الاثنين، 28 ديسمبر 2009

سيد درويش ..فنان الشعب بلا منازع !!



سيد درويش فنان الشعب بلا منازع !!
أ.د.إبراهيم خليل العلاف
نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين
قلة من الناس، يعرفون إن الموسيقار الشاعر المتصوف الملا عثمان الموصلي (1854_1923) ،كان أستاذا للنابغة الموسيقي العربي المصري سيد درويش. ومما يذكره الدكتور عادل البكري في كتابه (عثمان الموصلي) المطبوع ببغداد سنة 1966: إن سيد درويش التقى الموصلي، وتتلمذ عليه مرتين، كانت الأولى بعد عودته من الديار المقدسة لأداء فريضة الحج أواخر سنة 1909 وأوائل سنة 1910. والثانية بين سنتي 1912 و1914 ومن الطريف أن يتم اللقاء في المرتين بدمشق ،حيث كان الموصلي يقيم. ويقول البكري ان سيد درويش اخذ عن الشيخ عثمان الكثير من فنون الموسيقى وخاصة الإلحان الشرقية وأصول الموشحات وما يسمى في الموصل بالتنزيلات .
وقد حفظ عنه كل ممتع ورائع من الغناء والإلحان مما جعله قادر على التصرف بالنغم الشرقي ،وتطويره وجعله ملائما للعصر ويمكن الإشارة هنا إلى إن أغنية (طلعت يامحلى نورها شمس الشموسة) هي من الحان الموسيقى عثمان الموصلي .
ولد سيد درويش في الإسكندرية 1892 ،وشغف بالموسيقى منذ صباه ،والتحق بعدة فرق غنائية زارت الكثير من الأقطار العربية، وقد تحدث الكاتب المصري احمد رجب عن سيد درويش في مقال نشره بمجلة المصور المصرية (آذار 1963) وقال إن سيد درويش ارتفع بشأن الأغنية العربية، وادخل إليها مضامين وطنية وقومية ،فدعا إلى العمل يدا واحدة ضد الاستعمار، وانشد للعامل، وحث الأغنياء للإسهام في تصنيع البلاد، واستنهض همم المرأة وشجعها على المطالبة بحقوقها وكانت دعوة مثل هذه غريبة وجريئة في ذلك الوقت فهو الذي غنى (ده وقتك ..ده يومك يا بنت اليوم.. قومي ،اصحي من نومك يكفايكي نوم ..وطالبي بحقوقك.. واخلصي م اللوم).
جاء سيد درويش ببساطة الأداء، الأمر الذي جعل اللحن في متناول كل لسان . قبل وفاته في أيلول 1923 بست سنوات ،أنتج أكثر من (20) أوبريت وأكثر من (200) أغنية فاستحق إن يسمى (فنان الشعب) ..و سيد درويش الذي توفى وعمره لم يتجاوز الـ (31) سنة رحمه الله.

الأحد، 27 ديسمبر 2009

القدس بين محاولات التهويد .. واجراءات المواجهة


القدس بين محاولات التهويد .. وإجراءات المواجهة!!

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الإقليمية _جامعة الموصل
مقدمة :
تشغل القدس مكانة متقدمة في الفكر والوجدان العربيين منذ زمن بعيد، ويمكن أن نتلمس ذلك في ماورد من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية بحق القدس ومسجدها الأقصى، وفي كتب فضائل القدس، الكثير من الإشارات على أهمية القدس. وقد ارتفعت مكانة القدس باتخاذها القبلة الأولى، إذ لما بني المسجد الأول في المدينة، كانت وجهته إلى بيت المقدس ثم جعلت القبلة إلى الكعبة المشرفة ، وحبذ الرسول محمد (ص) زيارة بيت المقدس قائلا:(وصلاة هناك تعادل عشرة آلاف في غيرها). وقد كان لأحاديث الرسول الكريم دور كبير في ترسيخ حرمة القدس في ضمير الأمة العربية والأمة الإسلامية.
ففضلا عن الأهمية الدينية للقدس، فان لها أهميتها التاريخية والجغرافية والتجارية والعسكرية. ففلسطين جزء لايتجزأ من الوطن العربي، وسكانها عرب ولغتهم عربية وعاداتهم عربية وموقع فلسطين من خريطة الوطن العربي، موقع القلب من الجسد الحي، وقد ادرك الغرب الاستعماري قيمة فلسطين فزرع الكيان الصهيوني ليفصل بين المشرق العربي والمغرب العربي، ويحول دون تحقيق الوحدة العربية.
القدس: معناها، موقعها، مكانتها
جاء في لسان العرب إن معنى التقديس: تنزيه الله عز وجل حينما نقول ننزه الله تعالى عن كذا فهي كلمة مؤدبة تعني أن الله عز وجل منزه عما يحيطه أو يشينه من صفات .. لذلك فهو القدس القدوس .. و القدس والقدوس اسمان من أسماء الله تعالى. وبيت المقدس يعني المكان الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب، وفي لغة العرب القدس معناها (الإناء الذي يحمل فيه الماء للطهارة)، ومنه اخذ بيت المقدس معناه (البيت المطهر) أو (الأرض المطهرة). والمسجد الأقصى هو بيت المقدس، ونسبة الأقصى ترجع إلى انه وسط الدنيا لايزيد شرقه على غربه ولا ينقص. وفي مدينة القدس مكان أمين مقدس فيها منذ القدم، وهو الصخرة.
تقع القدس على خطوط عرض 31/12 درجة شمالا وعلى خط طول 35/12 درجة شرقا وتبلغ مساحتها 19231كم2 . وقد أقيمت المدينة على أربعة جبال هي: جبل سوريا ، وجبل اكرا وجبل صهيون وجبل تبريتا. وارتفاع المدينة عن سطح البحر يبلغ 2598 قدما. وقد انعم الله على مدينة القدس، وأضفى عليها جمال الطبيعة وطيب المناخ ووفرة الثروات والخيرات، فأصبحت بحق، زهرة المدائن.
وبشان مكانتها التاريخية ،فان منزلة القدس ارتفعت باتخاذها القبلة الأولى قبل الكعبة وبقيت كذلك حتى السنة الثانية للهجرة عام 642م ويعد حرمها ثالث الحرمين الشريفين.
وقد فتحت القدس سنة 17 هجرية (637م) وقد زارها الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقرر شروط الصلح مع أهلها ،وكان لهذه الزيارة أثرها الكبير خاصة وأنها تعكس منزله القدس الشريفة. وقد عين الخليفة (عبادة بن الصامت) ليكون قاضيا فيها ويدل هذا التعيين على وجود عربي كبير فيها.. وتشير الدراسات التاريخية المتعددة أن من العشائر العربية التي سكنت فلسطين قيل الفتح (جذام، ولخم) وحين زارها الأسقف اركولف سنة 50 هـ (760م) وجد فيها مسجدا كبيرا يتسع لثلاثة آلاف مصل. وقد حظي بيت المقدس باهتمام الخلفاء الراشدين ثم الخلفاء الأمويين ،ومن ذلك أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بنى فيها قبة الصخرة وقد بدأ ببنائها سنة 72هـ (692م) وكان في بنائه لقبة الصخرة تأكيدا على الهوية العربية الاسلامية للدولة التي كان على رأس قيادتها، وكان معظم الخلفاء الامويين يحرصون على زيارة بيت المقدس حتى أن سليمان بن عبد الملك فكر باتخاذها عاصمة له.
وعندما انتقل مركز الحكم إلى العراق بمجئ العباسيين، وجدت القدس عناية خاصة فقد زارها الخليفة أبو جعفر المنصور مرتين الأولى سنة 140هـ (779م) وأمر بتوسيع ارض المسجد واهتم الخليفة المأمون بالحرم القدسي الشريف، وفي عهده كان تعمير الباب الشرقي والباب الشمالي. والتفت الفاطميون إبان حكمهم لفلسطين إلى القدس وكانت في عهدهم قبلة العلماء والتجار والحجاج. وقد شهد القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) نشاطا في الكتابة عن (فضائل القدس)، ويعود هذا إلى بدايات ظهور الأطماع الاستعمارية الصليبية، وازدياد حرمتها وقدسيتها حتى أنها صارت رمزا للجهاد والتحرير بالنسبة للمسلمين كافة.
لقد أدرك العرب والمسلمون أن الغزو الصليبي لفلسطين الذي ابتدأ سنة 1095هـ يعد امتدادا للإطماع والغزوات البيزنطية .وبدأ التحرك الرسمي لمواجهة هذه الأطماع الصليبية في عهد عماد الدين زنكي، صاحب الموصل وحلب، ثم جاء المجاهد نور الدين زنكي ابن عماد الدين فأكد على حرمتها، وأشار إلى أن ذلك لايتحقق إلا بالوحدة العربية والإسلامية، وارتفع صوت الجهاد زمن صلاح الدين الأيوبي وصارت القدس والأقصى شعار صلاح الدين لتكوين جبهة عربية- إسلامية تمتد من تكريت إلى الموصل فحلب فدمشق فالقاهرة. وجاءت معركة حطين التحريرية للقدس سنة 583هـ (1187م) لتشير إلى القدس وبفتح القدس بلغ صلاح الدين أوج الجهاد.
وفي أول صلاة جمعة بعد الفتح وبحضور الناصر صلاح الدين واحتشاد الناس في كل مكان بدا الخطيب ابن المزكي قوله: (( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)).ومما قاله الخطيب: إشارة للأقصى : فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد،وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهي مقر الأنبياء ومقصد الأولياء ومقر الرسل ومهبط الوحي، وهو في ارض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في الكتاب المبين، وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله بالملائكة المقربين.. الجهاد فهو أفضل عباداتكم.. انصروا الله ينصركم).
واستمرت القدس سببا في إذكاء روح الجهاد .وخلال العهد العثماني(1516-1918 ) عادت القدس مرة أخرى لتصبح ساحة للصراع بين العرب والمسلمين من جهة والمستعمرين من جهة أخرى .. الذين بدأوا منذ أواخر القرن التاسع عشر يعملون من اجل التسلل إليها.. وفي نيسان 1920 وضع مجلس الحلفاء الأعلى( فلسطين) تحت الانتداب البريطاني، وجاء موعد تحقيق الانكليز للوعد الذي قطعوه للصهاينة بوعد بلفور 1916لإنشاء ماسمي ب (وطن قومي لليهود في فلسطين).. وقد تم تنفيذ وعد بلفور في ظل وثيقة سميت (صك الانتداب) أقرتها عصبة الأمم ،سنة1920 ، وعلى هذا الأساس ساعدت بريطانيا جموعا كبيرة من اليهود على الهجرة إلى فلسطين، وقام الفلسطينيون بثورات عديدة سنة 1920 و1929 وفي سنة 1935 قام الشيخ عز الدين القسام بانتفاضة مسلحة ضد الوجود البريطاني_الصهيوني وفي سنة 1936 ثار الفلسطينيون ثورتهم الكبرى وفي عام 1947 أوصت الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين : عربية ويهودية وتدويل منطقة القدس.
عروبة القدس:
يتحدث احد أبناء القدس، وهو المرحوم الاستاذ جبرا إبراهيم جبرا ، عن مدينته التي عاش فيها ردحا من الزمن قبل أن تقع تحت الاحتلال الصهيوني فيقول:(أن القدس كانت في الأصل، حتى أواخر القرن التاسع عشر هي المدينة المسورة بأبوابها السبعة، وأنها بدأت تفيض شيئا فشيئا بالضواحي المحيطة بها من جهاتها الأربع وقد اخذ هذا التوسيع بالتسارع بعد هدم قسم من السور عند باب الخليل سنة 1898، فكان ذلك تحقيقا للاتصال العضوي بين امتدادات المدينة وقسمها المسور)، ويضيف المرحوم جبرا إلى ذلك قوله : ( كان أقدم امتداد للمدينة خارج السور يتمثل في محلة النبي داود جنوبي المدينة وهي تعود إلى بضعة قرون خلت، غير أن امتداد المدينة الأكبر جعل يتكامل بين (1920و 1984 إلى الشمال والغرب والجنوب في آن واحد).
أما القدس الجديدة، فقد نشأت أجزاءها امتداد من شارع يافا من جهة ومن جهة أخرى امتداد من شارع مأمن الله ومقبرة مأمن الله وشارع القديس يوليان ولاسيما بعد انجاز بناء جمعية الشبان المسيحية في شارع القديس يوليان في الثلاثينات الأولى وبذلك أقيمت الصلات المباشرة بين المناطق المتباعدة من القدس الجديدة وبين البلدة القديمة نفسها. وفي أواسط القرن التاسع عشر كان الألمان قد انشاوا كولونية الألمان، وتليها كولونية اليونان، وعلى بضعة كيلومترات من السور.. ثم نشأت أحياء وأديرة هنا وهناك تابعة للكاثوليك والروم والروس الارثودكس وغيرهم، ونشأت عندها كذلك بعض الأحياء اليهودية بأموال من احد اليهود الانكليز هو (موسى مونتفيوري ). وكانت مناطق البقعة الفوقانية والطالبية والقطمون منذ ذلك الوقت حتى أواخر العشرينات من القرن الماضي أماكن نزهة واصطياف لأهالي القدس يملكها أفراد من القدس وبيت لحم غير أن هذه كلها في الثلاثينات كانت قد خططت وتم عمرانها ضمن رقعة فسيحة واحدة تحط بالمدينة السور ثم معظم نواحيها وبذلك تم نشوء القدس المعاصرة بشقيها القديم والجديد.
إن مايجب أن يقوله المرء عن القدس، يذكر المرحوم جبرا هو أنها مدينة عربية عريقة في عروبتها رغم أن الصهاينة احتلوا نصفها الجديد، فنصفها الجديد المحتل عربي عروبة نصفها القديم، وعروبة بقية فلسطين المحتلة وعندما يتحدث احد أبناء القدس عن مدينته يستحيل عليه أن يقصر الكلام عن المدينة المسورة وما نشأ حولها من بناء وتوسيع في قترة مابعد نكبة 1948، فالقدس في أرجاءها كلها وحدة عضوية ليس من الحق والمنطق أن تشطر الشطر الخبيث الذي ابتدعه الصهاينة.
القدس ومحاولات التهويد:
يدعى الصهاينة أن القدس هي عاصمة كيانهم المغتصب، لذلك فهم يعمدون كل يوم من اجل خلق واقع جديد، ويجري ذلك في صورة تحولات جغرافية وسكانية تؤدي في النهاية إلى تهويد القدس.
وبذلك يكون مصيرها مثل مصير مدينة يافا العربية العزيزة الذي اختفت من الخرائط وظهرت مكانها مدينة تل أبيب الصهيونية. إن ارض فلسطين ارض وقف إسلامي لاتباع ولا تشترى ومن وجهة نظر قومية فهي جزء من ارض الأمة العربية ولا يحق لأحد أن يتنازل عن جزء منها. ان القدس التي نتحدث عنها هي القدس بكاملها بشرقيتها وغربيتها: بالطالبية والشيخ جراح.. هذه كلها القدس.
لقد واجهت القدس ثلاث ضربات مؤلمة كانت الضربة الأولى هي احتلال ماعرف بالقدس الغربية من قبل العصابات الصهيونية في 11كانون الأول 1949. والضربة الثانية إن معظم قضاء القدس والقرى والبلدان المحيطة وقعت أيضا بأيدي صهيونية وأصبحت القدس تضم فقط قلب المدينة اوالمدينة القديمة وماحولها من أحياء، وتلقت القدس الضربة الثالثة بعد أن فقد الفلسطينيون أكثر من نصف المدينة ومعظم قضائها عندما فقدت القدس مكانتها كعاصمة وادي ذالك الذي تحول القدس (شرقي القدس) من مدينة كبيرة إلى قرية كبيرة أو مدينة صغيرة ولكن ولان القدس هي بالفعل عاصمة الفلسطينيين، ونظرا لمكانتها الدينية عربيا وإسلاميا، فقد عادت هذه المدينة لتأخذ مكانها الذي يتناسب مع تاريخها لكن الكيان الصهيوني احتل (القدس الشرقية) في حرب 5 حزيران عام ،1967 وقرر الكيان الصهيوني أن يضم أراضي القدس ويعدها أراضي إسرائيلية تاركا باقي الضفة الغربية باعتبارها أراضي محتلة .وبعد الاحتلال قام الكيان الصهيوني بخطوات عديدة لتهويد المدينة بدأت الخطوة الأولى بالضم واعتبرت الفلسطينيين مجرد أجانب يقيمون بموجب قانون الكيان الصهيوني لسنة 1954 أي أنها اعتبرت أن كل المواطنين الفلسطينيين في القدس قد قرروا بشكل جماعي، وفي ليلة واحدة الدخول إلى الكيان الصهيوني متجاوزة الاعتراف بحقيقة أن الجيش الصهيوني هو الذي دخل إلى هذه المدينة محتلا وهكذا وجد أبناء القدس أنفسهم يعاملون كأجانب في مدينتهم ويحصلون على حق الإقامة في وطنهم ولكنهم ليسوا مواطنين في هذه المدينة بموجب القوانين العنصرية الصهيونية ، ثم بدأ الكيان الصهيوني مباشرة بعد عام 1967 بتوسيع حدود بلدية القدس، وضمت إليها اكبر مساحة من الأرض وبأقل عدد من السكان ما امكن ذلك ،وبالتاي وسعت الحدود البلدية من 26كم2 إلى بلدية مساحتها 72 كم2 وعدتها كلها جزء من الكيان الصهيوني وانطلقت في محاولات متواصلة لتغيير الوضع القائم كذلك من خلال إجراء تغيرات جغرافية وسكانية تستهدف تهويد القدس أو ( أسرلتها) على حد تعبير الكاتبة البريطانية ( كيت ماجواير )، التي قدمت دراسة قيمة حول ( الخطوات الإسرائيلية للاستيلاء على القدس ) وتقول ماجواير ان الصهاينة يعملون لتغيير طابع مدينة القدس، بحيث تصبح يهودية من الناحيتين الإدارية والسكانية.كما بدأ الصهاينة بتوسيع حدود بلدية القدس وضم أراضي جديدة إليها وعدها جزءا من الكيان الصهيوني، وقد ارتفع عدد اليهود لكي يصبحوا أكثرية . وتشير بعض الدراسات إلى أن عدد اليهود في القدس وصل إلى000 433 ألف أي بنسبة 74% ويخطط الكيان الصهيوني لكي يصل عدد الصهاينة المهاجرين إلى مليون يهودي في القدس يقابله (200) إلف فلسطيني وقد اصدر الكنيست الصهيوني في 30 تموز 1980 قانونا ينص على أن القدس الموحدة هي عاصمة الكيان الصهيوني ،وان القدس هي مقر (رئيس الدولة) والكنيست والحكومة والمحكمة العليا. وبالرغم من شجب وإدانة الأمم المتحدة والمحافل الدولية لهذا القانون فانه ظل المنطلق في تحديد سياسات الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ تشريعه حتى الوقت الحاضر وقد اتخذت حكومة مناحيم بيغن (1977_1985) منه مرتكزا لمشاريعها الاستيطانية في القدس والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات:
1_المشاريع المستهدفة للأحياء العربية في القدس نفسها بما يحقق طغيان العنصر اليهودي على الطابع العربي والإسلامي للمدينة ، وتحقيق التفوق العسكرية المستند لسياسة التطويق والعزل.
2_توسيع المدينة وربطها مع المستعمرات ( المستوطنات) المقامة حولها على أراضي القرى العربية القريبة من القدس في شعفاط والعيسوية والعيزرية وابو ديس وبيت صفافا شرفات وصر باهر وكذلك التدرج في قضم المدينة بالاتجاه شمالا وشرقا وجنوبا بمصادرة المزيد من الأراضي والتوسع في بناء المستعمرات بهدف عزل القرى العربية وتفكيك اواصرها وعزلها عن مركز مدينة القدس وباقي المدن وقرى الضفة الغربية ولهذا السبب تم الاستيلاء على قرى في سكاريا وارطاس وبيت ساحور.
3- استكمال عملية التهويد الشاملة للقدس الشرقية من خلال إقامة الحي اليهودي فيها وهذا الحي شكل حزاما من البنايات الحجرية المصممة على أسس عسكرية من طرف الكنائس والبيوت المتبقية في حارة الأرمن من الجهة الغربية للقدس إلى المسجد الأقصى في جانبها الشرقي وربط الحي اليهودي مع مجموعة الطرق الالتفافية ( الاستيطانية ) اليهودية في كل أحياء وحارات المدينة القديمة وصولا إلى السيطرة الكاملة على الشطر الشرقي من القدس في نهاية المطاف.
وفي عهد حكومة شيمون بيريز- اسحق شامير الثنائية 1985-1992، اتسمت السياسة الصهوينة تجاه القدس بالجمود بفعل الانتفاضة وبدء ماسمي بمؤتمر مدريد للسلام في 30 تشرين الأول-اكتوبر 1991 ،لكن هذا لم يمنع من مواصلة بناء المزيد من المستعمرات وتوسيع القائم منها، واستكمال تهويد القدس بهدف إخراجها من جدول أعمال المفاوضات وإلزام الطرف الفلسطيني بالاعتراف بسياسة الأمر الواقع عند بحث مسالة القدس فيما سمي بمفاوضات الوضع النهائي.
وفي 21 تشرين الأول 1993 سن الكنيست الصهيوني في عهد حكومة اسحق رابين الثانية 1992_ 1996، قانونا يقضي بالتزام الحكومة بالحصول على موافقة ثلثي أعضاء الكنيست أي بموافقة 80 عضوا من مجموع 120 عضوا (لإجراء أي تعديل على حدود مدينة القدس أو مكانتها). وقد جاء ذلك القانون، كما قيل في حينه، من اجل الحيلولة دون إقدام أية حكومة على الاستجابة للضغوط الدولية المحتملة، كما اقر الكنيست في 10 أيار-مايو 1994 قانونا آخر يقضي بان تبقى ((مدينة القدس موحدة إلى الأبد تحت سيادة إسرائيل)). وفي مطلع 1995 أفصحت حكومة رابين عن عزمها على مصادرة أكثر من (22) هكتارا من أراضي الفلسطينيين في (القدس الشرقية) لبناء مجمع سكاني لليهود ومركزا للشرطة. ولم يستطع مجلس الأمن أن يحول دون عملية المصادرة الواسعة النطاق هذا بفضل (الفيتو) الأمريكي في 17 أيار 1995 حيث بررت المندوبة الأمريكية آنذاك مادلين اولبرايت الفيتو الأمريكي بالقول: ( إننا لم نصوت ضد القرار لأننا نؤيد مصادرة إسرائيل أراضي القدس، ولكن حكومتي اضطرت لمعارضة القرار لان مجلس الأمن عليه أن يقول رأيا في الوضع الدائم للقدس بينما يتحدد هذا بالمفاوضات بين الأطراف المعنية بالقضية).
وجاءت حكومة بنيامين نتنياهو أيار 1996_1999) لتدعو الكنيست الصهيوني لسن قانون، يقضي بعدم جواز الانسحاب من أي شبر من القدس إلا بعد إجراء (استفتاء شعبي) على ذلك وان لاعودة إلى خطوط الرابع من حزيران 1967. وعند فوز نتنياهو في الانتخابات قال: ( لقد تم انتخابنا حتى نسهر على القدس) و(وليس للقدس أن تكون القدس موضع تفاوض) و (لاأحد يريد إعادة بناء سور برلين في القدس) و(سوف تستمر القدس غير مقسمة وتحت سيادتنا وان نعيد تقسيم القدس)!!.
وسار ايهودا باراك على نهج من سبقه بعدما وصل الى السلطة في الكيان الصهيوني (6 حزيران-يونيو 1999_10 كانون الأول-ديسمبر 2000) مؤكدا على (أن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية). وقد تابع باراك سياسة تهويد القدس وكان يردد بان القدس (قلب إسرائيل) و(إسرائيل لايمكن أن تعيش بقلب منقسم.
وفي عهد شارون (2001) استمرت عملية التهويد بأبشع صورها ومن ذلك أن لجنة أمن القدس التي شكلتها الحكومة الصهيونية أوصت بسلسلة من الإجراءات ضد مدينة القدس والأقصى منها منع البناء في المسجد الأقصى وساحته ،ومنع دخول مواد البناء إلى ساحة الحرم وإيقاف خطب التحريض في يوم الجمعة ضد الاحتلال ،هذا فضلا عن سياسة القتل والتشريد وجرف المزارع العائدة لأهلنا في فلسطين وحتى كتابة هذه السطور فان عملية التهويد مستمرة وحكومة بنيامين نتنياهو الحالية تواصل العملية، ولعل من ابرز مااقدمت عليه منع أبناء القدس من الإعداد للاحتفال بمدينتهم عاصمة للثقافة العربية.
قال الدكتور أنور عشقي ، الباحث في مركز الدراسات الدولية في واشنطن وذلك في محاضرة ألقاها في النادي الأدبي بالجوف بالسعودية(15 آب –أغسطس 2009 )،أن عملية تهويد القدس ،والتي نعني بها ضم المدينة والقصبات الملحقة بها إلى الدولة العبرية وطرد أهلها وإخراجهم من مساكنهم ومصادرة أملاكهم وتوطين اليهود محلهم ، تقوم على الأسس التالية :
1.محاولة ضم القدس وهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان :
ففي عام 2005 بمناسبة الذكرى الثمانية والثلاثين عاماً علي احتلال القدس الشرقية عام 1967 أعلن شارون متحدياً المجتمع الدولي قائلاً بأن القدس ملك لإسرائيل وأنها لنا وإلى الأبد ولن تكون بعد اليوم ملكاً للأجانب وهو ما سبق أن أعلنه في المؤتمر السنوي لمنظمة ايباك أثناء زيارته لواشنطن في شهر مايو/أيار عام 2005.
.2 إخلاء القدس من الفلسطينيين:
طالب شيمون بيريز الرئيس الحالي الإسرائيلي بضرورة التهجير الجماعي للفلسطينيين من مدينة القدس المحتلة والذي يتجاوز عددهم ربع مليون نسمة بغرض بقاء القدس عاصمة لإسرائيل, لأنه وكما يقول: من الخطأ أن تبقي القدس عاصمة للشعب اليهودي وفي نفس الوقت تضم هؤلاء الفلسطينيين.
3 .خطة تنمية القدس وتغيير معالمها:
صدر بيان من مجلس الوزراء الإسرائيلي, متضمناً خطة أطلق عليها خطة تنمية القدس وتستهدف تعزيز سيطرة إسرائيل علي المدينة مما يجعل منها مدينة جذابة للمستثمرين تحتل المكانة اللائقة بها كأول مدن إسرائيل وقد رصد لها 280 مليون شيكل، وهو ما يعادل 64 مليون دولار.. وهذه الخطة تقوم على الآتي:
‌أ – بناء المساكن، وتوفير الوظائف التي تشجع الأزواج على الانتقال للإقامة بها.
‌ب – تنفيذ مخطط استيطاني جديد يتضمن هدم 68 مسكناً فلسطينياً، وتشريد 200 عائلة من سكانها بحي البستان في بلدة سلوان.
‌ج – توسيع المستوطنات.
‌د – تهويد القدس من خلال قيام الوزارات بتخصيص جزء من ميزانيتها لتشجيع الإسرائيليين علي الزحف إلى القدس للسكن والاستثمار لمواجهة تناقض التعداد اليهودي فيها, وخشية انتقال الفلسطينيين إليها من المناطق التي يحتلها الجدار الفاصل، وفرض القيود الصارمة على هذا الانتقال.
‌هـ - تنشيط المنظمات اليهودية المتطرفة لجذب أموال اليهود الأميركيين من الأثرياء لشراء ممتلكات في القدس.
.4 الدعم الأميركي:
وهذا الدعم يتمثل في مشروع قرار مجلس الشيوخ الأميركي، الذي يشترط الاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة غير مقسمة لإسرائيل، مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبلاً، والمحاولات المتكررة لأنصار إسرائيل في الكونجرس لنقل سفارة واشنطن إلي القدس، لتكريسها كعاصمة للدولة العبرية.
.5 فرض الأمر الواقع:
تصطدم إسرائيل بقرار مجلس الأمن 242 القاضي بأن تكون القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الأراضي العربية المحتلة 1967 وهذا ما يقتضي انسحاب إسرائيل إلى حدودها وهو ما شملته رؤية الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش وخريطة الطريق والمبادرة العربية, لكن إسرائيل تحاول فرض أمر واقع على الأراضي.
لهذا فإن عمليات توسيع المستوطنات في الضفة والقدس, وضم الأراضي بالقوة, يعتبر مخالفاً لكل الاتفاقات والمعاهدات والقرارات الدولية التي تحظر الاستيطان, كما تعتبر مخالفة لاتفاقية لاهاي 1907 التي تحظر مادتها 49 على سلطة الاحتلال مصادرة الأملاك الخاصة للمواطنين، أما المادة 69 فتلزم سلطة الاحتلال احترام الأملاك الخاصة للمواطنين.
6 .الالتفاف على قرارات مجلس الأمن:
إن قرارات مجلس الأمن 446 و471 الذي يقضي بتفكيك المستوطنات, وهو ما أشار إليه تقرير لجنة ميتشل الذي دعى حكومة إسرائيل إلي تجميد جميع النشاطات الاستيطانية بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة, وتأكيد اللجنة أن شكل التعاون الأمني المطلوب لا يمكن أن يستمر طويلاً مع استمرار النشاط الاستيطاني.
7. عدم احترام المسؤولية كدولة احتلال:
إن الشرعية الدولية تحتم على إسرائيل كدولة احتلال ضرورة المحافظة على وضعية وهوية القدس الشريف, خاصة من منطقة الحرم القدسي, وتوفير الحماية له من كل عمليات التهويد, وخصوصاً التصرفات الحمقاء للمتطرفين ومحاولاتهم المستمرة لاقتحامه.
8- فصل القدس عن الضفة الغربية:
تحاول إسرائيل جهدها فصل القدس عن باقي الأراضي الفلسطينية بعدة وسائل بداية لتهويدها, ومن أهم هذه الممارسات, إقامة الجدار العازل الذي كان يقام تحت نظر وسمع حكومة بوش التي قامت بتخدير العرب بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
لقد بدأت فكرة التهويد في أعقاب احتلال الضفة الغربية ومدينة القدس, وخلال هذه الفترة بدأ التخطيط لعملية التهويد حيث جرى البحث عن آثار للهيكل, والادعاء بأن فيها مقدسات يهودية, ومحاولة إقناع المجتمع الدولي بذلك, كما مرت هذه المرحلة بمحاولة لإحراق المسجد الأقصى في 21 آب-أغسطس 1969.
أما بداية التنفيذ، فقد بدأت الإجراءات مع بداية شهر يونيو/حزيران من عام 2005 ،عندما قامت الحكومة الإسرائيلية بهدم 88 منزلاً من حي البستان بمدينة سلوان التي تعتبر حياً من أحياء القدس، على الرغم من أنها بنيت بصورة قانونية، وتعتبر هذه العملية هي الأكبر من نوعها منذ الاحتلال في إطار المخطط الذي بدأ عام 1977 وأن هذه المنازل ستتحول إلى حدائق عامة، بالإضافة إلى إقامة مدينة داود عليها, ويدَّعون أنه كان يستحم فيها قبل ثلاثة آلاف عام.
إن الغرض الأساسي من ذلك ا العمل, هو إيجاد التواصل مع المستوطنات المحيطة, وعزل وتفريغ المدينة من الفلسطينيين, ومنعهم من الوصول إلى المسجد الأقصى ليتسنى بعد ذلك هدمه, وقد صاحب هذا العمل تحرشات وانتهاكات من جماعات يهودية متطرفة قامت بدعوات لاقتحام المسجد، وكان آخر هذه الدعوات في 6 يونيو/حزيران في ذكرى احتلال المدينة، ويعتبر هدم المنازل في المناطق المحتلة من جرائم الحرب في نظر القانون الدولي، وقد أيد ذلك ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية الذي نشر في 24ايار –مايو 2005.
جاء في تقرير مركز المعلومات الفلسطيني بأن عدد المنازل التي تضررت كلياً وجزئياً في الفترة من 29ايلول-سبتمبر 2000 حتى 28 شباط –فبراير 2005 بسبب الإجراءات التعسفية التي يقوم بها جيش الاحتلال من أفعال بلغ (69843) منزلاً منها 7438 منزلاً دمرت بالكامل.
أما مركز المعلومات لحقوق الإنسان في إسرائيل، فقد أعلن أنه قام بتسليم الحكومة الإسرائيلية في شهراذار- مارس 2005 مذكرة احتجاج تشير إلى أن عدد الفلسطينيين المتضررين من جدار الفصل العنصري المعدل الذي أقرته الحكومة الصهيونية يصل إلى قرابة نصف مليون إنسان, يسكنون في 85 بلدة وقرية، وبلغت الأراضي المصادرة بموجب الجدار العازل 536 ألف دونم، وهي تعادل 6% من مجموع أراضي الضفة الغربية. وتحدث المحاضر عن دور الكونجرس الأميركي قائلا: حاولت الحكومة الإسرائيلية إسباغ الشرعية الإسرائيلية الزائفة على المدينة المقدسة كي تصبح عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، فعمدت إلى إجراء التفاهم بين الكنيست الإسرائيلي والكونجرس الأميركي كهيئتين تشريعيتين في محاولة لإصدار المزيد من القوانين، فقد أصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً بضم القدس في الأيام الأولى للاحتلال الذي حدث في يونيو 1967، وتبع ذلك استصدار قرارات وقوانين عديدة من الكنيست من أهمها القانون الأساسي الصادر عام 1980 وغيره من القوانين.
في عام 1990 تبنى الكونجرس الأميركي قرار مجلس الشيوخ رقم 106 الذي أعلن أن الكونجرس يؤمن بشدة أن القدس ينبغي أن تبقى مقسمة، وأن تحترم بها حقوق كل الجماعات العرقية والدينية.
بعدها أصدر الكونجرس قرارات أخرى كان أخطرها ما يعرف بقانون الكونجرس بشأن القدس الصادر في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1995، ثم تبعه مشروع القرار الذي تقدم به السيناتور (براونباك) في 19 نيسان-ابريل 2005 لاستكمال وتأكيد كل القرارات السابقة، وأخطرها قانون 24 تشرين الأول-اكتوبر 1995 الذي أعاد تكرار المغالطات التي تقضي بأن القدس عاصمة الشعب اليهودي لأكثر من 3 آلاف عام، وإنها كانت مركزية لليهود، وقد ذكرت في التوراة 766 مرة، وإنها لم تذكر في القرآن أبداً، وأن القدس هي مقر الحكومة الإسرائيلية بما فيها البرلمان الرئيسي، والمحكمة العليا.


أما مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات فيؤكد في تقريره الاستراتيجي ال16 الذي أصدره في آب –أغسطس 2009 بعنوان: (( مستقبل القدس في ظل إجراءات التهويد )) ،إن حلم إسرائيل بالقدس، والتي تسميها أورشليم، مازال بعيد المنال بسبب تشبث الفلسطينيين بها ،فالمعالم الإسلامية والمسيحية حاضرة بقوة داخل المدينة المقدسة بالرغم من مرور اكثر من 60 عاما على نشأة الكيان الصهيوني، وأكد التقرير انه في ضوء الترتيبات النهائية لمسار التسوية ،وفي ضوء فزع سلطات الاحتلال الإسرائيلي من تزايد أعداد المقدسيين، ومن الاختلال المتزايد في ميزان القوى بعد حرب لبنان الثانية 2006، وحرب الرصاص المصبوب على غزة 2008-2009 ،عاد تأكيد هدف حسم مصير القدس يأخذ أولوية لدى المجتمع السياسي الإسرائيلي، فتسارعت وتيرة تهويد المدينة، وعلى المستويين الجغرافي والديموغرافي معززة بالإجراءات الإدارية والأمنية .
وأشار التقرير إلى انه بينما يلقى مشروع التهويد دعما إسرائيليا رسميا في المجالات السياسية والمادية .فضلا عن التغاضي الدولي، تعاني مشاريع التصدي له ومساعي دعم صمود المقدسيين من الضعف ومن غياب المرجعية السياسية الفلسطينية والعربية فضلا عن الإسلامية.
وبناء على ذلك توصل التقدير المشار اليه ، إلى أن مستقبل القدس يواجه ثلاثة احتمالات: الأول نجاح مشروع التهويد في حسم هوية المدينة، والثاني تعرض مشروع التهويد لمصاعب ومشكلات حقيقية تعيق تنفيذه. والثالث إفشال مشروع تهويد شرقي القدس وإنهاؤه.
وأوصى المركز في نهاية تقديره بعدة مقترحات، منها: تعريف شعوب العالمين العربي والإسلامي بمكانة القدس ،وطبيعة التهديدات التي تتعرض لها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتقديم المزيد من الدعم والمساندة للمقدسيين بما يمكنهم من مواجهة إجراءات الاحتلال، وتذكير المرجعيات الرسمية الفلسطينية والعربية والإسلامية بمسؤولياتها تجاه القدس وأهلها بما يجعلها تبادر لإطلاق مشاريع التثبيت والدعم على مستوى المباني والأراضي والسكان.
كما أوصى التقدير بضرورة تجاوز الانقسام السياسي بين حكومتي رام الله وغزة على الأقل في ملف القدس والمقدسيين.

إجراءات الحفاظ على هوية القدس العربية والإسلامية:
قاوم الفلسطينيون محاولات التهويد، واخذوا يدافعون عن عروبة مدينتهم وكانت خطوتهم الأولى إنشاء (الهيئة الإسلامية العليا) التي انطلقت في عملها استنادا إلى فتوى شرعية مضمونها :(انه إذا احتلت أراضي المسلمين من قبل غير المسلمين فعلى المسلمين أن يديروا شؤون أنفسهم بأنفسهم). وبناء على ذلك تم إنشاء المدارس الشرعية، والمحاكم الشرعية. وقد نجحوا في إخراج الجيش الصهيوني من المسجد الأقصى، ومن دوائر الأوقاف. كما انشأوا مدارس الأيتام الإسلامية، وأسسوا (المقاصد الخيرية الإسلامية) التي فتحت بضعة مستشفيات. ويناضل الفلسطينيون من اجل أن يبقوا مدينتهم عربية إسلامية.
ويما بعد يوم يدرك الصهاينة إن كل محاولاتهم للاستيلاء على بيوت داخل البلدة القديمة باءت بالفشل لذلك يحاولون إقامة مستعمرات خارج مدينة القدس ليحاصروا بها المدينة .
تحدث ابن القدس والمسؤول عن ملفها المرحوم فيصل الحسيني عن ( القدس منذ حزيران-يونيو 1967) في محاضرة ألقاها في 22 كانون الأول-ديسمبر 1997 فقال: ( إن معارك عنيفة خاضها الفلسطينيون من اجل الاحتفاظ بمؤسساتهم الثقافية والاجتماعية في القدس، وعملوا بكل قوة لمنع إلحاق هذه المؤسسات بالمؤسسات الإسرائيلية وقد مكنت هذه المعارك والمواجهات الفلسطينيين من الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية في القدس كما هي، ولم تسمح بان تكون إسرائيل هي المسيطرة. فالتجار الفلسطينيين رفضوا الانضمام إلى الغرفة التجارية (الإسرائيلية) كما احتفظ الفلسطينيون بمؤسساتهم الصحية والدينية والتعليمية وقد توجت كل هذه الجهود في التسعينات من القرن الماضي عندما أسس الفلسطينيون بمدينة القدس مركزا ومؤسسة مهمة سميت : (بيت الشرق) استكمالا للتواجد الفلسطيني في هذه المدينة. وأضاف الحسيني يقول أن أبناء القدس لايزالون يقاومون سياسة العزل والتهويد وصد عملية التقدم الاستعماري في البلدة القديمة وينظم الشبان في لجنة القدس وفروعها وهم في صراع دائم مع الصهاينة الذين ماانفكوا يعملون من اجل توسيع حدود بلدية المدينة لتصبح 72كم2 ،والهدف هو جلب المزيد من المستعمرين اليهود إلى مدينة القدس ومنافسة الأغلبية العربية فيها.
ويعتمد الصهاينة سياسة العزل والطرد.. عزل القدس عن محيطها العربي والدولي وطرد السكان العرب وترحيلهم، وهدم مساكنهم، وتخريب مزارعهم .وتقيم السلطات الصهيونية نقاط تفتيش حول المدينة لمنع كل من لايحمل تصريحا من الدخول ، كما تحرم أبناء الضفة الغربية وغزة من زيارة المدينة المقدسة، وتمنع الفلسطينيون من أعمار محددة من الصلاة في المسجد الأقصى .
إن القدس مازالت تتعرض منذ احتلالها سنة 1967 لأكثر الحملات المبيتة شراسة لمحو صبغتها العربية والإسلامية.. ولم يخفف من غلواء تلك الحملات ما يسمى بمفاوضات السلام ، فبعد مدريد 1991 وأوسلو 1993 تفاقم المخطط الصهيوني واتسعت ( عملية االاسرلة ) فالاستيطان جار على أشده وابتلاع المدينة مازال قائما ، فعلى سبيل المثال بلغت الأراضي المصادرة بعد أوسلو 1993 نحو 45 ألف دونم . وقد عمل الصهاينة على تكوين جدار استعماري سكاني على شكل قوس يحيط بمدينة القدس الشرقية ويتصل من خلال قاعدتي بالقدس الغربية ومد السنة استعمارية ( استيطانية ) من هذه القدس إلى القدس الغربية حتى يقسموا القدس الشرقية إلى جزر منفصلة ثم يأتوا إلى هذه الجزر ويزرعوا في داخلها نقاط استعمارية كي يتم التهام هذه المدينة قطعة قطعة بعد تغيير معالمها السكانية وخلق أغلبية عديدة من السكان اليهود وذلك من خلال بناء مستعمرات تستوعب المهاجرين اليهود على الأرض العربية التي تم احتلالها بحيث يعمل ذلك على تكريس الوجود الصهيوني وضرب أية محاولة لإقامة دولة عربية فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس
إن القدس العزيزة مازالت تتعرض منذ احتلالها سنة 1967 للتهويد على الرغم من أن احدا على المستوى الدولي، لم يعترف بضم القدس إلا القلة القليلة التي اعترفت بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني وهذا يتطلب من العرب ومن المسلمين أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، ويعملوا على كافة الأصعدة لمنع إسرائيل من التهويد، والسعي باتجاه الحفاظ على هوية القدس العربية بشتى الوسائل الممكنة. ويقينا أنهم قادرون على ذلك إن أرادوا ومما يؤكد الحق الفلسطيني في القدس ما يظهر يوميا من أخبار ورؤى تتحدث عن فشل محاولات التهويد ، حتى أن مؤرخا اسرائيليا وصف محاولة تغيير معالم القدس بالخاسرة. وقال موشيه اميراف في حوار مع صحيفة فرانكفورتر روند شاو الألمانية أن المفاوضات التي جرت في كامب ديفد بالولايات المتحدة عام 2000، وشارك هو فيها كمستشار لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، شهدت اتفاقا بين الفلسطينيين والإسرائيليين على نحو 95 % من المسائل المتعلقة بالقدس.
وقدمت الصحيفة الألمانية للحوار بالإشارة إلى أن أميراف، يعد أبرز خبير إسرائيلي في شأن القدس، وعمل قبل سنوات مستشارا لعمدة المدينة الأسبق تيدي كوليك، وصدر له هذا العام(2009 ) كتاب بعنوان :(عقدة القدس).
وقال المؤرخ الإسرائيلي بأن قيام المستوطنين اليهود، بمساعدة الشرطة الإسرائيلية، في طرد السكان الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جراح العربي بالقدس مؤخرا، يعد محاولة منهم لفرض واقع جديد، يؤدي إلى إعاقة أي مفاوضات تجري لتقسيم القدس.
ونبه إلى أن القدس أصبحت، منذ فترة طويلة ،مدينة مقسمة واقعيا بشهادة رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود أولمرت، واعتبر أن المستوطنين يخوضون في القدس معركة خاسرة لن تغير من واقع التقسيم الموجود بالمدينة.
وأشار إلى أن تشييد إسرائيل أوائل سبعينيات القرن الماضي للمشروعين الاستيطانيين الكبيرين بيغات زييف وراموت بتكلفة عشرة مليارات دولار، قد أسهم في تغيير الوضع الديموغرافي والجيوغرافي بالقدس الشرقية.
ولفت أميراف إلى حدوث تحول بمواقف الإسرائيليين من القدس حيث أيد 5% منهم قبل ثلاثين عاما تقسيم المدينة بينهم وبين الفلسطينيين، في حين وافق 60% منهم مؤخرا على إلحاق الأحياء العربية وحدها هناك بالدولة الفلسطينية المستقبلية.
إذا ،على العرب والمسلمين والخيرين في العالم، العمل بكل الوسائل الممكنة على منع إسرائيل من تهويد القدس وإلحاقها بالدولة العبرية .وهذا الأمر بحاجة إلى خطط إستراتيجية تأخذ بنظر الاعتبار خطورة المحاولات الإسرائيلية، وعدم شرعيتها .ويقينا أن الحق لايمكن أن يضيع مهما طال الزمن إذا كان هناك وراءه أناس يطالبون به، ويتفانون من اجله.وكما يقول المثل العربي لا يصح إلا الصحيح .

دعوة للانضمام الى اتحاد كتاب الانترنت العراقيين


دعوة للانضمام الى اتحاد كتاب الانترنت العراقيين 

أ.د.إبراهيم خليل العلاف
 رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين

أعلن رسميا في بغداد 2008 عن مولد (اتحاد كتاب الانترنت العراقيين) ، وقد نشر النظام الداخلي للاتحاد على عدة مواقع منها الحوار المتمدن وكتابات وجاء فيه: أن الاتحاد هيئة ثقافية إعلامية علمية مستقلة تضم الكتاب الذين يمارسون الكتابة والنشر الالكتروني في العراق، وهدفه العمل من اجل تطوير الكتابة الصحفية العراقية وترقيتها شكلا ومضمونا. وللاتحاد رئيس ونائب للرئيس و10 أعضاء يشكلون الهيئة الإدارية . وسوف يعمل الاتحاد على تحقيق الأهداف التالية :-

نشر الوعي بالثقافة الالكترونية ( الرقمية ) في أوساط المثقفين والكتاب والإعلاميين العراقيين والوسط العراقي بشكل عام

المساهمة الفعالة في نشر الثقافة والإبداع العراقي من خلال الاستعانة بالتقنية الرقمية و شبكة الانترنيت مع تقديم شتى أشكال المساعدة الممكنة للمبدعين العراقيين من اجل نشر إبداعاتهم الكترونيا
توحيد الجهود الفردية للمثقفين والكتاب العراقيين وأعضاء الاتحاد بشكل خاص من اجل تنمية الوعي الالكتروني ودعم تطلعاتهم فيه
العمل على ترسيخ اطر ومضامين الثقافة الرقمية والعمل على نشرها عراقيا لتكون إحدى السبل الداعمة للنشاط الثقافي العراقي


إنشاء دار نشر إلكترونية تهتم بالنشاط الإبداعي الالكتروني للكتاب والمثقفين العراقيين
إنشاء صيغ من التواصل مع المثقفين العرب وبالذات المثقفين الذين يؤمنون بقيمة وأهمية الفضاء الرقمي بما في ذلك وبشكل خاص اتحاد كتاب الانترنيت العرب من اجل التعارف وتوسيع أفق التعاون وتبادل المعلومات والخبرة .
العمل على إنشاء مكتبة إلكترونية عراقية شاملة تحتوي على جميع أصناف الإنتاج الثقافي العراقي
الدفاع عن مصالح و حقوق الكتاب العراقيين الذين يمارسون كتاباتهم رقميا وعلى شبكة الإنترنت.
ويمارس الاتحاد دوره من خلال ما يلي :

إنشاء موقع للاتحاد على شبكة المعلومات العالمية ( الانترنت) يمارس دوره بالتعريف بعمل الاتحاد ونشاطاته وإخباره وبالتواصل مع المثقفين العراقيين من اجل تحقيق أهداف الاتحاد
إنشاء منتدى خاص بالاتحاد يتم عقد الاجتماعات فيه
إنشاء صحيفة الكترونية تهتم بنشر النتاج الإبداعي للمثقفين العراقيين
- إقامة المهرجانات والندوات والمؤتمرات والمعارض بشتى أنواعها الثقافية والفكرية والفنية بشكل مفرد أو بالتعاون مع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من اجل تحقيق أهداف الاتحاد ودعم دوره في إرساء وتطوير الثقافة الرقمية بما يدعم بناء جيل عراقي أكثر استيعابا لهذه الثقافة واقدر على التعاطي معها
العمل على مد جسور التعاون مع المؤسسات العربية والعالمية الماثلة من اجل التنسيق وتبادل الخبرات والدعم

إقامة جائزة خاصة بالاتحاد تحدد قيمتها حسب إمكانيات الاتحاد لدعم الثقافة الرقمية العراقية.
العمل على إنشاء دار خاصة بالنشر الالكتروني .
وأقسام الاتحاد تكون بالشكل التالي :
1. الهيئة العامة وتضم كل أعضاء الاتحاد وهي المسؤولة عن انتخاب الهيئة الإدارية كل سنتين
2. الهيئة الإدارية وتتكون من الرئيس ونائب الرئيس إضافة إلى رؤساء اللجان حيث تتحد مسؤولية الرئيس بإدارة شؤون الاتحاد والإشراف على نشاطاته وتمثيله في المؤتمرات والندوات وشتى الفعاليات الأخرى ويجوز له إنابة شخص لحضور أي مؤتمر أو فعالية بالنيابة عنه كما يجوز له التخلي عن بعض مسؤوليته وتكليفها لشخص أخر .
3. الأمانة العامة ومهمتها فنية بحتة وتتمثل ب تنظيم عمل الاتحاد وتحديد مواعيد الفعاليات والنشاطات المختلفة
4. اللجان الفنية ويهتم كل منها بشان من شؤون الاتحاد
5. تشكيل لجان لإدارة نشاطات الاتحاد توزع كالأتي:
لجنة قبول الأعضاء / وهي لجنة سرية مهمتها النظر بطلبات العضوية
لجنة تقييم المشاركات / وتقوم بتقييم مشاركات الأعضاء
لجنة العلاقات العامة / ومهمتها تدعيم العلاقات مع الفعاليات الثقافية الأخرى
اللجنة القانونية / وتهتم بإدارة الشؤون القانونية ومتابعة عمل الاتحاد
اللجنة المالية / ومهمتها إدارة الشؤون المالية ( الواردات والصرفيات ) على أن يصادق رئيس الاتحاد على عملياتها المالية أولا بأول
أما شروط العضوية فهي :
1. أن يكون المتقدم عراقي الجنسية
2. أن يزيد عمره على (18) ثمان عشر سنة
3. أن يكون من كتاب الانترنيت الفاعلين
4. أن يكون من المؤمنين بأهمية الثقافة الرقمية ودورها في تطوير الواقع الإنساني ويعمل جاهدا لأجل نشرها وتوسيعها
5. أن يكون مؤمنا بأهداف الاتحاد وعمله
6. أن يتعهد بدفع الاشتراكات التي تحددها لوائح الاتحاد
وثمة مستلزمات للعضوية هي :
1. تقديم طلب معنون إلى رئيس الاتحاد تحدد فيه الرغبة في الانتماء للاتحاد .
2. ملا استمارة يتم إعدادها لهذا الغرض
3. يقدم ما لايقل عن عشر مشاركات منشورة في مواقع الكترونية معروفة .
4. أن يؤيد طلبه ثلاثة من أعضاء الاتحاد
5. يقدم ما يثبت كونه عراقي أو ما يدل على عمره
6. يكتب تعهدا بالالتزام بخط الاتحاد وأدناه صيغة الطلب :
السيد رئيس اتحاد كتاب الانترنيت العراقيين المحترم
م/ طلب انتماء
تحية طيبة
ارجوا قبول انضمامي إلى اتحاد كتاب الانترنيت العراقيين لأني مؤمن بأهداف الاتحاد وتتوفر لدي شروط العضوية المطلوبة مع التقدير .

التوقيع
الاسم
التاريخ
1. تضم استمارة العضوية الفقرات التالية
الاسم الثلاثي :
التولد :
مكان السكن :
العمل :
المؤهل الدراسي :
نوع الكتابة التي يتخصص بها طالب العضوية :
أهم المواقع الالكترونية التي يكتب بها ( يذكر ثلاثة مواقع معروفة على الأقل ) :
هل مارس الكتابة الورقية ؟ (نعم / لا ) أين ( اذكر بعض الصحف والمجلات التي نشر بها ورقيا ) :
هل انتمى إلى تشكيلات ثقافية أخرى ؟ اذكرها
اذكر عشرة من مقالاتك المنشورة الكترونيا مع ذكر مكان النشر وتاريخه ( على أن تكون من المرفقات ) والجدير بالذكر أن الأستاذ الدكتور باسم محمد حبيب هو رئيس الاتحاد ، والأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف نائبه وبريد رئيس الاتحاد هو :basim02@gmail.com وبريد نائبه هو :ibrahim.all@hotmail.com

قضية الحجاب في تركيا ..دراسة للدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي


قضية الحجاب في تركيا
د.سناء عبد الله عزيز الطائي
مركز الدراسات الاقليمية -الموصل

لعل من أبرز ما كان يحرص عليه مصطفى كمال أتاتورك وهو يحث الخطى نحو جعل تركيا دولة علمانية , أبراز الجوانب المظهرية في الشخصية التركية من خلال إصدار سلسلة من الإجراءات والقوانين التي أكدت على قطع صلة بلاده بالشرق وبتقاليده , ومن بين ما أكد عليه هو ضرورة التزام المرأة التركية بنوع من اللباس الغربي الذي عكس إلى حد كبير ما شهدتهُ تركيا منذ مطلع القرن العشرين من تغيرات جوهرية في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية , ومن هنا فقد شكلت قضية الحجاب الراهنة في تركيا إحدى المشاكل التي لا تزال تنغص مضجع العلمانيين بل والمؤسسة العلمانية التركية برمتها .
وبقدر ما يتعلق الأمر بالقوى والتيارات الإسلامية فأن قضية الحجاب تمثل لديهم حالة مهمة من حالات التمسك بالثوابت الإسلامية , لذا فأننا نلحظ باستمرار أن ثمة صراع ذو أبعاد مختلفة يدور في تركيا بين العلمانيين والإسلاميين حول قضية الحجاب، ولغرض فهم هذه القضية ووضعها في إطارها التاريخي لابد معرفة الكثير من جوانبها سواء من الناحية الشكلية أو الناحية الجوهرية .
مفهوم الحجاب:
نقصد بالحجاب لغة يعني: الستر , وحجب الشيء يحجبه حجبا , وحجبه سترة , وامرأة محجوبة قد سترت بسترة .
أما اصطلاحا . فمعناه أن تستر المرأة بدنها عن الرجال الذين ليسومن محارمها , عملا بقوله تعالى  ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ألا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن .

أما بخصوص موضوع الحجاب في تركيا , فأن الأغلبية الساحقة من سكان تركيا يعتنقون الدين الإسلامي , ويشكل المسلمون حوالي 99% من مجموع السكان , وقد لعب الإسلام الدور الأهم من حياة الإمبراطورية العثمانية حيث جمع السلطان العثماني بيده السلطتين الدينية والدنيوية ، ومع إقامة الجمهورية التركية سنة 1923م بدأت الحكومة بأتباع سياسة علمانية كان الهدف منها بالدرجة الرئيسية منع علماء الدين وقوى المعارضة من استخدام الدين كأداة ضدهم ، فضلا عن أن الكمالية قدمت مجموعة من الأفكار التي بلورها رئيس الجمهورية مصطفى كمال(1923-1938) ، على أنها المنظومة التي تتيح لتركيا الخروج من مرحلة سابقه اتسمت " بالتخلف والتشرذم " ومحاولة الخروج منها والدخول في عالم الحضارة الغربية حيث وصف ذلك بقولة " الحضارة التي يجب أن ينشئها الجيل التركي الجديد هي حضارة أوربا مضمونا وشكلا ،لأن هناك حضارة واحدة الأوربية ، هي الحضارة القائدة ، والحضارة الموصلة إلى القوة والسيطرة على الطبيعة ، وخلق الإنسان السيد والأمة السيدة .... وان جميع أمم العالم مضطرة إلى الأخذ بالحضارة الأوربية لكي تؤمن لنفسها الحياة والاعتبار " .

أما عن قضية الحجاب في تركيا فأن الرؤية بالنسبة للحجاب تختلف بحسب نوعه ، وهم يضعون نوعين للحجاب ، احدهما تقليدي متوازن. بحكم العادات الاجتماعية والدينية ، أما الأخر فهو تعبير سياسي يحمل معه قناعات وإيديولوجيات خاصة ، والأول ظل حاضرا في الأرياف والقرى التركية منذ الاستقلال ، بينما الآخر لم يظهر ألامع صعود الحركات الإسلامية في تركيا نهاية الستينات من القرن الماضي (،حيث سعت تركيا لكي تكون عضوا في المجموعة الأوربية ، الذي تقتصر عضويته حتى الآن على دول أوربية مسيحية ، ألا أن تركيا والمغرب قدما طلبا للانضمام إلى الاتحاد ، وقد قوبل الطلب بالرفض ،وقد علل الرفض الأوربي للطلب المغربي بحجة العامل الجغرافي بكونها دولة افريقية وليست أوربية , أما بالنسبة إلى تركية فعلى الرغم من أن قسما من أراضيها تقع في أوربا , ألا أن الأوربيين ينظرون أليها على إنها بلد أسيوي .
ولعل مما ينبغي التأكيد عليه هو أن الخطوات التحديثية التي أقدمت الحكومات التركية المتعاقبة عليها لا تلغي واقع أن تركيا بلد مسلم له وشائح قربى ومصير مع المحيط الإسلامي , وربما قد تنجح تركيا في تحقيق بض الخطوات على الصعيد الاقتصادي , ألا إنها لا تستطيع أن تحقق نجاحا على القيم الأخرى , ومن هذه القيم موضوع الحجاب والذي أصبح منذ عام 1980 وحتى الآن سببا في استقطاب الرأي العام التركي خاصة والإسلامي عامة .
الحكومات التركية وقضية الحجاب:
لو بحثنا عن البداية الحقيقية لقضية الحجاب لوجدنا أن أول ظهور لها كان 1966-1967 حيث كانت الطالبة نسيبة بولايجي الطالبة في المرحلة الأولى بكلية الإلهيات في انقره تدخل محاضرتها بالحجاب لفترة ما , ألا أنها خلعته بعد ذلك بعد التحذيرات الشديدة التي وجهت أليها , وفي العام التالي دخلت خديجة بابجان الطالبة بنفس الكلية محاضرتها بالحجاب , وعلى الرغم من التحذيرات , ألا أنها أبت الرجوع عن ذلك وبعدها ارتفع عدد الطالبات المحجبات إلى ست .
ويعتبر عام 1980 البداية الحقيقية لمعاناة المسلمات التركيات من قضية الحجاب , خاصة بعد أن استولى الجيش على السلطة واصدر جملة من القرارات الظالمة من أبرزها منع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في الجامعات فضلا عن المدارس والمعاهد وبقية مؤسسات الدولة مما اضطر معه عدد من العوائل المسلمة في تركيا إلى تعليم بناتهن في جامعات أجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى لا تمنع من ارتداء الحجاب في الجامعات كما تحظره تركيا.
ويمكننا في هذا الصدد أن نشير إلى إن بنات رجب طيب اردوغان(رئيس وزراء تر كيا) نفسه , يدرسن في الجامعات الأمريكية التي لا تحظر ارتداء الحجاب.

ولقد أشارت الإحصاءات الأولية إلى أن معظم الطالبات من اللواتي أردن متابعة دروسهن في الخارج اخترن النمسا وألمانيا وايرلندا وهولندا والمجر وأذربيجان ، والغالبية قصدن أذربيجان لأنها دولة مسلمة وتتفق تقاليدها وأعرافها مع التقاليد التركية ، والمفارقة هنا أن الدولة الثانية الأكثر اختيارا للحجاب هي المجر،
والسبب هو أن جامعة بودابست بادرت إلى إرسال لجنة علمية منها إلى اسطنبول لأجراء اختبارات قبول للطالبات ، وهذا ضمن لهن معرفة وضعهن في بلادهن ، أما النمسا فأنها تقدم بعض المنح للطلبة الأتراك ، ومن هؤلاء (سمرة باتور ) البالغة من العمر 24 عاما حيث واصلت تعليمها هي والعديد من زميلاتها التعلم في أذربيجان وتقول سمرة :"انه أمر صعب بالطبع لكننا اضطررنا لعمل ذلك ، لقد فعلت ما يجب أن افعله لأنني كنت أريد استكمال تعليمي ، لنا الحق في التعليم ".
ومنذ العام 1998 أتخذ المجلس الأعلى للتعليم في تركيا قرارا يقضي بطرد المحجبات من الجامعات حتى ولو لم يبق على تخرجهن سوى ساعات , وكان ذلك في أطار ما سمي بـ عملية ( 28 شباط ) 1997 من جانب مجلس الأمن القومي التي استهدفت حكومة نجم الدين اربكان وكل ماله رائحة دينية ومنذ ذلك التاريخ بلغ عدد المطرودات من الجامعات نحو أربعين ألف طالبة) .

كما أثارت قضية النائبة المحجبة مروى قاواقجي منذ انتخابها في( 18 نيسان )1999 ضجة كبيرة حيث أبلغ رئيس أركان الجيش ( حسين كيفربك اغلو ) رئيس الحكومة (بولند اجاويد ) ورئيس الجمهورية ( سليمان ديميريل ) أثناء جلسة افتتاح المجلس الوطني التركي الكبير بأنه لا يمكن القبول أبدا بأي محاولة من جانب مروة قاواقجي لأداء اليمين الدستوري وهي محجبة , وفسر ذلك على انه تهديد بتدخل الجيش .
إلا أن مروى قاواقجي استطاعت أن تتحدى كل الظروف وتدخل قاعة البرلمان حيث قوبلت بتصفيق نواب حزب الفضيلة , في حين نهض نواب حزب اليسار الديمقراطي وبدأوا يضربون على الطاولات ويهتفون " إلى الخارج إلى الخارج " ألا أنها جلست تحت رعاية نازلي ايليجاف النـائبة المحجبة عن حزب الفضـيلة والى جانبها .
ومنذ ذلك التاريخ تصدرت قضية ( الحجاب ) اهتمام الجميع وتحولت إلى مادة أساسية في الصراع السياسي الداخلي , ولقد ميز النائب عن حزب الطريق الصحيح ( طورهان غوفين ) بين منع الحجاب في الدوائر الرسمية ومنعه في الجامعات حيث يقول غوفين :" نحن ضد استخدام غطاء الرأس قضية سياسية , ولكن لاحق لأحد بالتدخل في شؤون الناس الذين ليسو موظفين , حيث توجد أحكام حول القيافة في الدولة , وعلى موظف الدولة احترام قوانينها عند دخوله إلى دائرة رسمية , هذا عقد اجتماعي لكنه لا يسري على الجامعات ويجب عدم التدخل في القيافة في مؤسسة حرة ديمقراطية وخاصة ".
واستمر المنع للحجاب في المدارس والجامعات وقاعات المحاكم والإدارات الحكومية , وقد أجري استطلاع للرأي اجري في تركيا أخيرا اظهر انه ما يقرب من 60% من النساء في تركيا يغطين رؤوسهن خارج منازلهن
وهنا يطرح سؤال وهو هل أن منع الحجاب قانونيا أم لا , والمادة 24 من الدستور تجيب عن هذا السؤال حيث تنص على انه لا يمكن إدانة احد واعتباره مذنب بسبب قناعته الدينية والإيمانية , وعليه فأن أجبار إنسان ما رجل كان أو امرأة على ارتداء ما يخالف قناعته الدينية أمر مخالف للدستور . .
هذا فضلا عن أن المنع ليس قانونيا بل انه خطوة كيفية ويؤكد ذلك انه المحكمة الدستورية التي رفضت أبطال الملحق ( 17 ) من القانون 2547 والذي يطلق حرية ارتداء الزى في الجامعات بالأضافة إلى أن المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الإنسان الأوربية والتي تركيا عضوا فيها تنص على عدم التعرض لأي إنسان بسب إيمانه الديني وعليه فان منع الحجاب مخالف لهذه الاتفاقية .

ثم دخلت قضية الحجاب في تركيا مرحلة جديدة أثر وصول حزب الرفاه إلى السلطة عام1996 . عندما بدأت المرأة الإسلامية بالدخول إلى ميدان النضال السياسي , وأصبحت تشكل عاملا مهما في الحياة السياسية , فكان أول ما قام به حزب الرفاه من اجل الانتخابات العامة , أن اظهر المرأة في دعاياته وهتافاته على أنها امرأة مظلومة ومستغلة ومضطهدة بسبب حجابها , وبناءً عليه تشجعت المرأة ودخلت ساحة النضال وعبرت عن مطالبها . .
وبعد وصول حزب العدالة والتنمية عام 2002والذي احد كوادره التيار الإسلامي إلى أعلى هرم في السلطة احدث تغييرا كبيرا في قضية الحجاب فبعد سنوات من العراقيل السياسية و القانونية استطاع هذا التيار أن يتجاوز ويتخطى كل الصعوبات ليكون على رأس هرم السلطة داخل الساحة السياسية التركية . .
وفي عام 2008 اعتمد المجلس الوطني التركي مشروع الإصلاح الدستوري والذي يتضمن تعديلا يسمح بارتداء الحجاب في الجامعات وصوت 411 نائبا في المجلس الوطني التركي الكبير ( البرلمان ) والمؤلف من 550 مقعدا لصالح اعتماد الإصلاح الدستوري بكامله , وهذا معناه أن أكثر من غالبية الثلثين المطلوبة لصناعة مثل هذا القرار الذي يراه البعض راديكاليا وأصوليا وسيرا في خطى الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية أو يغلب عليها الصبغة الإسلامية , وتم هذا الاعتماد في تصديق نهائي غلبت فيه أصوات نواب حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية المعارض . .
وبذلك سلكت قضية الحجاب في تركيا وبعد أربعين سنة من التوترات السياسية والاجتماعية طريقها إلى الحل حيث عثرت هذه القضية إلى من يحتضنها ويرعاها حيث سهل حزب الحركة القومية والذي سهل من قبل عملية انتخاب عبد لله غول رئيسا للجمهورية بتوفير نصاب الثلثين للتأييد بأجراء تعديل دستوري ..
ولقد واجه قرار الحكومة معارضة شديدة , حيث تظاهر ألآلاف من العاصمة التركية في أنقرة احتجاجا على خطة الحكومة بالسماح للنساء بارتداء الحجاب في الجامعات التركية .
الاستنتاج :
لم يعد الحجاب مجرد احد إشكال تغطية رأس المرأة بل تحول إلى أداة مواجهة بين من يرونه فيه رمز سياسيا وبين من يرونه احد متطلبات الأيمان وعليه توصل البحث الى مجموعة من الاستنتاجات وهي:.
1- أن قضية الحجاب (في تركيا ) أصبحت إحدى قضايا الجدال اليومية والتي تطرح في كل وقت وحين .
2- هناك عدد من المسائل والتي تختلف فيها تركيا مع الاتحاد الأوربي ومن ضمنها المواقف الأوربية تجاه تطورات المسألة الكردية , فقد أدانت ألمانيا وبشدة سياسة الحكومة والجيش التركي حيال أكراد جنوب شرق الأناضول , وهذه المواقف هي مجرد عينات للتباين بين تركيا وأوربا , التي تريد تأسيس اتحاد منسجم مع بنيتها دينيا وفكريا و اقتصاديا , وان الأوربيين لا يريدون انضمام تركيا أليهم .
3- أن الخطوات التحديثية التي أقدمت تركيا على إجرائها لا تلغي أبدا واقع تركيا كونها بلد مسلم وله وشائج قربى ومصير طبيعية مع محيطهُ الإسلامي .
4- أن السماح بارتداء الحجاب في جميع المؤسسات الحكومية وليس في الجامعات فقط هو آمر تطالب به أكثر من 60% من أبناء الشعب التركي وهو حق من حقوقهم .
وهنا يمكن ملاحظة انه كلما تزايدت حدة الهجوم على المحجبات زاد عدد المحجبات في تركيا كما زاد بتمسك المحجبات بحجابهن , مما يدعو الحكومة التركية إلى دراسة هذه القضية وفق المصالح القومية مع مراعاة الموازنة بين مسألتين أولهما أن تركيا بلد ذو أغلبية مسلمة ولا يمكن بأي حال من الأحوال إبعاده عن محيط الإسلامي وفك ارتباطهُ وتاريخه البعيد والقريب , وثانيهما أن أوربا لا يمكن أن تقبل تركيا في صفوفها والتي ما تزال مصره على انتهاك بعض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية للإنسان التركي .

الدكتور ابراهيم خليل العلاف :رؤيته التاريخية والتربوية





















الدكتور ابراهيم خليل العلاف رؤيته التاريخية والتربوية 
الدكتور ذنون الطائي
مدير مركز دراسات الموصل
مقدمة
جادت مدينة الموصل بالعلماء الباحثين المؤرخين والمبدعين والكتاب على امتداد تاريخها الحديث والمعاصر،وقد كان لهؤلاء إسهاماتهم في الحياة الفكرية وصياغة المشهد الثقافي من خلال تخصصاتهم المتعددة ، فلا غرو أن تضم جامعة الموصل بين جنباتهاعدداً وافراً من الكتاب والمؤلفين والباحثين . ويعد الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف،أحد أبرز الأساتذة الأكاديميين والباحثين والمؤرخين في التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعات العراقية ، فهو مؤرخ باحث خلاق ومتميز وكاتب نحرير ، ومتدفق ينز يراعه بالعطاء المعرفي ، ما انفك يكتب في قضايا التاريخ الحديث والمعاصر ، ويؤرخ لكل جانب حيوي ومهم في تاريخنا المحلي بشكل خاص وتاريخ العراق ودول الجوار والوطن العربي بعامة،في إطار تناوله لموضوعات ذات اطر سياسية واجتماعية واقتصادية وأخرى تتعلق بتوثيق سير عدد من الشخصيات التي قدمت خدماتها للمجتمع والحياة.
ما يميز كتاباته سلاسة تعابيره ، وأسلوبه المباشر ، وعمق المعاني في الكتابة ، دون المزوقات اللفظية والتعابير الغريبة، يشعرك بسعة أفقه ، وإطلاعه على المتغير في الأحداث ومايدور حولنا بوتائر متصاعدة ، فتراه ممسك دوماً بتلابيبها وينسجها وفق رؤية المؤرخ الحكيم. وهو من دعاة المدرسة العراقية في الكتابة التاريخية،على صعيد المنهج العلمي الموضوعي الذي يقوم على الوضوح والدقة ، وعدم تحميل الحدث أكثر مما ينبغي في إطار تحليله،والمستند على إعادة تشكيل الحدث التاريخي وفق زمانه ومكانه.
في الحقيقة لا أستطيع أن أخفي مشاعري التي تفيض بالإعجاب وأنا أتابع وأقرأ نتاجاته وديناميكيته العلمية ، وبخاصة كتاباته حول تاريخ الموصل الحديث والمعاصر وحوادثه،وهو بذلك يفيض حباً وانتماءاً لمدينته ووطنه وأمته ، ولم يزل يجد في عطاءه من خلال مشاركاته الواسعة في المؤتمرات والندوات العلمية داخل العراق وخارجه . ويلتمس الوسائل الإعلامية والعلمية والالكترونية حديثاً في سبيل نشر بحوثه ونتاجا ته العلمية والتاريخية والتي ستتضح لاحقاً في تعرضنا لسيرته العلمية ولرؤيته ومنهجيته في كتابة التاريخ .


أولاً : سيرته العلمية
ولد في الموصل يوم 25كانون الأول 1945، ونشأ في محلة رأس الكور، وهي من أقدم المحلات الموصلية ، ويقع في داخلها الجامع الأموي ، وهو أول جامع بناه العرب المسلمون عند فتحهم للموصل سنة 16هـ وقد دخل الكّتاب في طفولته ، وذلك في مسجد عبد الله المكي في محلة المكاوي القريبة من محلة رأس الكور ، وبدأ الدراسة الابتدائية في مدرسة أبي تمام الابتدائية للبنين ، وأكمل المتوسطة في (المركزية) ، أما الإعدادية فقد أتمها في (الشرقية)،والتي تعد من أقدم المدارس الإعدادية في الموصل.
قضى شطراً من حياته في (سوق الحنطة) الجديد في باب الطوب بالموصل،حيث كان يعمل جده ووالده ومن هنا جاء لقب الأسرة (العلاف) التي تقابل (العلوه جي) في بغداد.(1)
تتلمذ على أساتذة كبار في علومهم ومن المهتمين بتاريخ الموصل وتراثها وتاريخ العراق والحضارة العربية ، والتاريخ الحديث والمعاصر منهم : محمد إسماعيل ، وغصوب الشيخ عبار ، وعبد الرزاق الشماع ، وإدريس عبد المجيد الذنون ، وهشام سليم الطالب ، وعمر محمد الطالب ، وشاكر النعمة ، وغانم حمودات ، وحين التحق بكلية التربية (1964-1965) ببغداد كان من أساتذته فيها كل من : الدكتور زكي صالح ، والدكتور فاضل حسين ، والدكتور عبد العزيز سليمان نوار (مصري) والدكتور حاتم عبد الصاحب الكعبي والدكتور فيصل الوائلي ، والدكتور محسن غياض ، والدكتور حسين أمين ، والدكتور عبد الله الفياض ، والدكتور احمد سعيد حديد ، والدكتورة نعيمة حسين الشماع.(2)
وبعد أن تخرج في قسم التاريخ بكلية التربية،جامعة بغداد بدرجة شرف،حيث كان في قسم الشرف الذي يتحمل طلبته مواداً إضافية على أقرانهم في المرحلتين الثالثة والرابعة في الكلية، وعين في 9آذار 1969مدرساً في متوسطة فتح للبنين في الشورة،ثم أصبح مديراً لهذه المتوسطة،وقضى قرابة أربع سنوات في التدريس والإدارة،وبعدها أكمل دراسته العليا في كلية الآداب-جامعة بغداد حيث حصل على شهادة الماجستير سنة 1975 وعلى شهادة الدكتوراه سنة 1980 وكانت رسالته للماجستير بعنوان (ولاية الموصل:دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922)بإشراف الأستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف،أما أطروحته للدكتوراه فكانت بعنوان(تطور السياسة التعليمية في العراق 1914-1932)بأشراف الأستاذ الدكتور فاضل حسين،وبعدها عمل فترة عدة أشهر مدرساً في ثانوية بعشيقة بعد انتهائه من نيل شهادة الماجستير ، ثم نقل خدماته إلى جامعة الموصل ، عين مدرساً مساعداً في كلية الآداب-جامعة الموصل،ثم أكمل دراسته للدكتوراه وشغل منصب مقرر قسم التاريخ فيها لسنوات ثم نقل إلى كلية التربية،ليعين رئيساً لقسم التاريخ فيها بين سنتي 1980و1995،وقد تدرج في الألقاب العلمية حتى نال لقب الأستاذية في 17 تشرين الأول 1991.(3)
كان بين سنتي 1995و1997عضواً في مجلس جامعة الموصل،ممثلاً للأساتذة وقد أسهم في أداء دوره علمياً وإدارياً. كما كان عضواً في هيئة تحرير مجلتها(الجامعة)ورئيساً لتحرير العديد من المجلات الأكاديمية ومنها مجلة(أوراق تركية معاصرة)وشغل منصب عضوية مجلات جامعية موصلية أخرى منها مجلة ( أوراق موصلية ) أصدرها مركز دراسات الموصل ، ومجلة (آداب الرافدين) التي أصدرتها كلية الآداب،ومجلة (التربية والعلم)الصادرة عن كلية التربية ، وعضو الهيئة الاستشارية لمجلة الدراسات التاريخية والحضارية ، الصادرة عن جامعة تكريت.
كما أسهم في تحرير وإدارة عدد من الموسوعات منها عضوية هيئة تحرير (موسوعة الموصل الحضارية) التي أصدرتها جامعة الموصل سنة 1992بخمسة مجلدات،وقد أشرف على الجزئيين الرابع والخامس الخاصين بموضوعات التاريخ الحديث والمعاصر.كما كتب فيهما (7) بحوث دارت حول أوضاع الموصل السياسية والفكرية والاجتماعية.(4)
وله إسهامات في لجان جامعية عدة منها:لجنة الدراسات العليا،ولجنة الترقيات العلمية ولجنة التأليف والترجمة ولجنة اختبار صلاحية التدريس للعمل في الجامعة.
ونظراً للجهود العلمية والبحثية في مجال تاريخ العراق الحديث والمعاصر،فقد منح وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في 15تموز 1986،كما حصل على امتياز رعاية الملاكات العلمية للسنتين الدراسيتين 1999-2000و2001-2002،وحصل على أكثر من جائزة تكريمية وشهادة تقديرية من جهات عديدة لجهوده في النشر العلمي وخدمة الوطن والتاريخ. كما شارك في ندوات ومؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه كما حرر في موسوعات عديدة منها:الموسوعة الصحفية العربية،وموسوعة التربية الإسلامية التي يصدرها المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ،التابع لمؤسسة آل البيت في المملكة الأردنية الهاشمية.(5)
أشرف على قرابة (45) رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه،كما ناقش المئات منها في مختلف أقسام التاريخ في الجامعات العراقية،وشغل عضوية اللجنة الاستشارية لبيت الحكمة في الموصل،وعضوية اللجنة الاستشارية للثقافة والفنون في الموصل،وغدا رئيساً لجمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين فرع نينوى لسنوات،فضلاً عن عضويته في اتحاد المؤرخين العرب ونقابة المعلمين. (6) ألف قرابة (35)كتاباً منشوراً لوحده وبالاشتراك مع عدد من زملائه الباحثين منها:
1- نشأة الصحافة العربية في الموصل (الموصل،1981 )
2- تطور التعليم الوطني في العراق 1914-1932(البصرة ، 1982)
3- تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916(جامعة الموصل،1983)
4- تاريخ الفكر القومي العربي(بغداد،2001)
5- تاريخ العراق المعاصر(جامعة الموصل،1989)بالاشتراك مع الدكتور جعفر عباس حميدي
6- قضايا عربية معاصرة،(جامعة الموصل ، 1988) بالاشتراك مع نخبة من الباحثين .
7- إيران وتركيا:دراسة في التاريخ الحديث والمعاصر(جامعة الموصل،1992)بالاشتراك مع الدكتور خليل علي مراد
8- دراسات في فلسفة التاريخ (جامعة الموصل ، 1988) بالاشتراك مع نخبة من الباحثين .
9- نشأة الصحافة في الموصل وتطورها 1885-1985(الموصل ، 1985)
10- خارطة التوجهات الإسلامية في تركيا المعاصرة (الموصل،2005).(7)
11- نحن وتركيا : دراسات وبحوث ( الموصل 2008 )
كما أسهم في تأليف بعض الكتب المنهجية الدراسية في المدارس المتوسطة والإعدادية
منها:-
1-التاريخ الحديث والمعاصر للصف الثالث المتوسط(1990)
2-التاريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي،للصف السادس الإعدادي (1980)
وقد أنجز بحوثاً ودراسات أكاديمية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر،وصل عددها قرابة (150)بحثاً ودراسة منشورة في مجلات موصلية وعراقية وعربية أكاديمية وثقافية،فضلاً عن انجازه ما ينيف عن (500) مقالة صحفية ، وهو مستشار هيئة تحرير جريدة (فتى العراق) الموصلية المؤسسة منذ سنة 1934، والتي لا تزال تصدر في الموصل و ما يزال يكتب فيها بالموضوعات التاريخية والثقافية والتراثية التي تؤرخ لأحداث الموصل والعراق المهمة ، وقد حضر قرابة (100) مؤتمر وندوة علمية داخل العراق وخارجه.(8)
وله إسهامات علمية وبحثية ومقالات منشورة في العديد من المواقع الألكترونية وعلى الشبكة الدولية ( الانترنت ) ، فضلاً عن موقعه الخاص الذي ينشر فيه نتاجاته البحثية عن مؤرخي العراق وجهودهم العلمية،ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك المواقع التي يسهم في تحريرها :
1- موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين إعداد الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف www.ulum.nl
2- موقع حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورياwww.etinad-sy.net
3- موقع ارماناك www.armanc.org
4- موقع الحوار نت الإسلامية www.alhwar.net
5- موقع الفيحاء www.alfayhua.tv
6- موقع مجلة الأوائل www.el-awael.com
7- موقع مركز النور www.al.noor.se
8- الموقع الفرعي في الحوار المتمدن www.ahewar.org/m.asp?!=2101
9- موقع كلكامش للدراسات والبحوث
10- موقع دنيا الوطن www.alwatanvoice.com
11- موقع الشهاب الثقافية www.ash-shinab.net
12- موقع الكاتب العراقي www.iraq.iwriter.com

ثانياً : منهجيته في الكتابة التاريخية
يقوم منهج الدكتور إبراهيم خليل العلاف في كتابة التاريخ على أساس ثابت ومحدد وهو:(( أن المؤرخ ينبغي أن يكون طرفاً نشيطاً في العميلة التاريخية ، وإن يعتمد الوثائق والمصادر الأصلية في توثيق كتاباته بشرط المحافظة على مبدأ إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط،مع محاولة وضع الأحداث وضبط تسلسلها زمنياً بحيث يستطيع القارئ معرفة حجم التطور في الأحداث وصولاً إلى النتائج المتوخاة )) ويدعو العلاف إلى أن :(( يكون المؤرخ صاحب رسالة وعلى وجوب أن تتوفر لدى الباحث والمؤرخ مجموعة صفات ليكون صادقاً في كتاباته وتحليلاته ، وأن لا يهدف سوى إظهار الحقيقة حتى لو كانت على نفسه،وأن يكون شجاعاً وصادقاً وأميناً وذو مرؤة وإنصاف،لأن من يتعامل معهم ، قد غادروا الحياة ولم يعد بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم )).(9) ومما ينبغي ذكره أن الدكتور العلاف لم يكتف بالتعبير عن أفكاره وآراءه هذه على المستوى النظري ، وإنما وجدت تلك المنطلقات والرؤى طريقها في كل كتاباتها فمن يراجع مؤلفاته ودراساته يكتشف بأنه ، كان حريصاً على قول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة ، ومن هنا اكتسبت كتاباته مصداقية عالية بين قراءه وزملائه وطلبته وكل المهتمين في الشأن التاريخي . ويؤكد على (( أن المشكلة الرئيسية في العراق هي أن الإنسان فيه لا يؤمن بقيمة تراكم الخبرة التاريخية ويحاول أن يبدأ من الصفر دائماً،لهذا فالبنيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري فيه يشوبه النقصان وعدم الاكتمال .كما أن القادة والزعماء في العراق وخاصة منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة لا يحظون بالاحترام والتقدير بعد خروجهم من السلطة،وتبذل الجهود لطمس آثارهم ، وإزالة منجزاتهم بل وشن الحرب عليهم)) ويرد ذلك إلى :(( أسباب سايكولوجية ومناخية واجتماعية يتعلق بعضها بفساد بعض أولئك الحكام ، أو تراكم أخطائهم وخطيئاتهم بحق الشعب في العراق والرغبة الجامحة في عدم منحه الحرية للتعبير عن آرائه وأفكاره والسعي إلى قمعها،وفي هذا يختلف الإنسان المصري في موقفه من السلطة عن الإنسان العراقي ، فالإنسان العراقي يخشى حكامه لكن الإنسان المصري يحترمهم حتى وإن كان يعارضهم ويرتبط ذلك بالمناخ ، فالنيل في مصر يفيض في أوقات يحتاجها الفلاح لكن دجلة والفرات يفيضان ويخربان الزروع ، فضلاً عن عدم اعتدال المناخ في العراق بخلاف مصر))(10) لهذا ما أن تتيسر للعراقي فرصة التخلص من حكامه إلا ويبدأ بهدم كل آثارهم والتخلص منها،وهنا يواجه المؤرخ مشكلة معقدة عند محاولته كتابة التاريخ بصدق وموضوعية.(11) ويحدد الدكتور العلاف أطر مشكلة التاريخ الحديث في العراق وغيره من الأقطار النامية بـ( الايدلوجية ). وعن علاقة ذلك بالفكر الديني يقول (( أن مشكلة التاريخ الإسلامي هي ارتباطه بالمقدسات الدينية ، وهذا يعيق المؤرخ في كثير من الأحيان عن أداء دوره الفاعل في عملية التدوين والتوثيق)) . ومن آراء الدكتور العلاف الجديدة بعد ما حاق في البلاد من أحداث وتطورات . بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان 2003 وانعكاساته على العراق وأقطار الوطن العربي قوله: (( إن المؤرخين ينبغي أن ينأوا بأنفسهم عن الحكام وأن يناضلوا من أجل تخليص التاريخ من قيود الحكام،وإذا كان التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون كما يقال،فلا بد من تأشير حقيقة جسامة المسؤولية التي يضطلع بها المؤرخ الموضوعي النزيه الملتزم بقواعد المنهج التاريخي المعتمد على إظهار الحقائق والوقائع بالعلم لا بالعاطفة ))(12). وأخيراً يدعو العلاف (( إلى أن يستخدم التاريخ كمادة للتفاهم بين البشر، وكوسيلة للتعاون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان، ومن الممكن أن يجتمع المؤرخين من أقطار عديدة وخاصةً تلك التي تعاني من الإختلافات والمشاكل لكي يتوصلوا إلى قواسم مشتركة عند كتاباتهم للأحداث التاريخية المشتركة المثيرة للنزاعات والجدل )) ويستشهد مؤرخنا بما أنجزه الأوربيون في توحيد رؤاهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية ويعبر عن ذلك بقوله : (( وكما هو معروف فإن المؤرخين الأوربيون فعلوا مثل هذا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945 عندما اجتمعوا في باريس وأزالوا كل ما من شأنه تعميق حالات العداء والنزاع والتخاصم وأكدوا على الثوابت والأسس المشتركة التي كان من أبرز نتائجها إقامة الاتحاد الأوربي وأصدر دستور يلتزم به الجميع ))(13)
ولا بد من الإشارة إلى أن الدكتور العلاف كثيراً ما يؤكد لطلبته في الدراسات العليا على ضرورة استمرار البحث بجوانب التاريخ كافة : (( وعدم الاهتمام فقط بالجانب السياسي من العملية التاريخية وإنما لا بد من الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا فقد وجه طلبته في موضوعات تتعلق بتاريخ الصناعة العربية وتاريخ الأصناف والتنظيمات المنهجية،والأوضاع الإدارية،والحياة الحزبية،وتاريخ التعليم والتحديث،وركز على (التاريخ المحلي) للمدن والشخصيات المؤثرة))(14)
ومن الثابت فإن من لايقرأ لايكتب وتأسيساً على ذلك يوصي باحثنا بالاهتمام بالقراءة ويؤكد:(( من لا يقرأ لا يستطيع فهم ما يحيط به من متغيرات لهذا ندعو إلى القراءة وإلى تعويد الأبناء على فضيلة القراءة الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه الآن إلا بالقراءة..))(15)
ثالثاً : آراءه في الإصلاح والتغيير في العراق ودول الجوار
لباحثنا رؤى في وجوب الإصلاح والتغيير في العراق في إطار المتغيرات السياسية المتلاحقة به وفي ذلك يقول: (( الإصلاح والتغير ينبغي أن يبدأ من الداخل من الإقرار بحقيقة تاريخية وهي أن الغرب مع أنه يرفع دعوات الإصلاح والتغيير منذ القرن التاسع عشر ،لكنه سرعان ما يقف ضد كل حركة نهضة وإصلاح يشهدها العالم العربي،وعلى هذا الأساس فإن دعوات الإصلاح والتغيير باتت ضرورة في ضوء التحديات التي تواجهها )) ويمضي في إيضاح الأهمية المتزايدة لتأصيل الإصلاح بقوله: (( كما أن هذه الدعوات بحاجة إلى تأصيل الأكاديميين ذوي الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد)) ويدعو إلى ضرورة الانفتاح على تجارب الأمم التي نهضت بواقعها ونجحت في الإصلاح والتغير،تجربة اليابان مثلاً والذين مزجوا بين القطاعين الخاص والعام ،ويؤكد : (( أن أي مشروع للنهضة والتغيير بحاجة إلى دراسة تجارب التحديث الناجحة في العالم.غرباً وشرقاً )) ويعتقد أن فرصة العراق ،وفرصة العرب لكي ينهضوا ويتغيروا (( لا تزال قائمة فلديهم مقومات النهضة لكنهم يحتاجون إلى الإرادة )) وعن وسائل ومجالات التغيير والإصلاح يشير العلاف إلى رؤاه بقوله : (( ينبغي عليهم اليوم أن يرفعوا الاقتصاد والإدارة والتنمية المستديمة والحكم الراشد أو السليم ، وهو الحكم الذي يعتمد معايير الشفافية والاستقامة والصدق والاعتراف بالآخر واحترام حقوق الإنسان ، وإن لم يفعلوا ذلك فليأذنوا بقرب خروجهم من التاريخ )).(16)
وعن دور الغرب في عرقلة عملية الإصلاح والتغير في العالم العربي يشير العلاف إلى أن (( مما يؤسف له حقاً أن النتائج التي تمخضت على الأخذ بأساليب التغيير والإصلاح الغربية كانت وبيلة إذ أسهمت في أمرين اثنين مهمين:أولهما وقوع حالات من التفكك السياسي والانحطاط الاجتماعي والتخلف الاقتصادي وثانيهما نجاح الغرب في الوصول إلى المنطقة والتحكم في مقدراتها)) (17) .
ويدعو الدكتور العلاف إلى (( عدم الانجرار وراء الشكليات في قضايا الإصلاح والتغيير وإشعار القوى الضاغطة المحلية والإقليمية والدولية أن هناك خصوصيات لا بد من أخذها بنظر الاعتبار والتأكيد باستمرار على أن الإصلاح والتغيير يبدأ من الداخل ،وأن أية تدخلات أجنبية فيه تعرقل تنفيذ الإصلاح لا بل وتحرفه عن مساره الوطني وتسهم بشكل أو بآخر في تفكك المجتمع وزيادة انقساماته )) . ويشدد على أهمية توجيه الرأي نحو تفعيل ((المنجزات التقنية والمعلوماتية في إعادة بناء الاقتصاد وزيادة مساهماته والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان وتمكين المرأة وزيادة إسهاماتها في صنع القرار،والعمل على زجها في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،شأنها في ذلك شأن أخيها الرجل والدعوة إلى الاهتمام بالتربية والتعليم العالي وزيادة تخصيصات هذا القطاع الحيوي في موازنة الدولة وإيلاء البحث العلمي ما يستحقه من اهتمام))(18) ويضيف العلاف أيضاً في إطار إيضاح مجموعة الآليات المفضية نحو الارتقاء بالواقع السياسي والتنموي بتأكيده على أهمية : (( زيادة فاعلية الاقتصاد العراقي..والوقوف ضد كل محاولات الاستبداد وتوريث السلطة.. وإعطاء الإعلام ووسائله ما تستحقه من اهتمام..وأخذ ظروف الواقع وخصائص المجتمع وقيمة وعاداته بنظر الاعتبار والتأكيد على تنمية عناصر الحصانة لدى المواطن وتقوية شعوره بالانتماء لوطنه والاجتهاد لإسعاده بكل الوسائل الممكنة.. )) ويشير إلى ضرورة إيلاء السياسة الخارجية الأهمية القصوى في إطار الدعوة إلى الإصلاح فيردف قائلاً : (( لا بد من وضع الأسس المطلوبة للتفاعل مع الظروف الخارجية والالتزامات الدولية المتبادلة مع العراق وتشجيع القطاع الخاص على الإسهام في الاستثمار والبناء ، وإعطائها الأسبقية ووفق أسس منطقية وعلمية ووطنية)) ويمضي في التأكيد على مفردات التغيير والإصلاح بالتأكيد على : ((مشاركة صناع القرار ولا بد من صناعة خطاب عراقي وعربي حول قضية التغيير والإصلاح والصدق والشفافية في نقل المعلومة والاستفادة منها ويتطلب الأمر وضع أجندة واضحة لمسالك الإصلاح وموروثه السياسية والقانونية والاقتصادية وبلورة جدول زمني للتنفيذ)) ويختتم العلاف آراءه في هذا الصدد بالتأكيد ((على مراعاة الموازنة الدقيقة بهدف الحفاظ على (سيادة الدولة)التي تعني حقها في فرض إرادتها على رعاياها وحرمتها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية وفقاً لقواعد القانون الدولي)).(19)
رابعاً : أطروحاته الفكرية في تعزيز الدراسات التاريخية:
لمؤرخنا آراءه وأطروحاته الفكرية المتعلقة بتعزيز مسيرة الدراسات التاريخية على صعيد العراق خصوصاً والوطن العربي عموماً،مرتكزاً إلى ثراءه البحثي ومسيرته العلمية في إعداد الدراسات التاريخية التي تربو عن الأربعين عاماً.فكانت منطلقاً لتأسيس وتأطير أطروحاته العلمية ، فيثير مجموعة تساؤلات مهمة تنطوي على مضامين أساسية في دراسة التاريخ والبحث فيه فيقول : (( لماذا يكتب التاريخ ؟ ولمن يكتب ؟ هل يكتب لمحض استعادة أحداث ركدت حتى تعفنت؟ أم يكتب لشحذ ذاكرة الشعب وتذكيره بخبرات نضاله الطويلة ليستفيد منها في مواجهة أعدائه ومواصلة كفاحه ؟ بمعنى آخر هل يكتب التاريخ للتاريخ أم يكتب للحياة)) وللإجابة على تلك التساؤلات أشار إلى: (( أنه إذا كان التاريخ يكتب للتاريخ!فلسنا نحن المؤرخين العرب وليس شعبنا في حاجة إلى هذا العبث أما إذا كان التاريخ لخدمة الحاضر والمستقبل،فمن هنا تبرز ضرورة انطلاق المؤرخ من رؤية وطنية وقومية ، تقدمية في فهم أحداث التاريخ وتفسيره)).(20)
وعن المحاولات الأولى لكتابة تاريخ العرب الحديث وفي أي حقبة بدأت ، يشير العلاف إلى أن بذور النهضة العربية الأولى التي انبعث في القرن التاسع عشر ، في جهات مختلفة من الوطن العربي، ولم تكن هذه النهضة في حينها قومية فقط ، بل أكدت على مسألة الانبعاث الإسلامي أيضاً ، في مواجهة التحديات الخارجية منها الغربية على نحو خاص وكان أساسها اللغة والأدب،أما الكتابة ذات الطابع العلمي الأكاديمي فجاءت في أواخر القرن العشرين ،((حين تطورت الدراسة التاريخية في الوطن العربي تطوراً نقلها من دور كتابة الحوليات،وتسجيل الظواهر إلى مرحلة الدراسة المعمقة التي تعتمد منهجاً علمياً واضح المعالم،وتستخدم أدوات وقواعد علمية دقيقة لتجميع آثار الحدث التاريخي ونقده داخلياً وخارجياً وإعادة تشكيله كما وقع تماماً أو قريباً مما حدث))(21)
لقد شهدت المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى وما أفرزته من أوضاع التجزئة ونشوء كيانات سياسية عربية منفصلة،وفي إطار تشديد قبضة القوى الاستعمارية على المنطقة،بدأنا نتلمس بداية ظهور اتجاهات فكرية لكتابة التاريخ الحديث،والتي يحددها الدكتور العلاف في ثلاثة اتجاهات يمكن إجمالها بما يلي :
1- (الاتجاه الاستعماري) الذي قدم أطروحاته الرئيسة خلال السيطرة الاستعمارية التي عانى منها وطننا العربي،منذ مطلع العصور الحديثة،والذي هدف إلى طمس تراث الأمة وإغفال مجهوداتها وقدراتها على مواجهة التحديات. وركز هذا الإتجاه على تشويه حركة النضال العربي وتصويرها على أنها ضد منجزات الحضارة الأوربية.
2- بعد نجاح الثورات الوطنية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى كثورة 1919في مصر وثورة 1920 في العراق وثورة 1925في سوريا (وغيرها) ، بدأت ملامح اتجاه جديد في كتابة تاريخ العرب الحديث ، يأخذ بالبروز والذي يمكن أن نسميه (بالاتجاه الوطني) ومن أبرز رواده في العراق ، عبد الرزاق الحسني وفي مصر عبد الرحمن الرافعي، وقد حرص هذا الاتجاه على إبراز دور الفرد في التاريخ وأوضاع الشعب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،وحرص أصحاب هذا الاتجاه كذلك على تسجيل وقائع تعتمد على رصد حركة السلطة والدوائر المحيطة بها، كما واتجه أصحاب هذا الاتجاه صوب الاهتمام بالتاريخ القطري وممن اسهم بهذا التوجه، المؤرخون الجامعيون الأكاديميون.
3- وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية،ومع تبلور الأيديولوجية العربية،وتصاعد حركة الثورة العربية،وتنامي الأفكار الديمقراطية،وازدياد الاهتمام بالجماهير،وتطور وسائل البحث التاريخي العلمي،ظهر اتجاه جديد يطمح للكتابة وفق منهج (وطني قومي ـ تقدمي) وطرح أصحاب هذا الاتجاه آراء بخصوص المنهج الذي ينبغي أن يكتب بموجبه تاريخ العرب الحديث،ومن ذلك أن الاندماج بالتاريخ لا يتحقق الأمن مواقع النضال الثوري،وأن التاريخ يعطينا قدرة على النفاذ إلى قضايا الأمة وواقعها استعداداً لمواجهة التحديات الحضارية والتاريخية،ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه الدكتور فاضل حسين من العراق،ومحمد أنيس في مصر.(22)
ويرى باحثنا أن للتاريخ أهدافاً متوخاة من خلال دراسته وتفكيكه والتعمق بأحداثه ويدعو إلى إيلاء الأهمية القصوى لدراسة التاريخ في المراحل الدراسية كافة: (( بالشكل الذي يضمن تعميق الشعور الوطني والشعور القومي لدى الطلاب من خلال الكشف عن دور الأمة العربية الحضاري ورسالتها الإنسانية،وكذلك الكشف عن قدرة هذه الأمة على التواصل والاستمرار في العطاء الحضاري ومقدرتها على تجاوز حالة التداعي التي تمر بها وفي مواجهة ظروف التجزئة والانقسام )) كما يشخص الدكتور العلاف أبرز المعوقات التي تعيق الدراسات التاريخية ويجملها بقوله: ((إن مناهج الدراسة التاريخية في مراحل التعليم العام تتسم بالتفكك والتداخل،بحيث أن الطالب عند التحاقه بالجامعة،يكون ضعيف المقدرة على البحث والحصول على المصادر من مضانها ، كما أن معلوماته التاريخية مرتبكة ومشوشة بحيث لا تساعده على تكوين الصورة الحقيقية عن تاريخ وطنه وأمته،الأمر الذي يؤدي إلى قلة تفاعله مع المواد التاريخية تفاعلاً حيوياً،ومما يزيد الأمر سوءاً،ضعف لغته وتدني أسلوبه في الكتابة ولهذا فهو يعوّل: (( باستمرار على الكتاب المنهجي أو المساعد ولا يلجأ إلى المصادر والمراجع إلا نادراً )) (23)وإزاء تشخيص تلك المعوقات ، كان لا بد من المعالجات لتشجيع الطالب والدارس في المرحلة الجامعية المختص بدراسة التاريخ،بالانفتاح على المناهج التاريخية ومحاولة فهمها واستيعابها،فأنبرى العلاف إلى وضع صياغة جملة معالجات تفضي إلى فهم أفضل للدراسة التاريخية وذلك عن طريق:
1- إعادة النظر في أساليب وطرق تدريس التاريخ في مراحل التعليم العام،بما يساعد على تعويد الطلبة على الإطلاع والتتبع والقراءة الجادة والرجوع إلى المصادر والتقليل من الاعتماد على الكتاب المقرر.
2- دراسة مسألة إلغاء الكتاب المنهجي ( Text book ) في الدراسة الجامعية والتعويض عن ذلك بمحاضرة الأستاذ أو المصادر التي تؤشرها،فضلاً عن تشجيع الأساتذة لتأليف كتب مساعدة متعددة تتضمن نتائج الأبحاث الجديدة في حقل الاختصاص.
3- إعادة النظر في مسألة قبول الطلبة في أقسام التاريخ،بحيث يراعى جانب الرغبة والقابلية والحس التاريخي عند الطلبة المقبولين.
4- التأكيد على أهمية الاستفادة من التقنيات التربوية الحديثة في تدريس التاريخ وخاصة في مراحل التعليم العام .(24)
ويرى الدكتور العلاف بأن واقع الدراسات التاريخية وفق المنهج البحثي العلمي لابد له من غايات محدودة ومرسومة تصب في جملة معطيات وهي:
1- التصدي لوجهات النظر المعادية التي تشوه الحقائق التاريخية أو تزيفها لأغراض متعددة،بغية المساس والانتقاص من ماضي العرب ومنجزاتهم الحضارية وزعزعة حاضرهم وعرقلة تقدمهم.
2- التأكيد على أهمية تحقيق الصلة المستمرة بين المؤرخ ومصادره ووثائقه بالشكل الذي يضمن توسيع أفقه الثقافي،واستثمار هذه الثقافة المتجددة في تطوير المعرفة التاريخية بجيل من المؤرخين الشباب المطلين على المستقبل.
3- تطوير عملية البحث التاريخي وتوسيع المعرفة التاريخية بما يخدم قضية المعرفة والتطوير الاجتماعي والتقدم العلمي في العراق . ويمضي العلاف في رسم أساليب تحقيق ذلك التوسع المعرفي بالدراسات التاريخية من خلال عدد من الخطوات تتمثل في:
أ-تهيئة الظروف الملائمة لقيام المؤرخين بالبحوث بشكل هادئ وجدي وعلمي .
ب-مساعدة المؤرخين في إصدار مجلات تاريخية عامة يكون هدفها توضيح الرؤية التاريخية وإشاعة الفكر التاريخي ومناهجه في المجتمع .
هـ-تشجيع المؤرخين على الاهتمام بالدراسات المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي،وذلك بتسهيل حصولهم على البيانات والإحصائيات التي يحتاجونها من الوزارات والمؤسسات المعنية في العراق.(25)
يؤمن الدكتور العلاف بأن التاريخ خير وسيلة لتقوية فكرة المواطنة في العراق المعاصر مؤكداً على الشباب بوصفهم الطليعة والمجدد والأمل للمجتمع ، وإن التاريخ من الوسائل الايجابية التي تسهم في تربية الشباب وفق مبادئ وقيم وأهداف وطنية عليا ويشير إلى (( أن التعمق في علم التاريخ يكون في المراحل الجامعية وما بعدها،في حين تهتم المدارس بإعطاء الناشئة دروساً تاريخية مختارة،وتضع أسساً ينبغي مراعاتها في اختيار وانتقاء المواضيع التي تساعد على إنجاز وظيفة التاريخ في مجال تكوين حوافز وقيم لدى الناشئة من أبنائها،بحيث نحصل على نخبة طبيعية مثقفة قوية في شخصيتها تعي تاريخ أمتها وتعتز بتراثها الحضاري،وتحيط بعمق بالواقع الراهن وتشعر بمسوؤليتها تجاه الأهداف الكبرى للأمة العربية)) (26) ، وحدد العلاف مجموعة من الأسس التي تسهم في بناء الشخصية الوطنية عبر التأكيد على التاريخ الوطني من خلال :
1- تنمية الاتجاه نحو الولاء للوطن وترسيخ وحدته.
2- تنمية الوعي بفكرتي الوحدة العراقية والوحدة العربية وتوجيه تدريس التاريخ الوجهة الصحيحة لجعل الطالب يعتز بأبناء وطنه وأمته وجعله يدرك بأنه ينتمي إلى أمة عريقة لها دورها الفاعل في التاريخ الإنساني.
3- تنمية الإدراك بأهمية تراث الأمة الحضاري ودورها في تشييد الحضارة الإنسانية
4- تنمية التفكير الناقد لدى الناشئة وذلك عن طريق تكوين النزعة العلمية لديهم . (27)
لقد أفرز واقع التعليم في العراق خلال أوائل القرن الحادي والعشرين بروز ظاهرة التعليم الجامعي الأهلي،وبشكل ملفت للنظر في إطار الخطوات المرسومة والطموحة نحو توسيع التعليم الجامعي في العراق،وإيجاد سبل للتعاون البناء بين التعليمين الأهلي والرسمي.وفي هذا السياق فإن للدكتور العلاف آراء ومقترحات محددة هدفها إيجاد سبل التكامل بين الجانبين على صعيد تفعيل المناهج الدراسية،وتوخي الأهداف المتوخاة من توسيع القاعدة التعليمية،فيورد في ذلك مجموعة من المقترحات التي تسهم في تطوير مؤسسات التعليم الجامعي الأهلي وهي:
1- ينبغي أن يظل التعليم العالي الأهلي تحت إشراف الدولة ضماناً لتنمية المصالح الوطنية والقومية العليا ،وحرصاً على المبدأ الرئيسي للتعليم العالي،وهو إنشاء جيل يؤمن بالله والوطن ويسعى إلى تحقيق الأهداف السامية في الحرية والتقدم وبناء المجتمع المتطور .
2- وفي ضوء المقترح الأول يرى مؤرخنا ضرورة أن تتكفل الدولة بتوفير بعض المستلزمات المادية للتعليم العالي الأهلي وخاصة ما يتعلق بالأبنية والأجهزة والمستلزمات الأخرى ولا بأس من تقديم القروض والمنح التي تسددها الكليات الأهلية على أقساط وشمول المؤسسات التعليمية الأهلية بمبدأ الإعفاء الضريبي وما شابه.
3- شمول التدريسيين والعاملين في المؤسسات التعليم الأهلي بالامتيازات والحقوق التي يتمتع بها التدريسيون والعاملون في مؤسسات التعليم العالي الرسمي.
4- اعتماد مبدأ الإعارة الداخلية للتدريسيين في التعليم العالي الرسمي للعمل في الكليات الأهلية ولمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات.
5- دعوة الكليات الأهلية لفتح أقسام ليست موجودة في مؤسسات التعليم العالي الرسمي،والابتعاد عن تكرار ما هو موجود في الكليات والجامعات الرسمية،وفيما يتعلق بالمناهج والكتب الدراسية ينبغي أن لا يشترط التماثل بين الكليات الرسمية والكليات الأهلية لإعداد كتب منهجية تلبي احتياجات أقسامها مع ضرورة المحافظة على مستوى رصين من التأليف.
6- لابد من استحداث (مجلس أساتذة)يكون بمثابة جهة رقابية على الجوانب العلمية والإدارية والمالية لكل كلية،ويتألف من عدد من التدريسيين من ذوي الخبرة والاختصاص من داخل وخارج الكلية ويتم اختيارهم من قبل مجلس العمداء فليس من المعقول إن يكون (مجلس الكلية)هو المخطط والمنفذ للعملية العلمية والتعليمية خاصة بعد إلغاء مجالس الأمناء،ويمكن في هذا الصدد تشكيل مجلس يضم عمداء الكليات الأهلية،ويكون مقره في بغداد باسم (مجلس العمداء)يتولى رسم السياسة العامة للكليات الأهلية ومراقبة تنفيذها والعمل على تطويرها على أن يجتمع مرة واحدة كل شهر.
7- التأكيد على ضرورة إنشاء نظام خاص للرواتب والحوافز ولأعضاء الهيئة التدريسية في الكليات الأهلية ،يوفر لهم الاستقرار الأكاديمي والاقتصادي والاجتماعي ويحفزهم على القيام بالبحوث العلمية،كما يؤدي في الوقت ذاته إلى جذب الكفاءات العالية للعمل فيه .
8- الاستمرار في التعاون والتنسيق في مجال تبادل الخبرات العلمية والكمية في مؤسسات التعليم العالي(الرسمي والأهلي)وإدخال ممثل للتعليم العالي والأهلي في مجلس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لأغراض التنسيق والإطلاع.
ويختتم الدكتور العلاف آراءه ومقترحاته المتعلقة بتفعيل دور الجامعات الأهلية في العراق بتأكيده على ضرورة إفساح المجال للكليات الأهلية بفتح أقسام للدراسات العليا وفق الشروط والضوابط المعمول بها في مؤسسات التعليم العالي الرسمي . ويرى مؤرخنا هنا (( وجوب التريث في هذا المجال ريثما تتوفر الإمكانات والمستلزمات العلمية والإدارية لذلك ،نؤكد على ضرورة سعي هذه الكليات لاستكمال التخصصات العلمية وعدم الاقتصار على تخصصات محدودة كالقانون والحاسبات والإدارة )) . (28)
في الواقع إن ما قدمه الدكتور العلاف من مقترحات وآراء من شأنها العمل على ترصين التعليم الجامعي الأهلي ، والإحاطة بكل جوانبه العلمية والإدارية والمالية والتخصصية ، وفي إطار التكامل العلمي والنوعي بين التعليمين الأهلي والرسمي ، وبخاصة تأكيده على عدم تكرار الجامعات الأهلية لتجربة الجامعات الرسمية في افتتاح الأقسام العلمية المماثلة .
ويؤمن الدكتور العلاف بأن الفكر العربي،فكر أصيل وغير متعصب ولا يعيش على الماضي كما يدعي البعض،وإنه فكر إيجابي متفائل ومستقبلي،وفي ذلك يقول: (( إن هدف المجتمعات المتحضرة الآن هو تحقيق الرفاهية وهكذا كان وما يزال الفكر العربي يسعى لأن يساعد الإنسان على فهم الحياة والكون )) وعن ابرز الإشكاليات التي واجهها الفكر العربي الحديث حددها باحثنا (بالأصالة والمعاصرة) والتي كما يقول:(( ارتبطت بمفهوم أوسع حد هو(الهوية) فالأصالة هي محاورة الماضي من أجل الحاضر والمعاصرة هي الإسهام في التحول الذي تشهده الإنسانية ، الأصالة ليست عبادة الماضي،كما أن المعاصرة لا تكون بعبادة كل ما هو جديد وثقافتنا العربية وشخصيتنا الثقافية وأصالتنا إنما تتحقق بإعمال أو استخدام العقل لحل مشكلاتنا وفهم ما يحيط بنا ويرى مؤرخنا بأن لا يتم ذلك إلا عن طريق : ((إصلاح حياتنا وثقافتنا وشخصيتنا لا تكون إلا بالإبداع،وإذا ما تركنا الإبداع جانباً فسوف نصبح في مؤخرة ركب الإنسانية،لذلك فإن الأصالة تستدعي تسارع الخطى عن طريق العلم والتقنية،أما المعاصرة،فإنها تأخذ شكل النضال لتحقيق التحرر الوطني،وقد تأخذ شكل التنمية الشاملة )).(29)
وفي سياق ذات صلة حول مميزات الفكر القومي العربي يشير العلاف إلى أن (( للفكر القومي العربي مميزات ينفرد بها عن غيره لعل من أبرزها، إنه يربط الفكر القومي العربي بالوجود القومي للعرب،ويذكر بأن الحركة القومية العربية ليست متأثرة عند ظهورها باكتمال نشوء القوميات في أوربا أبان القرن السابع عشر،وإنما هي قديمة قدم الشعب العربي في وجوده على هذه الأرض ونزوعه لأن يصبح أمة ذات مقومات واحدةً )).(30)
ويسعى مؤرخنا إلى إيضاح الإجابة عن ذلك التساؤل الذي أثير منذ أكثر من قرنين من الزمان من قبل المفكرين العرب في سعيهم لتلمس أسباب تخلفهم عن اللحاق بالركب العلمي العالمي وبخاصة تجربة دول العالم المتبدل ، فيقول: (( لقد واجه المفكرون العرب والمسلمين منذ أواخر القرن الثامن عشر،تحديات كبيرة،ووجهوا لأنفسهم سؤالاً مركزياً هو (لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟)وكانت الإجابة بحجم السؤال حيث ذهب المفكرون مذاهب شتى فهناك من رأى بأن الابتعاد عن الإسلام الحقيقي هو السبب،وهناك من قال أن عدم اللحاق بالغرب هو السبب وثالث حاول التوفيق بين استلهام منجزات الغرب مع الحفاظ على أسس وتقاليد الأمة العربية وخصائصها الدينية )) (31) ويمضي العلاف في تفسير حقيقة تخلف العرب المسلمين عن غيرهم فيقول: (( لا بد لنا من تأشير حقيقة مهمة وهي أن من أبرز أسباب الركود الذي تعرض له العالم العربي هو (قفل باب الاجتهاد) منذ أواخر القرن الرابع الهجري(العاشر الميلادي)من جهة،ومحاربة النزاعات والفلسفات والرؤى التي تعتمد العقل أساساً للتفكير فالفكر العربي،كما هو معروف في تكويناته الأساسية يستند إلى قوى طبيعية وقوى قدسية، وقوى بشرية وقد تمثلت القوة الطبيعية بالبيئة التي نشأ فيها الإنسان العربي المسلم، أما القوى القدسية فتمثلت بروح الرسالة السماوية التي نظمت العلاقة بين الله والإنسان،ومن ثم القوى البشرية التي كان لها الدور الكبير في البناء الفكري العربي،مما دفع العرب إلى الانفتاح على الثقافات الإنسانية المختلفة التي حملت قيم العدل والتسامح والمساواة )) ويفيض العلاف في إيضاح السبب الحقيقي في الانكفاء والتخلص الذي حاق بالأمة إلى (( التحديات الكبيرة التي واجهتها منذ الغزو الصليبي وبعده الغزو المغولي والصراع الذي وقع بين العثمانيين والفرس ، الذي اتخذ من العراق ساحة له ثم الغزو الاستعماري الأوربي ذلك أدخل هذا العالم في دوامة فكرية كان من نتائجها شيوع روح الهزيمة والانكسار والخمول والتواكل والتكاسل ، والابتعاد عن استخدام العقل لحل مشكلاتنا والانكى من ذلك ، هو وقوع العالم العربي تحت رحمة الغرب بجيوشه وماكنة دعايته واقتصاده ومنظومة فكرة ومناهجه الفكرية والفلسفية)).(32)
وفي هذا السياق فقد أبدى مؤرخنا آراءه حول مرجعية المناهج الغربية في العلوم الإنسانية عموماً حيث يرجح نسقها إلى العلوم العربية والإسهامات الفكرية للعلماء العرب والتي ارتكزت عليها نهضة أوربا منذ أوائل القرن السادس عشر كما هو معلوم حيث يشير إلى ذلك المعنى بقوله: (( ليست المناهج الغربية هي غربية صرف بل إنسانية عالمية أسهمت شعوب كثيرة في انجازها وفي مقدمتهم العرب المسلمين،لذلك لا بد من القول بأن المنهج أو المنهجية،هي مجموع الخطوات التي يقوم بها الباحث للوصول إلى الحقيقة ابتداءً من التفكير بالمشكلة ،وجمع المادة حولها وتحليلها وتركيبها ثم إعادة عرضها مع مراعاة التنصيص والإشارة إلى المصادر وقد أنتبه عدد من المفكرين العرب إلى أن المناهج العلمية التي يفتخر بها الغرب عموماً،ليست غربية وإنما عربية إسلامية توصل إليها المسلمون منذ عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ))(33) .
وعن مستقبل دراسات تاريخ العرب الحديث،وهل تسير في مسارات علمية سلمية،يفصح باحثنا بأن ، ثمة مؤشرات عديدة في الوطن العربي تنبئنا بأن العملية التاريخية تتجه صوب الاتجاه الصحيح من خلال المؤشرات التالية:
1- تزايد الوعي التاريخي وتردد الدعوة إلى كتابة وقراءة تاريخ العرب الحديث،وفق نظرة علمية قومية تقدمية،وفي ضوء المصادر والوثائق المكتشفة أولاً ونتيجة التطور الذي حصل في أساليب البحث التاريخي ثانياً.
2- التأكيد المستمر على أن تاريخنا العربي كتب من زوايا مختلفة،ويعنى هذا كله أن ما كتب لا يقدم الصورة الحقيقة للتاريخ العربي،باستثناء دراسات قليلة صدرت وهي قادرة على كشف ماضي الأمة وحاضرها في صورتها المطلوبة ، لذلك فهناك حاجة شديدة لأن ترجع الأمة العربية إلى الوراء لتبحث عن ذاتها بنظرة نقدية.
3- ازدياد الحاجة إلى توثيق هذا التاريخ والعودة إلى الأصول الأولية والتأكيد على الدراسات الموثقة،وعدم الاكتفاء بالاطلاع على المصادر والوثائق الأجنبية،بل السعي لفتح الملفات المحلية وعدم إغفال المذكرات الشخصية والمقابلات الشفهية،وتوجيه العناية إلى الوثائق وجمعها في مراكز خاصة وجعلها في متناول الباحثين.
4- المحاولات المستمرة للاستفادة من التاريخ كأداة من أدوات نضال الأمة العربية،فالاهتمام بالتاريخ ضرورة علمية وضرورة وطنية وقومية،فهو سيهدينا إلى إعادة استكشاف الماضي وإعادة تقويمية وتحويل ماضينا وتراثنا إلى طاقة دفع خلاقة في حاضرنا،ويمكننا من إستشراق المستقبل بفهم وبصيرة.(34)
الخاتمة:
ووفق هذه التصورات التي سطرها الدكتور إبراهيم خليل العلاف وتأكيده على أهمية دراسة التاريخ العربي الحديث والمعاصر ، وفق نظرة منهجية وعلمية يطرح لنا أفكاراً تعد ضرورية لتربية الأجيال على حب التاريخ العربي بكل تفصيلاته ، فضلاً عن دراسته موضوعياً بكل السبل المتاحة ، مع الارتكاز على أدوات البحث العلمي التاريخي لنكتشف بأن لتاريخنا قوة دفع خلاقة في فهم الحاضر وإستشراق المستقبل .
يمتلك الدكتور إبراهيم خليل العلاف عقلية وقادة وهو مؤرخ نشيط،يشعر بالمسؤولية الملقاة على كاهله وقد حدد أبعاد دوره الكامل كباحث ومؤرخ أكاديمي يساهم في ارخنة تاريخ العراق والفكر العربي المعاصرين،وهو بلا مواربة طرف متميز في الإدلاء بآراءه السديدة في مجال تنمية وتفعيل الدراسات التاريخية في العراق،وهو منفتح على الفكر يؤمن بالتطور العلمي ويتفاعل مع وسائله ويدعوا لتسخيره في خدمة قضايا العراق الوطنية وتاريخ أمتنا العربية الوضاء .
وقد تمكن العلاف من تفعيل تخصصه ومنهجه العلمي في التأشير على المواضيع الحيوية في تاريخنا عموماً،فضلاً عن دعوته للتعمق في دراسة تاريخ الأمة العربية دون وجل أو خوف أو انبهار وفق المنهج الشمولي للدراسات التاريخية لإظهار مكامن حيوية تاريخ العراق والأمة العربية.
وفي الحقيقة لا يمتلك المرء ، وهو يطلع على الكم الكبير من البحوث والدراسات والمقالات في التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي،فضلاً عن الجهد الصحفي لمؤرخنا،سوى الإشادة بما أنجزه من نتاج علمي ، وحقيق علينا التأشير بما أنجبته مدينة الموصل من العلماء والمؤرخين والكتاب المبدعين. وحسبي أن الدكتور إبراهيم خليل العلاف رائد عراقي في الكتابة التاريخية .
الهوامش:
(1) من الأوراق الخاصة للدكتور إبراهيم خليل العلاف ، ( محفوظة لديه ).
(2) عبد الجبار محمد جرجيس،المؤرخ منبر العصر ولسانه البليغ،مجلة مناهل جامعية العدد (23)آب،2007،ص55 .
(3) جريدة فتى العراق ( الموصلية ) ، ضيف الأسبوع ، العدد (48) 30 أيلول 2004
(4) أنظر، إبراهيم خليل العلاف (الدكتور) ، السيرة الذاتية والعلمية ، 2004 ، مطبوعة على الحاسبة.
(5) عمر محمد الطالب(الدكتور)،موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين(جامعة الموصل،2008) ص10
(6) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور) ، موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين،
www.ulun.n
(7) العلاف ، السيرة الذاتية والعلمية،المصدر السابق .
(8) العلاف،موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين،المصدر السابق .
(9) إبراهيم خليل احمد (الدكتور)،تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1515-1916(جامعة الموصل)1986 ص6 .
(10) من الأوراق الخاصة للدكتور إبراهيم خليل العلاف .
(11) العلاف،موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين ، المصدر السابق .
(12) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور)،شخصيات موصلية(الموصل،2007)ص320
(13) المصدر نفسه،ص321 .
(14) جرجيس،المصدر السابق .
(15) جريدة فتى العراق (الموصلية) " القراءة .. القراءة " مقال افتتاحي باسم هيئة التحرير،العدد ( 201) 7 شباط 2008 .
(16) جريدة الصباح الجديد (البغدادية) ، العدد(117)20نيسان،2008،مدير مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل،يحدد ملامح الإصلاح والتغيير في العراق ودول الجوار .
(17) المصدر نفسه .
(18) المصدر نفسه .
(19) المصدر نفسه .
(20) أنظر إبراهيم خليل احمد (الدكتور)في،هاشم يحيى الملاح(الدكتور)وآخرون،دراسات في فلسفة التاريخ (جامعة الموصل،1988)،ص289
(21) إبراهيم خليل العلاف ( الدكتور )،واقع دراسات تاريخ العرب الحديث ومستقبلها،بحث قدم إلى الندوة القومية لكتابة التاريخ(بغداد،في 27،كانون الأول 1987)ص7
(22) المصدر نفسه،ص8
(23) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور)واقع ومستقبل الدراسات التاريخية في القطر،ورقه أعدتها جمعية المؤرخين والآثارين ،فرع نينوى في 10/10/1984،ص1
(24) المصدر نفسه،ص2
(25) المصدر نفسه،ص3
(26) المصدر نفسه،ص3
(27) المصدر نفسه،ص6
(28) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور)،((دراسة لوضع التعليم الجامعي الأهلي في العراق حتى عام ))2000،بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي الثاني بجامعة أهل البيت في كربلاء للمدة من 25-27نيسان،2005 ص20-21
(29) " المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل العلاف يحدد:خارطة الاتجاهات الفلسفية في الوطن العربي المعاصر" مجلة الصوت الآخر (أربيل) ، العدد (26)6كانون الأول 2004 .
(30) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور)،تاريخ الفكر القومي العربي(بغداد،2000) ص6
(31) إبراهيم خليل العلاف(الدكتور)المناهج الغربية هل هي غربية،وهل نحن بحاجة إلى التغيير وكيف؟بحث مودع في مركز الدراسات الإقليمية،2004،ص2 . من المفيد ذكره أن هذا الموضوع شغل مفكري مدينة الموصل منذ مطلع القرن العشرين في إطار دراستهم وبحثهم عن الأسباب الحقيقية التي أدت بتخلفنا عن غيرنا . للتفصيلات أنظر ، ذنون الطائي ( الدكتور) ، رواد النهضة الفكرية في الموصل ( الموصل ، 2008 ) ص3 وما بعدها .
(32) العلاف ، المناهج الغربية هل هي غربية ؟ .. ص 3.
(33) المصدر نفسه،ص1
(34) العلاف،واقع دراسات تاريخ العرب الحديث ومستقبلها،المصدر السابق،ص10.

حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر 1967

                                                 جمال عبدالناصر بين سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر  حوار جمال عبد الناصر مع الفيلسوف الفرنس...