الجمعة، 2 أكتوبر 2026

الجو الثقافي أو البيئة الثقافية وما يسود فيها ا.د.ابراهيم خليل العلاف

                                                                      ابراهيم خليل العلاف

                                                   واهمية عدم انتظار الفرصة  بل السعي لخلقها 



الجو الثقافي أو البيئة الثقافية وما يسود فيها

✍️  ا.د.ابراهيم خليل العلاف 
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل

وأقرأ بين الحين وآلاخر ، مقالات يُعرب فيها بعض الشعراء او الادباء او النقاد او الفنانين عن تذمرهم مما يسود وسطهم من سلوكيات احيانا مقززة لاتشجع على العيش ضمنها ، حتى ذهب احد الكتاب والشعراء الى القول انه وعبر النصف قرن الماضي ، نادم على ولوج هذا الوسط .
وكان هذا الشاعر والكاتب والناقد يكتب عن الوسط الثقافي في العراق المعاصر . وانا شخصيا ، ومنذ نصف قرن اعرف ما يدور في هذا الوسط وما يعانيه من مشكلات ، واوهام ، ومبالغات، ومنغصات ، وانتقادات ، ومشاكسات ، وحسد ، وعدم اهتمام .
ودائما اقول ان ما يجري طبيعي ؛ فهذه السلوكية قديمة قدم الانسان . والحسد ، والحقد ، والغيرة سلوكيات موجودة منذ ان خلق الانسان ، والحياة كلها تعتمد على الديالكتيك - الجدل ؛ تلك الثنائية التي تتيح للانسان ان يتقدم ، وينتج ، ويعيش فهناك خير وهناك شر ، وهناك حق وهناك باطل ، وهناك ظلم وهناك مساواة ، وهناك دكتاتورية وهناك ديموقراطية ، ولايمكن ان ننتظر ان تخلق جمهورية افلاطون الطوباوية ، ولا مدينة الفارابي الفاضلة فتلك واحدة من امنيات الانسان وحلمه في ان توجد هذه اليوتوبيا -الطوباوية ؛ لانها ليست موجودة في الواقع وسوف لن تكون ، ومن اسمها يوتوبيا اي الارض التي لاوجود لها في الواقع او على الارض .
ومن هنا يجب ان لانتذمر من سوء السلوكيات في وسط المثقفين ؛ فهذا طبيعي ، وطبيعي جدا ، وليس ثمة مبرر للندم من وجودنا وسط هذه البيئة .
الخلافات بين الادباء والمثقفين في العالم تعرف احيانا ب(المعارك الأدبية والفكرية ) ، وهي - بحق - ظاهرة تاريخية عالمية لم تخلُ منها أي بيئة ثقافية. وتتنوع أسباب هذه الصراعات ما بين اختلاف الأيديولوجيات السياسية، والمفاهيم الفلسفية، والمنافسة الشخصية ، والغيرة الإبداعية.
• آرثر شوبنهاور و فريدريش هيكل في ألمانيا ، كانت خلافاتهما من أشرس الخلافات الفلسفية؛ كان شوبنهاور يكره هيكل كثيرا ويوجه له شتائم مقذعة. والسبب يعود إلى أن هيكل كان يحظى بشهرة طاغية وتغص قاعات دروسه بمئات الطلاب في جامعة برلين، بينما كان شوبنهاور يلقي دروسه في الساعة نفسها ولا يحضرها إلا القليل من المستمعين .
الاستاذ الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور الطيب تيزيني كان الصراع بينهما فكريا .هو صراع فكري مغربي-سوري يدور حول آليات قراءة التراث العربي والإسلامي وأدوات النهضة الفكرية.
والخلافات تأخذ احيانا طابعا سياسيا واييولوجيا والمواقف تتباين من الثورات، والأنظمة الحاكمة، أو التحولات الجيوسياسية. فمثلا تواجه كلا من
أدونيس والدكتور صادق جلال العظم والخلاف التاريخي بينهما بدأ بسبب تباين القراءة السياسية للثورة الاسلامية في ايران سنة 1979، حيث انتقد العظم موقف أدونيس المؤيد لها. وكثيرا ما كان هذا الصراع يتجدد .
سي بي سنو وإف آر ليفيس (بريطانيا): تمحور خلافهما الشهير حول طبيعة الثقافة ومكانة العلم مقابل الأدب الإنساني في المجتمع الحديث.
ولايمكن ان ننسى معارك التجديد والنقد الأدبي والتي تركزت حول شكل الكتابة، واللغة، ومفهوم الحداثة مقابل التقليد. فكان الصراع بين الدكتور
• طه حسين والاستاذ عباس محمود العقاد في مصر وقد مثلت مبارزتهما الفكرية "الوجه الجميل للمعارك الأدبية" في القرن العشرين؛ حيث اتسمت بالسجال النقدي الرفيع ، وتبادل الآراء بالحجة البرهانية، على عكس بعض المعارك الحديثة.
ونستذكر هنا الخلاف بين فرجينيا وولف و أرنولد بينيت في بريطانيا وكان خلافا ادبيا قام على أساس ازدراء أعمال بعضهما البعض واختلاف الرؤية الفنية حول كيفية كتابة الرواية الحديثة وتصوير الشخصيات.
وطبعا ثمة خلافات دينية وفقهية منها ما كان موجودا بين نبيل فياض والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في سوريا وكان صراعا مؤلما دار في الساحة الثقافية والفكرية السورية والعربية حول العلمانية ، والموضوع الديني. ومشابه لهذا مادار بين سيد قمني و زغلول النجار في مصر وكان قد تركز حول قراءة التاريخ الإسلامي ، والإعجاز العلمي.
اذا الحقد والكراهية ، والصراع والتنافس بين المثقفين، ورجالات الفكر والثقافة والفن ، موجودة وقديمة وطبيعية بسبب تباين المواقف والخلافات ذات الطابع الشخصي والثقافي .سمعت مرة المرحوم الدين طه حسين يرد الخلافات بينه وبين الاستاذ عباس محمود العقاد الى ان طه حسين يحمل شهادة الدكتوراه من السوربون في حين ان عباس محمود العقاد لايحمل اية شهادة ، وهذا سبب غيرته ومعارضته المستمرة للدكتور طه حسين .
وطبعا تلك الصراعات ، والتنافس سابقا كان يجري في الخفاء ولايعلم به احد او يدور على صفحات الجرائد والمجلات وبعدها في الراديو ثم التلفزيون واليوم انتقل الى وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الرقمية.
وغالبا طبيعة الصراع تتركز على الحجة، الفكر، والأسلوب الأدبي لكنها للاسف احيانا واحيانا كثيرة تمتد نحو الشخصنة، والنميمة، والردود المتسرعة.
ومهما يكن من أمر ، كاتب هذه السطور وهو ايجابي النظرة ، يرى في تلك المعارك والمشاكسات حالة ايجابية تساعد في تحقيق امرين مهمين اثنين اولهما تطوير ادوات النقد ، وثانيهما إثراء وإغناء الفكر والثقافة .
جمعتكم مباركة ، وطيبة ، وسعيدة وفقط اقول ان الخلافات والتنافسات والصراعات يجب ان تبتعد عن الاهانات او التسقيط او التسييس فهذا مما يضر تلك الاطراف الثقافية المتصارعة ، وتجعل الجمهور ينفر من الاثنين ويستهجن الامر ويبتعد ليأمن على نفسه وسمعته ومستقبله .





 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي الكبير .................في تونس .............ابراهيم العلاف

  الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي الكبير في العاصمة التونسية .. تونس أصغي لمحاضرته ، وكان هذا في قاعة المعرض الدولي للكتاب يوم 29...