بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين يسعدني أنا (الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف )أن ارحب بكم في مدونتي الثانية مدونة الدكتور ابراهيم خليل العلاف ..واود القول بانني سأخصص هذه المدونة لكتاباتي التاريخية والثقافية العراقية والعربية عملا بالقول المأثور : " من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار " .
الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014
لمناسبة رحيل العلامة الاثاري الموصلي الكبير الاستاذ الدكتور عامر سليمان 1936-2014 * الدكتور عامر سليمان والمدرسة الاثارية العراقية ا.د.ابراهيم خليل العلاف
لمناسبة رحيل العلامة الاثاري الموصلي الكبير الاستاذ الدكتور عامر سليمان 1936-2014 :
***********************************************************
الدكتور عامر سليمان والمدرسة الاثارية العراقية
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل
***********************************************************
الدكتور عامر سليمان والمدرسة الاثارية العراقية
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل
هو من أبرز الاساتذة العراقيين الذين كتبوا عن المدرسة التاريخية والاثارية العراقية الحديثة ، وذكروا خصائصها ووقفوا عند ملامحها والف كتابا نشر مؤخرا حول الموضوع بعنوان :"المدرسة العراقية في دراسةالتاريخ والاثار "طبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر -جامعة الموصل2008 ....استاذ التاريخ القديم المتمرس في كلية الاثار حاليا -جامعة الموصل ....تربطني به علاقة زمالة وعمل لسنوات طويلة" ، فقد كنت واياه في كلية الاداب ثم اسهمنا معا في مشاريع وزارة الثقافة الموسوعية ومنها : "موسوعة حضارة العراق" المؤلفة من 13 مجلدا .وكنت وأياه اعضاء في هيئة تحرير "موسوعة الموصل الحضارية وفي تحرير كتاب "محافظة نينوى بين الماضي والحاضر " ، وعملت ٌمعه في مجلة كلية الاداب -اداب الرافدين ...استاذ قدير ، وعالم جليل ، وانسان نبيل تخرجت من تحت يديه أجيال واجيال اطال الله عمره ومتعه بالعافية .كتب عنه الاستاذ الدكتور عمر الطالب في موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين وقال بأنه من مواليد الموصل سنة 1936، وفيها أنهى دراسته الابتدائية( المدرسة القحطانية للبنين 1948-1949 ) والمتوسطة (متوسطة الحدباء للبنين 1951-1952 ) والثانوية(الاعدادية الشرقية ) .سافر الى بغداد والتحق بقسم الاثار -كلية الاداب سنة 1957 -1958 ونال البكالوريوس في الآثار والحضارة بدرجة امتياز..وكان الاول على دفعته .
حصل على البعثة العلمية والتحق بجامعة لندن في سنة 1966 وتخصص باللغات السامية -اللغة الاكية ونال شهادة الدكتوراه .وعاد الى الموصل وعمل في جامعتها ..وكان اول من عُين في كلية الاداب في السنة 1966 حيث كانت تعرف بهيئة الانسانيات. وبين سنتي 1967 و1969 تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الاداب ورأس قسم الاثار في كلية الاداب بين سنتي 1970 – 1974، كذلك شغل منصب المسجل العام للجامعة ما بين 1968-1974، واصبح مساعدا لرئيس الجامعة منذ 1972 حتى نهاية 1975، وترأس هيئة تنقيات جامعة الموصل بين 1967-1982، وعمل مديرا لمركز البحوث الاثارية والحضارية للسنوات 1980-1982، ثم رئيسا لهيئة تحرير مجلة اداب الرافدين، بين 1980-1982، وفي سنة 2008 وعندما فتحت في الموصل كلية للاثار نقل اليها ولايزال فيها استاذا متمرسا .وقد تدرج في المراتب العلمية فنال مرتبة الاستاذية سنة 1977 وهو يحمل وسام المؤرخ العربي تقديرا لجهوده في خدمة التاريخ .. اختير عضوا عاملا في المجمع العلمي سنة 1996. وهو عضو جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين وعضو اتحاد المؤرخين العرب.وقد شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العالمية التي كانت تقيمها دائرة الاثار والتراث سنويا هذا فضلا عن ندوات الحضر والندوات العلمية التي كانت جامعة الموصل تقيمها ،.كما اشرف على عدد كبير من طلبة الماجستير والدكتوراه في التاريخ القديم والاثار ويواصل الان نشاطه حيث يعمل مع عدد من الباحثين في تحرير "موسوعة العراق الاثارية " . قدم عددا كبيرا من البحوث والمقالات والدراسات في حقل تخصصه .كما ألف الكتب التالية :
1-القانون في العراق القديم/الموصل/1977.
2- فرائد في التاريخ القديم /القسم الاول/الموصل 1978.
3-عادات وتقاليد الشعوب القديمة /بالاشتراك مع الاستاذ الدكتور فاضل عبد الواحد علي .وقد طبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر -جامعة الموصل سنة 1979
4- Introductiom to Ancient Iraqi Languages, Mosul 1981
5-تاريخ العراق القديم/ج1التاريخ السياسي مع كل من الاستاذ طه باقر و الاستاذ الدكتور فاضل عبد الواحد .
6-تاريخ العراق القديم/ج1التاريخ الحضاري مع كل من الاستاذ طه باقر والاستاذ الدكتورفاضل عبد الواحد.
7-الكتابة المسمارية والحرف العربي/الموصل 1984.
8-محافظة نينوى بين الماضي والحاضر/القسم الأول فقط 1986والفه بالاشتراك مع الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف والاستاذ الدكتور ازهر السماك والاستاذ الدكتور احمد قاسم الجمعة والحاج عب الجبار الجرجيس .
9-اللغة الاكدية (البابلية –الآشورية)الموصل 1991.
10-العراق في التاريخ القديم/موجز التاريخ السياسي /الموصل 1992.
11-العراق في التاريخ القديم/موجز التاريخ الحضاري /الموصل 1993
12.اللغة الاكدية وطبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر -جامعة الموصل سنة 2005
كما ترجم لاستاذه (هاري ساكز ) كتاب "عظمة بابل " 1984 .. ومن مترجماته كتاب " الشرق الادنى والحضارات المبكرة" تأليف نخبة من الباحثين الاوربيين 1986. والتعاون مع الاستاذ الدكتور صالح احمد العلي والاستاذ الدكتور علي المياح ترجم سنة 1984 كتاب ادمز "أطراف بغداد " .
وللاستاذ الدكتور عامر سليمان اسهامات كثيرة في تحرير مجموعة من الموسوعات منها :
1-العراق في التاريخ بغداد،1983.
2-موسوعة حضارة العراق، بغداد 1985.
3-موسوعة العراق موكب الحضارة، بغداد 1988.
4-موسوعة الجيش والسلاح، بغداد 1988.
5-موسوعة المدينة والحياة المدنية، بغداد 1988.
6-موسوعة الموصل الحضارية، موصل 1991.
7-اطلس العراق التعليمي، موصل 1987.
لقد قضى الاستاذ الدكتور عامر سليمان اكثر من نصف قرن وهو بين الدراسة والتدريس والترجمة والتأليف في حقل تاريخ العراق القديم واثاره ولغاته .. فوجد ان الواجب العلمي يحتم عليه ان يقدم ملاحظاته واراءه ليفيد منها الشباب من الباحثين يظنها مهمة لفهم تاريخنا القديم فهما صحيحا لما لهذا التاريخ من اهمية قصوى في بناء حاضرنا ومستقبلنا ..وفي كتابه "المدرسة العراقية في تاريخنا القديم "يشخص عددا من الاسس التي يرى انها تساعد في تثبيت الملامح والخصائص الرئيسية للمدرسة العراقية في دراسة تاريخنا .وقد وقف عند نشأة الاهتمامات العراقية بالتاريخ القديم والاثار ،وتحدث عن تأسيس قسم الاثار بكلية الاداب -جامعة بغداد سنة 1951 واستعرض مجهودات الرواد الاوائل ومنهم الاستاذ طه باقر والاستاذ بشير فرنسيس وغيرهما مع متابعة حثيثة لاجيال الاثاريين العراقيين التالية .علق الصديق الدكتور عامر الجميلي بعد ان قرأ مقالي عن الاستاذ الدكتور عامر سليمان قائلا :"شكراً دكتور إبراهيم على هذا التنويه الرائع منك لمشروع استاذنا الدكتور عامر سليمان الذي بدأ اولى بواكيره في نهاية الثمانينييات مع كتابه الشهير " الكتابة المسمارية والحرف العربي " وتمّ اعتماده في نهاية التسعينييات مع " المعجم الأكدي " باللغة العربية والحرف العربي ج 1 وغيرهم من المؤلفات التي توالى إصدارها وتأليفها وترجمتها بهذا النهج والاسلوب ، وخلاصة هذه المدرسة هو اعتماد " الصيغة الأكديّة - البابلية - الآشورية الصحيحة في النصوص المسمارية " وكما وصلتنا لأسماء الملوك والمدن والآلهة والمواقع الجغرافية العراقية القديمة من دونما شابها من تغيير في " الصيغة التوراتية والتلمودية " والتي وصلتنا من خلال " المصادر العبرية " ، وتم اعتمادها من قبل طلبة وأساتذة كلية الآثار في جامعة الموصل منذ ذلك التاريخ وحتّى يومنا هذا ، وهي أقرب وأصح من الصيغ الشائعة والخاطئة لتلك الأسماء الرافدينية التي بدأنا نألف نطقها الصحيح مع صعوبة نسبية في البداية لكن المشروع في الحقيقة كتب له النجاح مؤخراً".
يعد الاستاذ الدكتور عامر سليمان من أعمدة المدرسة العراقية في التاريخ والاثار وهو يعتمد منهجا علميا تاريخيا صارما ..ويعود -بأستمرار - الى النصوص والاصول ليقرأها بعين ثاقبة وبروح موضوعية .
حصل على البعثة العلمية والتحق بجامعة لندن في سنة 1966 وتخصص باللغات السامية -اللغة الاكية ونال شهادة الدكتوراه .وعاد الى الموصل وعمل في جامعتها ..وكان اول من عُين في كلية الاداب في السنة 1966 حيث كانت تعرف بهيئة الانسانيات. وبين سنتي 1967 و1969 تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الاداب ورأس قسم الاثار في كلية الاداب بين سنتي 1970 – 1974، كذلك شغل منصب المسجل العام للجامعة ما بين 1968-1974، واصبح مساعدا لرئيس الجامعة منذ 1972 حتى نهاية 1975، وترأس هيئة تنقيات جامعة الموصل بين 1967-1982، وعمل مديرا لمركز البحوث الاثارية والحضارية للسنوات 1980-1982، ثم رئيسا لهيئة تحرير مجلة اداب الرافدين، بين 1980-1982، وفي سنة 2008 وعندما فتحت في الموصل كلية للاثار نقل اليها ولايزال فيها استاذا متمرسا .وقد تدرج في المراتب العلمية فنال مرتبة الاستاذية سنة 1977 وهو يحمل وسام المؤرخ العربي تقديرا لجهوده في خدمة التاريخ .. اختير عضوا عاملا في المجمع العلمي سنة 1996. وهو عضو جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين وعضو اتحاد المؤرخين العرب.وقد شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العالمية التي كانت تقيمها دائرة الاثار والتراث سنويا هذا فضلا عن ندوات الحضر والندوات العلمية التي كانت جامعة الموصل تقيمها ،.كما اشرف على عدد كبير من طلبة الماجستير والدكتوراه في التاريخ القديم والاثار ويواصل الان نشاطه حيث يعمل مع عدد من الباحثين في تحرير "موسوعة العراق الاثارية " . قدم عددا كبيرا من البحوث والمقالات والدراسات في حقل تخصصه .كما ألف الكتب التالية :
1-القانون في العراق القديم/الموصل/1977.
2- فرائد في التاريخ القديم /القسم الاول/الموصل 1978.
3-عادات وتقاليد الشعوب القديمة /بالاشتراك مع الاستاذ الدكتور فاضل عبد الواحد علي .وقد طبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر -جامعة الموصل سنة 1979
4- Introductiom to Ancient Iraqi Languages, Mosul 1981
5-تاريخ العراق القديم/ج1التاريخ السياسي مع كل من الاستاذ طه باقر و الاستاذ الدكتور فاضل عبد الواحد .
6-تاريخ العراق القديم/ج1التاريخ الحضاري مع كل من الاستاذ طه باقر والاستاذ الدكتورفاضل عبد الواحد.
7-الكتابة المسمارية والحرف العربي/الموصل 1984.
8-محافظة نينوى بين الماضي والحاضر/القسم الأول فقط 1986والفه بالاشتراك مع الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف والاستاذ الدكتور ازهر السماك والاستاذ الدكتور احمد قاسم الجمعة والحاج عب الجبار الجرجيس .
9-اللغة الاكدية (البابلية –الآشورية)الموصل 1991.
10-العراق في التاريخ القديم/موجز التاريخ السياسي /الموصل 1992.
11-العراق في التاريخ القديم/موجز التاريخ الحضاري /الموصل 1993
12.اللغة الاكدية وطبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر -جامعة الموصل سنة 2005
كما ترجم لاستاذه (هاري ساكز ) كتاب "عظمة بابل " 1984 .. ومن مترجماته كتاب " الشرق الادنى والحضارات المبكرة" تأليف نخبة من الباحثين الاوربيين 1986. والتعاون مع الاستاذ الدكتور صالح احمد العلي والاستاذ الدكتور علي المياح ترجم سنة 1984 كتاب ادمز "أطراف بغداد " .
وللاستاذ الدكتور عامر سليمان اسهامات كثيرة في تحرير مجموعة من الموسوعات منها :
1-العراق في التاريخ بغداد،1983.
2-موسوعة حضارة العراق، بغداد 1985.
3-موسوعة العراق موكب الحضارة، بغداد 1988.
4-موسوعة الجيش والسلاح، بغداد 1988.
5-موسوعة المدينة والحياة المدنية، بغداد 1988.
6-موسوعة الموصل الحضارية، موصل 1991.
7-اطلس العراق التعليمي، موصل 1987.
لقد قضى الاستاذ الدكتور عامر سليمان اكثر من نصف قرن وهو بين الدراسة والتدريس والترجمة والتأليف في حقل تاريخ العراق القديم واثاره ولغاته .. فوجد ان الواجب العلمي يحتم عليه ان يقدم ملاحظاته واراءه ليفيد منها الشباب من الباحثين يظنها مهمة لفهم تاريخنا القديم فهما صحيحا لما لهذا التاريخ من اهمية قصوى في بناء حاضرنا ومستقبلنا ..وفي كتابه "المدرسة العراقية في تاريخنا القديم "يشخص عددا من الاسس التي يرى انها تساعد في تثبيت الملامح والخصائص الرئيسية للمدرسة العراقية في دراسة تاريخنا .وقد وقف عند نشأة الاهتمامات العراقية بالتاريخ القديم والاثار ،وتحدث عن تأسيس قسم الاثار بكلية الاداب -جامعة بغداد سنة 1951 واستعرض مجهودات الرواد الاوائل ومنهم الاستاذ طه باقر والاستاذ بشير فرنسيس وغيرهما مع متابعة حثيثة لاجيال الاثاريين العراقيين التالية .علق الصديق الدكتور عامر الجميلي بعد ان قرأ مقالي عن الاستاذ الدكتور عامر سليمان قائلا :"شكراً دكتور إبراهيم على هذا التنويه الرائع منك لمشروع استاذنا الدكتور عامر سليمان الذي بدأ اولى بواكيره في نهاية الثمانينييات مع كتابه الشهير " الكتابة المسمارية والحرف العربي " وتمّ اعتماده في نهاية التسعينييات مع " المعجم الأكدي " باللغة العربية والحرف العربي ج 1 وغيرهم من المؤلفات التي توالى إصدارها وتأليفها وترجمتها بهذا النهج والاسلوب ، وخلاصة هذه المدرسة هو اعتماد " الصيغة الأكديّة - البابلية - الآشورية الصحيحة في النصوص المسمارية " وكما وصلتنا لأسماء الملوك والمدن والآلهة والمواقع الجغرافية العراقية القديمة من دونما شابها من تغيير في " الصيغة التوراتية والتلمودية " والتي وصلتنا من خلال " المصادر العبرية " ، وتم اعتمادها من قبل طلبة وأساتذة كلية الآثار في جامعة الموصل منذ ذلك التاريخ وحتّى يومنا هذا ، وهي أقرب وأصح من الصيغ الشائعة والخاطئة لتلك الأسماء الرافدينية التي بدأنا نألف نطقها الصحيح مع صعوبة نسبية في البداية لكن المشروع في الحقيقة كتب له النجاح مؤخراً".
يعد الاستاذ الدكتور عامر سليمان من أعمدة المدرسة العراقية في التاريخ والاثار وهو يعتمد منهجا علميا تاريخيا صارما ..ويعود -بأستمرار - الى النصوص والاصول ليقرأها بعين ثاقبة وبروح موضوعية .
*يبدو انه توفي يوم 23 ايلول -سبتمبر 2014
لمناسبة إحتفاء مكتبة الاسكندرية العالمية بالعلامة العراقي الكبير الاستاذ الدكتور جواد علي **** الاستاذ الدكتور جواد علي والتأريخ للعرب قبل الاسلام ا.د.ابراهيم خليل العلاف
لمناسبة إحتفاء مكتبة الاسكندرية العالمية بالعلامة العراقي الكبير الاستاذ الدكتور جواد علي *
****************************************************
الاستاذ الدكتور جواد علي والتأريخ للعرب قبل الاسلام
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل -العراق
حينما يتذاكر الناس في تاريخ العرب وفي طبيعة ما كانوا عليه قبل الإسلام، فان المؤرخ الأستاذ الدكتور جواد علي أول ما يتبادر إلى أذهانهم. ويكفيه فخرا انه ألف كتابيه الشهيرين (تاريخ العرب قبل الإسلام) بثمانية مجلدات و(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) بعشرة مجلدات. ولد جواد علي في الكاظمية ببغداد سنة 1907 ودرس في الاعظمية حيث كلية الإمام أبو حنيفة وبعد ذلك أكمل دراسته في دار المعلمين العالية (كلية التربية) وبعد تخرجه فيها سنة 1931 عين مدرسا في إحدى المدارس الثانوية وسرعان ما رشح ليكون ضمن بعثة علمية إلى ألمانيا وقد حصل على الدكتوراه من جامعة هامبورغ سنة 1939 وذلك عن رسالته الموسومة (المهدي وسفرائه الأربعة) بالألمانية .
عاد إلى العراق وصادفت عودته قيام ثورة مايو 1941 ونشوب الحرب العراقية – البريطانية فانضم إلى الثورة وبعد فشلها اعتقل في معتقل الفاو ثم أطلق سراحه وأعيد إلى الوظيفة في وزارة المعارف واختير ليكون أمينا لسر لجنة التأليف والترجمة والنشر التي قدر لها أن تكون نواة للمجمع العلمي العراقي سنة 1947 وفي 1956 أصبح عضوا عاملا في المجمع واختير عضوا مراسلا ومؤازرا في مجامع أخرى عربية وعالية .
عمل الدكتور جواد علي مدرسا وأستاذا مساعدا ثم أستاذا في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد منذ الخمسينات من القرن الماضي وفي العام الدراسي 1957 -1958 عمل أستاذا زائرا في جامعة هارفارد الأميركية وقد تقاعد فمنحته جامعة بغداد لقب (أستاذ متمرس) .
نشر الدكتور جواد علي قرابة (50) دراسة في مجلة المجمع العلمي العراقي كما كتب في مجلات أخرى منها (المعلم الجديد) وحصل في حياته على تكريمات وأوسمة منها وسام المعارف اللبناني ووسام المؤرخ العربي وحضر ندوات ومؤتمرات عديدة منها مؤتمرات المستشرقين التي كانت تعقد في ألمانيا.
من مؤلفاته المنشورة :
1. التاريخ العام (بغداد 1927 )
2. أصنام العرب (بغداد 1967 )
3. تاريخ العرب قبل الإسلام (ثمانية مجلدات) طبعها المجمع العلمي العراقي بين سنتي 1956 -1960 .
4. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (عشرة مجلدات) طبعت في بيروت بين سنتي 1947 – 1968 .
5. تاريخ الصلاة في الإسلام (بغداد 1968 )
6. تاريخ العرب في الإسلام (بيروت 1969 )
كما أن له كتبا غير منشورة منها كتابيه (معجم ألفاظ المسند ) و( المفصل في تاريخ العرب في الإسلام ) , وقد نشر مع الدكتور احمد سوسة والأستاذ بهجت الأثري خارطة الإدريسي المعروفة بـ (صورة الأرض ) وطبعت سنة 1951 . وله بحث موسع نشر متسلسلا في مجلة المجمع العلمي العراقي (1950 -1954 ) حول موارد تاريخ الطبري .
كان الدكتور جواد علي مؤرخا رانكويا (نسبة إلى المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكة) والذي يقول إن وظيفة المؤرخ أن يعيد تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط. وبشان منهجه هذا فان الأستاذ حميد المطبعي أجرى معه في مجلة أفاق عربية (آذار 1978) حوارا قال فيه إن ثمة مشاكل تعترض المؤرخ منها مشكلة الرجوع إلى المصادر الحقيقية ومشكلة المؤلفات القديمة باللغات المختلفة ومشكلة تشتت المصادر وتبعثرها. ويعيب الدكتور جواد علي على المؤرخين أخذهم بالعموميات بدلا من اعتماد المنهج العلمي ويضيف إن على المؤرخ أن يدرس التاريخ وفقا للظروف والحوادث التي وقعت وليس كما هو الحاضر ويحذر المؤرخين من تدخل العواطف وتحكم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقائدية ويقول ((يقتضي على المؤرخ ليكون تاريخه علميا منزها تجنيب نفسه المذهبية المتزمتة وعليه نقد الروايات نقدا علميا محايدا ... )). ويضيف (( ثم يقوم بربط الأخبار بعضها ببعض، وشد أجزائها شدا محكما بأسلوب يتناول كل الوجوه واعتبار التاريخ تاريخ بشر وهو حكم وسياسة والسياسة سياسة في كل وقت ومكان ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان )).
ويرى الدكتور جواد علي، إن العرب يمتلكون تاريخا ثرا وهم في غنى عن الإضافة إلى تاريخهم وتحميله ما ليس منه. ويدين استخدام الدولة التاريخ أداة بيدها ويقول إن هذا مرض مزمن في البشرية مما حمل الناس على الشك في صحة التاريخ واعتباره مجرد كذب وتلفيق ويضيف ((لازال التلفيق والتنميق جاريان في التاريخ، ولاسيما في السياسات المذهبية وفي الأمور الشخصية وفي الحروب وفي الجدل بأنواعه، غير إن بوسع المؤرخ في الوقت الحاضر الكشف عن الواقع بفضل تعدد المصادر والمقارنة بينها واستخلاص الحقائق .
وفيما يتعلق بالدعوات حول إعادة كتابة التاريخ قال الدكتور جواد علي إن تلك الدعوات لم تنبع من فلسفة أصيلة مدروسة وإنما من ميول ومحاكاة ومحاباة ونابعة من توجيه البيئة والعصر وإخضاع التاريخ لمنطق الرأي السائد في عصر المؤرخ. وبشان عوامل تفسير التاريخ التي يجب على المؤرخ أن يتسلح بها يقول الدكتور جواد علي أنها :
1. التاريخ يستمد وحيه من واقع الظروف التي صنع فيها وذلك بعد تحليل وعمل فكر وإحاطة بالروايات وبالوثائق الواردة عن الحادث .
2. تدوين التاريخ وفقا للاجتهاد الذي يتوصل إليه وجدان المؤرخ عنه .
3. عدم الرضوخ لمدرسة معينة من المدارس التي تفسر التاريخ وفقا لديانتها وعقيدتها في تفسير التاريخ ،لان التاريخ لرأى معين معناه إننا نزيف ونحور التاريخ ونصوغه وفقا لعقيدتنا الضيقة ،فهنا إخضاع لحكم جامد يتنافى مع ضرورات المنهج العلمي في تفسير التاريخ .
4. على المؤرخ إن يشخص كل جوانب التاريخ ،فلا يقتصر على التمجيد والمديح ،وفي الوقت نفسه لا يحاول تسقط العثرات ومواطن الضعف .
5. أن يكون المؤرخ وصافا عالما عادلا أي أن ينظر إلى منشأ الروايات واتجاه رواتها والزمن الذي عاش فيه صاحب الرواية وناقلها .
6. وإزاء هذه المواصفات ،علينا ، يضيف الدكتور جواد علي ،أن نحذر من النظرة القسرية إلى تاريخنا، ويجب التبصر فيما يكتب في كل بيئة معارضة وعلى المؤرخ عدم الاقتصار على الجوانب السياسية وشمول كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية بالاهتمام .
7. ويقدم الدكتور جواد علي وصيته الأخيرة للمؤرخ المعاصر وهي إن على مؤرخ اليوم أن يتحدث عن كل جوانب الحياة ..عن كل الطبقات ..عن الخاصة والسواد .
يقول الدكتور خلدون درويش لطفي في مقال له عن الدكتور جواد علي نشره في مجلة (المؤرخ العربي) وبالعدد 56 (1998) : أن الدكتور جواد علي يعد من كبار المؤرخين العرب المعاصرين ، وقد اشتهر بمؤلفاته الرصينة وأبحاثه القيمة التي أكسبته هذه الشهرة والمنزلة الرفيعة بين المؤرخين البارزين على الساحتين العربية والعالمية. توفي الدكتور جواد علي رحمه الله سنة 1987 .
*http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2013/06/blog-post_4302.html
****************************************************
الاستاذ الدكتور جواد علي والتأريخ للعرب قبل الاسلام
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل -العراق
حينما يتذاكر الناس في تاريخ العرب وفي طبيعة ما كانوا عليه قبل الإسلام، فان المؤرخ الأستاذ الدكتور جواد علي أول ما يتبادر إلى أذهانهم. ويكفيه فخرا انه ألف كتابيه الشهيرين (تاريخ العرب قبل الإسلام) بثمانية مجلدات و(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) بعشرة مجلدات. ولد جواد علي في الكاظمية ببغداد سنة 1907 ودرس في الاعظمية حيث كلية الإمام أبو حنيفة وبعد ذلك أكمل دراسته في دار المعلمين العالية (كلية التربية) وبعد تخرجه فيها سنة 1931 عين مدرسا في إحدى المدارس الثانوية وسرعان ما رشح ليكون ضمن بعثة علمية إلى ألمانيا وقد حصل على الدكتوراه من جامعة هامبورغ سنة 1939 وذلك عن رسالته الموسومة (المهدي وسفرائه الأربعة) بالألمانية .
عاد إلى العراق وصادفت عودته قيام ثورة مايو 1941 ونشوب الحرب العراقية – البريطانية فانضم إلى الثورة وبعد فشلها اعتقل في معتقل الفاو ثم أطلق سراحه وأعيد إلى الوظيفة في وزارة المعارف واختير ليكون أمينا لسر لجنة التأليف والترجمة والنشر التي قدر لها أن تكون نواة للمجمع العلمي العراقي سنة 1947 وفي 1956 أصبح عضوا عاملا في المجمع واختير عضوا مراسلا ومؤازرا في مجامع أخرى عربية وعالية .
عمل الدكتور جواد علي مدرسا وأستاذا مساعدا ثم أستاذا في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد منذ الخمسينات من القرن الماضي وفي العام الدراسي 1957 -1958 عمل أستاذا زائرا في جامعة هارفارد الأميركية وقد تقاعد فمنحته جامعة بغداد لقب (أستاذ متمرس) .
نشر الدكتور جواد علي قرابة (50) دراسة في مجلة المجمع العلمي العراقي كما كتب في مجلات أخرى منها (المعلم الجديد) وحصل في حياته على تكريمات وأوسمة منها وسام المعارف اللبناني ووسام المؤرخ العربي وحضر ندوات ومؤتمرات عديدة منها مؤتمرات المستشرقين التي كانت تعقد في ألمانيا.
من مؤلفاته المنشورة :
1. التاريخ العام (بغداد 1927 )
2. أصنام العرب (بغداد 1967 )
3. تاريخ العرب قبل الإسلام (ثمانية مجلدات) طبعها المجمع العلمي العراقي بين سنتي 1956 -1960 .
4. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (عشرة مجلدات) طبعت في بيروت بين سنتي 1947 – 1968 .
5. تاريخ الصلاة في الإسلام (بغداد 1968 )
6. تاريخ العرب في الإسلام (بيروت 1969 )
كما أن له كتبا غير منشورة منها كتابيه (معجم ألفاظ المسند ) و( المفصل في تاريخ العرب في الإسلام ) , وقد نشر مع الدكتور احمد سوسة والأستاذ بهجت الأثري خارطة الإدريسي المعروفة بـ (صورة الأرض ) وطبعت سنة 1951 . وله بحث موسع نشر متسلسلا في مجلة المجمع العلمي العراقي (1950 -1954 ) حول موارد تاريخ الطبري .
كان الدكتور جواد علي مؤرخا رانكويا (نسبة إلى المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكة) والذي يقول إن وظيفة المؤرخ أن يعيد تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط. وبشان منهجه هذا فان الأستاذ حميد المطبعي أجرى معه في مجلة أفاق عربية (آذار 1978) حوارا قال فيه إن ثمة مشاكل تعترض المؤرخ منها مشكلة الرجوع إلى المصادر الحقيقية ومشكلة المؤلفات القديمة باللغات المختلفة ومشكلة تشتت المصادر وتبعثرها. ويعيب الدكتور جواد علي على المؤرخين أخذهم بالعموميات بدلا من اعتماد المنهج العلمي ويضيف إن على المؤرخ أن يدرس التاريخ وفقا للظروف والحوادث التي وقعت وليس كما هو الحاضر ويحذر المؤرخين من تدخل العواطف وتحكم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقائدية ويقول ((يقتضي على المؤرخ ليكون تاريخه علميا منزها تجنيب نفسه المذهبية المتزمتة وعليه نقد الروايات نقدا علميا محايدا ... )). ويضيف (( ثم يقوم بربط الأخبار بعضها ببعض، وشد أجزائها شدا محكما بأسلوب يتناول كل الوجوه واعتبار التاريخ تاريخ بشر وهو حكم وسياسة والسياسة سياسة في كل وقت ومكان ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان )).
ويرى الدكتور جواد علي، إن العرب يمتلكون تاريخا ثرا وهم في غنى عن الإضافة إلى تاريخهم وتحميله ما ليس منه. ويدين استخدام الدولة التاريخ أداة بيدها ويقول إن هذا مرض مزمن في البشرية مما حمل الناس على الشك في صحة التاريخ واعتباره مجرد كذب وتلفيق ويضيف ((لازال التلفيق والتنميق جاريان في التاريخ، ولاسيما في السياسات المذهبية وفي الأمور الشخصية وفي الحروب وفي الجدل بأنواعه، غير إن بوسع المؤرخ في الوقت الحاضر الكشف عن الواقع بفضل تعدد المصادر والمقارنة بينها واستخلاص الحقائق .
وفيما يتعلق بالدعوات حول إعادة كتابة التاريخ قال الدكتور جواد علي إن تلك الدعوات لم تنبع من فلسفة أصيلة مدروسة وإنما من ميول ومحاكاة ومحاباة ونابعة من توجيه البيئة والعصر وإخضاع التاريخ لمنطق الرأي السائد في عصر المؤرخ. وبشان عوامل تفسير التاريخ التي يجب على المؤرخ أن يتسلح بها يقول الدكتور جواد علي أنها :
1. التاريخ يستمد وحيه من واقع الظروف التي صنع فيها وذلك بعد تحليل وعمل فكر وإحاطة بالروايات وبالوثائق الواردة عن الحادث .
2. تدوين التاريخ وفقا للاجتهاد الذي يتوصل إليه وجدان المؤرخ عنه .
3. عدم الرضوخ لمدرسة معينة من المدارس التي تفسر التاريخ وفقا لديانتها وعقيدتها في تفسير التاريخ ،لان التاريخ لرأى معين معناه إننا نزيف ونحور التاريخ ونصوغه وفقا لعقيدتنا الضيقة ،فهنا إخضاع لحكم جامد يتنافى مع ضرورات المنهج العلمي في تفسير التاريخ .
4. على المؤرخ إن يشخص كل جوانب التاريخ ،فلا يقتصر على التمجيد والمديح ،وفي الوقت نفسه لا يحاول تسقط العثرات ومواطن الضعف .
5. أن يكون المؤرخ وصافا عالما عادلا أي أن ينظر إلى منشأ الروايات واتجاه رواتها والزمن الذي عاش فيه صاحب الرواية وناقلها .
6. وإزاء هذه المواصفات ،علينا ، يضيف الدكتور جواد علي ،أن نحذر من النظرة القسرية إلى تاريخنا، ويجب التبصر فيما يكتب في كل بيئة معارضة وعلى المؤرخ عدم الاقتصار على الجوانب السياسية وشمول كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية بالاهتمام .
7. ويقدم الدكتور جواد علي وصيته الأخيرة للمؤرخ المعاصر وهي إن على مؤرخ اليوم أن يتحدث عن كل جوانب الحياة ..عن كل الطبقات ..عن الخاصة والسواد .
يقول الدكتور خلدون درويش لطفي في مقال له عن الدكتور جواد علي نشره في مجلة (المؤرخ العربي) وبالعدد 56 (1998) : أن الدكتور جواد علي يعد من كبار المؤرخين العرب المعاصرين ، وقد اشتهر بمؤلفاته الرصينة وأبحاثه القيمة التي أكسبته هذه الشهرة والمنزلة الرفيعة بين المؤرخين البارزين على الساحتين العربية والعالمية. توفي الدكتور جواد علي رحمه الله سنة 1987 .
*http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2013/06/blog-post_4302.html
الاثنين، 22 سبتمبر 2014
«الجداول»... من بعد هذه السنين* بقلم : الاستاذ الدكتور سعيد عدنان
«الجداول»... من بعد هذه السنين*
بقلم : الاستاذ الدكتور سعيد عدنان
حين صدر (الجداول) في مطالع القرن العشرين أخذ مدى واسعاً، ولقي قبولاً حسناً، وأقبل عليه القرّاء في المدن العربيّة. كان إيليا أبو ماضي قد تقلّبت به الحياة، واختلفت ألوانها عليه؛ من لبنان إلى مصر، ثمّ إلى الولايات المتّحدة؛ يعمل كثيراً، ويقرأ قليلاً، ويتأمّل، في كلّ أحواله، مجرى الحياة، وما يصطرع فيها من خير وشرّ، ويدوّن ما توحي أحداثها إليه من شعر.
لم تكن له رصانة شعراء النهضة كالبارودي، وشوقي، وحافظ، ولم تكن له ديباجتهم؛ لكنّه كان يخوض في ما لم يكونوا يخوضون فيه، كان يقترب بالشعر من قضايا الناس، ولا يقول إلّا ما ينبثق من نفسه، غير محتفل باللغة وأصالة بيانها. كان قد أصدر قبل (الجداول) ديوانين؛ هما: (تذكار الماضي) و(وديوان إيليا أبو ماضي)، وكأنّهما كانا الطريق نحو (الجداول) حيث تكامل إعرابه عن نفسه.
لقي (الجداول) يوم صدر شيئاً كثيراً من الترحيب، ورأى فيه الناس عنوان أدب عربيّ جديد يُكتب في المهجر الأمريكيّ؛ إذ كان جبران خليل جبران يبتكر نثراً عليه ميسمه، وكان ميخائيل نعيمة يدعو إلى مغادرة القديم، والتعلّق بالجديد، وكان أبو ماضي يقول الشعر بما يفارق النمط السائد. لقد شرع أفق رومانسي بالظهور، وطفق يزحزح البناء الكلاسي شيئاً ما، وتطلّع القراء إلى أشياء جديدة في الأدب، وقد وجدوا بعضها في (الجداول). كانت قصيدة (الطين) ممّا سار من قصائد الديوان فحُفظت، وأُنشدت في المجالس، ودخلت إلى المدارس، وصارت على ألسنة الطلبة يستعيدون أبياتاً منها، وربّما وجد الفقير ضرباً من العزاء وهو ينشد:
نسي الطينُ ساعةً أنّه طين ... حقيرٌ فصال تيهاً وعربدْ
وكسا الخزُّ جسمه فتباهى ... وحوى المالَ كيسُه فتمرّدْ
يا أخي لا تمل بوجهك عنّي...ما أنا فحمةٌ ولا أنت فرقدْ
ولم يتساءل أحد، يومئذٍ، عن مبلغها من الشعر؛ فقد أُخذ قارئها بفكرتها، ونزوعها الاجتماعيّ، وبما استدعت من قصائد كانت تقوم على الموعظة، والتذكير بأنّ المال زائل لا ثبات له، وأنّ الإنسان أخو الإنسان.
غير أنّ القصيدة التي ملأت الأفق، وشغلت الناس، ولقيت القبول، والإنكار، واقترنت باسم إيليا أبو ماضي، فما أن يُذكر حتّى تُذكر؛ إنّما هي (الطلاسم) ذات التساؤل، والحيرة، والريب الذي يدهم كلّ شيء. يقول في مطلعها:
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيتُ
ولقد أبصرت قدّامي طريقاً فمشيتُ
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لستُ أدري
وكلّها على هذا النهج الحائر، المتشكك، الذي لا يركن إلى يقين. فما كان لها، وقد مضت بعيداً في زعزعة الثوابت، أن تسلم من النقض؛ فقد ردّ محمّد جواد الجزائري على أبي ماضي تساؤله، وصنع مثله عبد الحميد السماوي؛ لكنّ قصيدتيهما إن اتّسمتا بحسن السبك، وجودة اللفظ فإنّهما تفتقران إلى ما في (الطلاسم) من عنف السؤال وحرارته؛ وفرقٌ بين برد اليقين، وتلهّب الشك.
بيد أنّه لم تمض سنوات حتّى انزلقت القصيدة، وما قيل في نقضها، نحو تاريخ الأدب، وشرعت تفقد حيويتها شيئاً فشيئاً.
وفي الديوان قصائد أخرى؛ كانت لها سيرورة منذ صدوره؛ كمثل (العنقاء)، و(تعالي)، و (المساء)، و(التينة الحمقاء)، و(من أدب الزنوج)؛ لكنّ سيرورتها انقطعت بعد زمن يسير. وكأنّ لكلّ قصيدة عمراً؛ إذا استوفته استقرّت في ركن التاريخ!
وقد تسأل؛ لِمَ يطول عمر قصيدة حتّى تزاحم الأبد، ويقصر عمر أخرى؟
وقد يكون في الإجابة؛ أن ممّا يمدّ بعمر قصيدة ما: أصالة فكرتها، وحيويّة لغتها، وانبثاقها عن تجربة تتّسم بالسعة والعمق، وانسجام الشكل مع المحتوى حتّى لا انفصال بينهما؛ فإذا نقص شيء من ذلك تقلّص عمر القصيدة، وتضاءل مداها. وربّما تنال قصيدة في زمن حظوة، ثمّ يدركها النسيان!
كان (الجداول) ممّا يتمثّل به الجديد في مطالع القرن العشرين حتّى أواخر النصف الأول منه، ثمّ جنح نحو زاوية من التاريخ؛ ولعلّ من سبب ذلك أنّ الشاعر لم يُعنَ بلغته، ولم يصقلها، ولعلّ من سببه أيضاً؛ أن الشكل لم ينسجم مع المحتوى تمام الانسجام، وربّما بدت الأفكار التي بُنيت عليها القصائد مفتقدة الجدّة، والأصالة. لكنّه، مع ذلك كلّه، يبقى من معالم التجديد في مطلع القرن العشرين..!
*http://www.alaalem.com/
بقلم : الاستاذ الدكتور سعيد عدنان
حين صدر (الجداول) في مطالع القرن العشرين أخذ مدى واسعاً، ولقي قبولاً حسناً، وأقبل عليه القرّاء في المدن العربيّة. كان إيليا أبو ماضي قد تقلّبت به الحياة، واختلفت ألوانها عليه؛ من لبنان إلى مصر، ثمّ إلى الولايات المتّحدة؛ يعمل كثيراً، ويقرأ قليلاً، ويتأمّل، في كلّ أحواله، مجرى الحياة، وما يصطرع فيها من خير وشرّ، ويدوّن ما توحي أحداثها إليه من شعر.
لم تكن له رصانة شعراء النهضة كالبارودي، وشوقي، وحافظ، ولم تكن له ديباجتهم؛ لكنّه كان يخوض في ما لم يكونوا يخوضون فيه، كان يقترب بالشعر من قضايا الناس، ولا يقول إلّا ما ينبثق من نفسه، غير محتفل باللغة وأصالة بيانها. كان قد أصدر قبل (الجداول) ديوانين؛ هما: (تذكار الماضي) و(وديوان إيليا أبو ماضي)، وكأنّهما كانا الطريق نحو (الجداول) حيث تكامل إعرابه عن نفسه.
لقي (الجداول) يوم صدر شيئاً كثيراً من الترحيب، ورأى فيه الناس عنوان أدب عربيّ جديد يُكتب في المهجر الأمريكيّ؛ إذ كان جبران خليل جبران يبتكر نثراً عليه ميسمه، وكان ميخائيل نعيمة يدعو إلى مغادرة القديم، والتعلّق بالجديد، وكان أبو ماضي يقول الشعر بما يفارق النمط السائد. لقد شرع أفق رومانسي بالظهور، وطفق يزحزح البناء الكلاسي شيئاً ما، وتطلّع القراء إلى أشياء جديدة في الأدب، وقد وجدوا بعضها في (الجداول). كانت قصيدة (الطين) ممّا سار من قصائد الديوان فحُفظت، وأُنشدت في المجالس، ودخلت إلى المدارس، وصارت على ألسنة الطلبة يستعيدون أبياتاً منها، وربّما وجد الفقير ضرباً من العزاء وهو ينشد:
نسي الطينُ ساعةً أنّه طين ... حقيرٌ فصال تيهاً وعربدْ
وكسا الخزُّ جسمه فتباهى ... وحوى المالَ كيسُه فتمرّدْ
يا أخي لا تمل بوجهك عنّي...ما أنا فحمةٌ ولا أنت فرقدْ
ولم يتساءل أحد، يومئذٍ، عن مبلغها من الشعر؛ فقد أُخذ قارئها بفكرتها، ونزوعها الاجتماعيّ، وبما استدعت من قصائد كانت تقوم على الموعظة، والتذكير بأنّ المال زائل لا ثبات له، وأنّ الإنسان أخو الإنسان.
غير أنّ القصيدة التي ملأت الأفق، وشغلت الناس، ولقيت القبول، والإنكار، واقترنت باسم إيليا أبو ماضي، فما أن يُذكر حتّى تُذكر؛ إنّما هي (الطلاسم) ذات التساؤل، والحيرة، والريب الذي يدهم كلّ شيء. يقول في مطلعها:
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيتُ
ولقد أبصرت قدّامي طريقاً فمشيتُ
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لستُ أدري
وكلّها على هذا النهج الحائر، المتشكك، الذي لا يركن إلى يقين. فما كان لها، وقد مضت بعيداً في زعزعة الثوابت، أن تسلم من النقض؛ فقد ردّ محمّد جواد الجزائري على أبي ماضي تساؤله، وصنع مثله عبد الحميد السماوي؛ لكنّ قصيدتيهما إن اتّسمتا بحسن السبك، وجودة اللفظ فإنّهما تفتقران إلى ما في (الطلاسم) من عنف السؤال وحرارته؛ وفرقٌ بين برد اليقين، وتلهّب الشك.
بيد أنّه لم تمض سنوات حتّى انزلقت القصيدة، وما قيل في نقضها، نحو تاريخ الأدب، وشرعت تفقد حيويتها شيئاً فشيئاً.
وفي الديوان قصائد أخرى؛ كانت لها سيرورة منذ صدوره؛ كمثل (العنقاء)، و(تعالي)، و (المساء)، و(التينة الحمقاء)، و(من أدب الزنوج)؛ لكنّ سيرورتها انقطعت بعد زمن يسير. وكأنّ لكلّ قصيدة عمراً؛ إذا استوفته استقرّت في ركن التاريخ!
وقد تسأل؛ لِمَ يطول عمر قصيدة حتّى تزاحم الأبد، ويقصر عمر أخرى؟
وقد يكون في الإجابة؛ أن ممّا يمدّ بعمر قصيدة ما: أصالة فكرتها، وحيويّة لغتها، وانبثاقها عن تجربة تتّسم بالسعة والعمق، وانسجام الشكل مع المحتوى حتّى لا انفصال بينهما؛ فإذا نقص شيء من ذلك تقلّص عمر القصيدة، وتضاءل مداها. وربّما تنال قصيدة في زمن حظوة، ثمّ يدركها النسيان!
كان (الجداول) ممّا يتمثّل به الجديد في مطالع القرن العشرين حتّى أواخر النصف الأول منه، ثمّ جنح نحو زاوية من التاريخ؛ ولعلّ من سبب ذلك أنّ الشاعر لم يُعنَ بلغته، ولم يصقلها، ولعلّ من سببه أيضاً؛ أن الشكل لم ينسجم مع المحتوى تمام الانسجام، وربّما بدت الأفكار التي بُنيت عليها القصائد مفتقدة الجدّة، والأصالة. لكنّه، مع ذلك كلّه، يبقى من معالم التجديد في مطلع القرن العشرين..!
*http://www.alaalem.com/

الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
معرض بيروت الدولي للكتاب ...................الدورة 67 للسنة 2026
معرض بيروت الدولي للكتاب ...................الدورة 67 للسنة 2026 اليوم اختتم اعماله واستمر منذ 9 إلى 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في «سي سايد ...
-
فهرس بأسماء الكتب التي نشرت بالصفحة وروابطها ومنذ بداية الصفحة وحتى آخر كتاب نشر بالصفحة حتى الآن. الكتب التي نشرت في سنة 2014 منذ افتتا...
-
عنزة في الموصل أ.د. إبراهيم خليل العلاف أستاذ التاريخ الحديث_جامعة الموصل كان للعشائر اثر كبير في الحفاظ على تماسك المجتمع العراقي ...





