الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

حوار اجراه علاء المفرجي مع الكاتب رشيد خيون - القسم الاول


 

رشيد خيون: ليس هناك دين ولا فكر لا ينشطر.. لأن ذلك ضد الطبيعة

 

 

  يصب الدكتور رشيد خيون ، جل اهتمامه على قضايا التراث الثقافي والفلسفي العربي الإسلامي، في أفقه الرحيب، بعيداً عن التعصب والتقديس، يتناوله تناول الناقد، والرابط بينه وبين الحاضر، ففي كتبه كافة كشف لحوادث الماضي بما يقابلها من الحاضر. دأب على كتابة المقال بروح الباحث، وحسب قوله: أنه لا يكتب من دون شاهد تراثي، ومع انجذابه إلى الماضي بهذه القوة، لكنه لم يكن ماضوية، يبكي على الأطلال والأمجاد، إنما عنده لكل مكان وزمان ومكان رجاله وأفكاره.
قضى شرخ الطفولة والشباب وسط الأهوار، ثم تعلم في بغداد، وعلم في مدارسها الابتدائية، ما إلى اليسار، حتَّى لم يجد مكاناً يأويه، في زمن الهجمة الشرسة فخرج تحت جنح الليل إلى حيث خيم المثقفون العراقيين، من حاملي الفكر التقدمي، في عواصم عديدة، وما أن أخذ منه البحث كل نشاطه واهتمامه صار متفرغاً له، لكن علق به منه شغفاً في التقدم والتنوير. كتاباته وبحوثه منصبة في تحرير العقل من الجهل المقدس، ومحاولة اظهر ما سماه في عدة مناسبات بالتراث المحجوب، أكثر ما كتب يصب في اتجاه ضد العنصرية والطائفية، سواء كانت الطائفية على الأساس الديني أو القومي، حتى من يقرأ كتاباً له، أو مقالاً من الصعب تمييز انحداره الديني او المذهبي أو القومي، وهو حسب ما كتب، التعصب الوحيد ليه، غير المذموم هو التعصب للعراق، فلم تكن الوطنية يوماً من الأيام سبة، أو مما يخجل منه الإنسان. بجد في المعلومة نهجاً في الدراسة والبحث، فهي التي توجه الباحث.
درس رشيد الخيون الفلسفة، وتخصص في الفلسفة الإسلامية، وكان تخصصه الدقيق في الدكتوراه، التي حصل عليها من جامعة صوفية(1991) في المعتزلة، وله في هذه الفرقة كتابان  : (مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة) ، و(معتزلة البصرة وبغداد) ، وصلة بهذه بدراسة هذه الفرقة، صدر له كتاب "جدل التنزيل.. تاريخ القرآن ومقالة خلق القرآن"، الملحق برسالة الجاحظ "خلق القرآن" والمحققة من قبله. رأى رشيد  الخيون العراق مُتحفاً للأديان والمذاهب، وفي هذا المجال صدر له كتاب "الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها"(ثلاثة أجزاء)، ولما صعد الإسلام السياسي، وتفاقم شأن الصحوة الدينية، صدر له كتاب " 100 عام من الإسلام السياسي بالعراق"(جزآن)، وبعد أن اضطربت دنيا العراق والمنطقة بالطائفية صدر له كتاب "ضد الطائفية جدل العراق بعد 2003"، صدر له كتاب "بعد إذن الفقيه" بحث فيه معاملة النساء في التاريخ والفقه، ومن فصوله "عرائس الموت"، وكان عن ظاهرة زواج الصغيرات، صدر له كتاب "السود في الحضارة الإسلامية" وقد فاز بجائزة الملك عبد العزيز كأفضل كتاب في موضوع تاريخي اجتماعي في العام 2017، صدر له كتاب "لصوص المال والنصوص في التراث الإسلاميّ"، وصل عدد كتبه نحو الثلاثين كتاباً ام تخرج عن التراث الثقافي والفلسفي والديني، وقد أنجز مؤخراً كتاب "المقتولون بسبب ديني في التاريخ الإسلاميّ". أجرت معه المدى هذا الحوار:

¡ ماهي المصادر والمراجع التي اتكأت عليها في نشأتك وطفولتك، وقادتك فيما بعد لطريف البحث والاستقصاء في مجال التراث الديني؟

كانت الطُّفولة، على الرّغم من النظرة الملائكية لها وأنا في هذا العمر، متعبة، كبقية أترابي آنذاك، ولم نكن نتطلع إلى المستقبل حتى خلال دراستنا، غير التطلع إلى الوظيفة البسيطة. حتَّى المدرسة نفسها ليس فيها ما يثير شغف الطفولة، تعليم فقط، وتعليم تحت العصا، تصور كان بعضنا يؤذي نفسه كي يُعذر مِن الذهاب إلى المدرسة، والبيت ليس أرحم من المدرسة، فالمجتمع لا يعترف بطفولتك، يريدون منك التشبه بجدك وأبيك، وأنت في عمر العاشرة مثلاً. كانت المناسبات الدينية ملاذنا في الاجتماع، وهي الأخرى تعطينا دورساً، من على المنابر، في الموت، ولك أن تتصور ماذا يحل في عقل الطفل وخطيب المنبر يشرح، على مسامعه، كيف يهبط ملك الموت ويبدأ بانتزاع روح الإنسان، وماذا يحملك من مخاوف وعِقد، لذا عجل في أن تبدأ بالصلاة والصوم، قبل فوات الأوان، فالمهدي سيظهر في العام القادم، ومَن لم يكن مستعداً لهذا الظهور بالتدين سيعذب، وما إلى ذلك خيالات مفزعة.

إضافة إلى حقن ادمغتنا بالثارات والمعارك والدماء، هكذا نشأتُ على جزر محاطة بالمياه، نسمع عن المدن كبغداد والبصرة، ونتخيلها بالألوان، كذلك تأتي زرع الفزع فينا من قصص الجدات والأمهات، عن كائنات خرافية مخيفة. كانت الأمراض النفسية تفتك بالعديد منا، وما أن تحل مرحلة المراهقة إلا وظهرت للعيان أعراضها، ومن يشكو يشار إليه بالجنون، وعلاجها معيب ومعدوم في الوقت نفسه، يصاحبها قصص حب مؤذية بين الشباب والشابات الغائبات وراء أسوار العادات والتقاليد. أتذكر أحد زملائي، واسمه موسى، انتحر بالتهام حفنة من الزرنيخ، ووقفنا على جثته مطروحة أمام المستوصف ونحن ذاهبين إلى المدرسة صباحاً، وعمه يصفق بيده أسفاً على شبابه عند رأسه، وآخر فقد عقله، من زملائنا واسمه نصاف، ظل هكذا حتى عُثر عليه ميتاً على جرف الهور، وآخرون كثيرون نالوا المصير نفسه، فوسط هذه الظروف ليس لي الحديث عن مصادر ومراجع أهلتني لما أنا به منذ الطفولة.

لكن، هناك جانب يكاد يكون غير مرئي، يتمثل بوجود بيتان، تعودنا رؤية كتب ثقافيَّة في صرائفهم، وهما آل عبد الكريم الخيُّون، وبينهم معلمنا عامر عبد الكريم، تتضمن مكتبته الروايات والقصص، وأتذكر عندما رحلوا في موسم الفيضان(1968-1969) تركوها عند الأعمام آل عبد الهادي الخيُّون، ومنها قرأت أول رواية، وعنوانها «ست البنات» بثلاث مجلدات، وتأثرت بفيروز بطل القصة، ولما التحقتُ باتحاد الطلبة العام، اخترت لنفسي اسم فيروز ليكون اسمي التنظيمي الطلابي، ومنها قرأت «ماجدولين»، وكتاب لولي الدين يكن، وكل هذه قرأتها وأنا في القارب.

كانت الثانية كتب معلمنا فهد الأسدي، الأديب المعروف، وأخيه جابر، وبحكم صداقتي لأخيهم الأصغر نوري، كنا نجلس طويلاً في الصريفة التي تحويها. كذلك كانت لدى والدي كتب من نوع آخر، وأول اطلاعي على كتاب «البيان والتبيين»، من الرازونة، التي يترك فيها الكتاب بعد مغادرته عصراً، فأحل محله، وأخذ الوضع نفسه وأقرأ في الكتاب، لكن لا أدعي أن ذلك كان مصدراً ومرجعاً ليتأسس عليه اهتمامي، في ما بعد، إنما ما ذهبت إليه في التَّاريخ كان تأثيرات متراكمة من فترة الشباب، والعيش ببغداد، والتردد على المكتبات بها، وما أحظى به من بحوث ومقالات كانت تنشرها المجلات الثقافيَّة، وفي مقدمتها مجلة «الثقافة الجديدة»، كأنني كنت أبحث ما أزيل به ترسبات التقوقع الديني والحكايات غير المعقولة التي كنا نسمعها ونحن راهنين عقولنا لدى خطيب المنبر، يتلاعب بها كيفما شاء.

¡ أنت لا تعتمد اتجاها فكرياً بعينه في الكتابة، بل غالباً ما تعتمد المعلومة، ما مدى تأثير حسين مرة وهادي العلوي على اشتغالك.

أرى الاتجاه الفكري، كعقيدة، في البحث يُحجمه، ويقتل الحيادية التي هي أسه، والقصد مِن ذلك أن الباحث العقائدي يحاول توجيه الرواية أو الحدث التاريخيين نصراً لعقيدته، إن كانت خرافة أو واقعاً، لكن ليس معنى هذا أن الباحث لا يكون له موقف مِن قضايا النَّاس والوطن، ولا يكون حيادياً بين السلب والإيجاب، أو بين الخراب والعمران. وحسب ما كتبه العلامة في علم النفس نوري جعفر، الذي رحل غريباً، كحال الكثير من أصحاب العطاء الفكري العراقيين، تؤثر على المؤرخ أو الباحث ثلاثة عوامل: طبيعة العصر، وطبيعة المجتمع، والعوامل الشخصية. جاء ذلك في كتابه «التاريخ مجاله وفلسفته»، أفرد لها عنوان «التَّحيز في التَّاريخ»، مع أن ما ذكره الأستاذ نوري جعفر واقعٌ، لكن العامل الثالث هو العيب في كتابة التاريخ وعمل البحث، فالميل الشخصي ليس من حق الباحث التفاعل معه، هنا تأتي الحيادية التي تفرضها المعلومة.

فحسب تأثير العقيدة يأتي تصديق أو تكذيب الرواية، واغفال حقيقتها، فمَن ينطلق من القومية يجعل كل التقدم والحياة في تطبيقها، وكذلك الأممية، والدينية.

¡ أليس أنت من اتخذ خطاً واضحاً مع العلمانية وضد الدولة الدينية، أو ضد الإسلام السياسي؟!

نعم. إذا كنتُ كذلك، فانطلاقي من قراءة تجارب الإسلام السِّياسي، وتجارب حكوماته، في هذا البلد أو ذاك، وضرره على الدين والدولة، لا يجعلني منحازاً ضده لأنني صاحب عقيدة، إنما هي المعلومة التي اطلعت عليها من دفاترهم وليس من دفاتر خصومهم.

كان تأثير حسين مروة، الذي اغتيل 1987، وهو أحد ضحايا الإسلام السياسي، ملحوظاً في تناول الفلسفة الإسلاميَّة، فقد أبرز في كتابه «النزعات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلاميَّة»، الفكر المتهم من خصومه بالكفر والزَّندقة، وهو ليس كذلك، إنما خصوم هذا الفكر انطلقوا ضده من موقف عقائدي، وليس ما كتبوه ضده كان بحثاً وتأريخاً، لكن بعد حين وجدت في نزعات مروة نفسه الموقف العقائدي، لأنه انطلق في تأليفه من الموقف الماركسي الطبقي، وليس من المعلومة فقط، لذا أجده في العديد من الروايات يلوي أعناقها لتأكيد منهجه الفكري، وتأكيد السؤال الأساسي في الفلسفة، حسب الماركسية «أيهما أسبق المادة أم الوعي»، ووفقه قُسمت الفلسفة إلى مادية ومثالية، ومع ذلك كان كان كتابه ومازال سِفراً فكرياً جباراً.

أما عن تأثير هادي العلوي، وقد نذر نفسه لدراسة التُّراث الإسلامي، فكانت في السبعينيات، وتلك الدراسات التي نشرها في الثقافة الجديدة، ثم مجموعة كتبه، غير أن هادي العلوي انشغل بمشروع طوباي، لفترة طويلة، وهو قضية المشاعية، وأشرك كُتاب معه في بحوثه، لم يكونوا بمستواه، أضعف ذلك الاهتمام بتلك الكتابات المشتركة، وقد أخرجهم كتاباً وباحثين، لكنهم لم يكونوا كذلك بل ظلوا مجرد شتامين من بعده.

كان العلوي عميقاً في تفكيره ونقده لحوادث التاريخ، وأسلوبه ممتع، غير أنه في السنوات الأخيرة مِن حياته، ربَّما بسبب ضعف صحته، أخذ يتجاوز المصادر في ما يكتب، وآخر ما كتبه نفيه لوجود الطائفية، كمفهوم تاريخي، بل نفى حتى الاسم، نشر ذلك في الثقافة الجديدة، قُبيل وفاته بقليل، وقد كتبتُ رداً على مقالته، في المجلة نفسها، وصدمت لرده الغاضب عليَّ بأنه ليس من حقي نشر الرد إلا بعد اطلاعه عليه، وقد تأسف رئيس التحرير حينها الفقيد غانم حمدون على نشر الرد، ثم أرسل رسالة شخصية لرئيس التَّحرير قرأها لي، يعتذر عن رده المنشور، وعجبتُ أنَّه تذكر بغضب رداً لي عليه في صحيفة الثوري العدنية(1987). لكن أقول بصدق، أن أول خطوة في نقد الظاهرة الدينية، تلقيناها من صادق جلال العظم، المتوفى 2016 في كتابه «نقد الفكر الديني»، كان ذلك في بداية السبعينيات، ولما كتبه وبحثه علي الوردي أثره أيضاً، أما تعلم البحث حتَّى قبل الدراسة الأكاديمية تعلمنا مما كتبه بهذا الخصوص الأديب الفذ علي جواد الطاهر. بعد ذلك قد تجاوزت التأثير، وجعلت المعلومة، في الفكر والبحث، هي الدليل والسبيل. هنا لابد مِن الإشارة، أن حسين مرة وهادي العلوي كلاهما انطلقا من داخل الدين، فمروة كان معمماً ويدرس بالنجف، والعلوي كان متديناً ومنتمياً لحزب التحرير، ففي ذلك الوقت استوعبت الأحزاب السُّنية كحزب التحرير عناصر شيعية، ناهيك عن أن العلوي منزه مما ابتلى به الطائفيون.

¡ أرى تزامن واضح بين اشتداد التطرف الطائفي والمذهبي في العراق، واهتمامك بالاستقطاب والتناحر المذهبي.. هل لهذه الدرجة أثر هذا على اشتغالك البحثي بوصفه فعلا ورد فعل؟

لا يُنفى تأثير ما يحيط بالباحث، وأعود لنوري جعفر عما كتبه من مؤثرات في المؤرخ أو الباحث، فما حصل بالعراق من تناحر طائفي، قولاً وفعلاً، تطلب الدخول لتعرية هذا التناحر، وكان كتابي «ضد الطَّائفيَّة جدل العراق بعد 2003»، لكن ليس معنى هذا أصبح كل اشتغالي ردة فعل، فإذا كان ذلك كذلك، فما هو سبب تأليفي لكتاب «الأديان والمذاهب بالعراق» الذي صدر في جزء واحد قبل بروز هذا التناحر، ثم صدر بثلاثة أجزاء «الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها»، أو كتبي الأُخر، التي وصلت نحو ثلاثين كتاباً ، كتابان منها في المعتزلة، وكتاب في إخوان الصفا، وجدل التنزيل، وبعد إذن الفقيه، وغيرها؟ إن التصدي لمحاربة الطائفيَّة هو التصدي ضد الزيف الذي يخلقه الطائفيون أنفسهم، ويكسون التاريخ بعواطفهم المحتقنة بالبغضاء، ويوجهونه حيث تتوجه مصالحهم. إن الاشتغال في هذا المجال، بما يخص العراق، مهمة عقلية ووطنية، فضح الخرافة التي نزلت على المجتمع، لتحويله إلى غيتوات طائفية، بأكاذيب أخذت طريقها إلى عقول الشباب كحقائق، وهذا ما يدفعنا إلى تناول موضوع الإسلام السياسي، فهو طائفي تكويناً وأداءً، مبني على الاستقطاب السني والشيعي، من دون تبرئة الأحزاب القومية وما تمثله من طائفية غير دينية.

¡ أشرت إلى أن هذا الصراع بين المذاهب والطوائف هو بسبب التباين والاختلاف بين الفقهاء والفقه نفسه.. كيف تقرأ ذلك؟

ليس هذه الحقيقة كلها، إنما تباين الفقهاء جاء من تباين النص الديني نفسه، وبالتالي اختلاف القراءة. بمعنى أن النص الديني لا يُقرأ قراءة واحدة، وخصوصاً عند التفسير أو التأويل، فليس هناك من فرقة دينية لا تجد نصاً تتكأ عليه في وجودها، وفي تميزها الفقهي أو الكلامي عن غيرها، وصل الأمر إلى مسح أو غسل القدمين في الوضوء للصلاة، فالآية تقول: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين»(المائدة: 6)، قرر فقهاء الشيعة مسح القدمين، وفقهاء السُّنَّة غسلها بالماء مع الوضوء، حسب القراءة تكون «أرجلكم» مفعول به للفعل امسحوا، أو للفعل اغسلوا، فحسب الغسل أن الأرجل كبقية الأعضاء، والرأس يختلف، فلا يمكن غسله عند الوضوء، لأن هذا يصبح اغتسال وليس وضوءاً، و»أرجلَكم» تجدها بالفتح في نسخة القرآن الصادرة من دار التوحيد(الكويت) والنسخة الصادرة من طهران. وهذا مثال لتبسيط فكرة الاختلاف، الذي يبرره الفقهاء، في تأكيد التمايز بين المذاهب، ناهيك عن الاختلاف برؤية الأهلة، فلو لم يجدوا الاختلاف لم يكن هناك وجود للمذاهب، ولا مبرر لزعامتها، والاثنان لم يكونا على خطأ، إنما اختلفا في الاجتهاد.

لست مع إسلام بلا مذاهب، مثلما كتب الباحث المصري الفلسطيني مصطفى الشكعة، بتأثير الموجة الناصرية، لإلغاء الطائفية والذوبان في القومية، كتب تحت عنوان «إسلام بلا مذاهب»، ولم يكن موفقاً به، لأن الكتاب دراسة في المذاهب من ألفه إلى يائه، ولهذا كتبتُ كتاباً تحت عنوان «لا إسلام بلا مذاهب وطروس أُخر من تُراث الإسلام»، أشرت فيه إلى كيفية كتابة تاريخ الملل والنّحل، والمبررات التي أولدت المذاهب، فليس هناك دين ولا فكر لا ينشطر، لأن ذلك ضد الطبيعة، فلا وجود لدين خالص، إلا كمفهوم عام، فالمسلم اليوم والأمس أيضاً، بعد تبلور المذاهب، ليس له وجود من دون مذهب، فهو لابد أن يمسح القدمين في صلاته أو يغسلهما!

لهذا أرى أن الاختلاف في العبادات، لا يؤدي إلى مشكلة، المشكلة هي الاختلاف في المعاملات الشرعية، والمعاملات هناك ليس المقصود بها الأخلاق قياساً على القول «الدين معاملة»، هناك مَن يفهم جهلاً المعاملات تعليم الأخلاق، وليس الفقه الشرعي! أقول: المعاملات مشكلة، وهي التي تخص ما بين الناس، بينما تخص العبادات حق الله على العباد من صوم وصلاة وزكاة وغيرها، وهذه ليس فيها مشكلة.

إن الاختلاف في الأحوال الشخصية مثلاً، وهي أول المعاملات، من زواج وطلاق وإرث وغيرها، المفروض ألا تكون وفق فقه المذاهب، وينفذها الفقيه، لسببين: أولاً، أنَّ ما يقدمه الفقيه منوط بزمن غابر، ليس فيه مراعاة لمستجدات الزَّمن واختلاف الحياة بين الأجيال، والثاني، أنه عامل مفرق وخصوصاً في المجتمعات المختلطة مذهبياً، والحل أن يكون قانون أحوال شخصية لا يغفل ما تتفق عليه المذاهب ويتماشى مع الزَّمن، فسن الزواج تسع سنوات للبنت أصبح اليوم غير معقول، وحتَّى اختلاف الانثى في الإرث عن الذكر، وكذلك الحال بالنسبة لحضانة الأطفال، وما يخص الطلاق وغير ذلك، هذا يكون وفق قانون يساعد المجتمع على النهوض بجناحيه، النساء والرجال. مع العلم، أنَّ الهجمة ضد قانون الأحوال الشَّخصية(188 لسنة 1959) جوهرها الخشية من عزل الفقيه عن إدارة شؤون الناس، وبالتالي يفقد المركز السيادي عليهم، أكثر مما كانت دفاعاً عن النصوص الدينية.

¡ قلت مرة أن الروايات التاريخية المرتبطة بالسياسة هي التي تغيب العقول، وماذا إذا كان الايمان بالروايات التاريخية يصل أحيانا حد الاعتقاد الديني؟

إن أغزر الروايات في التاريخ هي الروايات السياسية، لأن التاريخ الإسلامي، وكذلك تواريخ الآخرين، أرخت للملوك والدول، فكتاب الطبري، المتوفى 310 هـ، والذي أرخ فيه، من بداية الخليقة، حسب الرواية الإسلاميَّة، حتَّى السنة 302 هـ أو 303هـ كان عنوانه «تاريخ الأُمم والملوك»، وإذا قرأته تجده تاريخ سياسي بالدرجة الأولى، وبين أسطره بث تاريخ اجتماعي، ومنتظم ابن الجوزي، المتوفى 597هـ، عنوانه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، وتواريخ اُخر كثيرة بعناوين الخلافة أو الدولة أو الوزارة أو الطبقات.

لا أجد في الرواية التاريخية ما يُغيب العقول، إذا اُخذت في عصرها، وتتحول إلى مغيبة للعقول بالفعل إذا ألبسنها ثوب حاضرنا السياسي، وانتقل الجدل بها من زمانها إلى زماننا، وأفضحها هو ما حدث في سقيفة بني ساعدة، قضية الإمامة باختيار خليفة النبي، هل يتم ذلك بأهل الحل والعقد أم بوصية إلالهية، وما هي فائدة الجدل فيها سياسياً الآن؟! وقد مضت أيامها وأصحابها، هناك تأتي المصلحة السياسية المركبة طائفياً، لتجعل نصف المجتمع أموياً والآخر علوياً، وعليها يُراد بناء الدولة، وتبناها الإسلام السياسي، بشقيه الشيعي والسُّني، فظهرت الحاكمية الإلهية، بما نُظر إليها بمفهومها السُّني، والحاكمية الإلهية، بما نُظر إليها بمفهومها الشيعي، فهما واحد، الاختلاف بالأسلوب فقط، فمن العجب أن تبنى دولة على أساس روايات مختلف على تفاصيلها، ومنها مختلف على وجودها.

هنا يأتي تغييب عقول الحاضرين وإحضار عقول الماضين. بطبيعة الحال، يُراد لهذه الروايات أن تكون ذات قُدسيَّة، أي تدخل في الاعتقاد الديني، كشيء مسلم بصحته، عقيدة لا تناقش، والمشكلة الكبرى، يريدون فرض تلك الروايات ببناء الدولة، وتسيير شؤونها وشؤون المجتمع، ويُحرموّن نقاشها، ناهيك عن دحضها، وهي لم تصمد في البحث العلمي، بينما أمامنا مهمة بناء دولة وحُكم، أما القرآن فليس فيه بناء دولة، وهذا ناقشته في كُتيب لي تحت عنوان «رسالة الخلافة والعلمانيَّة»، وكانت بذرته ندوة عُقدت بدمشق (أكتوبر/ تشرين الأول 2010)، كان المخطط عقدها في جامعة دمشق، لكن لظروف سياسية جعلتها تُعقد في المركز الثقافي الدانماركي بدمشق. أقول: من يحاول ربط الدين بالسياسة أو الدولة عليه التمعن في كلمة الإمام علي بن أبي طالب الموجهة للخوارج «كلمة حق يراد بها باطل»، وشرح ابن أبي الحديد لقوله تعالى «إن حكم إلا لله»: ليس المقصود الحكم السياسي إنما القضاء والقدر.

*المصدر :https://almadapaper.net/view.php?cat=248437


الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021

الإحتلال يهدد بشدة الأمن القومي الإسرائيلي، ولا يعزّزه بقلم : الاستاذ الدكتور آلون بن مائير Alon Ben Meir


 


الإحتلال يهدد بشدة الأمن القومي الإسرائيلي، ولا يعزّزه

بقلم : الاستاذ الدكتور آلون بن مائير Alon Ben Meir
أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدولية -اوراسيا ريفيو

إن الحجة الإسرائيلية ضد إقامة دولة فلسطينية على أساس مخاوف تتعلق بالأمن القومي لا أساس لها من الصحة لأنها لا تتحدى الواقع على الأرض فحسب ، بل تجعل أي حجة تدعم الاحتلال خاطئة تمامًا ومضللة.
تصحيح الخطأ
انخرط القادة الإسرائيليون لعقود من الزمان في رواية عامة كاذبة متعمدة ومستمرة لتبرير الإحتلال على أساس أنه أمر أساسي لأمن إسرائيل القومي وأن إنشاء دولة فلسطينية سيشكل خطرًا وجوديًا على إسرائيل. وفي حين أن العديد من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وخبراء الأمن القومي لا يتفقون مع هذا التقييم ، لم يجادل رئيس وزراء أو وزير دفاع إسرائيلي في منصبه بشكل مقنع كيف أن دولة فلسطينية منزوعة السلاح أكثر خطورة من الإبقاء على الإحتلال. في الواقع ، قيام دولة فلسطينية منشغلة في بناء الدولة والتعاون الكامل مع إسرائيل في جميع المسائل الأمنية (التي ستكون شرطًا مسبقًا لإنشاء دولة فلسطينية) تعزز بالأحرى الأمن القومي لإسرائيل.
لقد حان الوقت لأن يستيقظ الإسرائيليون ويتوقفوا عن ابتلاع زيف هذه الرواية التي تجعل الأمن القومي لإسرائيل مرادفًا للإحتلال الذي كان ينتقده بانتظام زعماء يخدمون أنفسهم أمثال نتنياهو ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بينيت وحلفاؤهم. إنهم يصورون الفلسطينيين على أنهم أعداء دائمون يشكلون تهديدًا وجوديًا وبالتالي يجب السيطرة عليهم بقوة. ومع ذلك ، فإن أجندتهم الحقيقية هي ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وإسكان الضفة الغربية بما لا يقل عن مليون يهودي وجعل إقامة دولة فلسطينية بمساحة أرض متواصلة أمرًا مستحيلًا تقريبًا.
من المؤكد أن الإحتلال يواصل تحفيز مقاومة الفلسطينيين داخل وخارج المناطق ويزيد من استيائهم وكرههم لإسرائيل ويسمم الجيل القادم من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء الذين ينظرون إلى بعضهم البعض مثل الأجيال الثلاثة الماضية على أنهم أعداء دائمون لدودون. إنهم يستعدون للحرب القادمة بدلاً من علاقة سلمية وحسن جوار وازدهار.
هناك ثلاث حجج تظهر بوضوح كيف أن الإحتلال يدعو فعلاً إلى العنف ويقوض الأمن القومي لإسرائيل ويقوض قدرتها الأخلاقية.
التحريض على إستمرار المقاومة
بادئ ذي بدء ، كيف يمكن لإسرائيل أن تدعي أنها أقوى دولة في المنطقة ومع ذلك تخشى مجموعات صغيرة من المتطرفين الفلسطينيين المرتدين أكثر من دولة فلسطينية موحدة ملتزمة بحماية استقلالها ومستعدة للتعاون مع إسرائيل على الجميع مسائل أمنية ؟ نعم ، يسمح الإحتلال لإسرائيل بالتجول دون قيود في معظم الأراضي المحتلة لملاحقة المسلحين والقيام بمداهمات ليلية وعمليات إخلاء وهدم للمنازل وسجن متى شاءت كوسيلة لإخضاع الفلسطينيين. ومع ذلك ، فإن هذه الإجراءات الوحشية المتخذة باسم الأمن القومي في الواقع تجعل إسرائيل أقل أمنًا وأكثر عرضة للخطر.
لا يستطيع أي فلسطيني قُتل طفله أو هُدم منزله أو تم إخلاؤه بالقوة أن ينسى ما أصابه من قبل القوات الإسرائيلية. إسرائيل ، بشكل أساسي ، تزرع بذور الجيل الفلسطيني القادم الذي سيصبح أكثر قتالية وأكثر إصرارًا على إنهاء الإحتلال بأي وسيلة ضرورية – حتى لو اضطروا للتضحية بأنفسهم لتحقيق هذه الغاية. عندما لا يكون لديهم شيء آخر يخسرونه ، فإنهم يفضلون الموت كشهداء على أن يظلوا عبيدًا دائمين يعيشون في إهانة ويأس. إنها مسألة وقت فقط عندما ينتفضون مرة أخرى – وسوف ينتفضون ، وستكون إنتفاضتهم أكثر عنفًا من أي وقت مضى.
تشجيع أعداء إسرائيل
يزيد الإحتلال من جرأة أعداء إسرائيل الذين يستخدمونها كذريعة لتعزيز أجندتهم الإقليمية. إذا كانت إسرائيل قلقة للغاية بشأن التهديدات الإيرانية ، فعليها أن تعلم أن إيران ليس لديها أي قصد أيديولوجي لتدمير إسرائيل. في عام 2003 ، عرضت إيران اقتراح سلام سري تقبل فيه إيران السلام مع إسرائيل وتنهي المساعدة المادية للجماعات الفلسطينية المسلحة وتضغط على هذه الجماعات لوقف الهجمات الإرهابية داخل إسرائيل. تم نقل الإقتراح ، الذي حصلت عليه Inter Press Service (IPS) ، إلى الولايات المتحدة في أواخر أبريل أو أوائل مايو 2003. ولا يوجد سبب لافتراض أن الإقتراح الإيراني المستقبلي سيتغير جوهريًا بأي طريقة مهمة بمجرد أن تصل إسرائيل والفلسطينيون إلى اتفاق سلام.
إنهاء الإحتلال بمثل هذا الإقتراح أو بدونه كان سيحيد معارضة طهران لوجود إسرائيل وسحب البساط من تحت وكلائها – حزب الله وحماس والجماعات الجهادية الأخرى – الذين يستخدمون الإحتلال لتبرير مقاومتهم العنيفة ضد إسرائيل. لذا ، قد يتساءل المرء ، بأي طريقة يوازن الإحتلال التطرف ؟ إنه يكثف، في الواقع ، بشكل كبير، ردود الفعل العنيفة.
تنشئة طابور خامس
يزيد الإحتلال من نفور ما يقرب من مليوني عربي إسرائيلي ممن لهم صلة عميقة بإخوانهم في الضفة الغربية وغزة. إنهم غاضبون من السلوك الإسرائيلي غير القانوني في الضفة الغربية والحصار المفروض على غزة. يتم حشر هؤلاء في وضع لا يمكن تحمله حيث يتعين عليهم الإختيار بين ولائهم للمقاطعة التي يعيشون فيها أو قرابتهم لعائلاتهم الفلسطينية الأكبر. إن مواجهتهم العنيفة قبل شهرين مع الشرطة الإسرائيلية واليهود الإسرائيليين العاديين في أعقاب الحادث الذي وقع في المسجد الأقصى في مايو وما تلاه من اندلاع أعمال عنف بين حماس وإسرائيل تتحدث عن الكثير عن مواقفهم إذا كان يجب عليهم الإختيار.
ترعى إسرائيل بحكم تصميمها على استمرار الإحتلال في الواقع طابوراً خامساً داخل إسرائيل مما يجعلها أكثر عرضة للخطر من الداخل. لا يمكن استبعاد احتمال أن يؤدي أي حادث خطير ، سواء كان طردًا قسريًا أو قتل فلسطينيين بالرصاص بدم ٍ بارد ، إلى اندلاع انتفاضة للعرب الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية. ومن المسلم به أن حماس ستدخل المعركة ومن المحتمل أن ينضم إليها حزب الله وعناصر الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا. يمتلكون معًا 200 ألف صاروخ ، وآلاف منها لديها آليات استهداف دقيقة يمكن أن تصل إلى أي مكان في إسرائيل.
ومع ذلك ، يشعر القادة الإسرائيليون المتعاقبون بالثقة في أن الإحتلال يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى ، معتقدين أنه بمرور الوقت سيقبل الفلسطينيون مصيرهم بدون دولة كأسلوب حياة. تثق حكومة بينيت / لابيد كذلك في أنه إذا وفرت إسرائيل للفلسطينيين المزيد من الفتات في شكل تنمية اقتصادية وفرص عمل في إسرائيل وبعض تصاريح البناء وإجراءات أمنية أقل تدخلاً ، فسوف ينسى الفلسطينيون فكرة إقامة الدولة ويعيشون بسعادة خاضعين لأهواء إسرائيل.
ومن خلال اتخاذ هذه الإجراءات ، تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى “تقليص الإحتلال” وتخفيف الحصار على غزة من خلال تقديم برنامج تنمية اقتصادية مكثف لحماس على غرار اقتراح لابيد. وتقول الحجة إن الفلسطينيين سيكونون سعداء بإدارة شؤونهم بالطريقة التي يرونها مناسبة طالما أنهم يتوقفون ويكفون عن أي نشاط عنيف ضد إسرائيل. وفي حين أن هذه الإجراءات ضرورية لعملية المصالحة ، فإنها لن تكون أبدًا بديلاً عن دولة فلسطينية مستقلة.
قد يكون هذا هو الوهم الأكبر الذي سيطر على الإسرائيليين. يبقى الإحتلال احتلالاً مهما كان ملثماً ومهما كان الوجود العسكري الإسرائيلي الهائل في الضفة الغربية. يبقى الإحتلال أكبر تهديد لأمن إسرائيل القومي وعلى الجمهور الإسرائيلي أن ينتبه إلى هذا الواقع المرير.
*وصلتني عبر الايميل من احد الاصدقاء وايضا في :https://akhbaar.org/home/2021/9/287100.html

زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان الى العراق في ......طوابع بريدية




زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان الى العراق في ......طوابع بريدية


خلد العراق ،من خلال وزارة الاتصالات، زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان والتي استغرقت أربعة أيام بين 5 - 8 آذار - مارس 2021 في طوابع بريدية عدة ، منها هذا الطابع الذي وثق اللقاء بينه وبين المرجع الديني الاعلى السيد علي السيستاني وكان اصدار الطوابع مبادرة جميلة تحدثت عنها وسائل الاعلام ومنها مثلا قناة (الحرة) ورابطها التالي :.https://www.alhurra.com/iraq.................
.ابراهيم العلاف

 

مستويات الكتابة التاريخية


 

الاثنين، 20 سبتمبر 2021

أوراقا تحاول ان تكون رواية ( موصلية٠٠ ) .........الحلقة الاولى والحلقة الثانية

                            الاستاذ محمد مناف ياسين وزوجته الراحلة 
 


أوراقا تحاول ان تكون رواية ( موصلية٠٠ ) .........الحلقة الاولى

كتابة : الاستاذ محمد مناف ياسين حين كنت أركب دراجتي من بيتنا القريب من مطار الموصل الى الاعدادية المركزية أقصى المدينة الشمالي ، كنت اشعر كم ان مدينتي الموصل جميلة متنوعة الالوان ، كثيرة الطرق والدروب ؛ وهي صغيرة ٠٠ الى الدرجة التي استطيع فيها ان اقطع الطريق يوميا من الاقصى الى الاقصى فيها بدقائق . وكبيرة الى الحد الذي لااستطيع فيه ان اعدد الطرق والبيوت والمدارس على طريقي حتى احياء معينة كنت اسميها في نفسي باسماء اصدقاء ، كنا ندرس معا ذلك الوقت او ما سبق ان كانوا ٠٠ربما هو نوع من الغربة وقتها ٠٠؟ تتحول وسريعا الى الفة خاصة مع ايجاد ذلك الصديق او الاستمرار بالمرور من هناك . وقداجد على طريقي وصلة من تعديل قديم للدرب بالحصى النهري ، فانزل من دراجتي لأسير عليه أو ارى عمال البلدية ، وهم يبلطون الدرب بالزفت المغلي الاسود واعجب من حالة عامل التزفيت (الذي يمسك ( الشوبك ) ساخنا كي يضعها على الطريق فيعتدل ٠٠ مرة توقفت متعاطفا ومعجبا بالعامل الذي يتحمل كل هذا الاذى الجسدي ، فتوقف الرجل وهو ينظر الي بعيون متعبة ، واصابع يحاول تبريدها وقال : الحق مدرستك والا سوف تصبح كما انا اليوم ومثل كل هؤلاء العمال ، لاننا لم نهتم بالدراسة ولم تكن عندنا الفرصة ٠٠ اذكر اني خجلت حد البكاء ، وامسكني صمت مع سحق خاص يدور داخلي كما طاحونة لا صوت لها ولا مادة تسحقها وقد صاحبتني حالة الصمت والدوران والسحق هذه على مدى سنين مواجهات ٠٠ وحين حكيت ذلك لوالدي ( وقتها )ابتسم بألم وعرف ذلك العامل ، واثنى عليه وكرر نصيحته تلك ٠٠ مع عمل ذاك كانوا ويضعون وسط الدرب قطعة اسمنتية جاهزه تنقل مياه الامطار او حتى مياه الغسيل اليومية رغم مراقبة البلدية وجزاءتها بسبب ذلك ٠٠ هذه هي بعض معاني الدروب حين تتغير ٠٠ وكانت العائلة كلها لاترضى ان اعتاد المرور من امام مدرسة البنات رغم رغبة كثير منا بذلك وتعمده احيانا فتصل اخبار ذلك الى العائلة عن طريق (واش؟ ) لانعرفه ونتحمل المسؤولية حتى كبرت اعمارنا وصرنا جزء من مجتمع يرفض ذلك او يجد اسبابا مختلفة لعدم القبول ، وقد تباينت مواقفنا لأسباب خاصة وفردية ٠٠ كانت البيوت القديمة ، ظليلة فيها نوعا من انسام باردة مع ابتعاد الشمس او اقتراب المساء ، واكثر ما اعجبني تلك الجسور فوق الدروب وهي غرفة او ممرات تربط بين بيت واخر ويمر من تحتها درب وهي مقوسة ومزخرفة بشكل يثير الخيال القصير ربما ولكنه يبقى مستقرا في النفس ظلا ودفئا وجمال ٠٠ وهنا يكون للشمس دورها في تغيير الظلال والالوان مع وجود خضرة الاشجار المعمرة ٠٠ وقد كان في بيت جدي ( بستانا) ، هي ليست الا مربع ترابي تستقر فيه اشجار توت ورمان وعنب ٠٠ يدور فيها جدي ؛ فيكتشف من الذي اقتطف عنقود عنب بطريقة غيرصحيحة فيعرفه وينصح بكيفيات الاقتطاف .

أما التوت ، فيأتينا قبل ان نشتاق اليه والتين الاخضر جميلا تناديك حلاوته ، فتكتشف من حليب القطف انك اعتديت ولن تستفيد بقدر ما اخطات ٠٠ اما الرمانة ، الشجرة الكثيرة الرقة فهي رقيقة تتطاول كي تعلن عن ما لديها ، وحين سالت يوما قيل لي عن تطاولها ذاك انها ٠٠ "تتبغدد عللى تحبوا " وتتبغدد أي تتدلل ٠٠ والتينة والتوت ترسمان ظلالا وارفة ويختبئ فيهما اكثر من عش لبلبل او عصفور فيصبح غناؤهما مالوفا ومنتظرا مختلطا بدندنات رقيقة تصاحبها او تتلوها ٠٠ كانت تلك الظلال الوارفة ترسم سقفا مقيما باردا مع شمس الصيف ومحتضنا للمطر مع تساقطها كان بيت الجد ، هو كل البيوت وهو العائلة التي تزداد اعداد الاسر فيها يوما بعد يوم ٠٠ كما ذلك الطير الجميل الذي بنى عشه قرب قبة (الجامع العمري) أو جامع العمرية دون معرفة تاريخه ويعود اليه مع بشائر كل ربيع ٠٠ونسمع صوت تغريده بنوع نداء خاص ٠٠٠ فكان ايقونة الشمس والربيع والمطر ٠٠

............................................الحلقة الثانية

اوراقا تحاول ان تكون رواية موصلية ٠٠( ٢ ) اعتدت مع أول تعلم قراءة الكتاب خارج كتب المدرسة ان اكتب في اوراق صغيرة أفكارا أضعها كثير احيان في الكتاب الذي اقرا فيه ٠٠ وتزايد نشاطي هذا ، وتنوع مع تقدم العمر والدراسة والاطلاع على العالم ، ومدنه ، وناسه ولم اتوقف الاقليلا من الوقت لتحفظ ما او بسبب ضياع تلك الأوراق ونسيانها٠٠ وارى اليوم نوعا من واجب ان انشر ذلك بعد ان تراكمت كتبي وتبرعت بها لاكثر من جهة او صديق ٠٠ وكان بعض ما شجعنا على تزايد القراءة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، رجل لم نسمع عنه الا الاقل سوى انه منفي الى الموصل لاسباب سياسية ، وقد افتتح مكتبة ، يسمح لنا ان ناخذ اي كتاب لندفع خمسين فلسا عن الاسبوع ، وكان صبورا بدكانه الصغير ، فنقوم بالاطلاع على الكتاب الجديد وغالبيتها كتبا أدبية تتحاشى الدعاية السياسية التي انتشرت بعد فاجعة العائلة الملكية صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من تموز سنة 1958 . نعم ٠٠ تعلمت أن اكتب في اوراق او على حواشي الكتاب اياه ؛ وضاع الكثير من الاوراق تلك وصرت حتى اليوم أُفاجا باكتشاف اوراق وضعتها في كتب تقادمت عندي أو حتى في جيوب ملابس تركتها منذ مدة ٠٠ ولم تستقر كتابتي لليوميات ، الا بعد ان غادرت العراق نهائيا في اوائل التسعينات من القرن الماضي ٠٠ حيث صرت اشتري دفترا ليوميات السنة الجديدة (أجندة) ، ومعي اليوم اكثر من مئة كتاب أو دفتر ٠٠ ويبقى معي دفتر صغير يرافقني دوما خارج الدفتر اليومي ( الثقيل ! ) نوعا والذي اشعر بكتابته اني اقول كل شئ ٠٠ وحسب علمي ، وانا متالم لتذكر ذلك ، والغفلة التي تسببت بذلك مني ( حيث عملت في مكتب صحفي ، وكنت اضع دفتري هذا على مكتب عملي واثقا بان لاأحدا ينفعه أويهتم بما فيه حتى حاول شاب غير عراقي كان يعمل في المكتب ان يقرا بعض ما كتبته وحين فاجاته وهو يحاول ان يقرا فيه حاول السخرية من كتابتي ، وواجهني بوقاحة انه لم يجد ما توقعه من قضايا سياسية حسب ما سمعه عني ؟ شكرته وقلت له لم اتوقعك من ( اياهم المتجسسين ) اللذين يبحثون عن خيانة الثقة اولا ، وكان من دولة عربية عرف عنها ( انقلابويه!) عسكرية وتلك بلوى أهلكت الحياة العربية العادية ، ولوثت صفاء الانسان فيها ٠٠ لم يخجل ولم يبدِ أسفه أنه خان أمانة العمل المكتبي بقدر ما بدا كأنه لم يصل الى ما كان يريد ٠٠ الغفلة نتاج الثقة المطلقة عندي مازلت لا استطيع غيرها مع من أحبهم وقد يقال ان من الغباء ان تستغفل ، واقول ان للخيانة وجوهها العديدة، وتلوناتها ٠٠والخائن هو المدان عندي ٠٠ عذرا فقد اطلت ، ولكني اردت الدخول بمقدمة التعرف على ما سيجده هنا القارئ المهتم ٠٠ نعم ؛ نحن منذ صغرنا قد تعلمنا مانسميه اليوم ( الاستظهار ) ، ويكون ذلك قبل التسجيل في المدرسة التي بدات تلزمنا ان نكون بعمر سبع سنين كي نقبل في الابتدائية ؛ سابقا كان ( الملا ) ٠٠نكون قبلها قد قرأنا في (الملا) أي الكُتّاب كثيرا من الآيات ، وراينا كتلة العبارة القرانية لا الحروف وتركيباتها الممكنة ٠٠ وحديثي عن الموصل ، مدينتي التي تبقى عزيزة الولادة والنشوء ، هو كمن يتنسم التاريخ ، وينعش قلبه. وقد كانت احدى صديقات العائلة ،وفي اول محطات الاغتراب ، تردد دوما ولأي مكان تعجب به ( : كنيها الموصل ٠٠) وتقصد ان هذا المكان يشبه ما هو موجود في مدينتها الموصل ، البهجة ، وصوت موصلي جميل وذاك اقصى مدح للمكان ب (كأنها الموصل ٠٠ ) نعم للموصل لهجتها التي قد تُكتب ، ولكن الصعوبة في كتابتها وانا الموصلي ، أجد صعوبة نقلها الى اسماع الاخرين دون تلكؤ وربما خوف خطا ٠٠ والموصل مدينة ربيعية جميلة ، ومن يسكن اليها يتعشقها كما حب العشق أصلا ٠٠ اوراقي هذه ؛ كنت كتبتها منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ٠٠ حيث وجدتها في كتاب مدرسي قديم ٠٠اقول عنه دوما انه هو الذي وجدني ٠٠ واشعر اللحظة بكل ما تحمله أنسام الربيع الموصلي من عطور النرجس ، وخضرة الزروع ، وعفوية الناس ، وجدية تحركهم ، واداء ما يتوجب عليهم ، وفي أية لحظة مختارة ٠٠ فسلام اليك مدينتي الحبيبة ، مُقّبلا تُرابك الطيب ، ومعتذرا عن الغياب ٠٠ وايضا تأخر الكتابة، وها هي بعض صفحات أحاول اعادة تسجيلها منقولة دون اضافات ، وكما كتبتها وقتها ٠٠ ارجو من القارئ الصبر ٠٠٠ اوائل حزيران ٢٠١٩ ،

...............................................الحلقة الثالثة


اوراقا تكاد ان تكون رواية ( موصليه)..........(3) في يوم موصلي جميل ، جاءنا مدرس الرياضة ليعلن لنا اننا مدعوون للاشتراك في اليوم الرياضي لمدارس المدينة ٠٠ وهو ينصح ، ويحذر كان كل منا يفكر بما الذي سيكون فيه ؟ وما الذي يمكنه ان يتشارك فيه ٠٠ كان المدرس يوجه كلماته الى الرياضيين منا ، وكيف انً من الضروري ان نكون بمستوى البراعة الرياضية ، والتفوق ، فضلا عن اختياره اسماء من الصف كتبها على السبورة السوداء ودعاهم ان يبداوا بالتدرب وفق توجيهاته .وقد سبق لمدرستنا ان سجلت تقدما على كل المدارس في الرياضات الفرقية ٠٠ اضافة الى انها المدرسة الافضل في عموم مدارس اللواء في النتائج الرياضية ، وفي عدم صدور اية شكوى من سلوكيات الطلبه منهيا كلمته عن مدارس البنات انهم جميعا اخواتكم وانتم ستكونون رجال المستقبل ، وايا منكم سيمثل بيته وتربيته قبل تمثيله للمدرسه ورياضييها ٠٠ كان بعضنا يتبادل النظر مع الآخر في الرغبة ان يكون احد اللذين يختارهم وان يملك تفوقا في لعبة معينة وما كنا نصطلح عليه ب( الرياضات السويديه ) وقد اختار المدرس احدنا وهو الاشطر في القفز العالي والزانة وهو ايضا لاعبا مهما في كرة السله والكرة الطائرة ووضع اسمي طالبين اخرين كاحتياط ٠٠ لاباس فقد كانا معا يتفوقان ربما واحدهم يستند ايضا الى خبرة احد اقاربه في هذه اللعبة او تلك ٠٠ وقتها حكت لي قريبتي ان في مدرستها التي ذكرت في حديث المشاركين ، طالبة تجيد لعبة ( الطاولًة = المنضدة ) وستشارك ايضا في المهرجان ، وذكرت لي اسمها وقبل حضور الاسم في حديثنا ذكرت ايضا انها كانت معي في المدرسه العراقية الابتدائية الثالثة للاحداث التي كان مبناها في محلة النبي شيث ، ومديرتها سيدة كثيرة الحرص والود الذي حملته لطلابها وقبل ان تلغى مدارس الاحداث المختلطة ٠٠منتصف الخمسينات ٠٠ كان شعرها يحيط وجها مليئا بالطيبة يختلط فيه الشيب بالسواد يجعلني واكثر من صديق نشعر بالاحترام الشديد لها ٠٠وجاء يوم يتبارى فيه الطلبة تحت انظار مدرسيهم وقبل المباريات اكتشف كل منا عمق معرفتنا لبعضنا طلابا متبارين يتاكدون من انهم متفوقون ٠٠ وصارت الامهات وربما الاخوات الاكبر في البيت اكثر اعتناء بالملابس والهيئة العامة ٠٠ واظن ان تلك المباريات ، قد خلقت ودا واسعا بين عموم الطلاب ، وتجدد لقاءتهم وهم يكتشفون انهم قد اصبحوا كًبارا ويساهمون او يهتمون بالرياضة والتفوق في بعض ما يستطيعه وامكانياته ٠٠ كنت احمل في ذهني اسماء لعدد من ابطال المدارس واشتهروا حتى باسم عوائلهم فيذكر المتفوق واهله وتسبق ذلك اخلاقيات عائلته وتواصلاتها ٠٠ هكذا لم يكن المتفوق وحده المعروف ، انما أهله واخلاقيات الجميع فتكون الجيرة نوعا من الانتساب / بالصدفة / اذا صح التعبير وهي محرض أو محرك آخر جديد للشعور بالمسؤولية امام الناس مما كان احد اهم عناصر الامان والطمانينة بين الناس وايضا عنصر منافسه يدخل في قلب الطالب او العامل في مجال معين ٠٠ولابأس ان اخذ مثالا دون اسماء ، فقدغبت عن المدينة عقودا وبالتاكيد ومهما سمعت او عرفت هو الاقل عما جرى وتكون خلال هذه العقود التي تقلبت وتغيرت فيها كثير موازين ٠٠! كان الحي او المحلة ، هي البيت الاكبر والمدرسة هي المدينة كلها بالاخص حين تنتقل من مرحلة الى اخرى ؛ فالمرحلة الابتدائية هي غير المتوسطة مثلا ، واعرف ان البعض سيحتج نوعا ما بأني اذكر بديهيات نعم انها بديهيات المجتمع وتواصلاته ، قد كان ابي مثلا يعرف حتى المدرسين والمدرسة وتجري مناقشة المدرس لعائلة الطالب بشكل او بآخر ، وحسب امكانيات الاتصال ٠٠ وعديد الشواهد ، ومكانتها لدى كل منا وعائلته والعوائل الاخرى ٠٠ واذا كان البعض اليوم يسخر من توصيات الوالدين في ان تضع عينيك على الارض اذا شاهدت فلان او فلانة ٠٠ تكاثر فخر العوائل بنجاح اولادهم في شان ما ٠٠ومازال كثيرنا يرتاح حين يكتشف أن ابن جاره ، هو الذي يستطيع ان يساعده في حل اشكالية تمر به ، وذكرياتنا جميعا مليئة بهذه الاقاصيص حتى ونحن او كثيرنا في غربة لم يتخيلها احد ولم يتوقعها ..... انه عالم جميل ، ببساطته ، وثقافته الاولية ٠٠ وليس الغرض البحث عن التأويلات انما أن يقف أي منا امام مرآة نفسه اولا ، وقوف حاد وحقيقي ٠٠ ليس المطلوب ان يشبه بعضنا الاخر اولا ، ولكن ماذا لو كان هو بديلا للآخر فيجري عليه ما يجري٠٠ والى كلمات اخرى وسلام طيب٠٠ مناف ياسين منتصف ايلول ٢٠٢١

....................................................الحلقة الرابعة

Mohamed

Mohamed Munaf
اوراقا تكاد أن تكون رواية ٠٠ ( ٤ ) الحجر المفتاح ٠٠ حين يقترب الشتاء في موصلنا ، كنا نحلم بالمنقلة ونارها الجميلة وتزاحمنا عليها ٠٠ انها ليال الدفء والتجمع الحنون جدا ٠٠ المنقلة ، ونارها مركز الاحلام والتشويق ٠٠ فالكل يتجمع ، والضيف قريب متالف وكان احد الاقارب يعمل على سيارات النقل الكبيرة الى الشمال ، ومع كل سفرة كان يصل ومعه كثير من عطاءات الشتاء ٠٠ الثمار الشهية التي تجمل ليل البرد وناره متحولة الى الاجمل ٠٠ قد كنت على استعداد لتلك اللحظات احاول تجميع اكبر قدر من تلك الثمار التي تملك انواع لذة نادرة وخاصة هئ ونوع من لذة تملك الافضل ٠٠ الكستناء او البلوط وصديقي الحميم هو البلوط بشكله النادر والجميل ٠٠ ما ان ادخل المنقلة الى غرفتنا المتسعة الفضاء حتى اخرج حصيلتي من البلوط واضعها وبكل عناية اشتاق اليها حتى الان ٠٠ لحظات وتبدا الثمرة بالتمرد على النار ، فتنتفخ ثم تنفجر داعية لمن يرغب ان يتقدم اليها وباستعداد ان لاتمسه النار او يخاف فيتساقط منه بعض غلاف الثمرة كثير الاناقة جميل وما تنتشر رائحة الشواء حتى يتقاطر ابناء العمومة وسكان البيت كي يشاركون وانا فرح باني اقدم شيئا يجلب الكبار والمختلفين عني ٠٠ كان الوالدين يراقبان النار ان لا تؤذي ايا منا ولا نستعجل فناخذ احداها ساخنة فتؤذينا ٠٠ تكون الوالدة او احدى سيدات البيت قد جلبن قوري الشاي لتخديره على نار المنقلة الهادئ حيث ان مايصله من نار خفيفة تحعل الشاي اكثر رسوخا ، وتصبح رائحته عطرا مضافا ومطلوبا الى ذاك التجمع يثير اسئلة ومناقشات تختلط موضوعاتها وتتباين ٠٠ ويوما اثارني ان نار المنقلة ودخانها يتصاعد وينتشر في فضاءالغرفة وسقفها العالي نوعا ٠٠ سالت ابي كيف يستطيع ( البناء ) ان ينظم هذه العقدة ؟ ولم تكن لديهم امكانات تقنية مساعدة ؟ وما نسميه ببغداد اليوم (عكاده أو عقادة ) ٠ كان ابي رحمه الله يهتم كثير ا بالاسئلة ويقول دوما : اجعل سؤالك ممكن الاجابة واضحا فنصف الاجابة هي في سؤالك ٠٠ فلا تموه ولا تتحايل كأنك الاذكى من الاخر ٠٠ ! وهذا ما استفدته في عملي الصحفي والاعلامي فيما بعد ٠٠ حُكى لًي انه وعمي قبالته كانا يمسكان الحجر ، وهما يقوسان السقف بعناية وتؤدة حتى يجف الجص اللاصق ولفترة لاتطول حتى يصل البناء الى حدود اخيرة وتتكون من البقية فتحة يسدها الحجر الذي كان قد هيئاه ( النقار ) وهو فنان يعمل على أية صخرة بقدومته طوال الوقت مع ( البنا ) ويرافقه عاملا وفق توجيهاته وبمهنية دقيقة مكتسبة مع الوقت وما يمر به العمل هنا او في اي مكان تلك الحجارة المهذبة تمسك السقف قبل ان تاتي موضوع. التسليح بالحديد والاسمنت التي الغت ادوار عاملين فنانين تنامت عبر قرون ٠٠ لم يتكاثر الدخان في المكان الحميم بسبب وجود رازونة في احدى اركان السقف والتي يكلف صغار البيت عادة بفتحها من عند اول الحائط من السطوح ٠٠ يكون السطح عادة كثير الطيور والحمام الذي نسمع غنائه مع اول الفجر كذلك طيرانه وعودته ويترجم لنا الغناء بشكل مختلف ؛ فمرة يقولون ان هذا الحمام يحن الى اخواته فيقول (كوكو اختي ٠٠ وين اختي ؟ )ويتساءل اين ذهبن منذ أن احتل الموصل غزاة وقتلة طاردوا الناس ونهبوهم فهاجرت فصيلة قوية من ذلك الحمام الى بلاد بعيدة جدا وبطيران مستمر حتى استطاعت ان تنزل على بحيرة امنة بين الهند والصين وابتعدت عن الغزاة والقتل’ فاصبح الحمام يحن اليها والى اخواته اللذين هاجروا ولم يعودوا ابدا لعدم توقف الغزاة والقتلة عن المحاولات المستمرة لأخذ خير الموصل ومزارعها الكثيرة الانواع . كانت جدتي الممتلئ ذهنها بالأقاصيص والحكايات قد انهت صلوات العشاء ، ونحن بانتظار قصة اخرى جديدة الا ان ساعات النوم قد حلت وعلى اي منا ان يذهب متكاسلا متناوما راغبا البقاء فتناوله الجدة او الام وسادته المنقوشة بشكل خاص به وما كان يرغبه كي لا تتداخل الوسائد وربما كي يكون لكل منا احلامه الخاصة ٠٠٠ فلقد. عدتنا الجدة بقصة اخرى اجمل ،ولكن مدارس الجميع لا تحب السهر الكبير وكل شئ بوقته وسلام لكل من احب الاهل والحياة ٠٠ مناف ياسين ٠٠ منتصف ايلول ٢٠٢١

الأحد، 19 سبتمبر 2021

مقهى 14 تموز في الموصل


 


مقهى 14 تموز في الموصل
-ابراهيم العلاف
لي كتابات كثيرة عن المقاهي واشرت الى ارتباط الكثير من المقاهي بالسياسة فكان لكل تيار سياسي مقهى خاص فللشيوعيين مقاه خاصة بهم وللقوميين مقاه خاصة بهم وللبعثيين مقاه خاصة بهم وللاخوان المسلمين مقاه خاصة بهم في الموصل وكان هذا امر معروفا حتى بالنسبة لوكلاء الامن ان كان ذلك في العهد الملكي ، أو في العهد الجمهوري وقد أدركنا ذلك ونحن طلبة في المدرسة الثانوية في مطلع الستينات .
واليوم أريد ان اتحدث لكم عن مقهى في الموصل تقع بالقرب من سوق النجارين عند التقاء شارع غازي بشارع نينوى وعلى الطرف الثاني من زقاق سوق النجارين حيث عمارة جردق .
(كازينو 14 تموز ) هذه ، كتب عنها الاخ الاستاذ معن عبد القادر ال زكريا في الجزء الثاني من كتابه (الوجيز الموسوعي في تاريخ اهل الموصل) والذي صدر في دمشق سنة 2011 . كما كتب عنها الحاج عبد الجبار محمد جرجيس. ومما نعرفه عن هذه المقهى انها كانت مكانا لنخبة من المثقفين اليساريين وهو اقرب الى الشيوعيين وكانت المقهى في الطابق الثاني من عمارةتعود في ملكيتها لآل الجادر قرب سوق النجارين في الجانب الايمن من مدينة الموصل . وقد نقل الاستاذ معن عبد القادر ال زكريا من رسالة ارسلها المهندس وليد ابراهيم القهوجي له معقبا على ما ذكره عن (مقهى 14 تموز)
يقول ان والده ابراهيم حسين علي القهوجي (ابو خليل) وكان قهوجيا محترفا له من قبل (مقهى الاخوان ) في شارع غازي ، وقد تحدثت عنها في مقال خاص هو من استأجر المقهى من ال الجادر مع شقيقه شيت حسين علي القهوجي وجهز المبنى ليكون مقهى جديدا وسبب التسمية ان ذلك حدث في سنة 1958 ورافق حدوث ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق .
ويبدو ان أحد ابناء المنطقة من مؤيدي الحزب الشيوعي ، هو من اقترح ان تسمى (مقهى 14 تموز ) وجاء الى المقهى عند افتتاحها وهو يحمل لافتة مكتوب عليها (مقهى 14 تموز) ، وهكذا كان الامر وسميت كذلك واستمرت المقهى بالعمل خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي مكانا لجلوس المثقفين وكان يوم 30 من اب - اغسطس سنة 1989 آخر يوم للمرحوم ابراهيم حسين القهوجي في ادارة المقهى حيث باع حصته وترك العمل حتى توفي رحمه الله في 15 نيسان سنة 2000 .
ومما اكده الاستاذ المهندس وليد ابراهيم القهوجي ان رواد المقهى - وكان هو على صلة بوالده ويعمل معه - كانوا من وجهاء وتجار واعيان واساتذة ومثقفي وشيوخ الموصل كانوا يجلسون في هذه المقهى وكانت بمثابة منتدى لهم لكن الصبغة العامة عنها انها كانت تضم المثقفين والتقدميين المؤمنين بفكرتي الحرية والتقدم وكانت اقرب الى المنتدى الثقافي منها الى المقهى وكان ممن يجلس فيها في بعض الاحيان كاتب هذه السطور وهذا مما جعل لهذه المقهى مكانة في حياة الموصل السياسية والثقافية المعاصرة .

                                                                بناية كلية الاداب -جامعة الموصل - جمهورية العراق 2021

هيئة الانسانيات في جامعة الموصل هي نفسها صارت كلية الاداب
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
فتحت في خريف سنة 1966 وكانت تابعة لجامعة بغداد .وبدأت الدراسة بصفة مؤقتة في المجموعة الثقافية في الجانب الايسر من مدينة الموصل . وعند تكوين الجامعة في الأول من نيسان سنة 1967 وتنظيمها أصبحت (هيئة الانسانيات ) إحدى الهيئات المكونة لجامعة الموصل وكانت (هيئة الانسانيات ) والتي صارت تدعى بعد ذلك كلية الآداب ، تهيئ لدراسة البكالوريوس في الآداب ومدتها اربع سنوات وفيها الأقسام التالية :
1. اللغة العربية
2. اللغة الانكليزية
3. التاريخ
4. ادارة الاعمال
كان مجلس هيئة الانسانيات عند تأسيسها يتألف من :
1. الدكتور عبد المنعم رشاد عميد الهيئة بالوكالة
2. الدكتور أمين علي السيد رئيس قسم اللغة العربية بالوكالة
3. حازم طه المجيد مقرر قسم اللغة العربية
4. الدكتور عصام الخطيب رئيس قسم اللغة الانكليزية بالوكالة
5. الدكتور عامر سليمان رئيس قسم التاريخ بالوكالة
6. الاستاذ لطفي الكسان وهبة رئيس قسم ادارة الاعمال
7. السيد قتيبة الجادر مقرر قسم ادارة الاعمال
8. الدكتور علي محروس شادي رئيس قسم المحاسبة بالوكالة
9. السيد رامز جبوري غزول ممثل الدراسات الاقتصادية .
.....هذه هي البدايات ولنا معها عودة لنقف على تطور الكلية بعدئذ
*19-9-2014


حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر 1967

                                                 جمال عبدالناصر بين سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر  حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنس...