الجمعة، 24 مايو 2024

سيرة الدكتور ابراهيم العلاف في فيلم وثائقي من اعداد الاخ والصديق الاستاذ هاني عبدالكريم الطائي

 سيرة الدكتور ابراهيم العلاف

في فيلم وثائقي من اعداد الاخ والصديق
الاستاذ هاني عبدالكريم الطائي فشكرا له شكرا جزيلا https://www.facebook.com/hane.ahmad/videos/710090254065396

جون فوستر دالاس وسياسته الشرق اوسطية 1953-1959 .... ا.د. ابراهيم خليل العلاف


 


جون فوستر دالاس وسياسته الشرق اوسطية 1953-1959
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
في يوم 24 ايار -مايو سنة 1959 توفي جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية توفي في مثل هذا اليوم قبل ( 65) سنة وكنت قد كتبت مقالة عن سياسته قبل سنوات اقول فيها :" منذ ان وصل الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور الى الحكم في الولايات المتحدة الاميركية في مطلع سنة 1953 وإختار جون فوستر دالاس ، ( 1888-1959 ) John Foster Dulles، ليكون وزيرا للخارجية بين 26 كانون الثاني يناير, 1953 الى 22 نيسان أبريل, 1959، أجرت الحكومة الاميركية، تقييما شاملا للسياسة الاميركية تجاه قضايا الشرق الاوسط ، ومنها القضايا العربية ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا المغرب العربي ، وبالاخص القضية الجزائرية ، وارتباط ذلك كله ببريطانيا ، وفرنسا ، واسرائيل .وكانت محاولة إعادة النظر هذه والتقييم الذي حصل يجيء انسجاما مع الشعار الذي رفعه ايزنهاور في حملته الانتخابية وهو : " شعار النظرة الجديدة " .
وكانت حصيلة هذا التقييم –كما جاء في كتاب (العراق في الوثائق الاميركية 1952-1954 ) للدكتور عصام شريف التكريتي – تبني ستراتيجية الدفاع الغربي عن الشرق الاوسط ، والتوسع في بناء القواعد العسكرية الاميركية التي تستخدم لتطويق الاتحاد السوفيتي السابق ، ومهاجمة الاهداف الستراتيجية في عمق الاراضي السوفيتية عند اندلاع حرب نووية بين الطرفين .
وكانت منطقة الشرق الاوسط بموقعها المتاخم للاتحاد السوفيتي مهمة للامن القومي الاميركي ؛ لهذا برزت الحاجة –من وجهة النظر الاميركية – لربط دول المنطقة في منظومة أحلاف وتكتلات عسكرية .
اعتمدت " سياسة جون فوستر دالاس الشرق اوسطية "على ركيزتين أساسيتين هما :
1. ان دالاس لم يكن يريد إدخال دول الشرق الاوسط كلها ضمن تدبيرات وترتيبات سياسة الاحتواء العسكري الشامل بمسؤولياته الستراتيجية والسياسة ، وانما أراد أن يطبق استراتيجية مرنة تعتمد التركيز على دول الحزام الشمالي :تركيا ، وايران، وباكستان ، والعراق وهذه الدول تتمتع بخاصية الموقع السترايجي الحساس الذي يساعد في تنفيذ حرب جوية شاملة مدمرة ضد الاهداف الحيوية في الاتحاد السوفيتي .
2. ان دالاس قال بأن الولايات المتحدة إعتمدت سياسة عدم الانحياز الى اسرائيل ، وانه اكد لرئيس الوزراء الاسرائيلي أبا ايبان ان لا نية لها في اتخاذ موقف غير ودي تجاه الدول العربية لكي تفوز بالحظوة عند اسرائيل ولاتملك اي قصد في ان تتصرف بشكل غير ودي مع اسرائيل لكي ترضي الدول العربية ومنذ اصبح وزيرا للخارجية عقد العزم على مواصلة هذه السياسة حتى لو كان ذلك على حساب فقدان الاصوات في الانتخابات .
زار جون فوستر دالاس بغداد في 17 مايس –ايار 1953 وأجرى مباحثات مع رئيس الوزراء العراقي انذاك جميل المدفعي في مكتبه برئاسة الوزراء ، وشارك في المباحثات من الجانب العراقي علي جودت الايوبي نائب رئيس الوزراء ، وتوفيق السويدي وزير الخارجية ، وسفير العراق في الولايات المتحدة الاميركية في بغداد موسى الشابندر .
وفي التقرير الذي أعدته السفارة الاميركية في بغداد عن المباحثات بتاريخ 18 مايس –ايار 1953 اشار الى حديث رئيس الوزراء ، ووزير الخارجية ، ووزير الدفاع.ومما قاله وزير الخارجية توفيق السويدي ان العراق يعتزم مد جسور التعاون مع الولايات المتحدة وهو بحاجة الى ان تمد له يد المساعدة الاقتصادية والعسكرية .اما وزير الدفاع نوري السعيد ، فقد اكد امام وزير الخارجية الاميركي ان العراق منذ سنة 1934 مدرك لاخطار الشيوعية وقد شرع قانونا للعقوبات حيال العمل الشيوعي قد تصل الى الاعدام .. واضاف انه مسرور ان يرى الولايات المتحدة الاميركية قد اقرت بالخطورة التي تنطوي عليها المبادئ الشيوعية .ثم استعرض خطط الدفاع مستعينا بالخرائط التي توضح مشكلة الدفاع المشترك لتركيا وايران والعراق ، وان الاعتراف بهذه المشاكل كان الاساس الذي قامت عليه اتفاقية سعد آباد . واكد الخطر القائم من روسيا وان العراق يرغب في تأمين دفاعه ، وقال ان هناك عقبات امام كل ذلك أهمها المسألة الفلسطينية ومسألة اللاجئين ، وهذه العقبات تشكل عائقا نفسيا بوجه التعاون بين العراق والولايات المتحدة الاميركية .
تحدث ايضا الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس مجلس النواب ، واوضح ان الولايات المتحدة الاميركية تعد شريكا كاملا في السياسة الاستعمارية لكل من فرنسا وقبريطانيا ، وان من المشاكل الاساسية بين العراق وامريكا هي استمرار الاستعمار مثلا في شمالي افريقيا اولا ، ومشكلة فلسطين ثانيا ، وان الزعماء العرب ليس بإستطاعتهم مخالفة الرأي العام وقبول بأقل من قرارات الامم المتحدة المتعلقة بفلسطين ، وان تدويل القدس يعد جواهريا لانها المدينة المقدسة للاديان الثلاثة .
تحدث جون فوستر دالاس في الاجتماع فقال ان الولايات المتحدة الاميركية ليست شريكا لبريطانيا وفرنسا ، والامر ليس كذلك ولقد بذلت محاولات من خلف الكواليس ، وبشكل مستمر لدفع هذه الحكومات من اجل ان تجعل سياساتها معتدلة وان الولايات المتحدة ضد المواجهة العلنية .وقد حث دالاس على عدم إثارة هذه المسائل مثل قضية شمالي افريقيا يشكل صريح ، أو حتى إثارتها في الامم المتحدة حيث انها ستخدم الاستراتيجية الشيوعية الرامية الى ايجاد الفرقة داخل القوى الغربية .
عندما عاد جون فوستر دالاس الى بلاده ، كتب تقريرا لرئيسه ايزنهاور قال فيه ان العراق من اكثر دول المنطقة استعدادا للوقوف ضد الاتحاد السوفيتي، وهذا ما اكده المسؤولون العراقيون اثناء المباحثات التي أجريت معهم .واشار دالاس في تقريره الى ضرورة تخصيص عشرة ملايين دولار للعراق من مجموع ثلاثين دولار خصصتها وزارة الدفاع الاميركية لمساعدة دول المنطقة عسكريا .
لقد وضحت زيارة دالاس للعراق مدى الاهمية التي كانت الولايات المتحدة توليها للعراق ، وعلى هذا الاساس وضع دالاس اسس سياسته الشرق اوسطية القائمة على اعتبار العراق نقطة ارتكاز اساسية في قيام ماسمي ب" الحزام الشمالي ضد الاتحاد السوفيتي " .
قال دالاس وزير الخارجية في تقريره المؤرخ في 17 مايس 1952 والموجه الى الرئيس الاميركي ايزنهاور انه قام بزيارة الى اسرائيل وأربع دول عربية مجاورة ، ووجد انه لاتزال هناك فرصة لاستعادة حسن النية عند العرب ، وانه ليس هناك متسع من الوقت لتعويض الخسارة في العلاقات العربية –الاميركية مع الاخذ بنظر الاعتبار الشعور العربي العام الذي يبني على الرئيس الاميركي الامال كشخص وكرئيس جديد للادارة الاميركية .واضاف ان الشكوك الاساسية هي ما اذا كانت السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة تلقى الترحيب من قبل اسرائيل خاصة وان الامل المتبقي سيضمحل مالم تظهر الولايات المتحدة قدرة في التأثير على السياسات البريطانية والاسرائيلية ، والتي يبدو انها تلتقي حاليا في مرحلة جديدة من العدوان ضد العرب .وهذا ما يتطلب التأكيد وبشكل مستمر على الحاجة الى الوقت .كما انها اكدت الخطر الذي سيزداد من خلال العداء الشعبي العربي لقوى الغرب واعتقد دالاس ان ذلك سيترك انطباعا ما لكن المدة التي ينبغي على الاميركان العمل فيها يجب ان تقاس خلال اسابيع وليس اشهر .
ومما قاله دالاس للرئيس الاميركي أن الازمة المصرية –البريطانية ، تعد المشكلة الاخطر ، واذا لم تتم تسويتها فإن العالم العربي سيظل معاديا للغرب ، ويكون مستعدا لتلقي الدعم السوفيتي وكان لتصريح ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني والذي ربط فيه اسرائيل بمشكلة السويس وانه اي تشرشل مستعد لاستخدام القوة ضد مصر اذا دعت الضرورة ذلك ، قد فاقم من حدة العداء للغرب ويتطلب هذا من اميركا ان تشجب الموقف البريطاني والا فإن الاتحاد السوفيتي سيستفيد من ذلك في دعم علاقاته بالعالم العربي .
قال دالاس :" انه اتفق مع الرئيس المصري محمد نجيب ، ومجلس قيادة الثورة في مصر على بذل المحاولات لتعليق حرب العصابات ضد البريطانيين لحين تمكننا من استعادة او لربما تعديل الموقف البريطاني كما طالبنا قادة عربا اخرين بالعمل على تهدئة اللواء محمد نجيب وحسب اعتقادنا فإن بعضهم قد قام بذلك واقترح ان تقوم وزارتا الخارجية والدفاع بدراسة صيغتنا المقترحة التي ابرقت من قبل سفارة الولايات المتحدة في القاهرة وكذلك استنتاجاتنا من ان منظمة دفاع الشرق الاوسط في شكلها الاصلي تعد غير عملية " .
وختم تقريره بالتأكيد على الامور التالية :
1. ان دالاس مقتنع بعد مباحثاته مع الزعماء العرب والاميركان الموجودين في المنطقة ، بإن حلا سلميا عربيا –اسرئيليا في الوقت الحاضر غير ممكن .
2. ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ديفيد بن غوريون ، اظهر لهجة مرنة في ما يتعلق بإنهاء العداء الاقتصادي . وقد فضل السياسات الجديدة التي تتبناها الولايات المتحد ة تجاه القضية الفلسطينية والتي تحظى بإستحسان العرب وبذلك تسمح بممارسة التأثير الاميركي المفيد في عموم المنطقة .
3. انه لابد من اعتماد سياسة الخطوة خطوة وتطبيقها على جزئيات القضية الفلسطينية وبذلك قد يساعدهذا على التقليل من التوتر ، والى ان يقتنع القادة العرب بالاتفاق على تسوية سلمية للقضية الفلسطينية وحتى يتحقق ذلك لابد من حل مشكلة اللاجئين ، ووضع القدس واعطاء الضمانات ضد العدوان الاسرائيلي وتوزيع المساعدات العسكرية والاقتصادية وبما يضمن تحقيق نوع من التوازن بين اسرائيل والدول العربية .
4. اكد دالاس انه اذا عولجت مشكلة الصراع العربي –الاسرائيلي اعتمادا على الحل السلمي ، واتباع سياسة الخطوة خطوة ، وتوفر حسن النية عند الطرفين ، فإن ذلك قد يكون مدخلا جيدا لحل القضية الفلسطينية ، وان مصر كما نعتقد تمثل فرصة طيبة لقيادة العرب بإتجاه اقامة علاقات افضل مع اسرائيل والغرب .. ومن المؤكد ان اللواء محمد نجيب يتمتع بشعبية جيدة تساعد على تحقيق الهدف المطلوب .
5. وقال دالاس ان سوريا أعطيت بعض الوعود، وان اديب الشيشكلي الزعيم السوري يتمتع بالسلطة الكافية التي تساعده على فهم مايدور عالميا ، وهناك فرصة امام السوريين للتقدم نحو التنمية الاقتصادية ، وانها الدولة العربية الوحيدة القادرة على استيعاب اكبر عدد من اللاجئين، وعليه فإن ذلك يوفر نقطة انطلاق جيدة لتصفية المشاكل التي تسيء الى العلاقات العربية –العربية .كما ان سوريا أقل اهتماما بمشكلة قناة السويس وانها اكثر ادراكا للخطر السوفيتي وان بإمكان الشيشكلي القيام بمبادرة في هذا المجال لكن سوريا لاتتمتع بعلاقات طيبة مع جيرانها الا ان من الصعوبة توفير بديل لمصر الا اذا حلت المشاكل مع بريطانيا .
6. لقد اندفع جون فوستر دالاس بعد ان اتضحت سياسة الضباط الاحرار في مصر ، وبروز الرئيس جمال عبد الناصر وقيادته لمصر في سياسة عدائية لمصر ، وتوجهاتها القومية العربية وكان هو وراء سحب البنك الدولي عرض تمويل انشاء السد العالي الامر الذي مهد للرئيس جمال عبد الناصر اعلان قرار مصر بتأميم قناة السويس ، واستقلال سياسة مصر الاقتصادية التي تتجه نحو التصنيع ، وهذا مهد فيما بعد للعدوان البريطاني –الفرنسي –الاسرائيلي على مصر سنة 1956 .
7. وهو نفسه أي دالاس قد كان - من قبل - وراء اعلان وزارة الخارجية الأمريكية ، استعداد الولايات المتحدة الاميركية للمساهمة في عملية تمويل السد العالي وكانت إدارة البنك الدولي انذاك أمريكية لكن دالاس استدرك وقال :" ان هناك معارضة شديدة لمساعدة الولايات المتحدة الاميركية للبنك الدولي لفائدة مصر من خلال معرضة الحاكمين في اسرائيل ومناصريهم في أمريكا نفسها وخصوصا سكان الولايات الجنوبية في أمريكا ، لان بناء السد العالي سيوفر مساحات واسعة لزراعة القطن ، ومن ثم سيتم الاستغناء عن القطن الاميركي " .
8. تطورت الأحداث ، وبدأت الأمور تتعقد ، وارسل الرئيس جمال عبد الناصر احمد حسين وزير الخارجية المصري واشنطن وقد التقى دالاس وزير خارجية أمريكا وكانت تلك محاولة أخيرة لحل المشكلة . ومع وصول الوفد المصري تم إبلاغه بسحب عرض البنك الدولي لتمويل السد العالي في 18تموز –يوليو سنة 1956 . وحدث العدوان ووجه الروس انذارهم المشهور واضطرت الولايات المتحدة للانصياع والضغط على دول العدوان لوقف القتال .ولهذا الموضوع قصة معروفة قد نأتي لحكايتها فيما بعد .
9. ارسل حسن الحكيم رئيس الوزراء السوري الاسبق رسالة الى جون فوستر دالاس عند وجوده في سوريا وقد اجاب دالاس حسن الحكيم برسالة مؤرخة في 15 ايار 1953 ومن السفارة الاميركية بدمشق قائلا له :" انني ممتن لاهتمامكم بالكتابة الي مرحبين بقدومي الى بلادكم التاريخية وتبيان ارائكم المتعلقة بمشاكل تهم بلدينا بصورة متبادلة .ولقد طلب الرئيس ايزنهاور الى المستر ستانس والي ان نقوم بهذه الرحلة بغية الاطلاع على اراء رجال الدولة السياسيين في الشرق الادنى بصورة مباشرة ولذا فنحن نرحب بالبيانات التي يسطرها رجال السياسة السوريين البارزين المحترمين كدولتكم وانه ليؤسفني ان تحول رحلتنا القصيرة بدافع الضرورة دون اجتماعي بالسوريين البارزين في جميع نواحي الحياة الاجتماعية ومع ذلك فيمكن لدولتكم ان تتأكدوا بأن آراء رجال الدولة السوريين ستكون موضع الاهتمام الفائق حينما نعود الى واشنطن ونقدم تقريرنا الى الرئيس " .
مما اقترحه دالاس على الرئيس الاميركي ايزنهاور ان تكون خطوط سياسته الشرق اوسطية ، مثار دراسة لمجلس الامن القومي ، وللرئيس الاميركي نفسه مع الاخذ بنظر الاعتبار اهمية تطوير الاستعدادات لتعزيز القرارات الخاصة بهذه السياسة .
ان مما كان يؤرق جون فوستر دالاس هو الفكر الشيوعي والشيوعية التي كانت قد اكتسبت في الخمسينات والستينات انصارا كثيرين ، وخاصة بين المعادين للغرب الاستعماري وسياساته العدوانية ضد الشعوب ، ومنهم العرب .وكان يركز خاصة في سنوات الحرب الباردة التي ابتدأت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بين الكتلتين العالميتين الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الاميركية والاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي على تكوين احلاف عسكرية تطويق الاتحاد السوفيتي .
وقد كان له الدور الفاعل ومن خلال وكالة المخابرت الاميركية CIA في اسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق في ايران سنة 1953 ، وهي العملية التي نفذتها المخابرات الاميركية وعرفت بعملية إجاكس AJAX . وقد اشار اندرو تولي في كتابه عن وكالة المخابرات الاميركية الى ذلك وقال :"كانت المخابرات المركزية الاميركية قد رتبت سنة 1953 قلب حكومة الدكتور محمد مصدق الزعيم الايراني الذي أمم شركة النفط البريطانية ذات الامتياز وكان يهدد بالاتفاق مع الاتحاد السوفيتي وقد اعتبر نجاح المخابرات المركزية الاميركية في تلك الفترة فوزا للديموقراطية ولكن بعد اعتقال مصدق وسقوطه برهنت وزارة الخارجية الاميركية كما برهنت وكالة المخابرات المركزية الاميركية عن ضعف وعجز اذ اكتفت المخابرات الاميركية التي ضمت النظام الجديد في ايران الى البلدان المناهضة للشيوعية دون ان تكلف نفسها معرفة ما اذا كان الحكام يريدون مكافحة البؤس والشقاء الذي كان يسود اوساط الشعب الايراني ..." .
وواصل اندرو تولي قوله بأن الامر هكذا لم يكن كافيا ؛ فقد بدأ النظام الذي اقامته الولايات المتحدة الاميركية في ايران الاستئثار بكل مايقع تحت يد حكامه الذين ضربوا عرض الحائط مصالح الشعب وكان بإمكان ايران ان تكون اقوى واغنى دولة في الشرق الاوسط لكن الشاه والاميركان حولوها بسبب تسلطهم ، وبغيهم وسيطرتهم على مقدراتها الاقتصادية الى أفقر دولة في الشرق الاوسط بالغم من مواردها الضخمة من النفط ويضرب اندرو تولي الكثير من الامثلة للبرهة على ذلك .ولم يكتف بالنهب الاقتصادي بل كبلوا ايران بالاحلاف ، ومنها حلف بغداد 1955 الذي ضم ايران والعراق وتركيا وبريطانيا ، وكانت الولايات المتحدة عضوا في لجانه والذي كان جزءا من منظومة الاحلاف والتكتلات التي اقامتها الولايات المتحدة في الخمسينات من القرن الماضي لتطويق الاتحاد السوفيتي وقمع الدعوة القومية العربية والتآمر على مصر والدول العربية غير السائرة في فلكها ، ومحاصرتها ، وفرض الحصار الاقتصادي عليها ، وانهاكها اقتصاديا وسياسيا والسعي بإتجاه تفككيها ، ونشر الافكار الطائفية والعنصرية التي تقوض وحدتها ، وكثيرا ما كان يتم ذلك من خلال وسائل ثقافية وفكرية وعبر الارساليات التبشيرية الاميركية والجامعات الاميركية في القاهرة وبيروت ومن خلال الصحف والمجلات والجمعيات والمنظمات الماسونية وجمعيات ونواد ومعاهد وكليات تدعي الثقافة ونشر مبادئ الحرية والديموقراطية .
بقي ان نقول ان جون فوستر دالاس الذي قاد وزارة الخارجية الاميركية في فترة مهمة من تاريخ الشرق الاوسط والعالم وهي الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ، من مواليد العاصمة واشنطن DC يوم 25 شباط –فبراير سنة 1888 ، وانه الوزير (52 ) لوزارة الخارجية الاميركية ، وانه تولى وزارة الخارجية بين 26 كانون الثاني –يناير سنة 1953 -22 نيسان –ابريل سنة 1959 ، وانه خلف في وزارة الخارجية (دين اتشيسون ) ، وانه كان عضوا في مجلس الشيوخ الاميركي عن واشنطن العاصمة DC للفترة من 7 تموز –يوليو 1949 حتى 8 تشرين الثاني –نوفمبر 1949 ، وانه خريج مدرسة الحقوق بجامعة جورج واشنطن ، وانه عمل في المحاماة لفترة ثم اتجه للعمل الدبلوماسي والسياسي ، وانه ينتمي الى الحزب الجمهوري ، وانه - كما يقول الاستاذ احمد عطية الله في" القاموس السياسي " - قد استكمل دراسته في جامعتي السوربون الفرنسية وجامعة برنستون الاميركية وانه قد تخصص بالقانون الدولي ، وانه ينتمي دينيا ومذهبيا الى الكنيسة البروتستانتية الانجيلية المشيخية ، وانه قد خدم في القوات البرية الاميركية وقد التحق بالعمل في "وكالة المخابرات المركزية الاميركية " خلال الحرب العالمية الاولى وقد اختير ليكون عضوا في الوفد الاميركي الى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 ، وقد اتخذه جون ديوي مرشح الحزب الجمهوري مستشارا له سنة 1944 ، ثم انقل ليصبح مستشارا لوزارة الخارجية الاميركية وممثلا لبلاده في هيئة الامم المتحدة سنة 1946 فعضوا كما قلنا في مجلس الشيوخ ومنذ سنة 1952اتصل بالرئيس الاميركي ايزنهاور الذي عينه وزيرا للخارجية في السنة التالية ، وانه توفي في 24 مايس-مايو سنة 1959 عن عمر ناهز ال(71 ) سنة، وانه يعد من وزراء الخارجية الاميركية الناجحين والذين عملوا من اجل بلادهم بتفان واخلاص ، واليه تُنسب تسمية "سياسة حافة الهاوية " لمكافحة التوسع السوفيتي، ورفضه الاعتراف بحق الدول الاخرى في اعلان وإتباع " سياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز " .



جدارية الموصل العنقاء



جدارية الموصل العنقاء

شكرا لبلدية الموصل على مبادرتها في وضع جانب من قصيدة شاعر الموصل الكبير الدكتور وليد الصراف (الموصل العنقاء) في (جدارية) جميلة قرب تل قوينجق الأثري عند جسر السويس المؤدي الى المجموعة الثقافية -الجانب الايسر من مدينة الموصل وشكرا لراديو نينوى الغد .
حدباء لاتقنطي إني أرى القصبا … لم يصبح الناي لولا أنهُ ثُقبا
مازلتِ عبرَ دُخان الحرب فاتنةً ….ودجلةٌ دمعةٌ في خدكِ إنسكبا
الجدير بالذكر ، ان رئاسة جامعة الموصل بادرت ايضا في وضع هذه القصيدة التي تتغنى في حب الموصل وأهلها وتعبر عن اصرارهم على البناء والاعمار وأنها كالعنقاء تنهض من كل كبوة تصيبها على مدى تاريخها العريق ، في مدخل بوابة رئاسة الجامعة ، صمم الجدارية الفنان التشكيلي في كلية الفنون الجميلة الاستاذ عماد الحائك الذي نفذ العمل بطريقة الطرق والحرق على الجلد الطبيعي.


 

معمل السكر في الموصل 1957


 



معمل السكر في الموصل 1957
- ابراهيم العلاف
في اطار حركة البناء والتحديث التي جرت ضم مجلس الاعمار في العراق ، افتتحت في الموصل العديد من المشاريع منها ( معمل صنع السكر ) في نهاية شارع الغزلاني في الجانب الايمن في الموصل .وقد حضر الملك فيصل الثاني ملك العراق السابق 1953 -1957 الى الموصل ليضع حجر الاساس لهذا المشروع الحيوي وكما ترون في الصورة التي ارسلها لي الاخ الاستاذ تحسين الجبوري -مشكورا - وقال انه عثر عليها خلال تحرير الموصل من عناصر داعش 2017 وفيها وباللغتين العربية والانكليزية وبالتاريخين الهجري والميلادي .. ان جلالة الملك فيصل الثاني وضع هذا الحجر الاساس بتاريخ 25 شعبان 1376 هجرية الموافق لليوم 27 مارس - آذار 1957 .
معمل صنع السكر افتتح رسميا سنة 1958 ، وبدأ بالانتاج في مطلع سنة 1959 بطاقة انتاجية قدرها (800) طنا من البنجر في اليوم خلال موسم البنجر وبطاقة انتاجية (100) طن سكر خام في اليوم بعد موسم البنجر ثم زاد الانتاج الى (200) طن سكر خام في اليوم الواحد .. وقد وسع المعمل فيما بعد من قبل (شركة سيكوب) البولونية ، وبإشراف الشركة الاستشارية البلجيكية (ايرندز) في سنة 1969 كما يقول ذلك صاحب (دليل الموصل العام ) والمنشور 1975 المرحوم الاستاذ الحاج عبد الجبار محمدجرجيس .وبعد اجراء التوسيعات هذه حقق المعمل زيادة في انتاج السكر وصلت الى (119021 ) طنا .وتم بناء (100) دار للعمال و(20) دار للموظفين الفنيين ، ونادي لعمال وزارة الصناعة والمعادن في الموصل . كما نفذت مشاريع منها مشروع تعبئة السكر بعبوات منها تتسع لنصف كيلو ، ومشروع انشاء النورة المطفأة ، وربط المعمل بشبكة الكهرباء الوطنية ، وانشاء مركز للتدريب المهني ، وشراء مكائن واجهزة هندسية لتطوير العمل .

الفنانة التشكيلية الشابة الواعدة ريام صالح خلف الحلبوسي









 


الفنانة التشكيلية الشابة الواعدة ريام صالح خلف الحلبوسي
والدها تلميذي في قسم التاريخ بكلية التربية -جامعة الموصل 1988-1989 . ابنته ( ريام) فنانة شابة واعدة من الرمادي - محافظة الانبار ، اطلعت على بعض لوحاتها ومنها هذه التي نشرتها الى جانب هذه السطور كان بودها الاشتراك في معرض جمعية الفنانين التشكيليين في الموصل لكن الوقت ادركها .انشر بعض لوحاتها في صفحتي الفيسبوكية واشد على يدها واتمنى لها التميز والتألق والابداع والى المزيد من التقدم ........................ابراهيم العلاف 24-5-2024

#فتاة ناعسة .........................لوحة حديثة رائعة للطارقة على النحاس الفنانة الموصلية الكبيرة الاستاذة #فريال العمري

                                                               فتاة ناعسة.. لوحة فريال العمري
 


#فتاة ناعسة .........................لوحة حديثة رائعة للطارقة على النحاس الفنانة الموصلية الكبيرة الاستاذة #فريال العمري
مبارك لها هذا العمل الفني الفريد والى مزيد من التقدم
............................ابراهيم العلاف 24-5-2024


السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق بعد حرب الخليج الثانية............الفصل الثالث من كتاب (نحن وتركيا ) للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف

                                         غلاف كتاب (نحن وتركيا) للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف


الفصل الثالث

 

السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه
العراق بعد حرب الخليج الثانية*

 

اتضح السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق بعد ماسمي بحرب الخليج الثانية في مواقف إتسم القليل منها بالايجابية وتركز في تأكيد الأتراك على أن تركيا تخسر كثيراً بسبب الحصار المفروض على العراق منذ نهاية سنة 1990، لكن الكثير من مواقف وتصرفات تركيا تكشف عن سلوكيات وتصرفات لاتخدم بأي حال من الأحوال مستقبل العلاقات العراقية- التركية، والعلاقات العربية- التركية عامة. والفصل هذا محاولة لتحسس مافي السلوك السياسي الخارجي التركي من مكامن وبؤر التقاطع والتضاد تجاه العراق، وتتمثل هذه المكامن بما يأتي:

 

1- مواقف الأتراك تجاه منطقة الموصل- كركوك 

لقد أظهر الأتراك خلال حرب الخليج الثانية وما بعدها أن آمالهم الإقليمية في منطقة الموصل- كركوك (ولاية الموصل) والتي تشمل إبان السيطرة العثمانية (ولايات) محافظات نينوى (الموصل)، كركوك، أربيل، السليمانية الحالية، لاتزال باقية، بالرغم من قبول تركيا لقرار عصبة الأمم سنة 1926 بإبقاء هذه المنطقة ضمن حدود دولة العراق، وأثبتت الوقائع أنهم لم ينسوا الموضوع وهم يتحينون الفرص لكي يجدوا من الوسائل مايساعدهم على إحياء مواقفهم السابقة من هذا الموضوع والذي غالباً مايضر بعلاقاتهم مـع العراق ومصالحه الوطنية العليا. ولعل أحدث مؤشر في هذا الاتجاه دعوة الرئيس التركي آنذاك (1995) سليمان ديميريل اعتبار أن منطقة الموصل ماتزال ملكاً لتركيا، وأن الضرورة الأمنية لتركيا تقتضي إعادة ترسيم الحدود مع العراق بحجة منع تسلل المتمردين الأكراد الأتراك. وقال ديميريل: "إن إقليم الموصل لم يترك للعراق بموجب معاهدة لوزان. وأضاف: "لقد أبلغنا الأمريكيين بموقفنا لكن هذا المشروع لم يقر على الصعيد السياسي". وقد نقلت وكالة الأنباء العراقية عن ناطق باسم الحكومة العراقية يوم الخميس 4 أيار 1995 أن العراق سيعارض بجميع الوسائل تغيير حدوده مع تركيا، ويحذر تركيا من القيام بأية خطوة منفردة من شأنها المساس بالحدود الوطنية. كما استدعت وزارة الخارجية العراقية القائم بالأعمال التركي في بغداد وطلبت منه إيضاحاً رسمياً، فأكد القائم بالأعمال التركي ان تسوية مسألة حدود بلاده المشتركة مع العراق لايمكن أن تتم سوى عبر التشاور بين البلدين، وأوضح أن الجملة التي أدلى بها رئيس الجمهورية ديميريل في هذا الشأن كانت على النحو الآتي: "أن الحدود العراقية- التركية غير صحيحة، ولكن تسوية هذه المشكلة هي ليست موضوع بحث في اللحظة الراهنة"، مضيفاً أن أي تعليقات أخرى تنسب إليه تقع خارج السياق تماماً.

وبالرغم من التوضيح الذي قدّمه الدبلوماسي التركي فإن بعض زعماء تركيا عبروا عن طموحاتهم في السنين الأخيرة للتمدد والتوسع على حساب العراق، وقدّر بعض الباحثين بين الطموحات التركية تجاه العراق وبين المخزون النفطي الكبير في الموصل وكركوك، ويستندون في ذلك إلى مايقوله المسؤولين الأتراك، وكيف أن تركيا حرمت من الأراضي الغنية بالنفط.

كانت الحكومة في العراق آنذاك على اطلاع بتلك المواقف حتى أن الرئيس العراقي الأسبق عبّر في حديثه مع بولند اجويد وداريا ساراك من جريدة ملليت في 27 كانون الأول 1992 عن ذلك حينما قال: "إن على أي تركي ألاّ يحلم أن الاستعمار الجديد، يمكن أن يعطيه نفطاً ويجعل منه دولة غنية وكبيرة... أما فيما يتعلق بكركوك، فأنا قلت المبدأ العام وهو أن شعبنا كله واحد في الحقوق والالتزامات... وأظن أن الاستعمار الجديد يعرف هذا، فإذا أراد أن يطبق وضعاً خاصاً في كركوك... فلابد أن يعرف بأنه يشعل حرباً في العراق".

 

2- إدعاء حماية التركمان في العراق

ازداد اهتمام الأتراك بأوضاع الأقلية التركمانية في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958، وصدرت صحف ومجلات تركية في أنقرة واستانبول تتحدث عمّا كانت تسميه بـ (دعم الأتراك في كركوك) الذين يعانون الاضطهاد من السلطات العراقية، ونشرت مقالات عديدة تظهر وبلهجة شديدة أن (أتراك العراق !!) الذين يقدرون حسب رأيها بـ (720.000) نسمة محرومون من الحريات الشخصية وحياتهم معرضة للانتهاك من قبل الحكومة العراقية ومما يؤكد قوة نزعة التوسع لدى بعض زعماء تركيا، التوجه نحو الأقليات ذات الأصول التركية في الدول المجاورة، فمنذ سنة 1988 إستحدثت الحكومة التركية إدارة جديدة ألحقتها بوزارة الخارجية وأطلقت عليها اسم (إدارة الجاليات التركية في الخارج) ويرأسها نائب وزير، يكون هدفها: "العمل على ربط الأقليات التركية في العالم بوطنها الأم من البلقان إلى الصين!!". إلاّ أن المؤشر الأبرز هو مؤتمر عقد في استانبول ربيع سنة 1990 بإسم (نحو أذربيجان الكبرى). وفي المؤتمر ألقى أحد وزراء الأتراك آنذاك كلمة عبّر فيها عن اهتمام الحكومة التركية وسعيها بما سمّاه (إعادة توحيد الأمة التركية).

وخلال حرب الخليج الثالثة، برزت مواقف أكثر خطورة عبّر عنها توركوت اوزال رئيس الوزراء التركي آنذاك حينما أخذ يستعمل تعبير
(الشعوب العراقية)، ونشرت جريدة (حريت) ما سمي بـ (خريطة اوزال للعراق) وتقوم هذه الخريطة أوزال للعراق وتظهر هذه الخريطة ثلاث دول في العراق تجمعها (كونفدرالية): عربية وكردية وتركمانية. ومن الملاحظ أن أي نفي لهذه الخريطة لم يصدر من أي مصدر رسمي تركي.

 

3-  نشاطات تركية في كردستان العراق

لقد حاولت تركيا بعد وقف إطلاق النار بين القوات العراقية والقوات المتعددة الجنسيات بزعامة الولايات المتحدة الأميركية،الاستفادة من الأوضاع الجديدة في شمالي العراق، فأقدمت على إفساح المجال لمخابراتها للعمل على تأسيس مدارس ومؤسسات ثقافية تركية بهدف نشر الثقافة التركية، وتجنيد العناصر الموالية لها. ولعل من أهم هذه المدارس مايطلق عليها (كلية عشق الخاصة في أربيل Arbil Private College) وتقع بنايتها في شارع الستين. ويقبل هذه الكلية (المدرسة) أبناء الأثرياء والوجهاء من الأكراد ممن أكملوا الدراسة المتوسطة ليتلقوا علومهم باللغة التركية، وتتبع هذه المدرسة مناهج وزارة المعارف التركية، ويردد طلبتها النشيد الوطني التركي، بينما تنتشر صور مصطفى كمال أتاتورك في صفوفها، بل وحتى في بعض المحلات والشوارع القريبة منها ومن غيرها من المدارس التركية، وضمن مسلسل تنفيذ هذه السياسة، تسهيل نشاط منظمة تعمل تحت غطاء إنساني وتحمل اسم (منظمة وقف تركيا والشرق الأوسط للتنمية والإغاثة)، وتهدف هذه المنظمة إلى استغلال الوضع الصعب الذي كانت تعيشه المنطقة وغياب السلطة المركزية وتقدم مغريات مادية للشباب الأكراد بهدف كسبهم وتغيير قوميتهم وتستغل هذه المنظمة حاجة الأهالي لتوزيع الكتب والدفاتر التي تحمل صورة العلم التركي على طلبة المدارس، كما توزع عليهم بعض الإعانات من المواد الغذائية والملابس بهدف كسبهم والتأثير عليهم.

ولا يمكن أن ننسى أن تركيا كانت تحاول كسب بعض القوى التركمانية التي كانت تتخذ لها في كردستان العراق مواقع مختلفة منها (الحزب التركماني الإسلامي) و (حركة المستقلين) و (الحزب الديمقراطي) و (الحزب الوطني) و (حزب تركمان إيلي أو حزب الاتحاد)، كما حاولت جمع هذه القوى في تنظيم أسمته (جبهة الأحزاب التركمانية)، ولها صحف تطبع خارج الحدود منها جريدة (يورد) أي الوطن.

وثمة نشاطات كانت ملحوظة لقوات تركية كانت تعمل في شمالي العراق باسم (قوات الفصل التركية) التي أنشأتها الحكومة التركية. ويدعي الأتراك أن لهذه القوات صفة دولية، وأنها تأسست بناءً على قرار من قوات التحالف الرئيسة للفصل بين قوات الحزبين الكرديين المتنافسين آنذاك على السلطة في منطقة كردستان العراق وهما: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني. وقد أشارت بعض المصادر الخاصة أن السيد جلال الطالباني قام آنذاك بعقد ندوة حزبية في السليمانية قال فيها: أن القصد من قوات الفصل هو "السيطرة على (كركوك) في أقرب فرصة وبالتالي الاستيلاء على حقول النفط وتصديره".

 

4- الاجتياح المستمر للأراضي في شمالي العراق 

أبرمت الحكومتان العراقية والتركية في تشرين الأول سنة 1984 اتفاق أمن الحدود الذي يسمح لكل من البلدين بعد اخطار وموافقة البلد الآخر، القيام بعمليات مطاردة حثيثة للمتمردين على عمق (10) كيلومترات داخل حدود البلد الآخر. ولقد استخدمت تركيا هذا الاتفاق ثلاث مرات قبل أن تقوم بإلغائه من جانب واحد أثناء العمليات العسكرية في كردستان العراق بعد توقف الحرب بين إيران والعراق في المدة من 27 آب وحتى 5 أيلول 1988 والتي أدت إلى نزوح أكثر من 60 ألفاً من هؤلاء إلى تركيا. كما شنت عمليات عسكرية في شمالي العراق منذ آب 1991 الأولى كانت جوية وبرية على عمق 16 كلم شنت على الأكراد في شمالي العراق، واتبعتها بعملية ثانية من 11 تشرين الأول 1991، ثم عملية ثالثة في 25 تشرين الأول 1991، وبين الأول من آذار 1995 وحتى الثاني من أيار 1995 شنت تركيا أوسع عملية تدخل في شمالي العراق أطلقت عليها اسم (عملية فولاذ)، وذلك حين توغل مايقرب من 35 ألف جندي تركي مع 50 دبابة تساندهم الطائرات داخل الأراضي العراقية وبعمق 40 كيلومتراً، وبالرغم من ردود الفعل العراقية والعربية والدولية المعارضة لهذه العملية، فإن القوات التركية تابعت غزوها وظلّت في المنطقة قرابة شهر ونصف. ومن 14 أيار 1997 بدأت القوات التركية عملية غزو جديدة داخل الأراضي العراقية واحتلت زاخو ووصل مايقرب من 35 ألف جندي تركي إلى مناطق عقرة والعمادية وأتروش. وقد حظيت هذه  العملية التي سميت بـ (المطرقة الكبرى) بدعم الولايات المتحدة الأميركية وجاء ذلك على لسان متحدث بإسم وزارة الخارجية الأميركية الذي قال: "أن لتركيا الحق بشن عملية عسكرية في العراق مؤكداً أن أنقرة وعدت واشنطن أن هذه العملية ستكون محدودة من حيث حجمها ومدتها".

لقد كانت الحكومة التركية تتذرع أكثر من مرة بأن هدفها الحقيقي هو تعقب عناصر حزب العمال الكردستاني PKK، وتدمير قواعدهم في شمالي العراق، لكن الوقائع تثبت أن تركيا تستغل حالة الأوضاع الصعبة في المنطقة بسبب غياب السلطة المركزية لتنفذ ماخطط لها من الولايات المتحدة من أعمال تستهدف انتهاك سيادة العراق وحرمة أراضيه، ولتأكيد اختلال توازن القوى بينها وبين العراق لصالحها بعدما لحق بالقدرات العسكرية العراقية من ضرر وتحجيم بسبب حرب الخليج الثانية وقرارات مجلس الأمن بشأن شروط وقفه.

وطبيعي أن تركيا، ومن ورائها الولايات المتحدة كانت لاتهتم باحتجاجات العراق على مثل هذه العمليات التي تشكل في جوهرها تدخلاً سافراً في شؤون العراق الداخلية وانتهاكاً صارخاً لحرمة الأراضي العراقية وسلامته الإقليمية، كما انها تتناقض مع علاقات حسن الجوار، وقواعد القانون الدولي، ومعاهدة الحدود العراقية- التركية لسنة 1926.

 

5- الدعـوة إلى إقامة منطقة أمنية عازلـة 

لقد رافق تلك العمليات العسكرية، حديث لأوساط تركية عديدة عن ضرورة إقامة منطقة أمنية عازلة في شمالي العراق بحجة منع تسلل المتمردين الأكراد الأتراك عبر الحدود المشتركة. ففي أيلول 1996 قالت تانسو جيلر وزيرة الخارجية التركية آنذاك "أن تركيا لايمكنها أن تتجاهل تجمع من أسمتهم الإرهابيين (من عناصر حزب العمال الكردستاني) "ماوراء الحدود. وفي الوقت نفسه نقلت وكالة أنباء الأناضول عن مصدر في وزارة الخارجية التركية أن جيلر أبلغت السفير الأميركي في أنقرة (مارك غروسمان) أثناء لقائها به مساء الرابع من أيلول: "بأن تركيا تنوي إقامة منطقة أمنية عازلة في شمالي العراق لمنع تسلل مقاتلي حزب العمال الكردستاني الانفصالي". ومن خلال متابعة التقارير الصحفية، قيل أن تركيا تريد أن تكون هذه المنطقة على غرار المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل في جنوبي لبنان وإن ذلك جاء بناءً إلى نصيحة قدمها خبراء من جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) الذين زاروا المنطقة في آذار 1995. ومن الملاحظ أن السلطات التركية أقدمت بعد اجتياح سنة 1992 على بناء مايقرب من 60 مخفراً عسكرياً على الحدود مع العراق ولكن دون أن يحقق ذلك أهدافها.

لقد تعثرت فكرة إقامة المنطقة الأمنية نتيجة رد الفعل العراقي ومواقف الأقطار العربية الأخرى التي وجدت فيها تدخلاً واسع النطاق في شؤون العراق الداخلية وانتهاكاً لسيادته وعدت الحكومة العراقية عزم تركيا على إنشاء هذه المنطقة "نوعاً من أنواع الضغط الذي تمارسه الإدارة الأميركية عليها عبر تركيا".  ورفض العراق المشروع التركي معتبراً أنه يمس سيادة العراق وسلامة أراضيه، وتساءلت الأوساط الدبلوماسية أنه إذا كانت تركيا قلقة على أمنها الوطني فلماذا لاتقيم مثل هذه المنطقة داخل أراضيها. وأكد نائب رئيس الوزراء العراقي آنذاك أن العراق سيقاوم المشروع التركي، وأضاف "نتابع اتصالاتنا مع الحكومة التركية لإقناعها بعدم ارتكاب هذه الغلطة"، وتابع قائلاً: "إنّ إقامة هذه المنطقة العازلة لن يحل المشكلة التركية... والحكومة الشرعية العراقية قادرة على أن تسهر على مصالح جيرانها". إن تعثر هذه الفكرة لايعني أن تركيا تخلت عن مشروعها: لإقامة الحزام الأمني أو المنطقة الأمنية، فهي تطرحها كلما بدأت بعملية جديدة لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية.

 

6- تركيا وقوات المطرقة

إقترحت الحكومة التركية تحت وطأة الضغوط الأميركية، وفي مواجهة تدفق قرابة نصف مليون نسمة من النازحين الأكراد من شمالي العراق إلى جنوب تركيا (حسب الأرقام المعلنة من الجانب التركي)، أثر قيام القوات العراقية بعملياتها العسكرية في كردستان في نيسان 1991، خطة لإقامة ما أسمته بـ (ملاذ آمن) للأكراد في شمالي العراق. وقد قالت تركيا أنها لاتمتلك الموارد الكافية لمواجهة هذا التدفق البشري الهائل، وطلبت المساعدة من دول التحالف المضاد للعراق. وقد رحبت الولايات المتحدة الأميركية بهذه الخطة وتولت قيادة قوة من (17500) جندي أميركي وبريطاني وفرنسي وهولندي وإيطالي، وبدأت ببناء مناطق- معسكرات لاستقبال هؤلاء النازحين. وقد عرفت القوات بـ
(قوات المطرقة The Hammer Forces). أما العملية فعرفت بـ
(عملية توفير الراحة Provide Comfort) للأكراد العراقيين. وفي تموز 1991 وافقت تركيا كذلك على أن تتركز في مناطقها الجنوبية الشرقية وفي قواعد انجرليك وباطمان وسيلوبي، قوة غربية برية وجوية للتدخل السريع مؤلفة من 3- 5 آلاف جندي منهم 1000 جندي تركي، وتعززها قوات أميركية محمولة جواً من الأسطول السادس في البحر المتوسط. وقد وضع هدف معلن لهذه القوات وهو "ردع العراق من أن يشن في المستقبل عمليات واسعة النطاق ضد سكانه من الأكراد"، لذلك فرض حظر جوي على الطيران العراقي في المنطقة شمالي العراق خط عرض 37 درجة، والهدف الحقيقي لهذه القوات "دعم عملية عسكرية لتغيير النظام السياسي في العراق" أو استخدامها في عمل عسكري ضد أي بلد آخر في الخليج عربياً كان وغير عربي (إيران) أو خارج منطقة الخليج العربي (سوريا مثلاً) إذا مااقتضت ذلك المصالح الأميركية والغربية عموماً.

أحدث وجود هذه القوات ردود فعل سلبية داخل تركيا نفسها، فبدأت بعض قوى الرأي العام التركي تهاجم سياسة الحكومة التركية الموالية للولايات المتحدة، وجرت نقاشات طويلة في المجلس الوطني الكبير (البرلمان) في كل مرة ينظر فيها المجلس في أمر تجديد بقاء هذه القوات . وكان آخر تجديد لها ينتهي في 31 كانون الأول سنة 1996، وقد تحدثت بعض المصادر الدبلوماسية عن أن: "تركيا اتفقت مع الدول الغربية على تشكيل قوة جوية للمراقبة بقيادة الولايات المتحدة لتحل محل قوات المطرقة ". وفي 24 كانون الأول سنة 1996 وافق المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان) على شروع الحكومة بإلغاء ماسمي بـ (عملية توفير الراحة)، وتشكيل قوة جديدة متعددة الجنسية باسم (قوة مراقبة الشمالNorthen Watch ) ولا تتضمن هذه القوة شقاً برياً. وقد اتضح بأن الولايات المتحدة وبريطانيا قد أسهمتا وحدهما في هذه القوة إلى جانب تركيا، أما فرنسا فانسحبت منها لسببين، أولهما: زوال الشق الإنساني، وثانيهما: أن قرارات مجلس الأمن لاتشمل مطلقاً القيام بأي تدخل عسكري جوي أو بري في الأراضي العراقية ودافع أحمد ديميري وزير الدولة في حكومة نجم الدين اربكان عن الإجراء الجديد بقوله: "أن حركة قوات المطرقة قد تحددت وصارت ضيقة وهذا يعني أن العد التنازلي لخروجها من تركيا، قد بدأ ومن المحتمل أن يتغير الوضع في شمالي العراق مما يؤدي إلى ضياع الهدف الذي جاءت من أجله هـذه القوات". وقد أجاب على سؤال يتعلق بموقف حزب الرفاه من وجود هذه القوات وكيف كان ينتقد بقاءها قبل وصوله إلى السلطة قائلاً: "لاشك أن تقييم الموقف الخاص ببقاء قوات المطرقة من الزاوية البراغماتية تعد خطأ، والموضوع يحتاج إلى النظر نحو مصالح الوطن والشعب والمنطقة. كما أن هذا الموقف الجديد لقوات المطرقة مرتبط بالبرنامج الحكومي الذي نصّ على مثل هذا الموضوع من ناحية، وأن هذه القوات موجودة في بلادنا منذ خمس سنوات من ناحية أخرى". أما شوكت قازان وزير العدل في حكومة اربكان فأعلن قائلاً: "نحن مرتبطون بالبروتوكول الموقع في الائتلاف الحكومي والموقف من تجديد بقاء قوات المطرقة بتركيا ليس برأينا التصرف، بل هو رأي مشترك بين حزبي الائتلاف" ويقصد حزبي الرفاه والطريق القويم.

لقد كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في تقرير لها نشرته يوم 26 كانون الأول 1996: "أن الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية تعتبر أن تغيير اسم العملية من (توفير الراحة) إلى الأسم الجديد (قوة الكشف) وسيلة لإرضاء الرأي العام التركي لكي لايضغط على المسؤولين ويدفعهم إلى التخلي عن الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها". ونقلت الصحيفة عن (ديفيد جونسون) المتحدث الأميركي قوله:" أن الاتفاق الجديد سيبقى فترات الدوريات الجوية والأجواء التي تطير فيها هذه الدوريات وأحكام الاشتباك ونوعية الأسلحة التي حملها الطائرات الأميركية كما كانت في السابق، ولن نرسل طائرات أميركية فوق شمال العراق غير مجهزة بأسلحة غير قادرة على ضمان سلامتها وانه لم يتغير في هذه العملية سوى الاسم". ويفند هذا التوضيح من أعلى مصدر في الإدارة الأميركية ماكان يعلنه المسؤولون الأتراك من أن تركيا ستعيد النظر في أهداف العمليات الجوية الأميركية ضد سيادة أمن العراق.

 

7- التعامل مع أوضاع كردستان العراق

حرص الرئيس التركي الراحل توركوت اوزال خلال حرب الخليج الثانية على التعامل مع واقع الحال في كردستان العراق، وخاصةً استغلال غياب السلطة المركزية وذلك لتنفيذ خطته في العراق وإقامة ماأسماه بـ
(كونفدرالية) عراقية تتألف من ثلاث مناطق عربية وتركية وكردية. وتضم الأخيرة: السليمانية وأربيل، وتتكون الثانية من كركوك والموصل، فيما تشكل المنطقة العربية من باقي أجزاء العراق، وقد تعهدت تركيا بالمشاركة مع إيران وسوريا بضمان هذه الخطة، واستخدمت السياسة التركية وحسبما كشـفت عنه القيادة التركية  تحقيق مايلي من الأهداف:

1- رغبة القيادة التركية في معرفة تطورات الأوضاع في شمالي  العراق.

2- مناقشة ماسمي بـ (حقوق) و (أوضاع) الأقلية التركمانية في
العراق ومستقبلها بعد انتهاء الحرب.

3- وضع حد لعلاقات التعاون التي قيل بأنها كانت قائمة بين أكراد العراق من جهة، وحزب العمال الكردستاني التركي من جهة أخرى.

لقد عقدت في أنقرة اجتماعات في الأسبوع الثاني من آذار 1991 بين مسؤولين من الخارجية والاستخبارات التركيتين من ناحية والسيد جلال الطالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وممثل للسيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني من ناحية أخرى، وتعهدت تركيا خلال تلك المباحثات بأن تساعد في إقامة علاقات سياسية مباشرة بين القادة الأكراد في العراق والإدارة الأميركية، وحصلت على وعد من أن لايلحق الأكراد العراقيين أي ضرر بمصالحهم وأنهم سيقطعون كل علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني التركي.

واتضح التأثير التركي والأمريكي من خلال عدم توقيع الاتفاق مع السلطة المركزية العراقية في السنة 1991، وقد أدانت الحكومة العراقية آنذاك أكثر من مرة هذه الصلات، ففي 2 مايس 1995 أدان ناطق بإسم الخارجية العراقية مثل هذه المواقف غير الودية للعراق التي تتخذها السلطات التركية من التعامل مع واقع الحال في كردستان العراق لأن ذلك يُعد تدخلاً سافراً في شؤون العراق الداخلية.   

لقد أجاب القائم بالأعمال التركي في بغداد سعدي جاليشلار على سؤال يتعلق بما إذا كانت الحكومة التركية تنظر إلى أكراد العراق بوجوه ملائكة، وإلى أكراد تركيا بأقنعة شياطين قائلاً: أن التنسيق الإقليمي كفيل بحل جميع مشاكل دول المنطقة.

وتستمر المصادر السياسية التركية في الإصرار رسمياً على ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي العراق، وهذا ماتفعله سوريا وإيران، وتعقد الدول الثلاث اجتماعات دورية منتظمة في عواصمها لمراجعة الموقف ووفقاً لما يسميه الدكتور(اندرو مانكو) الباحث البريطاني المتخصص بالشؤون التركية: "الخط التي تنتهجه الولايات المتحدة الأميركية حالياً (1995) وأيضاً المجتمع الدولي أيضاً على وجه العموم". وغالباً ماتنتهي هذه الاجتماعات بتأكيد المحافظة على وحدة الأراضي العراقية.

 

8- استخدام مسألة المياه للضغط على العراق وسوريا

أشرنا فيما سبق، إلى أن تركيا سعت ومنذ سنوات طويلة إلى تأكيد وتعميق الخلافات التي كانت قائمة بين العراق وسوريا وذلك بما يساعدها على الاستمرار في إكمال مشاريعها الاروائية الكبرى في جنوب شرقي الأناضول وضمان عدم التوصل إلى اتفاقية لتقسيم المياه بين الدول الثلاث: تركيا والعراق وسوريا. وقد أشار الدكتور (سها بولوق باشي) الأستاذ في جامعة الشرق الأوسط بأنقرة في 7 أيار 1990 إلى: "أن تركيا تدرك أن علاقاتها مع سوريا والعراق تتأثر دائماً من حيث تحقيق مصالحها بوجود أو غياب أو ضعف التوتر بين هذين البلدين، فعندما يتجاوز البلدان خلافاتهما يتبنيان اتجاهاً أكثر تصلباً إزاء تركيا ويرفضان أي حلول وسط بصدد المشكلات المثارة مع تركيا، وعندما تتوتر العلاقات بينهما يتجه كل منهما إلى تدعيم علاقاته مع تركيا بما يحقق مصالح الأخيرة".

ومن المسالك التي تلجأ إليها تركيا في هذا الصدد تأكيدها على أن الاتفاقية المبرمة سنة 1987مع سوريا لتزويدها بـ (500) متر مكعب في الثانية من مياه الفرات، تشكل اتفاقية ثنائية، ولكن الاتفاقية النهائية ستتم على صعيد ثلاثي، وأن النقص في كمية المياه التي تصل العراق عبر سوريا مشكلة يجب تسويتها بين هذين البلدين. كما ترى تركيا أن حرصها على مراعاة الاحتياجات المائية لسوريا والعراق لايفرض عليها أي التزام بالدخول في أي نوع من المفاوضات التي تمس، حسبما تقول حقوقها السيادية على الفرات ودجلة، وبالتالي لايمكن أن تنشأ مشكلة بين الدول الثلاث بسبب سد أتاتورك لأنها لم تبرم اتفاقية بشأن تقسيم واستغلال المياه. ويمكن الإشارة إلى ظاهرتين على قسطٍ كبيرٍ من الخطورة في هذا الخصوص. الأولى: تتعلق بمحاولات أوساط تركية عدة إطلاق الصفة التركية على نهري دجلة والفرات حتى نقطة مغادرة كل منهما الأراضي التركية. أما الظاهرة الثانية: فتتعلق بالمحاولات التركية للنهرين مما سيلحقه مشروع ري جنوب شرقي الأناضول (غاب GAP) من آثار سلبية على كل من العراق وسوريا، بل وادعاء إمكانية استفادة العراق وسوريا من هذا المشروع وترفض تركيا إبرام اتفاقية دولية لاقتسام مياه الفرات، وتصر على ضرورة تركيز جهود الدول الثلاث على التعاون الفني لضمان حسن استغلال وإدارة المياه. ومن الجدير بالذكر أن العراق وسوريا يعترضان على صيغة التعاون الفني ويطالبان بضرورة التوصل إلى اتفاقية لتقسيم مياه الفرات بين الدول الثلاث، كما يرفضان اقتراح تركيا بالتعامل مع مياه الفرات ودجلة كوحدة واحدة .

إنّ تركيا تستمر في ظل تباين المواقف تلك في إطلاق تهديداتها السافرة أحياناً والمستترة أحياناً أخرى باستخدام المياه كوسيلة للضغط على العراق وسوريا وتحرص على أن لايكون هناك أي تنسيق بينهما ودفعهما إلى قبول التعاون معها وفقاً لشروطها. وقد أشاعت بعض الأوساط إبان حرب الخليج الثانية على العراق أن هناك خطة أميركية- تركية لتعطيش العراق والضغط عليه بتقليص كمية المياه المتدفقة من تركيا وسوريا إلى أقصى حد. وفي شباط 1991 أشارت صحيفة (جمهوريت) إلى أن تركيا تعاقب العراق بتخفيض تدفق مياه الفرات إليه عبر سوريا إلى 300 متر مكعب في الثانية، وهذا الإجراء يأتي كجزء من قرار توسع نطاق الحظر الاقتصادي المفروض على العراق. وبعد يومين نفت وزارة الخارجية التركية هذه التقارير، لكنها أشارت إلى ماأسمته بـ (أسباب فنية) جعلت تركيا تخفض تدفق هذه المياه بحوالي 170 متراً مكعباً في الثانية وخلال المدة من 28 كانون الثاني إلى 3 شباط 1991.

وقد واجهت الخطط التركية هذه معارضة شديدة من بعض الأحزاب التي حذرت من القيام بأية محاولة تستهدف (استخدام المياه سلاحاً ضد العراق).

ومهما يكن من أمر فإن تركيا لاتزال ومنذ عدة سنوات، تُلوح بورقة المياه بأشكال مختلفة، فهي تارة تقدم هذه الورقة بوصفها كورقة سلام من خلال أنابيب أسمتها (أنابيب السلام) تمتد من أراضيها لتصل دول الخليج، وهي تشهر هذه الورقة بوصفها كورقة ضغط على كل من سوريا والعراق، كما فعلت سنة 1990 حين خفضت تدفق المياه عنهما فعرّضت البلدين إلى أخطار مؤكدة وألحقت بهما، زراعة وطاقة، أضراراً كبيرة. هذا فضلاً عن أنها أقحمت إسرائيل، وأعلنت أن موضوع المياه يهمها، وإنها ستعالجه مع دول المنطقة المعنية .

 

9- آثار التعاون العسكري التركي- الإسرائيلي

قام الرئيس التركي سليمان ديميريل في شباط 1996 بزيارة رسمية لإسرائيل، وتناقلت وكالات الأنباء خبراً يتعلق بتوقيع اتفاق عسكري بين تركيا و (اسرائيل)، ولم تظهر بعد تفاصيل الاتفاق في حينه، إلاّ أن بعض بنوده التي تسربت إلى الصحف التركية والإسرائيلية بعد دخوله حيز التنفيذ ومرور شهر على توقيعه أشارت إلى أنه يتضمن إنشاء مجلس أمني مشترك بين تركيا وإسرائيل ليقوم بمهمة تقييم التطورات العسكرية في المنطقة، ويسمح للطائرات الإسرائيلية باستخدام المجال الجوي التركي من خلال طلعات جوية تدريبية لمدة أسبوع وعلى مدى أربع مرات سنوياً. وينص الاتفاق كذلك على قيام إسرائيل بمساعدة تركيا على تحديث طائراتها وأن يجري الطرفان مناورات عسكرية مشتركة.

وفي 9 نيسان 1997 اختتم ديفيد ليفي وزير الخارجية الإسرائيلي زيارة لأنقرة استغرقت يومين، وشكّل تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية الثنائية محور المحادثات التي أجراها ليفي آنذاك مع وزيرة الخارجية التركية تانسو جيلر والرئيس التركي سليمان ديميريل ورئيس أركان الجيش الجنرال إسماعيل حقي قره باي . وقد تعززت العلاقات بين تركيا وإسرائيل في ظل حكومة اربكان المشكلة منذ تموز 1996، ووقّع الطرفان اتفاقات جديدة في مجال الصناعة العسكرية. ومن ذلك قيام إسرائيل ببناء مصنع لإنتاج صواريخ (بوباي) الإسرائيلية (جو/ أرض) في تركيا، وكذلك قيام  إسرائيل بتركيب رادارات ليلية في طائرات كوبرا المروحية، وتم الاتفاق على قيام شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بتحديث الأسطول التركي القديم الذي يضم 54 طائرة فانتوم. وقال مصدر في وزارة الدفاع التركية أن إسرائيل تأمل التوقيع على عقد مع تركيا بقيمة مئات الملايين من الدولارات لتطوير دبابات إم 60 التركية أميركية الصنع ووصلت تركيا (8) مقاتلات إسرائيلية في إطار تنفيذ التعاون العسكري لإجراء التدريبات في الأجواء التركية، وقررت تركيا وإسرائيل إجراء مناورات بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة في البحر المتوسط خلال صيف 1997 وتبحث الأطراف الثلاثة إمكانية تطوير الاتفاق إلى تحالف ستراتيجي بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

لقد أدركت الحكومة العراقية آنذاك بأن الاتفاق العسكري التركي- الإسرائيلي له آثار سلبية على الأمن الوطني العراقي والأمن القومي العربي وعلى مستقبل العلاقات العربية- التركية عموماً، فضلاً عن أنه يخلق أجواءً يسود فيها عدم الاستقرار ويتحكم بها منطق القوة والعدوان. وقد أثار الاتفاق مخاوف الأقطار العربية الأخرى وأعربت جامعة الدول العربية عن عدم ارتياحها وقلقها من هذا التحالف المعادي للأمة العربية إذ أنه سيغير من التوازن الاستراتيجي في المنطقة ويوسع من المسرح العملياتي (إسرائيل) ويستهدف الضغط على دول المنطقة ودفعها لتقبل المخططات الأميركية الرامية إلى إعادة ترتيب الأوضاع وفقاً لمصالحها. وقد كشف وزير الخارجية العراقي آنذاك عن مخاطر هذا  التحالف قائلاً: "إننا نتابع في السنوات الأخيرة وعلى وجه التحديد منذ عهد اوزال أن هناك جهات خفية وأخرى معلنة تسعى لتدفع بالسياسة التركية إلى الاصطدام بمصالح العرب والمسلمين وهو حال لايخدم مصالح الشعب التركي"، وأكد أن هذا التحالف موجه ضد العرب، ويشكل جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية لإسناد جهدها العسكري ضد العراق والأمة العربية". وندد بالمناورات العسكرية المشتركة بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة قائلاً: "بأنه لايجوز أن يتوقع المسؤولون الأتراك أن العرب سينظرون إلى اشتراك تركيا في هذه المناورات العسكرية البحرية نظرة عادية خاصةً وإنها ستجري في توقيت ليس له أي تفسير". وأضاف: "أن هذه المناورات عمل عسكري يتم على حساب العرب والمسلمين خاصةً عندما نعرف أن دولاً عربية معروفة تقع جغرافياً على البحر المتوسط وأن حقوقها السياسية مازالت مغتصبة من قبل إسرائيل". ودعا إلى التعامل مع الإجراء التركي بأكبر قدر من القلق والجدية والاهتمام.

 

 

خلاصة واستنتاجات

لقد أثبتت الوقائع والأحداث، وخاصة في مرحلة مابعد حرب الخليج الثانية، أن السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق والأمة العربية والذي انعكس في سلسلة طويلة من المواقف والأفعال والتدابير، تميز بالتقاطع والتضاد، ليس مع المسيرة الصحيحة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات العراقية- التركية وحسب، بل مع الثوابت المعروفة في السياسة الخارجية التركية التي وضع أسسها الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك منذ نشأة الجمهورية سنة 1923، وقد أقر بهذه الحقيقة (أرسين قليج أوغلو) الأستاذ في جامعة البوسفور باستانبول في بحثه الموسوم "السياسة الخارجية التركية والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط" 1996 مبرراً ذلك بالتطورات التي حدثت في التسعينات من القرن الماضي حينما قال: "أن هذه التطورات اضطرت تركيا إلى الانحراف عن بعض المبادئ أولها: أن تركيا أصبحت متورطة في أحداث شمالي العراق، وفي هذا انتهاك لأحد مبادئ سياستها الخارجية، والذي ينص على عدم التدخل في السياسة الداخلية للدول العربية. وثانيها: أن قضية المياه قد دفعت بعض الدول العربية إلى الائتلاف ضد تركيا، وفي هذا خرق آخر في السياسة الخارجية التركية، والقاضي بضرورة تجنب كل مامن شأنه أن يؤدي بالدول العربية إلى الدخول في ائتلاف ضد تركيا فيما يتعلق بأية قضية من القضايا، وأخيراً فإن تركيا أقامت روابط أوثق بـ (إسرائيل) بعد اتفاقيات أوسلو 1993 بقصد مواجهة ماأسماه بالتهديدات التي تمس أراضيها والقادمة من شمالي العراق وإيران وسوريا (دعم عناصر حزب العمال الكردستاني التركي).

إن تطورات مابعد حرب الخليج الثانية أخفقت في التخفيف من المخاوف الأمنية التي أخذت تقض مضجع تركيا، لابل أنها فاقمتها، فالغزو العسكري المستمر لشمالي العراق، وتبني مشاريع مريبة لإقامة حزام أمني، داخل العراق، وعدم التنسيق مع الحكومة المركزية وادعاء حماية التركمان والتلويح بورقة المياه وما شاكل لايمكن أن تفسر إلاّ على أنها سياسة مضادة للعراق ولأمنه الوطني، وعلى تركيا أن تعيد النظر في سياستها الخارجية وفقاً لمصالحها الاقتصادية والأمنية، فحرب الخليج الثانية على العراق وما يرتبط به من حصار لم يعطِ تركيا ماكانت تطمح إليه من مكاسب، بل بالعكس جلب إليها الكثير من المشاكل الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي.

ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى أن يعي الأتراك حقيقة مهمة وهي أن هناك قوى دولية وإقليمية تدفعهم للتصادم مع المصالح العربية والأمن القومي العربي، فتنعزل تركيا، مما يسهل مهمة اضعافها أكثـر فأكثر ضد العرب وضد نفسها".

وأخيراً فإن المستقبل قد يحمل قدراً من التنسيق بين العرب لمواجهة المخاطر والتحالفات المعادية، وعندئذٍ تتحمل تركيا المسؤولية الكاملة عن أعمالها ومواقفها تجاه العراق، وجميع النتائج المترتبة على هذه الأعمال بغض النظر عن الحجج والذرائع التي تدعيها، ويبقى إذن منطق الحوار والتصالح واحترام حقوق الجيرة الحسنة، والتنسيق مع دول الجوار بما يحقق الأمن الحدودي، والتفاهم والرؤية المتوازنة والموضوعية لمشاكل المنطقة وكيفية معالجتها هو الأسلوب الأمثل الذي يصب في مصلحة الطرفين.

 

 

 

 

 

 

 

 

مصادر البحث

اعتمد الباحث على مصادر عديدة يأتي أرشيف مركز الدراسات التركية (الإقليمية حالياً) بجامعة الموصل في مقدمتها، إضافة إلى المصادر الخاصة والصحف اليومية وبحوث الكاتب ومنها:

1- د. إبراهيم خليل أحمد العلاف: "التدخل العسكري التركي في شمالي العراق: أهدافه، مواقف الدول منه، مخاطره على الأمن الوطني العراقي".

2- د. إبراهيم خليل أحمد العلاف: "فكرة المنطقة الأمنية المعزولة على الحدود
العراقية- التركية ومخاطرها على الأمن الوطني العراقي والأمن
القومي العربي".

3- د. إبراهيم خليل أحمد العلاف: "تركيا بين حزب العمال الكردستاني وقوات المطرقة الأجنبية"، المنشور في: خليل علي مراد وآخرون، القضية الكردية في تركيا وتأثيرها على دول الجوار"، إصدار مركز الدراسات التركية، الموصل 1994.

ومن المصادر الأخرى:

1- جلال عبدالله معوض: "تركيا والأمن القومي العربي: السياسة
المائية والأقليات"، مجلة المستقبل العربي"، بيروت، السنة
(15)، العدد (160)، حزيران 1992.

2- أرسين قليج أوغلو: "السياسة الخارجية التركية والأمن الإقليمي والتعاون في الشرق الأوسط"، نشرة المنتدى، عمان، العدد
(127)، نيسان 1996

____________*ابراهيم خليل العلاف، نحن وتركيا ، دار ابنالاثير للطباعة والنشر - جامعة الموصل ، الموصل 2008

*

*


 

سيرة الدكتور ابراهيم العلاف في فيلم وثائقي من اعداد الاخ والصديق الاستاذ هاني عبدالكريم الطائي

  سيرة الدكتور ابراهيم العلاف في فيلم وثائقي من اعداد الاخ والصديق الاستاذ هاني عبدالكريم الطائي فشكرا له شكرا جزيلا https://www.facebook.co...