الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

مقاهي الادباء في بغداد بقلم الاستاذ احمد سميسم


مقاهي الادباء..ظاهرة ابداعية لا تصنع تجربة
مقاهي الادباء..ظاهرة ابداعية لا تصنع تجربة

منذ الخمسينات اشتهرت بعض المقاهي في بغداد بوصفها نوادي ثقافية تلتقي فيها نخبة من الادباء والكتاب والمثقفين واصبحت مقرات لهم لعقد الندوات وقراءة الشعر واقامة الحوارات والنقاشات الى جانب كونها امكنة للراحة وتزجية الوقت وتبادل الاحاديث الا ان معظم هذه المقاهي اندثرت إثر التحولات ولعل اشهرها مقهى(حسن عجمي) و(البرلمان) و(الشاهبندر) و(الزهاوي) التي كان من بين روادها كبار الشعراء كالجواهري والرصافي والزهاوي والسياب والعديد من الادباء.. مجلة الشبكة التقت عددا من المثقفين والادباء للتعرف على وجهات نظرهم حول اهمية المقهى الثقافي ودوره في تفعيل النشاط الثقافي.
الجمعة عيد الأدباء
اول المتحدثين كان الشاعر والأديب محمد علي الخفاجي حيث قال: بالنسبة لي ادركتُ المقاهي الأدبية في الستينات حينما بدأت الكتابة والنشر في صحيفة (كل شيء) وفي مجلة (المتفرج) وصحيفة (المنار) و(الأيام) وغيرها من الصحف, وكنا نلتقي في (مقهى البرلمان) ومقهى(عارف أغا) وفي مقهى (حسن عجمي) ومقهى (البرازيلي) بل حتى مقهى (ام كلثوم) ومقهى (فريد الأطرش) حيث كانت مقاهي أدبية. وهناك مقاه عديدة زارها الأدباء وجلسوا فيها وتبادلوا أحاديثهم وحاولوا ان يتعرفوا على إصدارات بعضهم البعض, فمثلاً ( مقهى الشاهبندر) من المقاهي الأدبية التي تأسست عام1920 على أنقاض مطبعة الشاهبندر التي أغلقت لأسباب سياسية. هذه المقهى كانت ترتادها ثلاث وجبات، الوجبة الأولى كانت من الوزراء والبرلمانيين في الصباح, والوجبة الثانية عند الظهيرة كان يأتون المحامون والقضاة لأنها قريبة من المحاكم, وفي المساء كانت تعقد في مقهى (الشاهبندر) حفلات للمقام العراقي المتمثلة برائد المقام (رشيد القندرجي).
ويوم الجمعة هو يوم الأدباء والمثقفين بشكل عام وانا اعتبره  يوم عيد للأدباء يتحدثون فيه عن نتاجهم الادبي والثقافي فيما بينهم وانا في تصوري عندما يجلس الأدباء في المقاهي هو تجدد للثقافة وللإرث الحضاري.

صورة الواقع الأدبي
اما الحاج محمد الخشالي صاحب مقهى (الشاهبندر) فقد أوضح ان تواصل الأدباء في المقاهي ظاهرة إبداعية وظاهرة ثقافية اذ تعكس صورة الواقع الأدبي والثقافي من خلال تجمع المثقفين في المقاهي يتجاذبون أطراف الحديث, كما تعكس صورة للسواح والأجانب من خلال زياراتهم للمقاهي والتعرف على تراث المجتمع العراقي البغدادي الثقافي ونقل صورة التراث العراقي الى الغرب.

المقهـى لا يصنــع تجربـة
ويرى الناقد فاضل ثامر ان المقاهي أصبحت ظاهرة ثقافية وأدبية وإبداعية, ايضاً ومن المعروف ان العراق منذ بداية القرن الماضي لعبت فيه المقاهي دوراً في إنضاج وتطوير الكثير من الاتجاهات الشعرية والقصصية مثل مقهى (الزهاوي) و(الشاهبندر) و(حسن عجمي) الى الكثير من المقاهي الأدبية ولا نقول ان المقهى تصنع تجربة ولا أي مـــؤسسة تصنع ذلك لكنها مكان شفاف للحوار بعيداً عن السلطة الرسمية والرقيب, وهنالك مقــــاه عديدة ظهرت في الستينات وكانت مؤثرة في وقتها مثلاً مقهى(المعقدين) ومقهى (ابو عبد) واعتقد ان السنتين اللتين سبقتا سقوط النظام السابق كانتا شاهداً كبيراً ومهماً في نضج الكثير من الاتجاهات الأدبية وانا لاأعتقد ان وجود الأدباء والشعراء في المقاهي هو لون من البطالة وإنما هو ظاهرة إبداعية وتواصلية لأن المبدع يحتاج الى التواصل مع الآخرين.

النوادي المتطورة الأكثر رواجاً
من جهته قال الشاعر الفريد سمعان: كانت المقاهي منذ أكثر من خمسين عاماً مركزاً ثقافياً حيث يلتقي الأدباء ويتحاورون ويناقشون العطاءات الأدبية عموماً والفكرية والسياسية ايضاً وهذا امر معروف استعانت به بعض الفئات بإقامة المجالس الأدبية التي شاعت في النجف الاشرف وبغداد وسواها من المدن العراقية.. وان هذه الأماكن والمقاهي استطاعت ان تؤرخ الأدب العراقي وتساهم في بناء شخصيات أدبية كبيرة مثل (الجواهري) ومن المعروف ان المقاهي حالياً أصبحت معزولة عن الأدباء بسبب المؤسسات والنوادي والأماكن الأكثر تطوراً ورواجاً من حيث اللقاءات او الإمكانيات لتقديم الوجوه الأدبية وإقامة الندوات والنشاطات الأخرى. وهذا لم يقتصر على العراق بل هناك مقاه عديدة في مصر وسوريا وهو امر متوقع ما دامت الحضارة مستمرة غير ان المرأة مازالت معزولة في البيت إلا ما ندر وهي غير مقبولة في المقاهي حيث يلتقي الرجال وتبتعد النساء بفضل التقاليد المتحجرة.

العـراق أوسـع مقهـى للأدب
أما القاص إسماعيل إبراهيم عبد فيعتقد ان الأدب بل عموم الثقافة في محاولة لتنظيم الذي ليس خاضعاً للقانون وكالمقاهي التي هي حالة مُعيشة من دون قيود كثيرة فهي مجال اجتماعي حاضن للفن والأدب في معظم بقاع العالم... لكن هذه الظاهرة شاعت كثيراً في العراق، ولعل العراق أصبح أوسع مقهى للأدب في العالم نظراً لما يزخر به من أدباء وفنانين ومثقفين، كما ان مناخ العراق السياسي جعل التكتلات هي التي تتحكم بالإعلام والإذاعة والمرئيات جميعاً، فجعل من المقهى ظاهرة أدبية تفرز الكثير من الظواهر منها اجتماعية ومنها ثقافية ومنها تخصصية، ظل هاجس الإبداع يحرك الكثيرين في تأسيس مقاه ثقافية لكنها تفشل لعدم استجابة الربح لسلوك الادباء عدا البعض منها خاصة (الشاهبندر والزهاوي) والثقافي وبعض البيوتات التي تحاول الان بعث صالونات الثقافة الى الوجود، وتظل مشكلة الثقافة مشكلة سياسية اقتصادية مجتمعية فلا حاضن للمثقف من أي نوع سوى فكرته الأصيلة بالإبداع.

حاضنات إبداعية
وقال الشاعر (حمدان طاهر المالكي) حسب تتبعي لتاريخ المقاهي في العراق وخاصة في بغداد فان هذه المقاهي شكلت حاضنات إبداعية لكثير من الأدباء وقد اقترنت بعض المقاهي بأسماء الأدباء الذين يرتادونها فالزهاوي باسمه ولقترنت باسماء أدبية أخرى وهكذا.
اما ما يقال في انها مضيعة للوقت فهو رأي غريب لأن الأدباء بصورة خاصة هم أحوج ما يكونون لحاجة الوقت الثمين والكثير من الأدباء لا يستطيعون ان يكتبوا إلا في مقاه معينة تعودوا على التأمل فيها.

تقلـص ظاهـرة الأدبـاء فـي المقاهـي
وأكد الشاعر الدكتور عبد الكريم عباس الزبيدي في رأي مختلف عن زملائه الأدباء حيث قال: كانت المقاهي في الماضي نوادي للأدباء وقد شكلت ظاهرة مميزة اتسمت بها الحياة الثقافية اذ لم يقتصر النشاط الثقافي فقط في اتحاد الأدباء بل كان لكل مجموعة أدبية مقهى خاص بهم، وقد عُرف فيها أدباء عراقيون كان لهم باع طويل في مسار الثقافة العراقية إلا ان هذه الظاهرة الثقافية قد تقلصت في الوقت الحاضر واقتصر النشاط الثقافي في اتحاد الأدباء والجمعيات الأدبية التي ترعاها شخصيات معروفة، لقد شهدت الثقافة انحسارا في المقاهي الأدبية نظراً للظروف القاسية التي مر بها البلد وهو مؤشر خطير في هذه المقاهي التي ابتعدت عن الثقافة والشعر وهذا يستلزم إنشاء مجالس أدبية وثقافية تساهم في إنعاش الثقافة في العراق.

احمد سميسم
http://www.magazine.imn.iq/articles/print.14181/*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

باتريس لومومبا 1925-.1961.............الزعيم والثائر الكونغولي الكبير ا.د. ابراهيم خليل العلاف

  باتريس لومومبا 1925-.1961.............الزعيم والثائر الكونغولي الكبير ا.د. ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموص...