اسماعيل الفحام ...........والمقام العراقي
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
منذ زمن بعيد ، كتبتُ عن المرحوم السيد اسماعيل الفحام ، وهو أحد رواد المقام الكبار في العراق . وأرى ان على الجيل الجديد من شاباتنا وشبابنا ان يعرفوه جيدا ويسمعوا أداءه الرائع للمقام وبطريقة مميزة جعلت النقاد لايستطيعون إلا ان يُشيدوا بأُستاذيته الى جانب محمد القبانجي ويوسف عمر .
واسماعيل الفحام ، موصلي من أسرة موصلية عريقة ، هي اسرة آل الفحام . والسيد اسماعيل الفحام 1905-1990 من مواليد محلة الميدان قرب جامع حمو القدو امتهن مهنة اسرته في بيع الفحم في سوق الفحامين في الموصل فضلا عن براعته في قراءة المقام.
خير من كتب عنه أُستاذي الاستاذ الدكتور عمر الطالب في موسوعته (موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ) فقال أنه لم ينه دراسته .. ترك المدرسة وهو في الصف السادس الابتدائي. وقد بدأ حياته العملية ( صانع كبابجي) ، وانتقل للعمل سائق حادلة في مديرية الأشغال العامة ، ومنها إلى مراقب عمل ،وبقي في عمله هذا إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1971.
كانت بدايته الأولى في تعلم المقام مع ضابط متقاعد في الجيش العثماني هو (يونس الخناس)، يؤدي المقام وعالم فيه، علمه يونس الخناس التكبير على منارة جامع حمو القدو، وكان سيد إسماعيل صبياً وقد سمعه سيد أحمد الموصلي المعروف (بابن الكفغ) ذات يوم ، وهو يكّبر فوق منارة الجامع، جذبه صوته، وأعجب به أيما إعجاب فأحتضنه وعلمه أصول المقامات، وكان سيد إسماعيل في الثانية عشرة من عمره.
أحب السيد إسماعيل الفحام أداء المقام، فلم يكتف بما أخذه عن سيد احمد، وإنما أخذ عن سيد أمين الموصلي وسيد إبراهيم ياسين، وعبد الرحمن التوتونجي ،وأعجب بالملا عثمان الموصلي.أدى سيد إسماعيل الفحام جميع المقامات بمستوى رفيع واستوى مؤدياً للمقام له أسلوبه الخاص في أدائه ، وسعى إلى تطوير المقام بالإكثار من الانتقالات ، وزاد فيه قطعاً وأنغاماً جديدة، فقد أدخل العتابة على السيكاه ، وادخل العتابا على الرست كما أدى المخالف البغدادي وأدى المقام على الطريقة البغدادية . وأجاد قراءة القران الكريم اجادة تامة . كما برع في تأدية العتابة والأبوذية والسويحلي والنايل إلى جانب المدائح النبوية ، والتنزيلات الموصلية ، وأعجب بسيد سلمان القندرجي ومحمد القبانجي، وأجاد غناء البستات وأدى أغاني سليمة باشا مراد وأدوار أم كلثوم وعبد الحي حلمي والشيخ الصفتي وسلامة حجازي وداود حسني وسيد درويش، وغنى لمحمد عبد الوهاب وغنى لسيد درويش من الموشح وغنى أغاني سلامة حجازي وأعجب إعجاباً بيوسف عمر وأداءه المتميز ، وله صداقة وثيقة معه كما ترون في الصورة المرافقة لهذا الكلام .
اسماعيل الفحام يقول الاخ الفنان الاستاذ عامر يونس - وهو خير من يعرفه - قارئ المقام الموصلي الاول ، ومن مدرسة الملا عثمان الموصلي بل هو استمرار لهذه المدرسة الاصيلة في قراءة المقام .وقد تميز بقراءة مقام الرست . كما اضاف الى المقامات الموصلية . وللعلم فإن مقام الموصل له اصوله وقواعده الخاصة وهو يختلف عن مقام بغداد .
اسماعيل الفحام كان يعتبر نفسه تلميذا للملا عثمان الموصلي ويقول ان الملا عثمان صاحب فضل عليه ، وقد ظل فترة طويلة يرفض تسجيل مقاماته في التلفزيون والاذاعة خوفا من الابتذال، لكن بعد افتتاح محطة تلفزيون نينوى سنة 1968 سجل اول مقام هو عبارة عن قصيدة للسيد احمد الفخري الكبير ومطلعها :
تلك الديار وهذا الوجه قد حضرا
فخلني أقضي منها في الهوى وطرا .
ثم وافق على تسجيل قرابة ( 100 ) ساعة من مقاماته وهو كل ما كان يمتلكه من ارث موسيقي . ولم يكن يتقاضى على ما يقدمه من اغان وتنزيلات ومدائح أي مبلغ من المال .كان رائدا من رواد المقام العراقي .
في جريدة الحدباء (الموصلية ) ،وفي العدد الصادر يوم 10 نيسان 1984، كتب الأخ والصديق المرحوم الأستاذ الفنان صبحي صبري مقالا عن السيد إسماعيل الفحام قال فيه : إن سيد إسماعيل الفحام، يعد واحدا من ابرز قارئي المقام ليس في الموصل بل وفي العراق كله، فلقد بدأ حياته الفنية منذ الثلاثينات من القرن الماضي ، من خلال اشتراكه في إقامة الموالد الدينية التي كانت تنظم في المساجد والجوامع والتكايا والبيوت في المناسبات المختلفة .
وفي سنة 1937 أصبح للفحام أسلوبه الخاص في قراءة المقام ، وصار في أداءه المقام متميزا عن غيره وللفحام أغان ومقامات كانت إذاعة بغداد تحتفظ بها كما كان لديه تسجيلات قيمة في المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى فمن خلال هذا المجمع سبق أن قدم أمسيات جميلة نالت إعجاب متذوقي المقام العراقي بعذوبتها وتأثيرها الكبير عليهم وأداء الفحام للمقام رائع، ومؤثر، ومتميز، فصوته شجي ، وقد كرم من قبل الدولة سنة 1977.
ومن الجدير بالذكر أن الأستاذ يحيى إدريس الذي كان يقدم برنامج المقام من تلفزيون العراق ، قدم حلقة خاصة عن السيد إسماعيل الفحام ، وقد لفتت الحلقة انتباه المشاهدين والمستمعين ونالت اعجابهم وسرعان ما ذاعت شهرته إلى البلدان العربية ،وله اليوم تسجيلات رائعة على اليوتيوب وسماعها يجعلنا نفخر انه من مدينتنا الموصل صاحبة التاريخ العريق.
اقام السيد إسماعيل الفحام الكثير من جلسات الذكر في رمضان المبارك ، والمناسبات الدينية. كما ترك سيد إسماعيل تلاميذا أخذوا عنه المناقب النبوية مثل: محمود الحائك، وملا يحيى أيوب، ويونس إبراهيم الكني، وملا عزيز احمد، وصابر سعيد، واحمد إسماعيل الصوفي، وذنون احمد الكواز.
وفي آخر أغنية غناها في تلفزيون نينوى ، وكانت بعنوان (من دوحة المجد) شعر معد الجبوري أداها على مقام الأوج. حفظ سيد إسماعيل الكثير من الزهيريات والابوذية والعتابا وكانت له قدرة ممتازة على حفظ ما يعجبه من شعر فصيح أو عامي.غنى من الشعر القديم للشريف الرضي وابن زريق البغدادي وعمر بن الفارض والمتنبي وابن نباتة المصري والبهاء زهير وكاظم الأزري ، وغنى من شعراء الموصل لأحمد أفندي الفخري وفاضل الصيدلي ومعد الجبوري وشعراً عاميا لعبو لمحمد علي. كما غنى زهيريات لأحمد الخجاوه وابن الخلفه.
لم يترك اسماعيل الفحام مقاما إلا وأداه واتقنه ومن ذلك
مقام الرست ،
ومقام البيات ، ومقام الصبا ، ومقام السيكاه ، ومقام النوى ، و ، مقام الحجاز ، ومقام الجهاركاه .
وما يتميز به إسماعيل الفحام، أنه يغني المقام بإحساس مرهف، وقدرة عجيبة في تطبيع صوته الرخيم لمستلزمات المقامات المتنوعة.ومما ساعده على ذلك معرفته الواسعة بإصول المقام. ركز على مقام الحجاز وهو في صوت الفحام نغم جميل وجذاب لإنسجامه التام مع قدراته الصوتية، فضلاً عن أنه حاول دائماً توظيف الشعر العربي القديم في غنائه ، واختار أجمل القصائد للترنم بها وهو لا يستسيغ ( اللهجة المحلية ) ولا يستخدمها كثيراً في غناءه ، وفي رأيه أن قراء المقام أْسرفوا في استخدامها .
ويرى إسماعيل الفحام، يوسف عمر ، هو من أحسن قراء المقام في بغداد باستثناء رائد المقام محمد القبانجي . ويحدد الفحام بأن المقام أنواع ثلاثة هي المقام الأول ، في كركوك، والثاني في الموصل، والثالث في بغداد. وأن المقام في بغداد ُيقرأ على وتيرة واحدة ، بينما يتصرف قراء الموصل في المقام ، ثم يعودون إلى اصولهم ، ومبادئهم الأولية في المقام، ويعتقد الفحام أن على الأغنية العراقية أن تأخذ طريقاً آخر، فالأغنية الريفية يجب أن تصاحبها ربابة وإيقاع فقط، والمقام يصاحبه الجالغي المكون من العود والكمان والقانون والسنطور والجوزة والرق، أما الأغاني العاطفية ، فلا مانع من إدخال كافة الآلات الموسيقية معها من الآلات الشرقية والغربية.
توفي السيد اسماعيل الفحام في السادس من مايس سنة 1990 .رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق