حزينا حتى تعود !..........رواية للاخ والصديق غانم خليل
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
مع انها صدرت في طبعتها الاولى سنة 2023 ، وقرأت عنها عروضا ، وعرفت ان كاتبها وقّع عليها في احتفالية اقامتها (مؤسسة مُلتقى الكِتاب للثقافة والتعليم ) ، وبالتعاون مع دار سنا ، ودار سطور للنشر والتوزيع عصر يوم الخميس الموافق ١٤ كانون الاول -ديسمبر سنة ٢٠٢٣ وفيها قدم الناقد الموصلي الكبير الاستاذ الدكتور احمد جار الله ياسين قراءة نقدية عنها ، وادار الجلسة المهندس الاستاذ احمد نحم المشرف على
دار سنا ودار سطور للنشر والطباعة والتوزيع ، الا انني تسلمت في 11 من آب -اغسطس الجاري 2026 نسخة مهداة من طبعة (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع في دمشق ) 2025 ، وشكرا له ، واقول انني ما ان تسلمت النسخة الا وشرعت في قراءتها ، ولم اتركها حتى انتهيت منها وكنت - بحق - سعيدا وفرحا بها .
شخصيا قد سبق ان كتبت عن روايات الاستاذ فؤاد التكرلي ، وروايات الاستاذ عبدالخالق الركابي المتعلقة بتوثيق تاريخ العراق بجانبيه الحديث والمعاصر روائيا عرفت انها تقع ضمن هذا السياق وهو توثيق تاريخ الموصل المعاصر منذ ان فرض الحصار على العراق 1990 حتى وقوع الاحتلال الامريكي سنة 2003 وما بعد ذلك بقليل .
والرواية ترتكز على فكرة جميلة ، وهي انه اي الروائي كتبها على لسان مدرس اسمه الاستاذ مؤنس واجه الحصار وعانى منه كما عانى الكثيرون لابل اغلبية العراقيين واضطر الموظفون الى البحث عن عمل ثان وما رافق ذلك من بؤس وشقاء ونصب ومعاناة لاتتحملها الجبال لكن تحملناها واخذت منا الكثير من سعادتنا وآمالنا وطموحاتنا وصحتنا وعافيتنا .
حصار ، وجوع ، وتسلط ، وسرقة ، ورشوة ، وقسوة عبّرت عنها الرواية بأشد العبارات قوة ، ونجح الروائي وهو يلاحق الاستاذ مؤنس في ايامه السوداء القاسية سمع قصته لابل قرأها فيما كان يدبجه يراعه من احداث تمر به ، لكنه لم يحتفظ بعنوانه ومرت السنوات وحدث الاحتلال واذا به مدرسا في مدرسة مديرها الاستاذ مؤنس الذي سجن بعد أن لفقت ضده تهما قاسية منها تسريب الاسئلة .
وفي ثنايا الرواية نقف عند مُدرّسة عرفها الاستاذ مؤنس واحبها من بعيد رافقت مراحل من حياته اسمها الاستاذة رشيقة ثم يكتشف انها تزوجت وترملت مما زاد في حزنه .
الحروب ، والحصار ، والاستبداد السياسي والحزبي ، والظلم واضطرار الموظفين ومنهم المدرسين لايجاد عمل ثانٍ ٍ ، وزج المدرسين في الجيش الشعبي ، والغربة وفقدان اساسيات الحياة ، وشظف العيش ، وارتداء الرث من الثياب ، وتدهور العملة والتلاعب باسعار المواد الضرورية للحياة وتلفيق التهم جزافا كلها مظاهر تحدثت عنها الرواية بسلاسة ، وانسيابية .
واقول بصدق وشفافية ويقين ، انها وثقت لحالة عشناها .مرة قال لي (وايرمن )وهو يصلح سيارتي دكتور سوف آخذ راتبك الشهري كله الان فقلت له نعم سوف تفعل ثم ردد انه حزين على ما آل اليه وضع اساتذة الجامعة والموظفين والموظفات راتبهم 3000 دينار وطبقة البيض سعرها 6000 دينار !!
ايام ظلماء ، وناس جوعى ، ومرضى وخائفين ، واحداث محزنة ومواقف صعبة جسدتها الرواية ..وكما قال الروائي الاستاذ غانم خليل ..مدينة الاستاذ مؤنس يقصد الموصل الحدباء ام الربيعين ، كانت خلال فترة الرواية "تستيقظ على عيون زائغة تبحث عن فرصة للنجاة من قسوة الحصار وسوق يزداد بؤسا مع كل ارتفاع جديدللاسعار وانتظار مستمر لخبر قد يغير مسار حياة الناس " .. يرافق كل هذا انفعالات وخوف ونقص في اساسيات الحياة وظلم وقلة من المتحكمين في رقاب الكثرة امر لايمكن ان يوصف لكن الرواية حملت كل ما يمكننا ان نقوله عن تلك السنين العجاف .
كان غانم خليل الروائي الموصلي روائيا مقتدرا ، اجاد حبك الاحداث التاريخية بأسلوبه الجميل الممتع وبدقة واتقان . والاهم من كل هذا جعلنا - انسانيا - نتعاطف مع شخوص الرواية ..التجار العمال الموظفون الاهالي الناس البسطاء اهل الحرف والاهم ان الناس كانت تحلم بغد للاسف لم يكن كما تمنوا ؛ فالتغيير جرى على يد محتل مما ترك في قلوبهم نغصة ما تزال آثارها باقية .كانوا يريدون ان يكون التغيير على ايديهم لكن للاسف هذا لم يحدث .
تحياتي واعتزازي بالاستاذ غانم خليل ومن خلاله لبطل الرواية الاستاذ مؤنس ، وايضا للاخ ابوزاهد ، وللاخت الاستاذة رشيقة ولكل بطل موصلي واجه الحصار والعنت بصبر وجلد ، وقوة .
اؤكد على اهميةالتوثيق وهوما اشار اليه الروائي من انه اعتمد على يوميات الاستاذ مؤنس الذي كان يدون الاحداث يوميا وهو يعلم ان التاريخ ليس في عجلة من امره بل قد ينتظر سنينا الى ان تحين فرصة كشف الحقائق بوثائق لاتقبل الزيف . نعم الامر كذلك اخي الروائي الكبير ، ومسألة سحق الناس من اجل مجد زائف لن تمر مرور الكرام بل قد تحين فرصة الحساب والحساب بالتأكيد يكون مرا وقاسيا ومؤلما ..تلك واحدة من قوانين التاريخ .
اخيرا للروائي الاستاذ غانم خليل الحمداني رواية بعنوان (يوم غابت الشمس ) ، ورواية بعنوان ( لنتورق الكروم ) وهذه الرواية ( حزينا حتى تعود ) هي الثالثة .
اشد على يديه ، واتمنى له كل بهاء ، وتوفيق ، والق .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق