دور المقاهي الأدبية في الحياة السياسية العراقية المعاصرة *
بقلم :البروفيسور الدكتور ايريك ديفز
تقديم وترجمة الأستاذ حسين كركوش
أن المثقفين العراقيين – رغم الضعف الذي كنا نلاحظه في البنية
الاقتصادية والاجتماعية العراقية المعاصرة ، نجحوا حقا في نسج علاقات مهمة مع
الجمهور. والمثال الذي يرد إلى الذهن هو نجاحهم في تحويل المقهى العام إلى مؤسسة.
إن تحول المقهى إلى مركز للنشاط السياسي الوطني يعتبر مؤشرا إلى الطابع المؤسساتي
الذي طبع الانتجليسيا العراقية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا
الطابع المؤسساتي
institutionalization كان بالإمكان تلمسه من
خلال تزايد حجم الانتليجيسيا، آنذاك، وكذلك توسع نتاجها الثقافي الهادف إلى تحدي
التقاليد وفتح أفاق جديدة للتعبير، مثلما بالإمكان تلمسه من خلال دور الانتليجيسيا
المتزايد في تحدي الدولة.
في الواقع، إن ظاهرة ارتباط مقهى عراقي معين باسم شاعر واحد
أو مجموعة من الشعراء، لا يمكن اعتبارها ظاهرة جديدة في حقبة ما بعد الحرب
العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال هناك عدد من الشعراء المعروفين، مثل جميل صدقي
الزهاوي، ومعروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري، ارتبطت أسمائهم بأسماء بعض المقاهي
العراقية التي كان كل واحد منهم يرتادها، كمقهى الزهاوي، ومقهى الحيدرخانة
(الرصافي)، ومقهى حسن عجمي (الجواهري)، ومقهى البرلمان (حسين مردان وعبد الأمير
الحصيري). وبسبب ارتباط هذا الشاعر أو ذاك، أو هذه المجموعة من الكتاب أو تلك،
باتجاه سياسي معين، فأن تلك المقاهي تحولت إلى ما يشبه المؤسسات العامة، تزود
الجمهور التي يرتادها بوجهات نظر سياسية، وبمعلومات عامة. لقد ساهمت تلك المقاهي
في توسيع أفق من يرتادها من الجمهور، لأن الناس لا تذهب إلى المقهى لمجرد شرب
القهوة، أو التحدث مع الآخرين، فقط، أو الاكتفاء بقراءة الصحف، أو لعب النرد
والدومينو، ولكن، أيضا، لمناقشة القضايا السياسية.
بالطبع، كان المخبرون السريون من بين رواد تلك المقاهي، خصوصا
تلك التي اقترنت أسمائها بالنشاط السياسي، وهو أمر كان يدفع الشعراء الذين يرتادون
تلك المقاهي، إلى أخذ الحيطة والحذر. وفي الواقع، فأن السياب وبلند الحيدري كانا
قد كتبا قصائد مشهورة حول شخصية المخبر السري.(لسعدي يوسف، أيضا، قصيدة حول شخصية
المخبر السري. ح. ك.)
إن طريق التجريب الذي شقه أفراد للانتلجيسيا العراقية، خلال
فترة الخمسينيات، قاد إلى ظهور أنواع جديدة من المقاهي، غير مرتبطة، بطريقة
مباشرة، بأفكار ومواضيع أدبية تقليدية. فعلى سبيل المثال، فأن المقهى السويسرية
والمقهى البرازيلية أصبحتا بؤرا، تتم فيها مناقشة الاتجاهات الأدبية الجديدة،
كالفكر الوجودي
(36).
لقد استطاعت المقهى ربط المثقفين العراقيين بالجماهير، بطرق
مهمة أخرى. ففي داخل المقهى، كانت تتاح للجمهور الأمي فرصة الاستماع لمن يقرأ
الصحف بصوت مسموع. إما بالنسبة إلى القراء المعدمين، فأنهم كانوا يجدون في المقهى
مكانا يتيح لهم قراءة الصحف مجانا، وهو أمر ما كانوا قادرين على فعله خارج المقهى،
ويعدونه نوعا من أنواع الترف، بسبب ميزانيتهم الشحيحة. وقد ساهمت المعلومات
المتداولة لدى رواد المقاهي، في نشر المشاعر الوطنية، وتلك المؤيدة لقيام نظام
جمهوري. إن المواضيع الشعرية، التي غالبا ما يتم التعبير عنها بطريقة مواربة،
ساهمت في خلق حساسيات جمالية، ليس فقط في أوساط الشعراء الذين كانوا يجهدون في
إخفاء ما يضمرون من أفكار، وإنما، أيضا، في أوساط جمهور المتلقين الذين كانوا
يبذلون جهدا في فك مغاليق تلك المواضيع الشعرية. وبالنسبة إلى الشاعر والمتلقي،
كليهما، فأن النتاج الثقافي الجديد، والتعقيد المصاحب للشرح، كانا محصلتين
ضروريتين للجو السياسي السائد وقتذاك، والذي كان يفرض نفسه داخل المقاهي. وحتى
يواصل الشاعر وجمهور المتلقيين مهماتهم السياسية والثقافية، فأن شكل القصيدة
ومحتواها اتخذا بنية تعقيدية متزايدة. وبهذا المعنى، فأن المقهى أصبحت مكون هام من
مكونات المجتمع المدني العراقي، لأن دورها لم يكن مقتصرا، فقط، على تشجيع المعارضة
السياسية ضد الدولة الملكية، وإنما ساهمت في الترويج لخطاب أدبي أتصف بالتنوع،
وبتعددية طرق التعبير. لقد تحولت المقهى إلى فضاء عام، بامتياز، يتم داخله تناول
;المنشورات السرية ; المناوئة للدولة، ولهذا،
فأنه ليس من باب المصادفات أن المشاركين في التظاهرات المعادية للحكومة، آنذاك،
كانوا يتجمعون داخل مقاهي بعينها، استعدادا للمشاركة في التظاهرات السياسية العامة
المناوئة للحكومة.(37)
إن المقاهي الأدبية ما كان لها أن تحصل على أهميتها الثقافية
والسياسية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لولا تعاظم دور الأنتليجسيا
العراقية نفسها، والذي كانت تقف وراءه ثلاثة عوامل مترابطة. فكما أوضحنا في مكان
سابق، فأن الانهيار في القطاع الزراعي، الذي قاد إلى نمو المناطق الحضرية; والتوسع
الذي شهده قطاع التعليم; والزيادة في توظيف أصحاب الياقات البيضاء (موظفون
حكوميون، معلمون، كتبة، وسواهم) ساهمت في زيادة طبقة الأفندية (38). وبمواجهة ما
كان يحدث في البلد من عدم استقرار اقتصادي، ومتغيرات اجتماعية متسارعة، وشعور
مهاجري الأرياف بأنهم يقفون على أرضية رخوة وغير مستقرة داخل المدن التي وفدوا
إليها، وما كان يحتويه النظام السياسي القمعي من عمليات فساد، كل هذه العوامل دفعت
الانتليجسيا العراقية، وقتذاك، أن تحتل دورا رياديا في عملية الاحتجاج الوطني.
ورغم أن المؤسسة العسكرية هي التي أطاحت، في نهاية المطاف، بالنظام الملكي، إلا أن
الانتليجيسيا هي التي ساهمت في زعزعة شرعية ذاك النظام وأضعاف سلطته وتعريته أمام
الجميع. وسنرى أن التوسع الذي شهدته الانتليجيسا العراقية خلال الخمسينيات هو الذي
أرسى، فيما بعد، الأسس للجهود التي بذلها حزب البعث في السبعينيات،لإعادة بناء
ذاكرة سياسية واجتماعية، كجزء من مشروعه في إعادة كتابة التاريخ.
·
المصدر
: موقع (ايلاف) الالكتروني والرابط هو التالي :
·
https://elaph.com/Web/Culture/2008/1/29144

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق