الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية الكبيرة تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

                                      القائد الخالد جمال عبد الناصر والشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان 



فدوى طوقان تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

واللقاء منشور على موقع (عين على التراث ) الفيسبوكي والرابط التالي :

فدوى طوقان تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

 



والرابط التالي : https://www.facebook.com/

من أوراقي المطوية ..قصة لقائي مع جمال عبد الناصر سنة ١٩٦٨
بقلم: فدوى طوقان
عدوان حزيران عام ١٩٦٧، دمنا ما تقطر من حدي سكين الطعنة المباغتة، الواقع الجديد يصيبنا بالشلل والذهول، وأرواحنا تضطرب تحت الممارسات القمعية من قبل الجيش الإسرائيلي. بضعة أسابيع، شهران أو أقل بقليل، أسترد بعدها وعينا وتبدأ مرحلة الرفض والمقاومة، ويبدأ تعاملنا مع التحديات الصعبة.
يظل الشعر هو الرد الأدبي الأسرع على الأحداث والتحديات، ذلك أنه بطبيعته لغة الانفعال والاشتعال العاطفي، ومن هنا فهو بالتالي أكثر تلقائية من أشكال التعبير الأدبية الأخرى، كالقصة والرواية مثلاً، فهذه أو تلك تحتاج إلى البعد الرابع، البعد الزمني، كما أنها تحتاج إلى حال من الهدوء، ناهيك عن الاختمار الفكري، قبل أن تخرج عملاً أدبياً يقوم بالدور الفعال والدعوة إلى تغيير الواقع الجديد البشع.
وهكذا، سرعان ما بدأ اندماجي بالجماهير في لقاءاتي الشعرية معهم، تلك اللقاءات التي كانت الهيئات الوطنية تنظمها سراً في مختلف بلدان الأراضي المحتلة، كالقدس ورام الله والبيرة وبيت لحم وغزة وبيت جالا، وكان يتم ذلك بحضور رؤساء بلديات تلك المدن لندواتي الشعرية.
في اليوم التالي لأمسيتي الشعرية في بيت جالا، تبين أن بعض اليهود الشرقيين من رجال المخابرات الإسرائيلية كانوا قد اندسوا بين الحضور، وهؤلاء يصعب تمييزهم عن أبناء العرب. فقد فوجئ رئيس البلدية السيد «البندك» وبعض الرجال البارزين ممن حضروا الأمسية، فوجئ هؤلاء بالحاكم العسكري في بيت جالا يستدعيهم واحداً واحداً، حيث أنحى باللوم الشديد على رئيس البلدية لموافقته على تنظيم تلك الندوة وحضوره وحماسه لها. ثم التفت إلى المرحوم توفيق قطان، أحد رجال الأعمال البارزين في الضفتين، التفت إليه قائلاً: «وأنت، أنت ابن السبعين عاماً، إذا كانت قصائدها قد أثارت حماسك إلى ذلك الحد، فكيف بتأثيرها على جيل الشباب؟».
أما عضو البرلمان الأردني السيد ربحي مصطفى، فقد خاطبه الحاكم العسكري بكلمات حادة، ومما قاله: «أترى كان اندفاعك إلى المنصة ومصافحتك الحارة لها بدافع الإعجاب بشخصها أم بأشعارها؟».
بعد ذلك بأيام قليلة قام وزير الدفاع موشيه دايان بجولة من جولاته، وفي بيت جالا استدعى رئيس البلدية مرة أخرى إلى دائرة الحاكم ليستمع إلى دايان منذراً ومحذراً إياه من تكرار تنظيم مثل ذلك اللقاء الشعري مع الجماهير في بيت لحم أو بيت جالا حيث الهدوء واستتباب الأمن، فـ«حذار من اللجوء إلى مسببات التهيج والإثارة في هذه المنطقة».
في الأسبوع الأول من أكتوبر عام ١٩٦٨ اكتشف الإسرائيليون كمية هائلة من أنواع المتفجرات المختلفة في أحد بيوت البلدية القديمة بنابلس. فجاء وزير الدفاع يركض إلى نابلس غاضباً مستفزاً، فقد كانت مدينة بيسان قد ضربت بشدة بصواريخ الفدائيين قبل اكتشاف المتفجرات بيوم واحد فقط. جاء دايان ليطلب من رئيس بلدية نابلس آنذاك، حمدي كنعان، استدعاء بعض رجالات المدينة.
قال دايان للمجتمعين: ما الذي تريدون يا أهالي نابلس؟ هل تريدون مقاتلة إسرائيل؟ إذن تفضلوا وافعلوا إن كنتم قادرين على ذلك. أنا لا أطالبكم بالتعامل معنا، ولكن عليكم على الأقل أن تحرصوا على سلامتكم، فهذه المتفجرات التي وجدناها اليوم لو أن لغماً واحداً منها انفجر لكان كافياً لتدمير نصف نابلس، ثم هناك تلك الشاعرة التي تكفي كل قصيدة من قصائدها لخلق عشرة من الفدائيين.
هنا رد عليه رئيس البلدية قائلاً: ماذا تتوقعون غير ذلك؟ إن ردة الفعل لدى أي بلد محتل، وفي أي جزء من أجزاء العالم، هي مقاومة الاحتلال ورفضه.
قبل مغادرته لدار البلدية التفت دايان إلى رئيس البلدية قائلاً: أريد مقابلة فدوى طوقان. وبعد الظهيرة وفد عليّ عمي قدري ليخبرني بأنني مطلوبة لمقابلة وزير الدفاع. وبالفعل تم تحديد موعد المقابلة بين رئيس البلدية وديقيد فارحي مستشار دايان في شؤون الضفة الغربية.
---
بعد ظهيرة اليوم المحدد للاجتماع، انطلقت بنا سيارة رئيس البلدية، فلفت نظري أنها اتجهت غرباً، وكان توقعي أن تتجه شرقاً حيث الطريق إلى القدس. سألت: إلى أين؟ قال: إلى تل أبيب.
ساعة وبعض الساعة، عرجت السيارة بحي في إحدى ضواحي تل أبيب، لتقف أمام أحد البيوت هناك، وليفاجئني مرأى دايان وقد بسط راحتيه مرحباً بالقادمين.
انتفضت أعماقي استياء واستغراباً.
في بيته إذن؟!
يا للتناقض ويا للمفارقة!
أنا التي أمثل بقصائدي الرفض ومقاومة الاحتلال أمضي إلى دايان في بيته، وكأنني أقوم بزيارة خاصة لوزير الحرب ممثل الاحتلال والعدوان؟
ما العمل؟ وكيف أتصرف؟ مصيبتي الكبرى هي هذه الطبيعة الخجول وهذا العزوف الغريزي عن اتخاذ المواقف التي قد توهم الآخرين، ممن لا يعرفونني على حقيقتي، بأنها مواقف استعراضية. فهل أعاند وأصر على رفض الدخول إلى المنزل؟ أو ليس في هذا ما يحرج رئيس البلدية والذي كان عليه أن يخبرني سلفاً عن مكان اللقاء؟ الله يشهد هنا أنني كثيراً ما أجدني قد ورطت نفسي فيما لا أحب من الأمور، لأجنب الآخرين ما قد أسببه لهم من إحراج.
تقدمنا دايان ليمضي بنا إلى غرفة الجلوس الغاصة رفوفها بالقطع الأثرية. هناك عرفني على اثنين من مستشاريه: ديفيد فارحي وديقيد زخريا. لم نكد نتخذ مقاعدنا حتى دخلت زوجته وابنتها يائيل دايان الكاتبة الروائية لتسلما علينا ببشاشة وترحيب.
لم يلبث دايان أن بدأ الحديث معي قائلاً، وقبل أن يجلس: أنت تكرهيننا، لقد قرأت قصائدك مترجمة إلى العبرية، إنها تفيض بمشاعر الكراهية وبالكلمات العاصفة.
قال ذلك ثم اتخذ له مقعداً قريباً مني.
قلت: لست أكرهكم كيهود، لكني أكرهكم كمحتلين. إنني من الذين يؤمنون بحق اليهود في حياة كريمة بعد الذي عانوه في أوروبا، نعم، لقد عانوا كثيراً، لكن لماذا نكون نحن الفلسطينيين من يدفع الثمن؟ لقد ذهبت بعد الحرب إلى حيفا ويافا فهزني ما رأيت من بيوت العرب المهجورة، ومن ركام الدور المهدمة، والتي ما تزال أطلالها ماثلة منذ حرب ١٩٤٨، كما هزني ما رأيت من سوء حال العرب المقيمين هناك وفي اللد والرملة والقرى التي زرتها، فلم أملك إلا أن أعبر عن مشاعري تجاه وطني وتجاه شعبنا، أتراك تلومني على ذلك؟
قال: كلا، لست ألومك، بل إنني أقدرك، وأتمنى لو أن لدينا شعراء وطنيين مثلك، لكن ما هي النتيجة؟
قلت: أعتقد أنكم لو تنسحبون من أراضينا المحتلة فإنكم ستطوعون بذلك سبيلاً إلى الحل.
قال: كيف ننسحب وهناك لاءات جمال عبد الناصر في الخرطوم: لا سلام ولا اعتراف ولا مفاوضات.
قلت: لقد أُلغيت هذه اللاءات الثلاث تلقائياً منذ قبول عبد الناصر بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢.
قال: لقد انسحبنا من سيناء ومن غزة عام ١٩٥٦ ومع ذلك لم تحدث تسوية، وبقيت المشاكل قائمة. لن يجلس عبد الناصر معنا على مائدة مفاوضات، وعليكم أن تكونوا فخورين به. أنا متأكد أنه لا يوجد زعيم باستطاعته التأثير على جمال بهذا الصدد. ونحن باستطاعتنا التحدث مع بعض الزعماء، لو أن في مقدورهم التأثير على عبد الناصر. الفلسطينيون وحدهم هم القادرون على أن يؤثروا عليه.
هنا التفت إلى ابن عمي قدري قائلة: هل تفعل ذلك؟ فقال دايان: افعلي أنت ذلك. ورد عليه رئيس البلدية قائلاً: ما الذي سيقوله الفلسطينيون لعبد الناصر فيما أنتم ترفضون الانسحاب من القدس وسيناء وهضبات الجولان و... إلخ؟
قال دايان: إنني الابن الروحي لبن غوريون، وأتبنى أفكاره، ولقد صرح بن غوريون قبل أسبوع في الكنيست وفي مؤتمر صحفي، قائلاً: إنه لا يهمه حجم إسرائيل لو ظل صغيراً، إن كل ما يريده هو حدود آمنة ومعترف بها.
---
قبل مغادرتنا قدمت إليّ يائيل روايتها Death Had Two Sons مع عبارة إهداء تقول فيها: «على أمل تفاهم أفضل على الأقل». فأرسلت إليها بالمقابل إحدى مجموعاتي الشعرية، فلقد قدرت لها صدقها وصراحتها في تصديها لأبيها بشأن تعذيب السجينات الفلسطينيات حين أكدت حقيقة ذلك التعذيب.
في طريق عودتنا أخبرت ابن عمي قدري ورئيس بلدية نابلس أنني لا أحب أن يبقى أمر ذلك اللقاء سراً مخفياً، حتى لا تثار حوله في المستقبل الإشاعات والأقاويل، إذ لابد من انتشاره في الأخير بطريقة أو بأخرى وعلى غفلة منا. فلابد لي من توضيح الأمر على حقيقته وكما وقع. وهكذا تم لي اجتماع في مصبنتنا ببعض المهتمين بالشؤون الوطنية حدثتهم فيه عما جرى بين دايان وبيني، فلم ير أحد منهم بأساً فيما جرى، فقد سبق أن اجتمع دايان بعديد من رجال الضفة الغربية بقصد الحوار وجس النبض من خلال تبادل الأفكار وتتبع آراء المهتمين من أهالي الضفة بالقضية المعاشة وبالواقع الجديد.
كان من العادة قضاء بضعة أسابيع في القاهرة في بدايات فصل الشتاء بين عام وآخر وكلما تيسرت لي الظروف. لقد ظلت هناك علاقة نفسية قائمة بين القاهرة وبيني، فمن خلال صحافة مصر الأدبية، وبالذات مجلة «الرسالة» لصاحبها أحمد حسن الزيات رحمه الله، انتشر شعري وعرفني قراء العالم العربي، مما كان عاملاً مؤثراً شجعني على الثبات والاستمرارية في مسيرتي الشعرية، ولسوف أظل مدينة لمصر العظيمة، حافظة لها جميلاً لا ينسى. وإذا كانت قدمي لم تطأ أرض القاهرة منذ رحيل الزعيم العظيم جمال عبد الناصر، فإن مصر عبد الناصر ستبقى في القلب وفي القلب أبداً.
في ديسمبر عام ١٩٦٨ توجهت إلى مصر في زيارة استجمام عادية، دون أن يجري في بالي ولا حسابي السعي للاجتماع بجمال عبد الناصر، ولسوف تتضح الأمانة والصدق في قولي هذا الحديث التالي عن الظروف التي عملت وهيأت للقائي به دون أية نية مسبقة لدي أو مبادرة مني.
كنت قد شرعت بعد الاحتلال الإسرائيلي في تسريب قصائدي إلى مجلة الآداب في بيروت، وإلى الشاعر فاروق شوشة في مصر الذي راح يذيعها من خلال برنامجه اللساني الشهير (لغتنا الجميلة). كما كانت السيدة سامية صادق كثيراً ما تنشد قصائدي في برنامجها (حول الأسرة البيضاء). ويوم التقيت بزوجها في مؤتمر الكتاب الأفريقيين الآسيويين ببيروت قبل حرب حزيران بقليل نقل إليّ إعجابها وحبها لشعري. وهكذا تملكتني وأنا في القاهرة رغبة في انتهاز الفرصة للقيام بالتعرف الشخصي عليها وعلى الشاعر العزيز فاروق شوشة والذي أحببت دائماً شعره المتميز بالرهافة والصدق والجمال. وفي دار الإذاعة المصرية التقينا، كما ضمت الجلسة بعض المذيعين والشاعر الكبير المرحوم صلاح عبد الصبور. وقبل أن أجيب على سؤالهم عن اجتماعي بدايان بادرني الشاعر فاروق شوشة بقوله إنه لم يلتفت لأحد موظفي الرصد الإذاعي حين هرع إليه فور إعلان الإذاعة الإسرائيلية لنبأ الاجتماع بدايان، هرع إليه طالباً منه الكف عن إذاعة قصائدي.
وفي حفل عشاء، دعاني إليه الأستاذ أحمد بهاء الدين في بيته، سألني بعض المدعوين عن القصة فسردتها بحذافيرها.
لم يكد يمضي يومان على حفل العشاء حتى فوجئت بالسيدة جيهان السادات ترحب بي هاتفياً إذ علمت بوجودي في القاهرة من صديقتها السيدة ديزي زوجة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وقد دعتني إلى تناول فنجان شاي برفقة السيدة ديزي، ثم أردفت: وها هو أنور يضم صوته إلى صوتي ويقول لي «لا تكوني أنانية، أنا كذلك أحب أن أراها»، وشكرت للسيدة جيهان جميل ترحيبها معبرة عن سعادتي بتلبية دعوتهما الكريمة.
في اليوم التالي مضيت برفقة السيدة ديزي إلى بيت المرحوم أنور السادات، وحول فنجان الشاي دار الحديث عن أوضاعنا في الضفة، ثم تفرع ليدور حول قصة لقائي بدايان. وسألتني السيدة جيهان عما إذا كان قد سبق لي لقاء بالرئيس فأجبتها بالنفي. قالت: هل تحبين اللقاء به؟ قلت: هذا حلم حياتي منذ حرب السويس، بالرغم من أنني لم أسع يوماً إلى محاولة تحقيق هذا الحلم، وذلك من منطلق إدراكي أن زعيماً مشغولاً مثله بقضايا مصيرية كبيرة ليس بإمكانه مقابلة كل من رغب في لقائه.
هنا قال المرحوم أنور السادات: «سأقوم بترتيب موعد لك مع الرئيس» فشكرته من أعماقي.
مرت أيام قليلة، اتصلت بي بعدها السيدة جيهان هاتفياً لتقول لي إن الرئيس سيكون في انتظاري في بيته بمنشية البكري في الساعة العاشرة صباح يوم الجمعة. كان ذلك اليوم المحدد أول أيام رمضان.
في بيته المتواضع، وفي غرفة الاستقبال البسيطة، والخالية من أي مظهر من مظاهر الفخفخة، جلست أنتظر، تائقة، متطلعة.
دقيقتان، وأقبل عليّ الراحل العظيم بخطواته الواثقة، وإطلالته المهيبة الجميلة، فنهضت مسرعة إليه، وحين مددت يدي للمصافحة أخذ راحتي بين راحتيه مبتسماً مرحباً.
---
جلس على مقربة مني، وبدأ الحديث بالسؤال عن أحوالنا في الوطن، فرسمت له صورة شاملة عن تلك الأحوال، كما حدثته عن تشبث الجماهير هناك بالرئيس عبد الناصر، وهتافهم في المظاهرات باسمه: ناصر، ناصر، ناصر، غير هابين ولا وجلين من الجيش الإسرائيلي الشرس. وهنا ذكر لي أنه ما كان ليقبل بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لولا حرصه البالغ على إنقاذنا من قبضة الاحتلال الصهيوني، كما ذكر لي أن دين رسك، وزير خارجية أمريكا حينذاك، كان قد حثه على الوصول إلى تسوية مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من كل سيناء، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً لخلو ذلك العرض من ذكر الضفة الغربية.
واستطرد رحمه الله قائلاً: «إن سيناء بكل ما فيها من نفط وثروات معدنية لا تهمني بقدر اهتمامي بالضفة وبسكانها. فحين مر بي الملك حسين وهو في طريقه إلى أمريكا لأول مرة بعد حرب حزيران، قلت له أن يرضى بأي اتفاق مع المسؤولين هناك إذا كان في ذلك ضمان استرجاعه للضفة الغربية، ولكن أمريكا رفضت التوصل مع الملك حسين إلى أي اتفاق».
ثم انتقل إلى الحديث عن همومه الداخلية، كمشكلة اللاجئين من سكان مدن القنال والأزمة الاقتصادية. قال: وها هي المظاهرات تهب اليوم في المنصورة. لقد مرت بعد الهزيمة أحد عشر يوماً لم يغمض لي فيها جفن ولم أتناول فيها شيئاً من الطعام أو الشراب. مضيت إلى الاتحاد السوفيتي للمعالجة، وطلبت من الروس سلاحاً لإعادة بناء الجيش، ولكنهم رفضوا طلبي، وتحت إلحاح مني وافقوا على ألا يذهب السلاح ترانزيت إلى أيدي الإسرائيليين. وحين طلبت خبراء روسيين تشددوا في الرفض، لكنهم استجابوا في الأخير، فالجيش المصري جاهز الآن ومكتمل، ننتظر فقط اللحظة المناسبة لضرب إسرائيل. إن لدى إسرائيل مشاكل كما لدينا. عندما كنا أطفالاً في الصعيد كنا نلعب لعبة العش على الأصابع، فيعض اثنان، كل منهما على إصبع الآخر، والذي يقول أخ قبل صاحبه يكون هو المغلوب؛ ولو لم يقلها وانتظر لحظة أخرى فإن صاحبه سيقولها حتماً. إن الإسرائيليين يعانون من متاعب لا تقل عن متاعبنا، المسألة تحتاج إلى صبر.
وكان يعلق بعض الآمال على نيكسون، قال: إنه صديق متفهم ومتعاطف وكنت قد استضفته هنا في هذا البيت، وها هو قد فاز في انتخابات الرئاسة بالرغم من كون اليهود لم يعطوه إلا أقل الأصوات.
لقد تحدث رحمه الله أكثر مما تحدثت بكثير. أما موضوع الاجتماع بدايان فلم أتطرق إليه إطلاقاً، ولا كان في نيتي أن أفعل إلا إذا سألني هو ذلك. لقد كنت على يقين من علمه بالأمر، والشيء الوحيد الذي نقلته إليه هو قول دايان (عليكم أن تكونوا فخورين بعبد الناصر).
استمر اللقاء بالرئيس ساعة وأربعين دقيقة، ولم يحضر ذلك اللقاء أي إنسان آخر. وحين نهض كلانا قلت له وأنا أصافحه وراحتي في راحته:
«ستظل أنت الرمز العظيم، والأب الحاني للأمة العربية، أنت كل شيء لنا، وأسأل الله أن تحقق الآمال ويزيح عنك وعنا هذه الغمة» وخرجت من لدنه مشحونة بالأمل والتفاؤل.
---
كان من الطبيعي أن أتحدث لأقاربي وأصدقائي عن اجتماعي بالرئيس جمال عبد الناصر، ولم يلبث النبأ أن ذاع وشاع. ولقد فوجئت ذات يوم بمستشار دايان، ديفيد فارحي، ينقل إليّ على الهاتف رغبة الجنرال في مقابلتي. سألت: أين؟ ومتى؟ في الحادية عشرة من صباح غد وفي فندق الملك داود في القدس. ستجدينني في انتظارك لدى باب الفندق.
جلس على مقربة مني، وبدأ الحديث عن أحوالنا في الوطن.. قال دايان: عرفت عن اجتماعك بعبد الناصر، لست أطالبك بمصارحتي بكل ما دار بينكما من حديث، بوحي فقط بما تشائين البوح به، وأمسكي عما تشائين. فأجبته بالحرف الواحد: «إن ذلك الاجتماع لم يدم أكثر من عشرين دقيقة، سألني خلالها عن أحوالنا وأبدى اهتمامه بأوضاعنا، وتأكيداً منه على اهتمامه بنا ذكر لي أنه لولا الضفة الغربية لما كان قبل بقرار مجلس الأمن، ولما كان رفض وعد دين رسك وزير خارجية أمريكا بإعادة سيناء إليه مقابل تخليه عن التمسك بالضفة الغربية وبالقضية الفلسطينية العربية. هذا كل شيء ولا أكثر من ذلك».
والذي يبدو لي أن دايان لم يصدق بينه وبين نفسه أنني لم أتحدث إلى عبد الناصر عن اجتماعي به، ولعله استنتج من قولي إن جلستي مع عبد الناصر لم تدع أكثر من عشرين دقيقة، لعله استنتج من ذلك أن عبد الناصر لم يكن حفياً بي بسبب لقاء تل أبيب. فقد نشرت جريدة Jerusalem Post مقالاً كبيراً بعد ذلك ذكرت فيه على لسان دايان قوله: «... بعد شهرين قابلت فدوى ثانية، هذه المرة في فندق الملك داوود في القدس. الشخص الوحيد الذي كان معنا هو ديفيد فارحي (لعل وزير الدفاع نسي أن ديفيد زخريا وشخصاً ثالثاً لم أعرف اسمه كانا حاضرين أيضاً). كانت فدوى قد زارت مصر ورأت جمال. قال لها جمال إن دين رسك وزير الخارجية الأمريكية قد حثه على الوصول إلى تسوية مع إسرائيل على أساس انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء انسحاباً شاملاً، لكن ناصر رفض ذلك لأن تلك التسوية لا تشمل الانسحاب من الضفة الغربية. فدوى قالت إنها أخبرت ناصر بحديثها معي (لم أقل ذلك)، ولكنه عنفها (؟) على ذلك، وهكذا لم تعد بأخبار إيجابية»!
---
فدوى طوقان

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية الكبيرة تكتب عن لقائها بالرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر 1968

                                      القائد الخالد جمال عبد الناصر والشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان  فدوى طوقان تكتب عن لقائها بالرئي...