عطية الله ابراهيم زوجة الروائي الكبير نجيب محفوظ*
وفي عدد 30-1-2026 من مجلة (المصور) القاهرية التي احببتها منذ 80 سنة وجدت استذكارا لحديث مع زوجة الروائي والكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ . والحوار سبق ان اجرته سنة 1988 رجاء عبد الله ونجوان عبد اللطيف وصوره فارس حماد ....في الصالون الصغير بالشقة رقم 1 بالدور الأرضى بالعمارة رقم 172 بطريق جمال عبدالناصر على نيل العجوزة. كان هناك نجيب محفوظ وزوجته وابنتيه ..عطية الله إبراهيم زوجة نجيب محفوظ ورفيقة مشوار حياته، سيدة تحمل كل ملامح الأم المصرية بلونها الخمرى وقوامها الممتلئ والبساطة فى الملبس والسلوك، تشعر نحوها بالألفة منذ اللحظة الأولى وكأنك تعرفها من قبل.
إنها الزوجة التى عاشت أكثر من 34 عاماً مع شخصية شهيرة تجرى وراءها الكاميرات وأجهزة الإعلام دون أن تظهر لها صورة لا فى الصحف ولا على شاشة التليفزيون..
هزت رأسها بإصرار.. واعتذرت.. أنا لا أحب الأحاديث الصحفية، هذا قرارى منذ بداية حياتى مع نجيب.. ثلاث غرف.. اثنتان للنوم.. واحدة له وللسيدة حرمه.. والأخرى لأم كلثوم وفاطمة.. ثمرة الزواج الطويل.. الحجرة الثالثة.. يا للعجب.. حجرة الطعام.. وفى جانب منها مكتبة أمامها مكتب بسيط هو الذى حمل إبداع هذا الفنان العظيم صاحب جائزة نوبل.. نجيب محفوظ لا يملك حجرة خاصة لمكتبه.ثم صالة صغيرة تتصل بحجرة أصغر، هى للمعيشة.. وللاستقبال.. وللراحة.. تتميز بمجموعة كبيرة من التحف الصينية الدقيقة.. ومكتبة مكونة من عدد من الأرفف تحمل مجموعة من الكتب.. تتصدرها الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ.. ومعها مصحف فاخر.. والإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى، والسيرة النبوية لابن هشام.. ومختارات من الشعر الفارسي.. وأجزاء شخصية مصر لجمال حمدان، والطبقات الكبرى لابن إسحاق.
فى مدخل الشقة دولاب زجاجي.. به ثروة نجيب محفوظ من الأوسمة والنياشين.. ويتصدره طبق صغير من الفضة الخالصة، هدية من توفيق الحكيم بعيد ميلاده السبعين.. نقش عليها عبارة إلى عملاق الرواية العربية نجيب محفوظ مع الحب والإعجاب.. توفيق الحكيم.
كان سؤالنا الأول عن بداية لقائها مع نجيب محفوظ.
قالت: تعارفنا فى عام 1952 فى بيت أسرة بعض الأصدقاء المشتركين، وأخذت العلاقة بيننا فى التنامى طوال عامين حتى تزوجنا فى عام 1954.
كان موظفا بسيطا فى وزارة الأوقاف.
قرأت له رواية واحدة وهي (زقاق المدق ) ، وهى مخطوطة قبل النشر وقلت له رأيى فيها، فكانت المرة الأولى والأخيرة التى يُطلعنى فيها على ما يكتب قبل خروجه للناس، وأصبحت قارئة عادية.. أقرأ إبداعه بعد النشر! حياتي معه
هادئة منظمة إلى أقصى حد... لقد فضلت أن يكون المنزل لى ولبنتىَّ وأصدقائنا، على أن تكون حياته مع أصدقائه وأحبائه خارج البيت، وهذا ساعدنا على أن يظل البيت هادئاً حتى يتفرغ نجيب لإبداعه الأدبي.
نجيب يستيقظ فى الخامسة صباحاً، يتناول فنجان النسكافيه وأحياناً جبنة قريش أو أى طعام لا يتعارض مع مرض السكر، ثم يخرج إلى مشواره الصباحى المعتاد سيراً على الأقدام حتى ميدان التحرير؛ حيث يجلس على أحد المقاهى ويقرأ الجرائد اليومية، ثم يعود إلى المنزل ليبدأ عمله حتى الواحدة ظهراً، ثم يتناول طعام الغداء الذى لا يتعدى الخضار المسلوق، ثم ينام لمدة ساعتين، ويستيقظ بعدها إما أن يخرج للقاء أصدقائه فى مواعيده المحدد أو فى المنزل حتى يتناول عشاءه المكون من الزبادى وخيارتين.
هل يتردد على المسارح والسينما؟اجابت :"كان هذا فى الماضى ولكن منذ أن تأثر سمعه كف عن ذلك، ويكتفى بمشاهدة التليفزيون أحياناً، سواء مسلسلات أو أفلاما، ويفضل الأجنبية لأنها مترجمة على الشاشة ولا يحتاج إلى استخدام حاسة السمع.
نجيب يعبد عمله ومستعد لتقديم أية تضحيات لكى يستمر فى الكتابة، وهو يتعامل مع المرض بكل هذا الانضباط حتى يكفل له الاستمرار والقدرة على العمل... فى الماضى كنا نسافر معا إلى الإسكندرية، ولكن الآن نجيب يقضى إجازته وحده فى الإسكندرية من مايو إلى أكتوبر وهى مدة طويلة؛ لأنه لا يستطيع احتمال حر القاهرة حيث يزيد من آلام الحساسية، ومع الأسف لا أستطيع مرافقته المدة كلها، فإن البنتين لا يمكنهما مغادرة القاهرة لارتباطهما بالعمل فيها، ونحن أسرة محافظة لا نترك البنات بمفردهن أبداً.
كان يخضع لذلك.. فلم يسافر إلى الخارج رغم كثرة الدعوات التى تلقاها واعتذر عنها إلا إلى اليمن ويوغوسلافيا وبناء على طلب الحكومة.
نجيب محفوظ شخصية عامة شهيرة.. وقد قدمت السينما الكثير من أعماله.. واستدعى ذلك أن يلتقى ببطلات أفلامه حتى يتدارسن معه حول الشخصيات التى يقمن بتمثيلها..
علاقته بإبنتيه تقوم على الثقة التامة.. وهو لا يتدخل فى شئونهما.. ولكنه صديق لهما وليس مجرد أب، وأحياناً كنت أضطر لاستخدام الشدة معهما حتى أعادل تدليله المتزايد.
قالت وقد استغرقت فى الضحك لأول مرة: أبداً.. إنه فقط يذكرنى بزيادة وزني.. كلما رأيته أعود لمحاولة الاحتفاظ بوزن معقول.
وفجأة، وكأننا نعيش لوحة من لوحات الثلاثية العظيمة، جاءت تصفيقة السيد عبدالجواد الشهيرة.. حادة ومتتالية.. وانتفضت عطية الله مسرعة.. إنها أمينة بطلة أبطال نجيب محفوظ.. وكأنها تعرف المطلوب تماماً.. وهرولت إليه.
وجاءنا صوت الأستاذ نجيب يطلب الجرائد اليومية، لأنه ولأول مرة، لم يقرأ جرائده كالعادة فى الصباح، بسبب هجوم الصحافة ووكالات الأنباء العالمية التى لاحقته.. منذ السادسة صباحاً.. وعادت.
قالت بإصرار غريب، وثقة لا حدود لها.. لم تكن مفاجأة لي.. كنت متأكدة أنه سيفوز بجائزة نوبل، وكنت أنتظرها منذ سنوات ولم يكن عندى شك فى أنه سيحصل عليها يوماً ما؛ لأنه أخلص لعمله ويستحقها عن جدارة، ولهذا لم أفاجأ بالخبر.
عندما سألنا نجيب محفوظ عما سيفعله بقيمة الجائزة وهى 392 ألف دولار قال: اسألوا المدام: ماذا ستفعلين بقيمة الجائزة؟
قالت ضاحكة أقول لكما عندما أتسلم النقود فى يدى، أما الآن فالعصفور ما زال على الشجرة. وربما يتراجع نجيب عن هذا الكلام ويقول نص أنا نص أنت.
هل ستسافرين معه لتسلم الجائزة؟
أتمنى ذلك، ولكن لم يحدد نجيب بعد إذا كان سيسافر أم لا؟ وإن كان رأيه المبدئى أنه لا يرغب فى السفر، ويفضل أن أذهب أنا وإحدى البنتين ولكنى أتصور أنه سيخضع لضغوط الجميع وسيسافر.
الآن.. نحن نريد لقاء أم كلثوم.. وفاطمة.. فإذا كانتا ستسافران لتسلم الجائزة، فلا بد من ظهورهما عاجلاً أو آجلاً.
وجاءت أم كلثوم أولاً.. وبعدها فاطمة.. تتعثران – ويا للعجب – من شدة الخجل.. بالرغم من أنهما خريجتا الجامعة الأمريكية، وتعملان فى شركات أمريكية.
قالت أم كلثوم رداً على أسئلتنا: الحقيقة أننا لا نقاطع الإعلام، ولكننا نشعر بأنه ليس من حقنا أن نظهر فيه.. فماذا تعنى ابنة نجيب محفوظ.. إنه هو الكاتب والفائز.. ويجب أن يدور الإعلام حوله وحده.. ثم إنه يقول إن هناك حياة خاصة وأخرى عامة ونحن فى الخاصة.. فلماذا تريدون الخلط بين الحياتين.
هذا قرار نابع منكما.. أم قرار من نجيب محفوظ؟
قالت أم كلثوم أيضاً: أبداً.. إنه رأينا، فأبى لا يمنعنا من الحديث مع الإعلام.. ولكنه شعور خاص بنا.
ومن الحديث الذى دار بيننا، اكتشفنا أن ابنتى نجيب محفوظ لا تقرآن له.. إلا القليل.. ثم تلتقيان بأعماله عبر السينما أو التليفزيون.. فاطمة تفضل الصمت خجلاً.. أم كلثوم تتحدث قليلاً.
عن علاقتهما بأبيهما قالت: علاقة عادية تماماً.. ليس فيها شيء غريب.. كان فى طفولتنا يهتم بمتابعة دراستنا.. ويهتم بنجاحنا، ولكنه لم يفرض علينا اختيار طريق العمل أو نوع الدراسة، فقد كان يرغب فى أن ألتحق بقسم الفلسفة مثله ولكنى فضلت الإعلام.. والآن نحن نلتقى معه دائماً بعد التاسعة مساء.. ونبدأ معه سهراتنا حتى موعد نومه.
ألم تمارسى الكتابة.. أو أى نوع من أنواع الفنون؟
قالت الأم: كانت أم كلثوم ترقص الباليه فى طفولتها.. موهبة خاصة، فى البيت.. وكان من الممكن أن تصقلها بالدراسة، ولكن نجيب رفض وقال إنه لا يريد راقصة فى الأسرة.
ضحكت أم كلثوم وقالت: إننى أحب الرسم.. وكنت أرسم بعض اللوحات ثم تحولت هوايتى إلى تصميم الأزياء.. الآن أقوم بمحاولات لإتقان هذا الفن.
هل ترغبين فى أن تصبحى مصممة أزياء مشهورة؟
قالت: أحاول، ولكنى ما زلت فى أول الطريق.
فى هذه اللحظة، كنا قد قضينا أكثر من ثلاث ساعات.. وأزفت ساعة خروج نجيب محفوظ إلى ندوته مع الحرافيش.. وأسرعت فاطمة وأم كلثوم لتصطحباه إلى باب المقهى فى سيارة أم كلثوم الصغيرة والتى تقودها بنفسها.. ولكنهما لا تشتركان معه فى لقاءاته.. إنه المزيج الغريب بين العصرية والتقدم.. وبين جذور التربية المصرية التقليدية.
وعندما وقفنا فى وداع عطية الله إبراهيم زوجة نجيب محفوظ.. نظرنا فى وجهها الباسم البسيط، وعينيها اللتين تشعان بالذكاء.. وكدنا نفهم معنى كلمة وراء كل عظيم امرأة، إنه الذكاء الفطري.. الذى قادها لتكون مزيجاً من الزوجة الحديثة المتفهمة.. ومن أمينة بطلة أبطال بين القصرين.
ولعل هذا المزيج هو سر نجاحها الساحر.. ونجاحه أيضاً.
* نشر فى 21 أكتوبر 1988https://almussawar.darelhilal.com/News/3168466.aspx
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين يسعدني أنا (الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف )أن ارحب بكم في مدونتي الثانية مدونة الدكتور ابراهيم خليل العلاف ..واود القول بانني سأخصص هذه المدونة لكتاباتي التاريخية والثقافية العراقية والعربية عملا بالقول المأثور : " من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار " .
السبت، 28 مارس 2026
عطية الله ابراهيم زوجة الروائي الكبير نجيب محفوظ*
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
عطية الله ابراهيم زوجة الروائي الكبير نجيب محفوظ*
عطية الله ابراهيم زوجة الروائي الكبير نجيب محفوظ* وفي عدد 30-1-2026 من مجلة (المصور) القاهرية التي احببتها منذ 80 سنة وجدت استذكارا لحدي...
-
مجلة (العربي) الكويتية الان بين يديك كل اعدادها PDF ومنذ صدورها سنة 1958الى سنة 1990 وعبر الرابط التالي : https://www.docdroid.net/.../aa...
-
(السسي) من جرزات الموصل المشهورة - ابراهيم العلاف * وعندما تحدثت عن جرزات او كرزات الموصل وقفت عند السسي ويبدو ان هناك من يحب السسي وسأل...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق