إسماعيل الغانم الاعظمي .. سيرة قانوني وطني في تاريخ العراق الحديث
بقلم
الاستاذ عمر العبيدي
يعد إسماعيل الغانم واحدا من أبرز رجالات الاعظمية الذين جمعوا بين القضاء والسياسة والصحافة والعمل الاجتماعي في مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث .
قد شكل حضوره امتدادا لجيل وطني آمن بالدولة الدستورية والعمل النيابي وعاش تحولات العهد الملكي بكل صراعاته وتحدياته.
ولد سنة 1908 -1982 في محلة الشيوخ بالاعظمية بغداد وهو الابن البكر للسيد عبد الهادي افندي الاعظمي نشأ في بيئة بغدادية محافظة تعلي من شأن العلم والوجاهة الاجتماعية وكان لذلك اثر واضح في تكوينه الفكري والقانوني.
اصيب في عمر السنتين بشلل الاطفال فشكل العوق البدني تحديا مبكرا في حياته غير ان ذكاءه المبكر وارادته الصلبة مكناه من مواصلة دراسته بتفوق حتى دخل كلية الحقوق وتخرج سنة 1929 وكان الاول على دورته وهو انجاز يعكس قدرته العلمية وتميزه الاكاديمي.
بعد تخرجه عين حاكما في بعقوبة ثم في سامراء وعرف بالحزم والنزاهة ودقة الاستنباط القانوني واستقلالية الرأي وفي سنة 1933 عين حاكما في المحاكم المدنية ببغداد .
غير انه ترك الوظيفة القضائية لاحقا ليتفرغ للمحاماة حيث ذاع صيته في اوساط القضاء بوصفه رجل قانون بارعا واسع الثقافة رفيع الاخلاق حسن السيرة.
انخرط مبكرا في العمل الوطني فكان ضمن جماعة الاهالي ثم انضم الى حزب الاستقلال الذي ترأسه الزعيم الوطني محمد مهدي كبه وكان من قادته البارزين.
ناضل في سبيل مبادئ الحزب المناهضة للنفوذ الاجنبي وتعرض للمضايقات والسجن وذاق مرارة الاعتقال اكثر من مرة فقد اعتقل مع صديق شنشل في خانقين بعد وشاية اثناء فشل حركة رشيد عالي الكيلاني كما اعتقل ابان الحركة نفسها في مدينة العمارة وقد زاره بعض رفاقه في المعتقل.
تعرض للتآمر السياسي من قبل نوري السعيد وصالح جبر عدة مرات بسبب مواقفه المعارضة وكان من المشاركين في المظاهرات التي شهدتها بغداد ايام وزارة مصطفى العمري.
ساهم في اصدار جريدة الاهالي التي مثلت منبرا للتيار الوطني المعارض وفي سنة 1948 اصدر جريدة الافكار وكانت كتاباته تتسم بالجرأة السياسية مما ادى الى اعتقاله لفترة قبل ان يطلق سراحه وقد استخدم الصحافة اداة للتعبير عن رؤيته الوطنية الاصلاحية جامعا بين القانون والسياسة والاعلام.
انتخب نائبا عن بغداد سنة 1948 ثم استقال سنة 1950 لكنه اعيد انتخابه في حزيران من السنة نفسها واعيد انتخابه للمرة الثالثة سنة 1953 واستمر نائبا حتى قيام ثورة 14 تموز 1958.
عرف داخل المجلس النيابي بانه من رجال المعارضة البارزين دافع عن الحريات العامة وانتقد السياسات التي رأى انها لا تنسجم مع الارادة الشعبية وتمسك بالعمل النيابي اداة للاصلاح السياسي.
لم يقتصر دوره على القانون والسياسة بل امتد الى المجال الاجتماعي والرياضي اذ ترأس اول هيئة ادارية ل نادي الاعظمية سنة 1956 وكان النادي مؤسسة اجتماعية وثقافية ورياضية جمعت شباب المنطقة وعززت روح الانتماء والعمل الجماعي في الاعظمية.
عرف بنزاهته الشخصية الصارمة فقد رفض استلام قطعة ارض في حي العدل وزعت على المحامين لانه رفض ان يدعي خلاف الحقيقة بانه لا يملك مسكنا او ارضا باسمه وعد هذا الموقف تجسيدا لقيم الوطنية والاخلاص ونظافة اليد.
وكان يتمتع بنظرة ثاقبة للمستقبل وقد نقل عنه قوله عام 1976 اليوم احسن من بكرة في اشارة الى قراءته الواقعية للتحولات السياسية والاجتماعية.
بعد التحولات السياسية في العراق سافر الى الكويت وعمل في المحاماة هناك مستفيدا من خبرته القانونية الواسعة ثم عاد الى بغداد واحيل الى التقاعد وانصرف بعدها الى والاعمال الاقتصادية.
عرف إسماعيل الغانم بمشاركته في جلسات السمر التي كان يحضرها عدد من اعيان ووجهاء الاعظمية وكانت تتحول في كثير من الاحيان الى مجالس نقد سياسي صريح تناولت الحكومات المتعاقبة من عهد عبد الكريم قاسم مرورا بعهدي عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وصولا الى مرحلتي أحمد حسن البكر وصدام حسين.
ورغم حساسية بعض تلك الفترات ولا سيما ابان الحرب العراقية الايرانية لم تسجل بحسب الروايات المتداولة اية مساءلة رسمية بحقهم ويبدو ان
مكانتهم الاجتماعية وتقدمهم في السن جعلا السلطة تنظر اليهم بوصفهم غير ذوي تأثير مباشر على الواقع السياسي.
توفي المرحوم إسماعيل الغانم عام 1982 في بغداد، ودُفن في مقبرة الخيزران بالأعظمية.
ان استحضار سيرته اليوم هو تذكير بقيمة الرجال الذين صنعوا المكانة الاجتماعية والسياسية والثقافية لمدينة الاعظمية وبان الوطنية كانت سلوكا يوميا وموقفا اخلاقيا قبل ان تكون شعارا.
رحم الله اسماعيل الغانم واسكنه فسيح جناته وجعل ذكراه مدرسة في النزاهة والالتزام الوطني
*صفحةعمر العبيدي على الفيسبوك والرابط التالي :
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق