الأحد، 12 يونيو، 2011

الدكتور عبد الواحد ذنون طه وريادة الدراسات المغربية والأندلسية في العراق

          الدكتور عبد الواحد ذنون طه وريادة الدراسات المغربية والأندلسية في العراق
                       ا.د.إبراهيم خليل العلاف
                   أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل  

    تعرفت عليه لأول مرة في منتصف السبعينات من القرن الماضي ، حينما كنا في بغداد ندرس في جامعتها ونعمل للحصول على الماجستير وقد تخرج وذهب إلى جامعة اكستر ببريطانيا للحصول على الدكتوراه وعاد إلى الوطن، وضمتنا عند عودته كلية التربية  بجامعة الموصل ، وكنت رئيسا لقسم التاريخ  في مطلع الثمانينات وبقيت حتى 1995  . وهو عضو هيئة التدريس في القسم الذي ترأسته وكانت العلاقة بيني وبينه تتجاوز حدود الزمالة ، فقد كنا أصدقاء  ونتزاور عائليا  ، وعملنا سوية في مشاريع وزارة الثقافة ، وفي جمعية المؤرخين العراقيين ، وفي هيئة كتابة التاريخ العسكري ، وفي جمعية المؤرخين العراقيين فرع نينوى ، واتحاد المؤرخين العرب، وفي موسوعة الموصل الحضارية ،وهو عند كتابة هذه السطور يشغل منذ 18 كانون الثاني سنة 2005 ، منصب عميد كلية  التربية بجامعة الموصل ويتمتع بسمعة علمية جيدة كونه واحدا من ابرز الذين ارسوا الأسس الأولى في العراق للاهتمام بالتاريخ المغربي والأندلسي، فله تلاميذه، ومنهجه ،وكتبه تعد مصادر مهمة يرجع إليها الباحثون وطلبة الدراسات العليا .

الأستاذ الدكتور عبد الواحد ذنون طه عبد الله الطه من مواليد مدينة الموصل سنة 1943 وقد أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم  سافر إلى بغداد، ودخل كلية التربية بجامعتها وحصل  على شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة جيد جدا سنة 1965. وكان أول تعيين له مدرساً في  ثانوية تلكيف في ناحية تلكيف بمحافظة نينوى في السنة ذاتها. وكان الأمل يحدوه  لإكمال دراسته العليا، فتمكن سنة 1973من الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة بغداد وكان عنوان رسالته :" العراق في عهد الحجاج بين يوسف الثقفي "، وعمل للفترة (1973-1975) مدرساً في معهد إعداد المعلمين بالموصل.والتحق ببعثة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1975، ونال شهادة الدكتوراه في تاريخ المغرب والأندلس من جامعة إكستر (Exeter)في بريطانيا سنة 1978، فنقلت خدماته في مطلع سنة 1979إلى كلية التربية - جامعة الموصل، وحصل على لقب أستاذ مساعد في سنة 1983، ثم على لقب الأستاذية سنة 1988.
ترأس عدة هيئات ولجان علمية داخل جامعة الموصل وفي الجامعات العراقية الأخرى، فهو رئيس هيئة تحرير مجلة التربية والعلم في كلية التربية، جامعة الموصل(1996)، ولجنة عمداء كليات التربية في العراق(2005) ولجنة استحداث الدراسات العليا(الماجستير) بجامعة تكريت، واللجنة التحضيرية لندوة التربية الميدانية الخامسة عشرة في كلية التربية، جامعة الموصل(2007)، ولجنة مفردات مناهج التاريخ الإسلامي في قسم التاريخ بكلية التربية بجامعة الموصل، ولجنة الدراسات العليا في القسم ذاته  .كما شارك في عضوية أربعة عشر لجنة علمية، منها انه  عضو لجنة الترقيات المركزية بجامعة الموصل، وعضو لجنة إعادة صياغة التاريخ العسكري الموحد في وزارة الدفاع العراقية (2000) وعضو لجنة دراسة واقع المجلات الأكاديمية العائدة لجامعة الموصل (2003) وعضو لجنة استحداث كليات في أقضية الموصل (2008) ،وعضو لجنة تطبيق قانون الخدمة الجامعية (2005) وعضو اللجنة المركزية لوضع الخطة الإستراتيجية بجامعة الموصل (2008). وهو أيضاً عضو الهيئة الإدارية لجمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين ،ومجلس إدارة مركز البحوث الآثارية والحضارية في الموصل ،ومجلس إدارة دار ابن الأثير للطباعة والنشر بجامعة الموصل، واتحاد المؤرخين العرب، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وهيئة كتابة التاريخ في الجمهورية العراقية، وله خمسة عشر شهادة تقديرية من جامعات عراقية وعربية لمساهماته في إنجاح أعمال الندوات والمؤتمرات العلمية.وحصل على ما يزيد عن ثلاثين كتاب شكر وتقدير من جهات مختلفة ابتداءاً من ديوان رئاسة الجمهورية وبعض الوزراء ورؤساء الجامعات والمدراء العامين، تقديراً لخدماته العلمية.
كما عمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العراقية والعربية منها جامعات بغداد، صلاح الدين، المستنصرية، الأردنية، اليرموك، آل البيت، الزرقاء الأهلية، عدن، تعز، صنعاء. وأسهم  في الكتابة لمشاريع تاريخية قومية، وحضارية، وإسلامية، مثل "موسوعة الحضارة الإسلامية" التي يصدرها المجمع الملكي الأردني، و"موسوعة الموصل الحضارية" التي أصدرتها جامعة الموصل سنة 1992، و" مشروع كتاب الأمة العربية " ،الذي تصدره المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، و "الموسوعة الإسلامية في مصر"، و" موسوعة العرب والمسلمين"  التي تصدرها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس وغيرها .
من مؤلفاته : " كتاب الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس "(بغداد، 1982)(وهو  بألاصل أطروحته للدكتوراه  وقد نشر أيضاً باللغة الانكليزية في بريطانيا وصدر عن مؤسسة Routledge بعنوان:
  The Maslim Conquest and Settlement of North Africa and Spain Routledge,London-New-yourk, 1989
كما نشر باللغة الايطالية في جنوه بايطاليا بعنوان:
L espansione dell l slam I nsediamentinel nord Africa e in Spagna, ECIG- Edizioni Internazionali, Genova , 1998
ومن كتبه كذلك كتاب "العراق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي" (الموصل، 1985)(وهو بالأصل رسالته للماجستير )" ، وكتاب "دراسات أندلسية(المجموعة الأولى)(الموصل 1986)ط2(بيروت، 2004وكتاب" حركة المقاومة العربية الإسلامية في الأندلس بعد سقوط غرناطة" ، (بغداد، 1988)، ط2(بيروت، 2004) ،وكتاب "نشأة تدوين التاريخ العربي في الأندلس(بغداد، 1988)ط2(بيروت، 2004) ، وكتاب "موسى بن نصير(بغداد، 1989)، ط2(بيروت، 2004)،  وكتاب "أصول البحث التاريخي(الموصل، 1990) ط2(بيروت، 2004) ، وكتاب" تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي " (بالاشتراك)(الموصل، 1991)وكتاب "دراسات في تاريخ وحضارة المشرق"  (بيروت، 2004) وكتاب ابن عذاري المراكشي(بيروت، 2004) وكتاب الرحلات  المتبادلة بين الغرب الإسلامي والمشرق (بيروت ،2004 ) ،وكتاب "الإسلام في المغرب والأندلس " ،(بيروت ،2008 ) ،وكتاب "تراجم وشخصيات من الأندلس " ، (بيروت ،2008 ) ، وكتاب "تراجم مشرقية ومغربية "، (بيروت ،2008 ) ، وكتاب "مصادر في تاريخ المغرب والأندلس " ،(بيروت ،2010 ) ،وكتاب "مواقف ودراسات في التاريخ والتراث " ،(بيروت ،2011 ) ، وكتاب "الأصالة والتأثير :أبحاث في الفكر والتراث " (بيروت ،2011 ) .

 وللأستاذ الدكتور عبد الواحد ذنون  ما يربو عن المائة بحث منشور في مجلات عراقية وعربية وتدور بحوثه حول موضوعات مهمة منها " مجتمع بغداد من خلال حكاية أبو القاسم البغدادي و " من أعمال وصلاحيات صاحب الشرطة في العصر العباسي، و " الأندلس من خلال كتاب صور الأرض لأبن حوقل و " إدارة بلاد الشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب(رض) ، و " نصوص مغربية من تاريخ محمد بن يوسف الوراق "و" أهمية موقع القادسية في العصرين الأموي والعباسي " و " "تأكيد الحقوق العربية الثابتة واهتمام خلفاء المسلمين بالقدس " و " التراث المغربي والأندلسي في مؤلفات المؤرخين العراقيين " و "الإجازات الموقعة على مخطوطات التراث العربي " و "التبادل التجاري بين المؤانئ الجزائرية والأندلس في القرنين الخامس والسادس للهجرة " ،و"اسهامات فلكيي الاندلس في تطوير الازياج " ،و"يقين العقل وصدق الشريعة عند ابن رشد " ، و"العدالة الالهية في تشريع الارث من خلال رسائل النور " و"دور مدينة طرابلس في الفتح الاسلامي لشمال افريقيا " .
كما  أسهم في كتابة (209) مدخلاً في موسوعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الشهيرة(موسوعة أعلام العلماء العرب والمسلمين).
وفي مجال الدراسات العليا فأنه أشرف  على ما يزيد عن (20) أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير دارت موضوعاتها حول  "دور العلماء السياسي والاجتماعي في الأندلس في عهد الطوائف والمرابطين " و" عبد الله بن عباس، حياته ومروياته التاريخية " و "الحياة الفكرية في عهد الأغالبة "، و"عبد اللطيف البغدادي، دراسة في نصوص تاريخية " و" الصلات الثقافية بين الموصل والأندلس من القرن الثالث إلى نهاية القرن السابع للهجرة، التاسع إلى الثالث عشر الميلادي " .
    كرم الدكتور عبد الواحد ذنون خلال مسيرته العلمية مرات عديدة ، ومن جهات مختلفة ، فلقد كرم من رئاسة الجمهورية في العراق  لإعداده دراسة لديوان الرئاسة عن الحجاج بن يوسف الثقفي في 23 تشرين الثاني سنة 1994. وتلقى كتب شكر وتقدير من وزراء التعليم العالي والبحث العلمي منذ سنة 1992 وحتى 2011 ومن عمداء كليات ومدراء التربية  ومن مدير عام  مركز البحوث والمعلومات ببغداد ومن مدير عام مركز جمعة الماجد ومن مدير عام مركز زايد للتراث والتاريخ في دبي بالإمارات  العربية المتحدة ومن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ومن الجمعية العراقية للعلوم النفسية والتربوية ومن نقابة المعلمين وجهات أخرى   لمساهماته العلمية ونشاطه في خدمة التاريخ العربي والإسلامي
            
يعتمد منهجه في الكتابة التاريخية على  ضرورة الجد والمثابرة في البحث والعمل وحب التاريخ وفي ذلك يقول : "حب المعرفة والصبر على تحصيلها والجد والمثابرة في البحث والعمل، مهما كانت الصعوبات والمشاق التي تقف في سبيله ولا يجوز أن تكون ندرة المصادر أو غموض الوقائع والحقائق التاريخية واختلاطها واضطرابها عائقاً أمام رغبته الجامحة في البحث عن الحقيقة ". ويؤمن بأن على الباحث أن لا يستسلم لرواية محددة أو أحاديه التفسير بل على الباحث الشك ونقد النص ليصل إلى جل الحقيقة كما وقعت ، " .ويرى ان على الباحث أن لا يتبع هواه وينحاز لهذا أو ذاك الطرف المشارك بالحدث التاريخي وبذلك يفقد مهمته الأساسية كباحث في التاريخ .ويؤكد على أهمية أن يشعر المؤرخ بالمسؤولية ويتصف بالتواضع إزاء ما يقوم به من أعمال، وأن يبتعد عن حب الشهرة والظهور، وإلا يكتب من أجل الكسب والحصول على الألقاب والمناصب وأن يكون المؤرخ ذا عقل واع ومترتب ومنتظم، وأن يتصف بالترو وعدم مهاجمة الآخرين وتصيد أخطاءهم وأن يكون أسلوب الرد مبين لهم بالحقائق المنهجية والعلميةوهو يدعو إلى الاهتمام بالمخطوطات "
ويرى الدكتور عبد الواحد ذنون طه بأن الدولة العربية الإسلامية منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، اهتمت باختيار القادة الذين يناط بهم مسؤولية إدارة العمليات العسكرية، سواء لحماية أمن وحدود الدولة وتوسيع رقعتها الخارجية عن طريق نشر مبادئ الإسلام، أم القضاء على الفتن والأخطار الداخلية التي كانت تقوم في بعض الأحيان وتهدد وحدة وسلامة الأمة. ووفق هذه النظرة يؤكد  الدكتور طه "بأن الربع الأخير من القرن الأول الهجري شهد حركة متميزة على نطاق الفتوحات العربية والاسلامية  ، شملت أبعاداً مكانية تمتد إلى أقصى المشرق والمغرب من العالم المعروف آنذاك، وإن الأمويين بذلوا جهوداً قيمة في توسيع رقعة الدولة على كل الجهات، وكانت محاولاتهم هذه استكمالاً لما تم إنجازه في عهد الخلفاء الراشدين، بحيث وضعت الأسس الأولى للدولة العربية الإسلامية، التي أسهم في بنائها قادة من الطراز الأول، أنجبتهم هذه الأمة، ليكونوا أعلاماً في مجال القيادة العسكرية والإدارة.ويذكر مؤرخنا بعضاً من هؤلاء القادة في عهد الراشدين أمثال "سعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح والمثنى بن حارثة الشيباني وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم، ممن حملوا مشاعل التفوق العربي ومبادئ الدين الإسلامي وحرروا المناطق العربية التي كانت ترزخ تحت نير الفرس الساسانيين والروم البيزنطيين".وعن دور العراق في قيادة وتوجيه حركة الفتوحات الإسلامية في المشرق العربي يقول: " أدى العراق منذ تحريره في عهد الراشدين دوراً مهماً وأساسياً في عمليات الفتوح الإسلامية في المشرق.فقد كان هو القاعدة التي انطلقت منها الجيوش العربية الإسلامية إلى تلك الجهات. ودافع عن الحجاج بن يوسف الثقفي ويقول انه كان على عكس ما يشاع ما يشاع عن انه كان قاسيا وغليظا  في التعامل مع العراقيين وإنما كان رجلاً متديناً إلى درجة لا يرقى إليها الشك كما كان مستقيماً، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، عفيفاً عن أموال الغير وأعراضهم، معتدلاً في أكله وشربه وعلاقاته مع نسائه، كما يفند مؤرخنا غلظة الحجاج وقسوته مبيناً أسباب قتله للكثير بقوله: " أما القسوة وتهمة القتل لأجل القتل وسجن مئات الألوف من الناس، فلا يمكن تصديقها لأن مواقف الحجاج الإيجابية الأخرى تكذب ذلك، وتظهره بمظهر الحريص على أرواح المسلمين ودمائهم، وقد ظهر لي بوضوح تام، إن الحجاج قتل فعلاً، وسجن عدداً كبيراً من الناس ولكن لا كما قدرته بعض الروايات بمئات الألوف، ولم يكن ذلك بدون سبب، فقد كان يقتل العصاة والمتمردين على الدولة، والذين يقومون بمحاولات للثورة أو لقلب نظام الحكم...وكان منفذاً للسياسة العامة التي يرسمها الخليفة الأموي"" . وبفعل كتاباته المتعددة وإطلاعه الواسع على تاريخ العراق خلال الحكم الأموي، فأنه  يدعو إلى أهمية إعادة النظر في محاولة تقويم الكتابة عن الحكم الأموي، مبدياً رأيه في ذلك الحكم بقوله: "تعتبر فترة الحكم الأموي من العصور البارزة في تاريخه الملئ بالأحداث فقد شهد هذا العصر صراعاً عنيفاً من أجل تثبيت وترسيخ السيطرة الأموية فيه، إذ أن السيطرة على العراق كانت تعني تمهيد السبيل لنشر راية الأمويين على المناطق الشرقية التي تتاخم الدولة الإسلامية، وتوسيع رقعتها في تلك النواحي" .
كما توقف د.عبد الواحد ذنون عند أبرز ظاهرة خلال فترة الحكم العباسي والمتمثلة بظهور الحركة الشعوبية، ومحاولة الشعوبية لتشويه الثقافة العربية الإسلامية فيقول:"حاول كتّاب الشعوبية ومؤيدوها من الأدباء وغيرهم مستندين إلى عصبية عنصرية جامحة للتقليل من شأن الثقافة العربية الإسلامية والاستهانة بها، واتخذوا لتحقيق هذه الغاية سبلاً مختلفة منها، إكثارهم من الترجمة عن الفارسية في موضوعات تتصل بصميم الذات الفارسية كالأدب والتاريخ والتقاليد والمثل، كما وضعوا الكثير من التصانيف ونسبوها إلى الفرس القدماء ليضفوا عليهم من الأمجاد ما يساعد على إحياء الوعي الفارسي والتقليل من شأن الحضارة العربية الإسلامية. وقد حاولوا أيضاً أن يعيدوا إحياء المراسم الفارسية والتقاليد الإدارية ووجدوا استعداداً وتشجيعاً من الوزراء الفرس في العصر العباسي".
لقد بين الدكتور عبد الواحد ذنون اتجاهات الجهد العسكري العربي الإسلامي في جهة المغرب العربي تختلف عما هي عليه في المشرق أبان الفتوحات الإسلامية ذاكراً:" للجهد العسكري العربي الإسلامي في جبهة المغرب طبيعة خاصة تختلف عن بقية الانجازات العسكرية العربية في المشرق، فقد استغرق العرب وقتاً طويلاً يزيد عن سبعين سنة في إتمام تحرير شمال أفريقيا من السيطرة البيزنطية، ، وإذا ما تذكرنا أن تحرير العراق وبلاد الشام ومصر قد أنجز في سنوات قليلة جداً، تبين لنا مدى الفرق الشاسع في هذا المضار" ثم يجيب على تساؤل هل كان ذلك التوجه إلى تحرير شمال أفريقيا والمغرب ما يستحق ذلك العناء من قبل المسلمين فيجيب:"والحق لا يمكن تصور خط فاصل بين أسباب توجه العرب نحو تحرير مناطق المشرق وبين تحريرهم لمناطق المغرب، فرسالة العرب واحدة تكمن في نشر مبادئ الإسلام بين الشعوب المجاورة وتحريرها من السلطة الأجنبية.وهي رسالة سماوية مقدسة، ولكن تبقى للمغرب خصوصية معينة حفزت العرب على مد نشاطهم العسكري إليه".
وعن أبرز العوامل التي أدت إلى انتشار الإسلام في المغرب العربي يذكر باحثنا بقوله: " من خلال هذه المدة الطويلة تضافرت عوامل أخرى ساعدت على انتشار الإسلام وتبنيه في المغرب العربي، مثل إقامة المدن العربية ولا سيما القيروان التي شكلت القاعدة الأساسية والأولى لتثبيت الإسلام والعمل على انتشاره في بقية أجزاء المغرب، كذلك كان للدعاة من الصحابة والتابعين دور مهم جداً في نشر الإسلام وتعميم تعاليمه بين السكان المحليين " .
وعن تقويمه لفعاليات المسلمين في إيصال الإسلام إلى المغرب وهل نجحوا في مسعاهم يقول الدكتور طه  " لقد نجح العرب في المغرب، كما نجحوا في غيره من الأماكن في كسب سكان البلاد الأصليين من القبائل المغربية إلى جانبهم، ولو أن ذلك تأخر فترة من الزمن، بسبب تواجد القوى الأجنبية المتمثلة بالبيزنطيين الذين كانت تربطهم علاقات ببعض البربر الموالين لهم، الذين قاوموا الفتح العربي إلى حين، لكن عندما أدركوا جوهر الرسالة السامية التي حملها العرب، وإنهم لم يأتوا من أجل مغنم أو كسب مادي، تعاونوا معهم وامتزجوا بهم، ووحد الإسلام بين الاثنين فأصبحوا قوة كبيرة في المنطقة " .
ويؤكد على أهمية الانجازات العلمية التي تحققت في المغرب حتى بعد سقوط الدولة العباسية سنة 656هـ/1258م، فيقول: " على الرغم من الانتكاسات السياسية التي حلت بالعالم الإسلامي في المشرق والمغرب، مثل سقوط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ/1258م، والتجزئة السياسية التي ضربت المغرب والأندلس، بعد سقوط دولة الموحدين، والتي تمثلت بظهور عدة دويلات تتزعمها أسر مختلفة، مثل بني مرين في المغرب، نقول على الرغم من كل هذا فإن ذلك العصر مثل إنعكاساً إيجابياً بالنسبة إلى انتعاش الحركة العلمية والثقافية، ولا سيما في المغرب العربي ومن هؤلاء ابن عبد الملك المراكشي، وابن خلدون، وابن عذاري وغيرهم، وكان لهؤلاء جميعاً حضور فعال في مجال الثقافة العربية الإسلامية الأمر الذي يشير إلى قوة هذه الأمة وحيويتها حيث نالت مختلف العلوم النقلية والعقلية نصيباً من الاهتمام" .
ابتدأ عهد الإمارة في الأندلس بانتصار عبد الرحمن بن معاوية في معركة (المصارة) في 138هـ/756م ولم تعد الأندلس بعد ذلك  تتبع الخلافة الإسلامية في المشرق كما كانت في عهد الولاة، بل غدت إمارة مستقلة سياسياً حكمها عبد الرحمن  وذريته من بعده، وكان كل واحد من حكامها يسمى أميراً، أما عبد الرحمن فقد لقب بـ(الداخل)لأنه أول من دخل الأندلس وحكمها من بني أميه، وإنه لم يلقب نفسه خليفة واكتفى بأن أضاف إلى اسمه لقب (ابن الخلائف)لاعتقاده بأن الخلافة الإسلامية واحدة لا تتعدد، وجعل الحكم فيها وراثياً واعتنق أهلها مذهب الإمام الاوزاعي . ثم مذهب الإمام مالك ابن أنس  الذي انتشر في المغرب العربي ثم انتقل الى الأندلس.
ويرى د.عبد الواحد ذنون  طه بأن الفتح الإسلامي لاسبانيا لم يأت دون مقدمات:"بل كان وليد الأحداث التي مرت بالدولة العربية في المشرق والمغرب، وهو نتيجة طبيعية لحركة الفتوح التي ابتدأت منذ عهد الراشدين بتحرير العراق وبلاد الشام ومصر وهو ثمرة السياسة الحكيمة التي اتبعها العرب في بادئ الأمر مع سكان شمال أفريقيا الأصليين، وذلك بالتقرب إليهم ونشر الإسلام بينهم وإشاعة المساواة معهم".
ويوضح مؤرخنا أن ثمة عوامل أساسية قادت إلى إنتشار الإسلام في الأندلس يوضحها بقوله!" لم تستغرق العمليات العسكرية في الأندلس سوى مدة قليلة لا تتجاوز الأربع سنوات، تم خلالها ضم هذه البلاد إلى الدولة العربية الإسلامية. وابتدأ الإسلام ينتشر فيها بالتدريج  بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان لسياسة التسامح الديني واحترام ديانة وحقوق السكان المحليين التي سار عليها المسلمون في الأندلس دور كبير في انتشار الإسلام وتثبيته".
ويجزم بأن  كل الانجازات التي حدثت في الأندلس ولاسيما بعد وصول الإسلام إليها ما كانت لتحدث لولا عملية العبور الناجحة لمضيق جبل طارق والإنزال على البر الاسباني الذي يعد من أروع العمليات العسكرية في التاريخ العسكري العربي وهي دليل على قدرة القيادة العربية الإسلامية وشيوعها في هذا المجال ويمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات من خلالها وهي:
1-أظهرت العملية التنظيم الرائع والتعاون بين القيادة العليا والآخرين.
2-دقة الخطط السوقية للعملية.
3- حكمة القائد طارق بن زياد وعدم اندفاعه وتخطيطه التعبوي الفعال.
4- اختياره الموفق لميناء العبور، أي سبتة حيث لا يتوقع الأعداء إن يبحر من هناك.
5- إن القائد الجيد هو الذي يحدد المكان والزمان الملائمين له، وقد نجح طارق بن زياد في هذا الأمر.
6- ركز طارق بن زياد قبل عملية العبور وبعدها على حسم المعركة.
7- إن حسم المعركة كان نتيجة طبيعية للتعاون الفعال بين العرب والسكان المحليين" .
وعلى الرغم من الأسباب الواضحة والكامنة وراء عمليات فتح الأندلس وهي نشر الإسلام، غير أن بعض المستشرقين يحاولون تشويه تلك الحقائق والالتفاف عليه، ويوضح مؤرخنا بذلك بقوله "يرى بعض المستشرقين إن الدوافع المادية والغنائم وحب التوسع هي التي دفعت العرب إلى الفتوحات وهذه تهمة خطيرة قصد بها تشويه التاريخ العربي الإسلامي. وهي لا تقوم على أساس واقعي فلم يكن هدف العرب الكسب المادي. بل كانت لهم غاية نبيلة أهم من ذلك بكثير وابعد أثر إلا وهي نقل مبادئ الحضارة العربية الإسلامية المستمدة من قيم السماء السمحة إلى البلاد المفتوحة، والجهاد في سبيل الله من اجل تحريرها من نير القوى المضطهدة ومن ظلام الجهل" .
غير أن المسلمين حافظوا على الوشائج الجيدة والطيبة مع المسيحيين في تلك الأصقاع واحترموا خصوصياتهم ويعلق باحثنا على ذلك بقوله": إن طرائق الحياة لكلا الشعبين كانت وشيجة الاتصال، إلى حد يصعب معه على المؤرخ أن يعرف أو أن يميز القضايا التي تخص العرب والمستعربين أو المسيحيين ". ويبدو أن العرب لم يعكروا صفوا نظام الحياة السائدة في المناطق التي سيطروا عليه، ويشير إلى ذلك د. عبد الواحد ذنون بقوله " إن المؤسسات الرومانية القديمة استمرت في أعمالها تحت أسماء عربية مثل القاضي، القائد، المحتسب، وتكشف الوثائق عن تبني الشعب لعادات العرب في كثير من المناطق فضلاً عن أساليب الزراعة والصناعة".
ومما يذكر بأن المسلمين قد نظموا العلاقة مع الطوائف غير المسلمة في أي مكان حلوا فيه، ولاسيما في الأندلس ويقول مؤرخنا بهذا الخصوص" إن المستعربين الذين ظلوا على النصرانية قد تُركوا أحراراً ينظمون أمورهم على النحو الذي يرغبون فيه، وكان لهم نظامهم الخاص المستند إلى النظام القوطي القديم، وقد استمر التعاون بينهم وبين المسلمين. وكان القائمون بأمر هذا التعاون يقومون بالإشراف على كل ما يتصل بأمر الرعايا من أهل الذمة، فكانوا يعينون لهم القضاة الذين يفصلون في مشاكلهم حسب النظام القوطي، ويشرفون على كنائسهم ويتولون أمورها بينما كان للمسلمين نظامهم الخاص المستند إلى تعاليم الشريعة الإسلامية.".
وقد كان العرب المسلمين قد لعبوا دوراً ايجابياً وناقلاً للحضارة العربية إلى الأندلس وثمة عدد من العوامل المساعدة للتلاحم الحضاري الذي حصل في تلك الأصقاع يبرزها الدكتور عبد الواحد ذنون بقوله:"من العوامل التي ساعدت على الامتزاج الثقافي والحضاري في الأندلس، الزواج المختلط الذي كان شائعاً بين المسلمين والنصارى، كما لعب التجار دوراً ملحوظاً في النقل الحضاري بين الجانبين الأمر الذي ساعد على انتقال المؤثرات الحضارية بينهما"، ولا ننسى دور المستعربين وهم في طليعة العناصر التي ساهمت في عملية النقل الحضاري إلى الأندلس وهم نصارى الأندلس الذين عاشوا مع المسلمين وكانوا يسمّون (بعجم الذمة)، وقد تعلموا العربية وكثيراً من التقاليد الإسلامية.كما يشير د.عبد الواحد ذنون إلى أن هؤلاء احتفظوا بديانتهم النصرانية لهذا سموا بالمستعربين، وفي مرحلة تالية قام عامل آخر بدفع حركة الامتزاج بين الحضارة الإسلامية واسبانيا النصرانية، ذلك هو وجود عدد كبير من المسلمين الذين بقوا تحت ظل الحكم الإسباني بعد انتهاء السيطرة السياسية للمسلمين في الاندلس".
ويضف مؤرخنا عامل آخر لامتزاج الحضارة العربية في الأندلس وذلك عن طريق الرحلات العلمية وكثرة اتصال الأندلسيين بالمشرق والتي عادت عليهم بفوائد كثيرة إذ يقول الدكتور عبد الواحد ذنون " بأنها بلورة الحركة العلمية في الأندلس وازدهارها، وكذلك تقوية العلاقات بين رجال العلم في كل من الأندلس والمشرق الإسلامي، ويبدو أن أهل الأندلس شعروا أنهم إن أرادوا اللحاق بأهل المشرق في المضمار العلمي لا بد لهم أن يكونوا على اتصال دائم بهم، فأكثروا من هذه الرحلات، ولقد سلك الأندلسيون طرقاً متعددة في رحلاتهم إلى المشرق، ولكن الطريق الأكثر استعمالاً كان بشمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام ثم الاتجاه إلى العراق وبلاد الحجاز، وهناك من سلك طريق البحر بالركوب إلى مصر ومنها بعد ذلك إلى بلاد الشام وبلاد الحجاز.".
وبطبيعة الحال كان هؤلاء الزوار وأصحاب الرحلات إلى المشرق قد تركوا ملاحظاتهم عن المناطق التي زاروها، ويمكن التعرف من خلالها إلى أحوال البلد السياسية والاقتصادية والثقافية والعمرانية، وكان طلب العلم والاستزادة منه أحد الأسباب الرئيسة للقيام بالرحلة،  فضلاً عن أداء فريضة الحج وزيارة الأماكن الشهيرة في الشرق، مثل المسجد الأقصى في القدس وبغداد ودمشق والقاهرة والموصل وغيرها.
ويرى د. عبد الواحد ذنون بأن سياسة التسامح والمرونة العالية التي اتبعها العرب المسلمين مع فئات المجتمع الأندلسي أدت ببعض النتائج المعاكسة وذلك :"لتعدد عناصر سكانه، فقد ظهر من يحمل أفكاراً معادية للعروبة والإسلام، لا سيما في الفكر والثقافة والأدب، وهذا ما يسمى (بالحركة الشعوبية)، التي نشطت في المشرق، ولكن ربما يخفى على البعض أن هذه الحركة لم تقتصر على المشرق الإسلامي، بل ظهرت أيضاً في الطرف الغربي للدولة العربية الإسلامية، أي في الأندلس، وكان للعرب صولات وجولات في مقارعتها" .
ويرى الدكتور طه  أن نتيجة التوسع الكبير للدولة العربية الإسلامية واحتوائها على ولايات وأقاليم متباعدة " فقد ظهرت الحاجة في تلك الأماكن الجديدة، إلى كتابة تاريخ خاص بها، ولكن الحركة التاريخية فيها تميزت بمميزاتها الخاصة المتأثرة بالبيئة الجديدة، والأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سادت فيها، والتي لم تخرج في أول أمرها عن الخط العام لسير الحركة التاريخية التي ابتدأت في صدر الإسلام وانطلقت من المدارس الكبرى كالمدينة المنورة والعراق وغيرها" .
كما يتحدث مؤرخنا عن الأوضاع القاسية التي مر بها المسلمون في الأندلس عقب سقوط غرناطة1492/897هـ إذ تشبثوا بالعقيدة والثقافة العربية الإسلامية فيقول : "على الرغم من كل محاولات القهر والاستبداد التي مورست إزاء العرب في اسبانيا، ظلوا قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها، ولم يتركوا تراثهم الروحي القديم بل حافظوا عليه في سرائرهم، متحدين دواوين محاكم التفتيش، لكنهم دفعوا ثمن ذلك غالياً فعاشوا في إرهاب مستمر، لأنهم كانوا موضع شك دائم، فكانت أبوابهم تطرق في الليل، يساق رجالهم ونساؤهم إلى زنزانات دواوين التحقيق وما يصاحبها من تعذيب تقشعر له الأبدان، فلوائح الممنوعات التي يمكن أن يرتكبها الشخص الأندلسي كثيرة فإذا استحم أو إغتسل، فهو يمارس عادة عربية وطقساً إسلامياً محرماً، وإذا طلت امرأة يديها بالحناء فهي مرتدة، وإذا تكلم الأندلسي باللغة العربية، وارتدى ملابسه القومية، وأقام حفلاً لختان ابنه أو عرف عنه الامتناع عن أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر وغيرها فهو مرتد عن دينه الجديد ويجب معاقبته واضطهاده، وقد تصل العقوبة إلى كثير من الأحيان إلى الحرق علناً".
فإذن الدكتور عبد الواحد ذنون طه، يعد في طليعة الأساتذة المتخصصين بتاريخ المغرب والأندلس خلال العصور الإسلامية، وله إسهامات رائدة في هذا المجال، وهو ذو رؤية متقدة وأراء وتحليلات علمية مستفيضة في الأحداث التاريخية سواء ما كان متصل  في المشرق العربي أو المغرب وهو يعتمد المنهج العلمي الأكاديمي في الرؤية والاستنتاج والتحليل.وهو متأني في آراءه ولا يترك الحدث يمر دون التوقف عنده قليلاً، كما لا ينساق وراء الروايات في مصادرها الأولية، بل يحلل ويقارن وليستنبط من أجل تقويم الحدث التاريخي ووضعه كما حدث في الزمان والمكان، وفق أسلوب سلس خالٍ من التعقيدات والمزوقات اللفظية، فبالرغم من اشتغاله على تاريخ المغرب والأندلس لعقود طويلة من الزمن، غير أنه لم يتأثر بغريب الألفاظ التي لا تستخدم في المدرسة العراقية للكتابة التاريخية، فجاءت عباراته منسابة واضحة مقرونة بالتسلسل والتحقيب الزمني التاريخي في التدوين، واللافت أنه يمتلك تلك الأرضية التاريخية الواسعة لمجمل الأحداث التاريخية في المشرق والمغرب، مما سهل عليه كمؤرخ من ربط الأحداث بعضها مع البعض الآخر. كما لاحظنا في غزارة إنتاجه التاريخي ومساهماته في تاريخ المغرب والأندلس بشكل خاص. وما يزل يجد في العطاء العلمي التاريخي بوتائره المتصاعدة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق