احمد الصافي النجفي وفوزي كريم شاعران كبيران
فوزي كريم يلتقي الشاعر العراقي الكبير احمد الصافي النجفي
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
رحمهما الله رمزين عراقيين كبيرا قدما للمشهد الثقافي والادبي العراقي المعاصر الكثير من المنجزات ما زلنا نتذكرها .
وانا اتصفح اعداد من مجلة (العاملون في النفط ) وبالتحديد عدد آب 1970 وجدت مقالة للشاعر والرسام العراقي الاستاذ فوزي كريم بعنوان (هل غادر الشعراء ؟) يتحدث فيها عن الشاعر العراقي الذي كان يعيش في دمشق ومن ثم في بيروت وهو احمد الصافي النجفي 1897 ( توفي يوم 27 حزيران - يونيو سنة 1977 ).
طبعا فوزي كريم الطائي شاعر ورسام وصحفي عراقي. ولد في بغداد سنة 1945 . خرّيج قسم اللغة العربية في كلية الآداب من جامعة بغداد سنة 1967. ثم هاجر على الأثر إلى بيروت سنة 1969. عاد إلى بغداد سنة 1972 ثم غادرها ثانية عام 1978 إلى لندن، وحصل على الجنسية البريطانية وتوفي فيها بلندن عن عمر ناهز 74 سنة .
قال الشاعر فوزي كريم في مقاله :" انه كان في مقهى (هافانا ) في دمشق ورأي رجل -بعقال ، هرم وكوفية بيضاء وجنوب وتراث وكلمات وهموم تشكيلة عراقية واضحة . قال فوزي كريم قلت لنادل المقهى من هذا ؟ واشرتْ فدهش قائلا : ياعيني عليك ألا تعرفه انه شاعر قلت : اذن تعرفه ؟ قال :معلوم ، كلو شعر .. يسميه الناس هون احمد الصافي النجفي :منذ متى كان يرتاد هذه المقهى ،قال :من زمان ، ورفض ان يحدد .ضحكت وسألته عن رأيه فيه .." آه ما في أحسن منو ،رجل طيب لا يؤخر دفع الاجر ،يشرب ، ويدفع ويجاوبك على كل سؤال .." ،قلت :وصلتْ ورحت احدق فيه .
يعرفه صاحب المقهى والعاملون والزبائن . لا تجهله او يجهلها ،حتى ليستطيع الان ان يجلس ساعات طويلة دون ان يبتسم ، او يستعمل يديه ..قد تجده يقرأ جريدة يومية ، وقد تجده يعبث بأوراق عتيقة - تعرف عبر خطوطها وهوامشها انها قصائد جديدة ، وقد تجده يحمل سكينا ،او ابرة يداعب بها طرفا من "صايته" الرثة او جانبا من نعله .كتب عنه شاعر سوري في ديوان مستقبلي عنوانه (صفر ) قصيدة يقول فيها : احمدالصافي النجفي (شاعريا )
"تابوت
يمشي ..."
هكذا .كما يكتب
الحب في هذا الزمان
كلينكس
وعرضت علي فكرة ، أن اتكشف هذا الرجل الذي عرفته من خلال الاوراق الخضراء النزقة التي كان يعملها لدواوينه ،على طريقة نزار قباني ، ولكن فوجئت به وهو يسند وجهه على اصابعه الخمس ، ويغط في نوم دافئ ،شتائي ، شاعر ..ساعتان يحدثني فيها الشاعر بإنفراد عن دوره في ثورة الاربعينات ( ثورة رشيد عالي الكيلاني نيسان - ايار 1941) وعن هربه الى ايران وذهابه الى بيروت واثره في الحركات الوطنية وعلاقته بها ورأيه في الاحزاب التقدمية ، وتمسكه بمبدأ :"انما الامم الاخلاق ..." ورأيه في الجواهري وفي هلوسات الشباب في "هذا الشعر الحر " .
ساعتان ،كان يجب ان اتهيأ - يقول الشاعر- يتحدث كيفما اتفق له ،وحيثما اراد ، لا يتقبل اعتراضا ،ولا يستمع الى تعليق .كان حديثه لا يعنيني ..هذا الرجل الطيب .وثمة اسئلة مرحة كثيرة ماتت بين شفتي ، عن المرأة ، والحب ، والدين ، والسياسة ، والفن ، والغناء ...دون أن يمنحني جرأة او رغبة لطرحها ..
كان النجفي تاريخا ، وخزانة للكلمات ، وحزمة متعبة من الاحزان ، والمرارة ، والثورة .قال لي بحدة ! لقد سبق لي ان كتبتْ في السجن :
سجنتُ وقبلي في العلا سجنوا أخي ***لا وآمل في العلياء ان يسجنوا الابنا
اذا لم نورث تاج مجد وسؤدد *** لابنائنا طرا ، نورثهم سجنا
وقال بكآبة - لقد عرفت بأنه سيصمت بعدها تماما - آخر ما كتبت !
ضاعت معارككم اذا لم تصلحوا *** اخلاقكم وستكسبون دمارا
ايصير يوما آدميا من قضى *** عمرا يجد لكي يصير حمارا
يقول الشاعر فوزي كريم مختتما مقالته : وخرجت مخذولا قبالة قاسيون ، أحدق في الهواء البارد ،منزلقا كالاطفال من القمة ، حتى الاعماق ..وكنت افكر فيما اذا كان "صفر " محقا أم لا ..
رحم الله الشاعر احمد الصافي النجفي ، ورحم الله الشاعر فوزي كريم ، وطيب ثراهما قدما لوطنهما ولامتهما الكثير وجدير بنا ذكرهما دوما .