وعلى قاعدة : لايصح الا الصحيح .
س/10
برؤيتكم
الخبيرة، نرى زخماً في "المشاهد الثقافية" الحالية، لكنكم تشيرون إلى أن
بعضها لا يستحق أن يكون واجهة للموصل؛ ما هي معاييركم لـ "المشهد الثقافي
الموصلي المحكم"؟
جـ/10
معاييري للمشهد
الثقافي العراقي في الموصل ان يكون الهدف منه
أي مما يقام من فعاليات ، او ندوات ، او نشاطات ، صادقا ،ونظيفا ،ولوجه
الله وللوطن .. ليس للزيف ، والتملق ، والنفاق فيه مكان ، وان نبتغي منه الفائدة
والاضافة وان يتولى الامر أناس مؤهلون ، متخصصون ، نزيهون ، مخلصون .
س/11
كيف
يواجه المؤرخ والمثقف الحقيقي موجة "تسطيح الثقافة" وتصدّر غير المختصين
للمشهد الاجتماعي والثقافي في مدينتنا؟
جـ/11
ان يكون المؤرخ ،
والمثقف الحقيقي ، صادقا ، مخلصا ، نزيها ، عفيفا ، عيوفا ، مترفعا عن كل ما له
شأن بالتسطيح ، والتزييف ، والتفاهة والسخافة .بهذا نقدم نحن البديل لمن هم
لايمثلون الثقافة العراقية في مدينتنا وبلدنا ومحافظتنا والعراق كله .
س/12
هل
يعيد التاريخ نفسه فعلاً، أم أننا نحن من نكرر الأخطاء ذاتها لعدم قراءتنا الواعية
للمؤشرات التاريخية؟
جـ/12
ثمة مقولة جاء
فيها ان التاريخ يعيد نفسه .التاريخ لايعيد نفسه بكل التفاصيل لكن ثمة احداث تعود
مرة على شكل ملهاة ومرة على شكل مأساة كما يقول كارل ماركس .
س/13
في
كتاباتكم، تركزون على "تاريخ الناس والمهن" وليس فقط تاريخ السياسة؛
لماذا غاب الإنسان البسيط عن مناهج التاريخ المدرسية برأيكم؟
جـ/13
نعم التاريخ
لايقتصر على السياسيين اوالملوك او الحكام انه تاريخ الناس وللانسان البسيط دور في
حركةالتاريخ وهذا الدور يجب ان يؤخذ بنظر التاريخ ..الان التوجه الجديد في التاريخ
هو الاهتمام ب (العامة) وثمة رسائل واطروحات ودراسات تهتم بالعامة أي الناس
البسطاء الفقراء المهمومين والمستضعفين واحيانا النظام السياسي هو السبب فقد يهتم
هذا النظام بالعامة بينما نظام الحكم الاخر يركز على من هم في اعلى السلطة ..انا
كتبت عن العامة عن أناس بسطاء عن حرفيين عن مزارعين عن صناعيين عن تجار عن كسبة عن
موظفين وهكذا فلكل شيء تاريخ كل هؤلاء يصنعون التاريخ ويجب على المؤرخ ان يهتم بهم
ويدون اخبارهم .
س/14
هل
تعتقدون أن كثرة المجالس والمنتديات الثقافية في الموصل اليوم ظاهرة صحية، أم أنها
تشتت الجهود وتفتقر إلى المنهجية العلمية؟
جـ/14
كثرة المجالس
والمنتديات والمؤسسات الثقافية حالةصحية ومظهر مهم ومفيد لكن يجب ان يكون لها منهج
وموسم للعمل مبرمج ومنظم ومتنوع وان توثق النشاطات في كتب سنوية للتاريخ وان
لاتترك تضيع بمجرد انقضاء المناسبة .
س/15
ختاما دكتور
إبراهيم.. لو قُدر لك أن تكتب "السطر الأخير" في فصل تاريخ الموصل
المعاصر ماذا ستقول للأجيال التي ستقرأ لنا بعد مئة عام؟
جـ/15
الموصل ليست
مدينة فحسب ؛ انها تاريخ وتراث وموقف
---------------
مع
طيِّ أوراقِ هذا الحوارِ الممتع، لا يسعنا إلا أن نتقدمَ بوافرِ الامتنان لسعادةِ
الدكتور إبراهيم العلاف، الذي منحنا من وقتهِ وعلمه الكثير، مؤكداً لنا مرةً أخرى
أنَّ التاريخَ ليس مجردَ حكاياتٍ غابرة، بل هو الروحُ التي تُحيي مستقبلنا.
إنَّ
هذا اللقاء، الذي تشرّفتْ مجلة ( زهرة البارون) بنشره، يأتي ضمن سعي المجلة الدؤوب، وبمتابعةٍ
حثيثة من الأستاذ محمود صلاح الدين، لتكون المنبرَ الأصدق ، والواجهةَ الثقافيةَ
الأبهى التي تحتفي برموزِ مدينةِ الأنبياء وتصونُ إرث المبدعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق