الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

سؤال التاريخ المكاني ................الكاتب والصحفي عبد الامير عسكر يحاور الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف الكاتب والمؤرخ والصحفي واستاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل - العراق


                                                         عبد الامير عسكر يحاور الدكتور ابراهيم العلاف


سؤال التاريخ المكاني ................الكاتب والصحفي عبد الامير عسكر يحاور الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف الكاتب والمؤرخ والصحفي واستاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل - العراق 


سؤال التاريخ المكاني

 

المتحاور:  أ.د. إبراهيم خليل العلاف .. المحاور: عبد الأمير عسكر

 

لن يحدث شيء، أن تكون بتوقيت المؤرخ وآنية خلوته الكتابية؛ بل حتى الإلهامية، تصله قبل البدايات، يدفعك َويوصلك تطلع لحوح بل فضول حميد، تبغ إجابات لما قبل حدوث الفعل الكتابي التأريخي، كأن ترافق ولادة لحظات تؤرخ، تكون في توقيت قلق، بين الفكرة والمسودة، لتضع أسئلتك وتنهل الإجابات، هذه إذن؛ أسئلتي عن فكرة التأريخ المكاني، إنه سؤال التاريخ، والمكان سمة مختارة.

 

1- ماذا تحمل بيدك عندما تقلب التواريخ، عدسة، كاميرا، مشرط، ملقط، مجهر، منظار؟

-نعم.. سؤال جميل وأجيب وأقول ان القلم هو دومًا بيدي أدون وأكتب ملاحظة أو فكرة أو موضوع وأحيانًا أحتاج إلى العدسة عندما أجد أن ثمة كلمات غير واضحة أو أن هناك توقيعًا أو تأريخًا غير واضحًا، في أنني استخدم حاليا كاميرا الموبايل في توثيق هذه الصورة أو تلك. طبعًا المؤرخ يحتاج إلى أدوات تعينه في التدوين وفي التوثيق وفي تثبيت الحقائق .

 

 

 

 

2-فهل زرت مكانًا واقعيًا، تاركًا غرفتك وما تحيطك من مكاتيب ومصادر ووثائق، لتؤرخه، ولأنني أريد المزيد، أي مكان كان ذلك؟

-زرت أماكن كثيرة في العراق وخارجه لكن اقرب ما كنت أحسب له حسابًا هو دور الوثائق والأرشيفات ..أقول حبذا الاقامة الدائمة في هكذا أماكن وفي غرفة مكتبي الان لدي ما يذكرني بدور الأرشيف ومن الأرشيفات دائرة السجلات العامة في (كيو كاردنز) القريبة من لندن .

 

3-لو أنك على آلة زمنية، فأي التواريخ سترغب بتأريخها، وحبذا لو تضيف أكثر، لماذا؟

-تواريخ وطني الصغير العراق ووطني الكبير الوطن العربي .. أحب تاريخ العراق لأنه حي وديناميكي وفيه من التجارب الكثير الكثير مما يجب أن يتعلمه أي واحد منا .تيارات وأفكار واتجاهات ورؤى وصور وأحزاب ورموز وثورات وانقلابات ومشاكل وفتن ومصائب وووحدة وتشارك ووعي في تاريخنا العراقي المعاصر حركية متجددة تدعونا إلى أن نوثقها وأنا لدي عشرات السجلات والكناشات التي أدون فيها ما أراه وما أقرأه وما أسمعه .

 

4-من بين المصادر والوثائق والشهود، ماذا تختار لتكتب التاريخيات؟

-المصادر التي نسميها نحن بالرئيسية أو الأصلية التي تساعدنا عند عرضها وكتابتها على فهم الحدث ..أيضًا الوثائق ومنها مثلا المراسيم الملكية أو الجمهورية أو القوانين أو مناهج الأحزاب أو القرارات التاريخية هذه هي المادة الخام التي يجب أن نعتمد عليها ونحن نؤرخ ثم تأتي الصحف والمجلات والمذكرات الشخصية والمقابلات مع صناع القرار .

 

5-أمامك اختيار واحد لتأريخه، فبين: السجون، المستشفيات، ماذا ستختار؟

-السجون هي من أختار لأكتب عنها فهي المكان الذي قد يضم إنسانًا حرًا قال كلمة وسجن أو إنسان مظلوم ألقي به في غيابات السجن فتاه ولم يعد يسمع عنه أحد .

 

6-كيف ينجح المؤرخ في تأريخ: السراديب، الأنفاق، الخنادق، المهددة بعوامل جيولوجية؛ متوالية؟

-المؤرخ يهتم بكل شيء أنتجه الإنسان وصنعه ولا يمكننا اغفال أنفاق غزة ولا خنادق الحرب العالمية الثانية 1939-1945 كلها كانت حية وفاعلة وكان لها دور والمؤرخ يجب أن لا يهملها بل يشير إليها ويذكر بما قامت به سلبًا أو إيجابيًا.

 

7-على من تعتمد لتكتب تاريخ أو بعض تاريخ السجون: السجان، السجين، المخبر السري، زائرو السجين؟

-حتى أؤرخ للسجون لابد أن أسمع الجميع وكل من السجان والسجين وجهة نظر وموقف وحتى أكون منصفًا علي أن أسمع الطرفين وحتى أطلع على ما كتبه المخبر السري وزائرو السجون . قد لا تصدق أنني مررت خلال السنوات التي سبقت 2003 بمواقف أختلط فيها الأمر السجان والسجين فوقفت في المحكمة وكانت سرية وخاصة وشهدت بالحق واطلق سراح السجين بعدما كان مهددا بالإعدام وهو أستاذ . قلت كلمتي أمام رئيس المحكمة الخاصة وبعدها أطلق سراح السجين وكان متهما بتهمة أمنية سياسية . لهذا يجب أن أسمع كل الأطراف حتى أكون منصفًا ومن أهم مواصفات المؤرخ أن يكون أولًا منصفًا وثانيًا شجاعًا يقول الحق ولو على نفسه .

 

8-فمن أين تبدأ تأريخك، من الأسفل إلى الأعلى أم من الأعلى إلى الأسفل، أعني بذلك مكانيًا، مثلًا: أفعلت أن أرخت الأرضيات، ثم الفراغات ثم السقوف ثم المنارات أو المرتفعات العمرانية، أم العكس بالعكس؟

-التاريخ يبدأ عندنا من الماضي وفي جامعة السوربون يبدأ من الحاضر ثم يعود إلى الماضي .ولكي تكتب تاريخًا موضوعيًا عليك الرجوع إلى الأصول إلى الجذور إلى الأساس ومن ثم تنطلق الى السقوف.

 

 

9-هل أرخت المقابر؟

-نعم لي عدة مقالات عن المقابر ومنها مقبرة قريش في الموصل أو ما أسميها أنا مقبرة العظماء في باب سنجار وفي وسطها قبر المؤرخ الموصلي الكبير عز الدين بن الأثير صاحب كتاب ( الكامل في التاريخ ) وكتاب ( التاريخ الباهر في الدولة الاتابكية) ويسميه أهلنا خطأ (قبر البنت) .

 

10-ماذا بشأن الزخارف، النقوش، الرسوم، التي تتعالى على الحصون، الأسوار، الجدران، هل أرخت شيئًا من ذلك؟

-نعم هي من إبداعات فناننا العراقي وهي من إبداعات المدرسة العراقية في العمران ولا يخلو بيت قديم من الزخارف ولا يخلو مسجد أو جامع من النقوش والرسوم هي دليل تسامي في ذوق الفنان وهي  تساعدنا في فهم الفترات التاريخية. كان على الأبواب نقوش وكانت الاواوين مزخرفة وهذا كله يرتبط بعمق حضارتنا القديمة والوسيطة وحتى الحديثة .

 

 

11-واجهتك تاريخيات مكانية عصية، فتنحيت تأريخها، فماذا كانت؟

-مواطن الفتنة وأحداث الحروب بين الاهلين وما يجعل الناس في صراع أحاول دومًا تجنب توثيقها وعندما أضطر أنبه القارئ وأقول يا سيدي أنا لا أريد أن أنكأ الجراح لكن الضرورة اقتضت مني التذكير مع تأكيدي على تماسك المجتمع وإبعاده عن كل ما ينغص حياة أهله بشكل أو بآخر.

 

12-فكرت أو أردت أن تهدم مكانًا تاريخيًا، وهذا الهدم بماذا سيكون: المعاول، الجرافات، الديناميت، الصواريخ، أم تصهرها بالنار؟

-أنا لست مع الهدم أبدًا وانتقدت هدم الكثير من أبنية الموصل لأن هذه الأبنية تذكرنا بتاريخنا فلماذا نهدمها ؟ هدمنا خانات وقصور وجسور ومخازن ومراكز للشرطة ومدارس وهدمنا أسوار الموصل وهدمنا بنايات وهدمنا وهدمنا ..........الهدم سهل حتى لو بمجرفة صغير لكن البناء صعب وأقول لنغادر عقلية الهدم ونبدأ بعقلية البناء والاعمار .

 

13-بأي حاسة تؤرخ المكان؟

-بكل الحواس أحيانًا تحتاج أن تشم رائحة المكان وأحيانًا تحتاج أن تسمع صدى الجدران ترى المكان بعينيك وتقرأ عنه وتعرفه معرفة يقينية.

 

14-أيهما في صالح المؤرخ، لتأريخ أصل المكان: الطين أم الحجر أم الخشب؟

-طبعًا الحجر لأن أكثر قوة وأكثر ديمومة وكل ما بني بالحجر يبقى وكثيرًا من آثارنا الطينية أو الخشبية زالت .

 

15-ماذا ستختار لتاريخياتك المكتوبة من عطور، من بين: عطر الأسواق، عطر الأزقة، عطر البيوت؟

-عطر الأسواق فهو الأكثر قوة والأكثر نقاء والأكثر ديمومة .أمر بسوق العطارين في الموصل فأشم رائحته وافهم مكنونات وعناصر تاريخه ..أمر بسوق الحنطة في باب الطوب فأشم رائحة الحنطة وأحس بقيمتها وأقدر حاجتنا إليها وقد كتبت عن أسواق الموصل وخاناتها وقيصرياتها ولي كتاب منشور عنها ..كتبته من هذا المنطلق .

 

16-الأمكنة التاريخية قد تتشوه، قد ينالها تمويه، قد تتعرض للتخريب، أو تتوارى قسرًا، فكيف تنتصر لذلك، وتؤرخها؟

-أؤرخها أي أكتب تاريخها وأصورها أي ألتقط لها صورًا وبهذا أحفظها فضلًا عن أنني أدعو إلى المحافظة على الأمكنة التاريخية وصيانتها ..هذه منارة الحدباء  كم تذكرنا بالدولة النورية وهذه الإعدادية الشرقية كم تذكرنا بالعهد العثماني وهذا بيت ناظم العمري وقصر الدكتور كريكور استارجيان وخان حمو القدو وقيصرية السبع أبواب وفي بغداد مثلا الشورجة ووو.

 

17-تنطلق في رحلة تأريخ، فماذا ستختار من مركب: الجَمل، الحصان، السيارة، قد تختار بساط ريح، أو تفضل الترحال كبدوي؟

-الآن السيارة والطيارة والقطار ولكل مرحلة زمنية وسائل النقل الخاصة بها ..في عصر الطائرة هل من المعقول أن ألجأ للجمل طبعًا هذا يخالف ما يسميه المؤرخ وفيلسوف علم الاجتماع ابن خلدان ( طبائع العمران).

 

 

 

18-كيف تتغلب أو تنتصر للحياد التأريخي؟

-عندما ألتزم بالحقيقة  في كتاباتي التاريخية ولا شيء غير الحقيقة.

19-هل وقعت في تحد تأريخي مكاني، بينك وبين نفسك، هل تحقق كما ينبغي أن يؤرخ؟

-عندما تبحث عن مكان وتجيء إليه وتراه قد هدم ... جئت إلى منطقة الزهور في مدينتي الموصل أبحث عن قصر كنت أعرفه وهو قصر المحامي العروبي الشهيد عبد القادر العبيدي فوجدته قد أزيل وحزنت ..كنت أعد حلقة من برنامج تلفزيوني اسمه ( موصليات ) من قناة الموصلية الفضائية عن مدينة الزهور في الجانب الايسر من مدينة الموصل .

 

20-أتتبع السياق الجغرافي في كتابة التاريخيات، أم تختار وفق نهج السرد والتشويق لتؤرخ " المنارة المئذنة البرج الفنار"، إلى بقية المعالم العمرانية داخل المسودات الكتابية؟

-التاريخ هو تفاعل الإنسان مع الزمان ومع المكان ووضع كل حدث تاريخي في سياقه المكاني الجغرافية مهم جدًا وقديما قالو (الجغرافية توجه التاريخ) .

 

21-هل أرخت المناطق المتجمدة، المسطحات المائية، الصحاري، السهول، أي منها كان يروق لك تأريخه؟

-الجبال - الشمال - أهل الشمال هم من أهتم بتاريخهم لهذا لي كتاب منشور بعنوان ( أهلنا في إقليم كردستان العراق) .

 

 

22-وفق أي معيار يؤرخ المكان، ومتى يصبح المكان كامل الخصال ليتشكل ويصبح تحت أنظار المؤرخين؟

-المكان عندما يرتبط بحدث معين يصبح له تاريخ.

 

23-ابن أي انتماء تأريخي أنت، القرية أم المدينة، ومن بين ما أرخت، أيهما حضر وغلب في تدويناتك التاريخية؛ القرية أم المدينة؟

-أنا مديني أنا ابن المدينة لكني لم أهمل الريف فلي كتاب عن ريف وأقضية ونواحي وقصبات الموصل.

24-أي مكان يخيفك، وأي مكان يحزنك، وأي مكان يسعدك، فيما لو كنت تؤرخه؟

-المكان الذي سبق للغزاة والمحتلين أن مروا به. يحزنني ويخيفني لأنني لا أجد فيه إلا الخراب والتدمير  ويذكرني بقصيدة اليوت (الأرض اليباب).

 

25-هل ندمت لأنك أرخت مكانًا تاريخيًا؟

-أبدًا لم أندم على موضوع كتبت فيه أو مكانًا تاريخيًا أرخت له أبدًا.

 

26-تريد أن تؤرخ مكان ما، وإلى الآن لم تفعل؟

-هناك قرى وهناك قصبات وهناك محلات -احياء تحتاج أن نكتب عليها وأشجع الآخرين أن يكتبوا عن أماكنهم .. الإنسان يشتاق إلى الأماكن وخاصة تلك التي كانت ملعبًا لصباه

 

 

27-هل حذفت مكانًا تاريخيًا أرخته، ولماذا؟

-أبدًا لم أفعل فكل الأماكن التي كتب عنها جميلة وأعتز بها وأفخر لأنني وثقت لها.

28-بيدك أمر العمران، وأمامك فرصة لتبني مدينة تاريخية، كيف ستكون هذه المدينة؟

-مدينة عصرية وفق النظم المعمارية الحديثة مع المحافظة على  خصائص بعض المناطق وجعلها تذكرنا بالأماكن التي عاصرناها.

29-إذا أرخت الجسور، ووضعت عنوانك " تاريخ الجسور"، اعطي عنوانات الفصول؛ التي ستضعها كعتبات داخلية للكتاب؟

-تاريخ الخانات -تاريخ المساجد – تاريخ الكنائس – تاريخ المعابد – تاريخ الحدائق – تاريخ المدارس – تاريخ الأسواق – تاريخ الجامعات – تاريخ الحرف – تاريخ الزراعة -تاريخ النقل – تاريخ .. الجسور تربط بين كل هذا وتساعد الإنسان على الانتقال من مكان الى آخر . لمن الجسور إنها للإنسان وقد تربط الجسور بين قلبين كما قالت الشاعرة الكبيرة الراحلة لميعة عباس عمارة في قصيدتها عن (الجسر المعلق) .

 

30-أية مدينة تاريخية أو آنية تعتبرها مدينة فاضلة؟

-مدينة القاهرة ..........مدينة عظيمة تجد فيها الإنسان كما هو.

 

 

 

 

31-فهل أرخت شيء عمراني منفرد وبشكل شمولي، كأن تكتب: تاريخ النوافذ، تاريخ الأبواب تاريخ الشرفات أو أي تاريخ يوثق ضروريات أو كماليات البيت؟

-نعم للإيوان تاريخ وللقنطرة تاريخ وللسرداب تاريخ وللأبواب تاريخ ولليازلغ أي الشرفات تاريخ وللعليه تاريخ كتبت عن كل هذا وخاصة في مدينتي الموصل العزيزة.

 

32-في أي اتجاه تاريخي؛ تضبط بوصلتك؟

-منارة الحدباء في الجامع الكبير النوري في الموصل لدي الآن مجسم لها موضوع أمام مكتبي من الكريستال إنها أيقونة الموصل وموطن شموخها وتاريخها يصل إلى 850 سنة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

33-كيف ستختار الأمكنة صوريًا؛ لإقامة وتحويل غرفتك إلى متحف تاريخي صوري، على سبيل هكذا خيارات: صورة لأي جبل، صورة لأي واد، صورة لأي نهر، صورة لأي شاطئ، صورة لأي شلال، صورة لأي خليج، صورة لأي مضيق، صورة لأي محيط، صورة لأي جزيرة، صورة لأي صحراء، صورة لأية غابة، صورة لأي بركان، صورة لأية قلعة، صورة لأي سور، لأية أعجوبة من عجائب الدنيا، صورة لأية منارة، صورة لأي جامع، صورة لأية كنيسة، صورة لأي مكان مقدس، صورة لأي مكان مشرف، صورة لأي معبد، صورة لأي نصب/ تمثال، صورة لأية مدينة، صورة لأي جسر، صورة لأية قنطرة، صورة لأي شارع، صورة لأي سوق، صورة لأي بيت؟

 

-لدي غرفة مكتبة فيها كل ما يمت إلى حياتي من تذكارات - صور قديمة ودروع وأوسمة ومجسمات لبعض الرموز التاريخية وصور منها صورة لمؤسس الدولة العراقية فيصل الأول وصورة للزعيم العربي القومي جمال عبد الناصر كل هذه التذكارات ومنها طبعًا مجسم لمنارة الحدباء تذكرني بمراحل في حياتي.

 

 

34-ماذا يمكن أن تضع على منضدة الكتابة الخاصة بك، على سبيل افتراض ومجاز وتوق وشغف: حجر أية حقبة، طابوق أية حضارة، لِبنة أية فترة؟

-مجسم لمنارة الحدباء مضاءة وبصورتها الشامخة وقد عدنا إليها وعادت إلينا.

 

 

35-ماذا سنجد في حقيبة المؤرخ إبراهيم خليل العلاف على سبيل افتراض ومجاز وتطلع: خريطة أي بلد، تاريخ أي عصر، سيرة أية مدينة، رسائل أي رحالة، مسودة أي مكان تاريخي؟

-أهتم الآن بتاريخ النهضة أكثر مما أهتم بتاريخ السقوط وأهتم بتاريخ الإعمار أكثر مما أهتم بتاريخ التخريب وأهتم بالتعاون والتفاؤل أكثر مما أهتم بالبكاء والتشاؤم وأكتب عن عناصر التعاون أكثر مما أكتب عن التشرذم وأكتب عن الشباب وأهتم بهم أكثر مما أكتب عن غيرهم وأكتب عن المستقبل أكثر مما أكتب عن الماضي ولا أدع الأموات يحكموننا من وراء القبور .

* الموصل 25-9-2026

لوحتان رائعتان للفنانة التشكيلية العراقية الاستاذة نادية الالوسي


 

فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية الكبيرة تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

                                      القائد الخالد جمال عبد الناصر والشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان 



فدوى طوقان تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

واللقاء منشور على موقع (عين على التراث ) الفيسبوكي والرابط التالي :

فدوى طوقان تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

 



والرابط التالي : https://www.facebook.com/

من أوراقي المطوية ..قصة لقائي مع جمال عبد الناصر سنة ١٩٦٨
بقلم: فدوى طوقان
عدوان حزيران عام ١٩٦٧، دمنا ما تقطر من حدي سكين الطعنة المباغتة، الواقع الجديد يصيبنا بالشلل والذهول، وأرواحنا تضطرب تحت الممارسات القمعية من قبل الجيش الإسرائيلي. بضعة أسابيع، شهران أو أقل بقليل، أسترد بعدها وعينا وتبدأ مرحلة الرفض والمقاومة، ويبدأ تعاملنا مع التحديات الصعبة.
يظل الشعر هو الرد الأدبي الأسرع على الأحداث والتحديات، ذلك أنه بطبيعته لغة الانفعال والاشتعال العاطفي، ومن هنا فهو بالتالي أكثر تلقائية من أشكال التعبير الأدبية الأخرى، كالقصة والرواية مثلاً، فهذه أو تلك تحتاج إلى البعد الرابع، البعد الزمني، كما أنها تحتاج إلى حال من الهدوء، ناهيك عن الاختمار الفكري، قبل أن تخرج عملاً أدبياً يقوم بالدور الفعال والدعوة إلى تغيير الواقع الجديد البشع.
وهكذا، سرعان ما بدأ اندماجي بالجماهير في لقاءاتي الشعرية معهم، تلك اللقاءات التي كانت الهيئات الوطنية تنظمها سراً في مختلف بلدان الأراضي المحتلة، كالقدس ورام الله والبيرة وبيت لحم وغزة وبيت جالا، وكان يتم ذلك بحضور رؤساء بلديات تلك المدن لندواتي الشعرية.
في اليوم التالي لأمسيتي الشعرية في بيت جالا، تبين أن بعض اليهود الشرقيين من رجال المخابرات الإسرائيلية كانوا قد اندسوا بين الحضور، وهؤلاء يصعب تمييزهم عن أبناء العرب. فقد فوجئ رئيس البلدية السيد «البندك» وبعض الرجال البارزين ممن حضروا الأمسية، فوجئ هؤلاء بالحاكم العسكري في بيت جالا يستدعيهم واحداً واحداً، حيث أنحى باللوم الشديد على رئيس البلدية لموافقته على تنظيم تلك الندوة وحضوره وحماسه لها. ثم التفت إلى المرحوم توفيق قطان، أحد رجال الأعمال البارزين في الضفتين، التفت إليه قائلاً: «وأنت، أنت ابن السبعين عاماً، إذا كانت قصائدها قد أثارت حماسك إلى ذلك الحد، فكيف بتأثيرها على جيل الشباب؟».
أما عضو البرلمان الأردني السيد ربحي مصطفى، فقد خاطبه الحاكم العسكري بكلمات حادة، ومما قاله: «أترى كان اندفاعك إلى المنصة ومصافحتك الحارة لها بدافع الإعجاب بشخصها أم بأشعارها؟».
بعد ذلك بأيام قليلة قام وزير الدفاع موشيه دايان بجولة من جولاته، وفي بيت جالا استدعى رئيس البلدية مرة أخرى إلى دائرة الحاكم ليستمع إلى دايان منذراً ومحذراً إياه من تكرار تنظيم مثل ذلك اللقاء الشعري مع الجماهير في بيت لحم أو بيت جالا حيث الهدوء واستتباب الأمن، فـ«حذار من اللجوء إلى مسببات التهيج والإثارة في هذه المنطقة».
في الأسبوع الأول من أكتوبر عام ١٩٦٨ اكتشف الإسرائيليون كمية هائلة من أنواع المتفجرات المختلفة في أحد بيوت البلدية القديمة بنابلس. فجاء وزير الدفاع يركض إلى نابلس غاضباً مستفزاً، فقد كانت مدينة بيسان قد ضربت بشدة بصواريخ الفدائيين قبل اكتشاف المتفجرات بيوم واحد فقط. جاء دايان ليطلب من رئيس بلدية نابلس آنذاك، حمدي كنعان، استدعاء بعض رجالات المدينة.
قال دايان للمجتمعين: ما الذي تريدون يا أهالي نابلس؟ هل تريدون مقاتلة إسرائيل؟ إذن تفضلوا وافعلوا إن كنتم قادرين على ذلك. أنا لا أطالبكم بالتعامل معنا، ولكن عليكم على الأقل أن تحرصوا على سلامتكم، فهذه المتفجرات التي وجدناها اليوم لو أن لغماً واحداً منها انفجر لكان كافياً لتدمير نصف نابلس، ثم هناك تلك الشاعرة التي تكفي كل قصيدة من قصائدها لخلق عشرة من الفدائيين.
هنا رد عليه رئيس البلدية قائلاً: ماذا تتوقعون غير ذلك؟ إن ردة الفعل لدى أي بلد محتل، وفي أي جزء من أجزاء العالم، هي مقاومة الاحتلال ورفضه.
قبل مغادرته لدار البلدية التفت دايان إلى رئيس البلدية قائلاً: أريد مقابلة فدوى طوقان. وبعد الظهيرة وفد عليّ عمي قدري ليخبرني بأنني مطلوبة لمقابلة وزير الدفاع. وبالفعل تم تحديد موعد المقابلة بين رئيس البلدية وديقيد فارحي مستشار دايان في شؤون الضفة الغربية.
---
بعد ظهيرة اليوم المحدد للاجتماع، انطلقت بنا سيارة رئيس البلدية، فلفت نظري أنها اتجهت غرباً، وكان توقعي أن تتجه شرقاً حيث الطريق إلى القدس. سألت: إلى أين؟ قال: إلى تل أبيب.
ساعة وبعض الساعة، عرجت السيارة بحي في إحدى ضواحي تل أبيب، لتقف أمام أحد البيوت هناك، وليفاجئني مرأى دايان وقد بسط راحتيه مرحباً بالقادمين.
انتفضت أعماقي استياء واستغراباً.
في بيته إذن؟!
يا للتناقض ويا للمفارقة!
أنا التي أمثل بقصائدي الرفض ومقاومة الاحتلال أمضي إلى دايان في بيته، وكأنني أقوم بزيارة خاصة لوزير الحرب ممثل الاحتلال والعدوان؟
ما العمل؟ وكيف أتصرف؟ مصيبتي الكبرى هي هذه الطبيعة الخجول وهذا العزوف الغريزي عن اتخاذ المواقف التي قد توهم الآخرين، ممن لا يعرفونني على حقيقتي، بأنها مواقف استعراضية. فهل أعاند وأصر على رفض الدخول إلى المنزل؟ أو ليس في هذا ما يحرج رئيس البلدية والذي كان عليه أن يخبرني سلفاً عن مكان اللقاء؟ الله يشهد هنا أنني كثيراً ما أجدني قد ورطت نفسي فيما لا أحب من الأمور، لأجنب الآخرين ما قد أسببه لهم من إحراج.
تقدمنا دايان ليمضي بنا إلى غرفة الجلوس الغاصة رفوفها بالقطع الأثرية. هناك عرفني على اثنين من مستشاريه: ديفيد فارحي وديقيد زخريا. لم نكد نتخذ مقاعدنا حتى دخلت زوجته وابنتها يائيل دايان الكاتبة الروائية لتسلما علينا ببشاشة وترحيب.
لم يلبث دايان أن بدأ الحديث معي قائلاً، وقبل أن يجلس: أنت تكرهيننا، لقد قرأت قصائدك مترجمة إلى العبرية، إنها تفيض بمشاعر الكراهية وبالكلمات العاصفة.
قال ذلك ثم اتخذ له مقعداً قريباً مني.
قلت: لست أكرهكم كيهود، لكني أكرهكم كمحتلين. إنني من الذين يؤمنون بحق اليهود في حياة كريمة بعد الذي عانوه في أوروبا، نعم، لقد عانوا كثيراً، لكن لماذا نكون نحن الفلسطينيين من يدفع الثمن؟ لقد ذهبت بعد الحرب إلى حيفا ويافا فهزني ما رأيت من بيوت العرب المهجورة، ومن ركام الدور المهدمة، والتي ما تزال أطلالها ماثلة منذ حرب ١٩٤٨، كما هزني ما رأيت من سوء حال العرب المقيمين هناك وفي اللد والرملة والقرى التي زرتها، فلم أملك إلا أن أعبر عن مشاعري تجاه وطني وتجاه شعبنا، أتراك تلومني على ذلك؟
قال: كلا، لست ألومك، بل إنني أقدرك، وأتمنى لو أن لدينا شعراء وطنيين مثلك، لكن ما هي النتيجة؟
قلت: أعتقد أنكم لو تنسحبون من أراضينا المحتلة فإنكم ستطوعون بذلك سبيلاً إلى الحل.
قال: كيف ننسحب وهناك لاءات جمال عبد الناصر في الخرطوم: لا سلام ولا اعتراف ولا مفاوضات.
قلت: لقد أُلغيت هذه اللاءات الثلاث تلقائياً منذ قبول عبد الناصر بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢.
قال: لقد انسحبنا من سيناء ومن غزة عام ١٩٥٦ ومع ذلك لم تحدث تسوية، وبقيت المشاكل قائمة. لن يجلس عبد الناصر معنا على مائدة مفاوضات، وعليكم أن تكونوا فخورين به. أنا متأكد أنه لا يوجد زعيم باستطاعته التأثير على جمال بهذا الصدد. ونحن باستطاعتنا التحدث مع بعض الزعماء، لو أن في مقدورهم التأثير على عبد الناصر. الفلسطينيون وحدهم هم القادرون على أن يؤثروا عليه.
هنا التفت إلى ابن عمي قدري قائلة: هل تفعل ذلك؟ فقال دايان: افعلي أنت ذلك. ورد عليه رئيس البلدية قائلاً: ما الذي سيقوله الفلسطينيون لعبد الناصر فيما أنتم ترفضون الانسحاب من القدس وسيناء وهضبات الجولان و... إلخ؟
قال دايان: إنني الابن الروحي لبن غوريون، وأتبنى أفكاره، ولقد صرح بن غوريون قبل أسبوع في الكنيست وفي مؤتمر صحفي، قائلاً: إنه لا يهمه حجم إسرائيل لو ظل صغيراً، إن كل ما يريده هو حدود آمنة ومعترف بها.
---
قبل مغادرتنا قدمت إليّ يائيل روايتها Death Had Two Sons مع عبارة إهداء تقول فيها: «على أمل تفاهم أفضل على الأقل». فأرسلت إليها بالمقابل إحدى مجموعاتي الشعرية، فلقد قدرت لها صدقها وصراحتها في تصديها لأبيها بشأن تعذيب السجينات الفلسطينيات حين أكدت حقيقة ذلك التعذيب.
في طريق عودتنا أخبرت ابن عمي قدري ورئيس بلدية نابلس أنني لا أحب أن يبقى أمر ذلك اللقاء سراً مخفياً، حتى لا تثار حوله في المستقبل الإشاعات والأقاويل، إذ لابد من انتشاره في الأخير بطريقة أو بأخرى وعلى غفلة منا. فلابد لي من توضيح الأمر على حقيقته وكما وقع. وهكذا تم لي اجتماع في مصبنتنا ببعض المهتمين بالشؤون الوطنية حدثتهم فيه عما جرى بين دايان وبيني، فلم ير أحد منهم بأساً فيما جرى، فقد سبق أن اجتمع دايان بعديد من رجال الضفة الغربية بقصد الحوار وجس النبض من خلال تبادل الأفكار وتتبع آراء المهتمين من أهالي الضفة بالقضية المعاشة وبالواقع الجديد.
كان من العادة قضاء بضعة أسابيع في القاهرة في بدايات فصل الشتاء بين عام وآخر وكلما تيسرت لي الظروف. لقد ظلت هناك علاقة نفسية قائمة بين القاهرة وبيني، فمن خلال صحافة مصر الأدبية، وبالذات مجلة «الرسالة» لصاحبها أحمد حسن الزيات رحمه الله، انتشر شعري وعرفني قراء العالم العربي، مما كان عاملاً مؤثراً شجعني على الثبات والاستمرارية في مسيرتي الشعرية، ولسوف أظل مدينة لمصر العظيمة، حافظة لها جميلاً لا ينسى. وإذا كانت قدمي لم تطأ أرض القاهرة منذ رحيل الزعيم العظيم جمال عبد الناصر، فإن مصر عبد الناصر ستبقى في القلب وفي القلب أبداً.
في ديسمبر عام ١٩٦٨ توجهت إلى مصر في زيارة استجمام عادية، دون أن يجري في بالي ولا حسابي السعي للاجتماع بجمال عبد الناصر، ولسوف تتضح الأمانة والصدق في قولي هذا الحديث التالي عن الظروف التي عملت وهيأت للقائي به دون أية نية مسبقة لدي أو مبادرة مني.
كنت قد شرعت بعد الاحتلال الإسرائيلي في تسريب قصائدي إلى مجلة الآداب في بيروت، وإلى الشاعر فاروق شوشة في مصر الذي راح يذيعها من خلال برنامجه اللساني الشهير (لغتنا الجميلة). كما كانت السيدة سامية صادق كثيراً ما تنشد قصائدي في برنامجها (حول الأسرة البيضاء). ويوم التقيت بزوجها في مؤتمر الكتاب الأفريقيين الآسيويين ببيروت قبل حرب حزيران بقليل نقل إليّ إعجابها وحبها لشعري. وهكذا تملكتني وأنا في القاهرة رغبة في انتهاز الفرصة للقيام بالتعرف الشخصي عليها وعلى الشاعر العزيز فاروق شوشة والذي أحببت دائماً شعره المتميز بالرهافة والصدق والجمال. وفي دار الإذاعة المصرية التقينا، كما ضمت الجلسة بعض المذيعين والشاعر الكبير المرحوم صلاح عبد الصبور. وقبل أن أجيب على سؤالهم عن اجتماعي بدايان بادرني الشاعر فاروق شوشة بقوله إنه لم يلتفت لأحد موظفي الرصد الإذاعي حين هرع إليه فور إعلان الإذاعة الإسرائيلية لنبأ الاجتماع بدايان، هرع إليه طالباً منه الكف عن إذاعة قصائدي.
وفي حفل عشاء، دعاني إليه الأستاذ أحمد بهاء الدين في بيته، سألني بعض المدعوين عن القصة فسردتها بحذافيرها.
لم يكد يمضي يومان على حفل العشاء حتى فوجئت بالسيدة جيهان السادات ترحب بي هاتفياً إذ علمت بوجودي في القاهرة من صديقتها السيدة ديزي زوجة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وقد دعتني إلى تناول فنجان شاي برفقة السيدة ديزي، ثم أردفت: وها هو أنور يضم صوته إلى صوتي ويقول لي «لا تكوني أنانية، أنا كذلك أحب أن أراها»، وشكرت للسيدة جيهان جميل ترحيبها معبرة عن سعادتي بتلبية دعوتهما الكريمة.
في اليوم التالي مضيت برفقة السيدة ديزي إلى بيت المرحوم أنور السادات، وحول فنجان الشاي دار الحديث عن أوضاعنا في الضفة، ثم تفرع ليدور حول قصة لقائي بدايان. وسألتني السيدة جيهان عما إذا كان قد سبق لي لقاء بالرئيس فأجبتها بالنفي. قالت: هل تحبين اللقاء به؟ قلت: هذا حلم حياتي منذ حرب السويس، بالرغم من أنني لم أسع يوماً إلى محاولة تحقيق هذا الحلم، وذلك من منطلق إدراكي أن زعيماً مشغولاً مثله بقضايا مصيرية كبيرة ليس بإمكانه مقابلة كل من رغب في لقائه.
هنا قال المرحوم أنور السادات: «سأقوم بترتيب موعد لك مع الرئيس» فشكرته من أعماقي.
مرت أيام قليلة، اتصلت بي بعدها السيدة جيهان هاتفياً لتقول لي إن الرئيس سيكون في انتظاري في بيته بمنشية البكري في الساعة العاشرة صباح يوم الجمعة. كان ذلك اليوم المحدد أول أيام رمضان.
في بيته المتواضع، وفي غرفة الاستقبال البسيطة، والخالية من أي مظهر من مظاهر الفخفخة، جلست أنتظر، تائقة، متطلعة.
دقيقتان، وأقبل عليّ الراحل العظيم بخطواته الواثقة، وإطلالته المهيبة الجميلة، فنهضت مسرعة إليه، وحين مددت يدي للمصافحة أخذ راحتي بين راحتيه مبتسماً مرحباً.
---
جلس على مقربة مني، وبدأ الحديث بالسؤال عن أحوالنا في الوطن، فرسمت له صورة شاملة عن تلك الأحوال، كما حدثته عن تشبث الجماهير هناك بالرئيس عبد الناصر، وهتافهم في المظاهرات باسمه: ناصر، ناصر، ناصر، غير هابين ولا وجلين من الجيش الإسرائيلي الشرس. وهنا ذكر لي أنه ما كان ليقبل بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لولا حرصه البالغ على إنقاذنا من قبضة الاحتلال الصهيوني، كما ذكر لي أن دين رسك، وزير خارجية أمريكا حينذاك، كان قد حثه على الوصول إلى تسوية مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من كل سيناء، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً لخلو ذلك العرض من ذكر الضفة الغربية.
واستطرد رحمه الله قائلاً: «إن سيناء بكل ما فيها من نفط وثروات معدنية لا تهمني بقدر اهتمامي بالضفة وبسكانها. فحين مر بي الملك حسين وهو في طريقه إلى أمريكا لأول مرة بعد حرب حزيران، قلت له أن يرضى بأي اتفاق مع المسؤولين هناك إذا كان في ذلك ضمان استرجاعه للضفة الغربية، ولكن أمريكا رفضت التوصل مع الملك حسين إلى أي اتفاق».
ثم انتقل إلى الحديث عن همومه الداخلية، كمشكلة اللاجئين من سكان مدن القنال والأزمة الاقتصادية. قال: وها هي المظاهرات تهب اليوم في المنصورة. لقد مرت بعد الهزيمة أحد عشر يوماً لم يغمض لي فيها جفن ولم أتناول فيها شيئاً من الطعام أو الشراب. مضيت إلى الاتحاد السوفيتي للمعالجة، وطلبت من الروس سلاحاً لإعادة بناء الجيش، ولكنهم رفضوا طلبي، وتحت إلحاح مني وافقوا على ألا يذهب السلاح ترانزيت إلى أيدي الإسرائيليين. وحين طلبت خبراء روسيين تشددوا في الرفض، لكنهم استجابوا في الأخير، فالجيش المصري جاهز الآن ومكتمل، ننتظر فقط اللحظة المناسبة لضرب إسرائيل. إن لدى إسرائيل مشاكل كما لدينا. عندما كنا أطفالاً في الصعيد كنا نلعب لعبة العش على الأصابع، فيعض اثنان، كل منهما على إصبع الآخر، والذي يقول أخ قبل صاحبه يكون هو المغلوب؛ ولو لم يقلها وانتظر لحظة أخرى فإن صاحبه سيقولها حتماً. إن الإسرائيليين يعانون من متاعب لا تقل عن متاعبنا، المسألة تحتاج إلى صبر.
وكان يعلق بعض الآمال على نيكسون، قال: إنه صديق متفهم ومتعاطف وكنت قد استضفته هنا في هذا البيت، وها هو قد فاز في انتخابات الرئاسة بالرغم من كون اليهود لم يعطوه إلا أقل الأصوات.
لقد تحدث رحمه الله أكثر مما تحدثت بكثير. أما موضوع الاجتماع بدايان فلم أتطرق إليه إطلاقاً، ولا كان في نيتي أن أفعل إلا إذا سألني هو ذلك. لقد كنت على يقين من علمه بالأمر، والشيء الوحيد الذي نقلته إليه هو قول دايان (عليكم أن تكونوا فخورين بعبد الناصر).
استمر اللقاء بالرئيس ساعة وأربعين دقيقة، ولم يحضر ذلك اللقاء أي إنسان آخر. وحين نهض كلانا قلت له وأنا أصافحه وراحتي في راحته:
«ستظل أنت الرمز العظيم، والأب الحاني للأمة العربية، أنت كل شيء لنا، وأسأل الله أن تحقق الآمال ويزيح عنك وعنا هذه الغمة» وخرجت من لدنه مشحونة بالأمل والتفاؤل.
---
كان من الطبيعي أن أتحدث لأقاربي وأصدقائي عن اجتماعي بالرئيس جمال عبد الناصر، ولم يلبث النبأ أن ذاع وشاع. ولقد فوجئت ذات يوم بمستشار دايان، ديفيد فارحي، ينقل إليّ على الهاتف رغبة الجنرال في مقابلتي. سألت: أين؟ ومتى؟ في الحادية عشرة من صباح غد وفي فندق الملك داود في القدس. ستجدينني في انتظارك لدى باب الفندق.
جلس على مقربة مني، وبدأ الحديث عن أحوالنا في الوطن.. قال دايان: عرفت عن اجتماعك بعبد الناصر، لست أطالبك بمصارحتي بكل ما دار بينكما من حديث، بوحي فقط بما تشائين البوح به، وأمسكي عما تشائين. فأجبته بالحرف الواحد: «إن ذلك الاجتماع لم يدم أكثر من عشرين دقيقة، سألني خلالها عن أحوالنا وأبدى اهتمامه بأوضاعنا، وتأكيداً منه على اهتمامه بنا ذكر لي أنه لولا الضفة الغربية لما كان قبل بقرار مجلس الأمن، ولما كان رفض وعد دين رسك وزير خارجية أمريكا بإعادة سيناء إليه مقابل تخليه عن التمسك بالضفة الغربية وبالقضية الفلسطينية العربية. هذا كل شيء ولا أكثر من ذلك».
والذي يبدو لي أن دايان لم يصدق بينه وبين نفسه أنني لم أتحدث إلى عبد الناصر عن اجتماعي به، ولعله استنتج من قولي إن جلستي مع عبد الناصر لم تدع أكثر من عشرين دقيقة، لعله استنتج من ذلك أن عبد الناصر لم يكن حفياً بي بسبب لقاء تل أبيب. فقد نشرت جريدة Jerusalem Post مقالاً كبيراً بعد ذلك ذكرت فيه على لسان دايان قوله: «... بعد شهرين قابلت فدوى ثانية، هذه المرة في فندق الملك داوود في القدس. الشخص الوحيد الذي كان معنا هو ديفيد فارحي (لعل وزير الدفاع نسي أن ديفيد زخريا وشخصاً ثالثاً لم أعرف اسمه كانا حاضرين أيضاً). كانت فدوى قد زارت مصر ورأت جمال. قال لها جمال إن دين رسك وزير الخارجية الأمريكية قد حثه على الوصول إلى تسوية مع إسرائيل على أساس انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء انسحاباً شاملاً، لكن ناصر رفض ذلك لأن تلك التسوية لا تشمل الانسحاب من الضفة الغربية. فدوى قالت إنها أخبرت ناصر بحديثها معي (لم أقل ذلك)، ولكنه عنفها (؟) على ذلك، وهكذا لم تعد بأخبار إيجابية»!
---
فدوى طوقان

 

سؤال التاريخ المكاني ................الكاتب والصحفي عبد الامير عسكر يحاور الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف الكاتب والمؤرخ والصحفي واستاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل - العراق

                                                         عبد الامير عسكر يحاور الدكتور ابراهيم العلاف سؤال التاريخ المكاني ................ا...