الأحد، 4 سبتمبر 2011

رحيل المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011






 المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011

ا.د.إبراهيم خليل العلاف

أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

    لعل الكثيرين منا  يتذكر ما أحدثه صدور كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" للدكتور كمال سليمان الصليبي من ضجة في الساحة الثقافية والسياسية العربية في سنة 1985 . فالكتاب صار مثار جدل وحوار استمر لسنوات ،وذلك لأنه قلب مفاهيما ومعلومات ظلت راسخة في الذهن العربي والإنساني ردحا من الزمن . وممن تصدى له وخالفه الرأي الأستاذ حمد الجاسر مؤرخ الجزيرة العربية الراحل رحمه الله وذلك في مقال عنونه ب"أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية " وقد قال : "

الدكتور كمال سليمان الصليبي باحث لبناني معروف، وهو أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية ورئيس قسم التاريخ فيها، وقد ألف كتاباً حاول فيه أن يطبق النصوص التي وردت في التوراة على مواضع في بلادنا في جنوب الجزيرة.
ولقد كانت آراؤه لما فيها من الطرافة والخرافة ذات أصداء واسعة، وتناولتها كثير من الصحف العربية بأكثر مما تستحق.
وقديماً كانت الخرافة ولا تزال مبعث تكرار وترداد

. ولهذا فإن استناد الدكتور الصليبي على التوراة المعروفة الآن استناداً على غير أساس.
ثم الاستدلال بما فيها من الأسماء مع ما هو معروف من أسماء المواضع تتشابه وتتكرر مع اختلاف مواقعها – استدلال غير صحيح، وهذا من الأمور البدهية.
و مما فات الدكتور الصليبي – أثناء استنتاجاته لآرائه تلك الربط الزمني  بين مواضع ورد ذكرها قبل ثلاثة آلاف من السنين، وبين مواضع قائمة في زمننا، أكثرها نشأ في عصور متأخرة، فهو لَمْ يحاول عند إيراد اسم من أسماء المواضع التي ذكرها البحث عن نشوء ذلك الاسم ومتى كان؟ وما هو معناه! ولماذا سمي الموضع بهذا الاسم؟
ولو بحث هذا الأمر بتعمق لأدرك أنه يسير – فيما استنتج على غير هدى.
كما أن أسماء المواضع التي أوردها محاولاً الربط بينها وبين ما ورد في التوراة لا نجد لها ذكراً في الكتب القديمة باستثناء اسم فرع حديث لإحدى القبائل، ظنه اسم موضع، فكيف يصح له أن يستنتج فكرة بدون أن يستكمل قواعد استنتاجها؟

كما انه لم يفرق بين أسماء المواضع وأسماء أفخاذ العشائر.

لكن الاستاذ زياد مني وهو من طلبة الدكتور الصليبي يدافع عن استاذه ويقول ان الموسوعة البريطانية عدته عندما نشر كتابه عن جزيرة العرب المرجع المهم عن الموضوع وعبقريته لم تكمن فقط في تقديم موضوعته عن جغرافية وتاريخ بني اسرائيل في عسير وانما في كونه اول من قدم من العرب اسهاما في علم الدراسات الكتابية Biblical Studies .

   لم يكن الرجل مؤرخا تقليديا  ،بل كان معروفا بحضوره العلمي كمؤرخ وصاحب نظريات ناقضت مفاهيم شائعة  وراسخة على مستوى المنطقة والعالم .

   عرفته مؤرخا ثبتا، وهادئا ،ومنصفا ،وذو مروءة كما كان إنسانا عروبيا مخلصا لوطنه لبنان وأمته العربية اكتسب ثقة طلابه وزملائه لما كان يتمتع به من دماثة في الخلق، وطيبة في القلب ،وأريحية في التعامل .ألف في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر . كما كتب  عددا كبيرا من الدراسات والبحوث والمقالات باللغتين العربية والانكليزية عن الشام والأردن والدولة العثمانية وانصرف فترة من الزمن للكتابة عن اليهود والعهدين القديم والحديث ولعل مذكراته التي كتبها بعنوان : "طائر على سنديانة " هي آخر ما اصدر رحمه الله .وقيل انه كان منشغلا بتأليف كتاب عن الرئيس رياض الصلح .

    ولد في بلدة بحمدون اللبنانية  يوم 2 أيار –مايو سنة 1929 وتوفي يوم الخميس 1 أيلول –سبتمبر سنة 2011  .وبين هذين التاريخيين كانت حياته حافلة بالأحداث والمنجزات على مستوى الفكر والثقافة .كمال سليمان الصليبي أكمل دراسته الثانوية في الكلية الثانوية العامة وكانت جزءا من الجامعة الأميركية ودخل الجامعة الأميركية  سنة 1945ونال البكالوريوس سنة 1949  والدكتوراه وبعدها سافر إلى لندن وحصل على الدكتوراه سنة 1953  كذلك بأشراف الأستاذ الدكتور برنارد لويس المؤرخ البريطاني –الأميركي المعروف والمهتم بقضايا الإسلام والشرق الأوسط  وكان عنوان أطروحته : "  المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في القرون الوسطى "    " وتخصص الصليبي  في شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا . وقد عمل في التدريس ضمن دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية، وتدرج في المراتب العلمية ورقي الى مرتبة أستاذ سنة 1965 ثم تولى رئاسة دائرة التاريخ وعلم الآثار .ويعد أحد مؤسسي المعهد الملكي للدراسات الدينية الذي افتتح في عمان بالأردن برعاية الأمير الحسن بن طلال وأصبح مديره للمدة من 1994 وحتى 2004  .كما أصبح لفترة مستشارا لمؤسسة التراث الدرزي .

     كتب عددا من المؤلفات منها كتبه:"المؤرخون الموارنة خلال العصر الوسيط "1959 " ،و"تاريخ لبنان الحديث "بالانكليزية 1965 ،و"لبنان:ملتقى طرق حرب أهلية 1958-1976 " ،و"بلاد الشام في العصور الوسطى "1979  ،و"تاريخ الجزيرة العربية "1980 و"التوراة جاءت من جزيرة العرب " 1985 ، "و" خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل " 1988 و "البحث عن يسوع :قراءة جديدة في الأناجيل " 1988 و" بيت بمنازل كثيرة " 1988 و" حروب داؤود " 1991 ، و "تاريخ الأردن الحديث " 1993 ، و" طائر على سنديانة " 2002 .

 كتب عنه الأستاذ الدكتور رضوان السيد، فعده واحدا من رواد المنهج العلمي التاريخي العربي الحديث وقال في مقالة كتبها  في "الحياة " اللندنية بعد يوم من رحيله (2 أيلول –سبتمبر 2011 ) :رحل أمس عن 82 عاما المؤرخ كمال سليمان الصليبي، وما اشتغل أحدٌ من المؤرخين العرب المُحدثين على التأويل التاريخي والتحول التاريخي كما اشتغل الراحل الكبير طوال أكثر من خمسين عاماً. وهو لهذه الناحية مختلفٌ في الرؤية والمنهج عن أعلام مدرسة الحوليات الفرنسية، والتي سيطرت رؤاها لأكثر من خمسة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت ولا تزال تعتمد الحِقَب الطويلة سبيلاً للتأمل والتأويل والفهم أو إدراك طبيعة المرحلة، بحسب التعبير الماركسي. أمّا كمال الصليبي فهو منذ أُطروحته للدكتوراه ... مُغرَمٌ بإدراك حركة التاريخ و «نبضها الحقيقي»، والذي يحدث في الأصل في وعي النخبة الثقافية – الدينية أو الاجتماعية – الاقتصادية في أمةٍ معينةٍ في عصرٍ ما، وتكون نتيجة ذلك حدوث «تغيير ثوري» يعيد بناء الذات القومية – الثقافية أو الذات السياسية، فيصنع مجتمعاً جديداً بفكرٍ جديدٍ، ويفيض بصورةٍ توليفيةٍ أو تنافرية. وقد حدث ذلك في التاريخ العربي القديم أو ما قبل التاريخي، بظهور المسيح العربي بنواحي الطائف، وقبل ذلك إبراهيم العربي بمكة، وبعد هذا وذاك محمد العربي، وهو الأمر نفسه الذي لاحظه الصليبي الرؤيوي والدؤوب في الوقت نفسه في ظهور التُرك في تاريخ المشرق والعالم، ومن السلاجقة والمماليك والمغول والتتار والى العثمانيين، كما رآه في ظهور الدولة السعودية وفي عمل النخبة أو النُخب المسيحية من أجل إقامة لبنان، ومن أجل إحداث النهوض العربي.وتساءل الدكتور السيد قائلا :".

من أين أتى هذا التركيز في الرؤية والوعي وبالتالي في المنهج التأويلي الشاسع الاتساع والغُلُو أحياناً؟ ... الصليبي لا يقول مثل ابن خلدون بالدعوة الدينية بوصفها شرطاً ثانياً في التحول التاريخي أو تبلور القوميات والدول. بل أن النخبة عنده قد يحدوها تفكير ديني جديد، أو تكون الإثنية الذاتية أو مصارعة السيطرة الأجنبية، أو نشر السطوة الاقتصادية، هي مناطُ هذا الوعي. ووجهةُ نظره أن التحول العربي التاريخي بظهور الإسلام، إنما يستند إلى وعيٍ مُشابهٍ بالذات، وليس كما يقصد ابن خلدون.

والواقع ان كمال الصليبي إن لم يكن خلدونياً بسبب ما رآه من رتابةٍ ودائرية في الحركة التاريخية عند ابن خلدون، فهو فيبري، نسبة لماكس فيبر1864-1920 والذي رأى أن التطورات التاريخية الكبرى مثل الظهور الرأسمالي في أوروبا، إنما حدثت نتيجة ظهور وعي جديد، عبر البروتستانتية الكالفينية التي غيّرت من رؤية العالم في المسيحية الكاثوليكية، وأنتجت وعياً جديداً ويبقى الفرق بين تفكير الصليبي وتفكير ماكس فيبر، أن الصليبي راقب تحولات الوعي والعمل في المشرق من أقدم عصوره وحتى اليوم، في حين راقب ماكس فيبر ذلك في الغرب الأوروبي والآسيوي، وأن فيبر اشتغل مثل أهل الحوليات في ما بعد على الحقب الطويلة في حين كانت التحولات في نظر الصليبي أسرع حدوثاً وان جرت على سطح ثوابت باقية. لكن الرجلين يلتقيان على أهمية العنصر الإيديولوجي في التحول، وان ذلك يقترن في الغالب ... بتطوراتٍ مادية الطابع في الواقع.

وقد عمل الصليبي في نطاق وسياق هذا المنهج الذي عده البعض نخبوياً، وذا خصوصيةٍ، لأنه لا يهتم بالحركات الجماهيرية الضخمة، ولا بالتاريخ الحضاري أو الثقافي الكبير والعريض للأمة، بل بالتحول العنيف والمفاجئ وذي الطابع المُدهش، دونما عنايةٍ ظاهرةٍ بالسوسيولوجيا، وإنما ببعض التطورات الاقتصادية الطارئة.

لكنه في تطوير عمله من حيث الموضوع والاهتمام مرّ بمرحلتين كبيرتين:

الأولى: الاهتمام بالخصوصية اللبنانية، وقد امتدت عنايته تلك على مدى حوالي العقدين من الزمان. وقد كان واضحاً إن اهتمامه هذا لا يستند إلى خلفيةٍ مسيحيةٍ، بل إلى وعيٍ بأن القلّة المسيحية إنما تملك وعياً رسالياً ضمن الكثرة الغالبة وذلك لتأثره بكتاب ألبرت حوراني بشأن رسالة النخبة المسيحية الإيجابية في المشرق العربي في عصر النهضة. وما انصرف عن التأسيس على حوراني إلا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وبروز «الوعي»القومي لدى النخب المارونية أو المارونية السياسية على الخصوص، بالانفصال عن العرب أو عن المنطقة إن أمكن. لقد صار الوعي الماروني، والى حدٍ ما المسيحي، فصامياً أو انفصالياً، ولذا فإنه فقد رسالتيه، وما عادت له وظيفةٌ تجاه الذات أو تجاه الآخر العربي المسلم.

أما المرحلة الثانية، فإنها تمتد منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي  والى مطالع القرن الواحد والعشرين. وقد امتلأت بأعمال العروبة والعربية المطلقة، ومن الجهات والأصول الدينية والثقافية والجغرافية. ولعل هذه هي الفرصة لإضافة بُعدٍ مهمٍ إلى منهج استكشاف التحولات التاريخية لدى الصليبي، هو البُعد التأويلي الشاسع أحياناً، فقد أعاد تفسير وتعريب اليهودية والمسيحية عبر العهدين القديم والجديد لتظهر فيهما خصوصيةٌ عربيةٌ منذ القرن السابع أو السادس قبل الميلاد، والى ظهور الدول العربية الحديثة. وقد أثارت هذه التأويلية الهائلة في قراءة النصوص، تأكيداً على الظهورية العربية الخالدة، سخط أكثر الباحثين في التاريخين اليهودي والمسيحي، لكنها أكسبت الراحل شعبيةً واسعةً في أوساط العروبيين والمسلمين.

كمال الصليبي صاحب شخصيةٍ متفردةٍ بين المؤرخين والمفكرين العرب. وهو أيضاً صاحب منهجٍ متفردٍ في كتابة التاريخ في المحيط العربي، ما وافقه عليه اليساريون، ولا اقتنع به القوميون، وأثار في العقود الأخيرة سُخط النُخب الدينية المسيحية. لكنه يبقى إنساناً وكاتباً شديد النزاهة، وبالغ الدقة، وسيبقى له أنه رائدٌ من رواد النهوض بالمنهج التاريخي العربي بأدواتٍ معرفيةً واسعة

 نعته الجامعة الأميركية ببيان جاء فيه أن الأستاذ الدكتور الصليبي كان باحثا مؤلفا مرجعيا وانه ألهم أجيالا من المؤرخين الشباب الذين درسوا على يديه .كما ألقى محاضرات عديدة اختصرت ابحاثه منها محاضرته في "مؤتمر الديموقراطية اللبنانية" في جامعة شيكاغو أيار 1963، ومحاضرته عن فخر الدين المعني الكبير في جامعة الروح القدس في الكسليك آذار-مارس 1970.

 وقد نال الدكتور الصليبي تكريمات عديدة، منها وسام المؤرّخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب أيار-مايو  1993، مع كوكبة من المؤرخين اللبنانيين  البارزين ضمّت قسطنطين زريق  ونقولا زيادة  وزاهية قدّورة وسامي مكارم وعادل إسماعيل وياسين سويد وحسّان حلاق . كما كان من ضمن كوكبة من الأساتذة الباحثين كرّمتهم الجامعة الأميركية  في حزيران-يونيو 2000، وعيّن في 2009 زميلاً فخرياً في" جمعية الدراسات الشرق أوسطية" ، وكانت أبواب بيته مفتوحة لطلبته وزملائه وأصدقائه وكثيرا ما كان يتحفهم بعزفه على البيانو . ومن الطريف انه كان كاتبا مسرحيا فعلى سبيل المثال عرضت في حزيران 1977 مسرحية ساخرة من تأليفه ...

   يقول الأستاذ زياد مني أن الدكتور الصليبي  من العلماء النادرين الذين أثبتوا صحة وجود علاقة طردية بين العلم والتواضع. كان يشعر بأن العلماء الغربيين عارضوه ووقفوا ضده لكونه عربياً. كان يقول: «لقد وقفوا ضد موضوعتي لأني عربيّ» كان شديد الاعتزاز بهويته العربية وقد تعرض لفترة الى الانتقاد والهجوم لكن ذلك لم يفت في عضده ولم تتأثر قناعاته مع انه كان يتألم .
نشر العديد من الأبحاث في مجلات إنكليزية متخصصة، لذا لم يطلع القارئ العربي عليها. وقد وافق، بلا تردد، على أن يقوم تلميذه زياد مني بترجمتها ونشرها ومنها كتابه الموسوم : " ، كتبه باللغة الإنكليزية The Historicity of Biblical Israel وصدر عن «المعهد الملكي» في عمان. وكان يتردد في نشره بالعربية ويقول: «لا أريد مشاكل إضافية». فانتظر. وبعد مرور سنوات عدة سمح لي بترجمته إلى العربية، على ألا أنشره إلا بعد موافقته.

في الفترة الأخيرة، عانى من مشاكل صحية حدت من مقدرته على المشي والقراءة، لكن عقله وذهنه  - كغيره من المفكرين –ظلا متوقدين حتى آخر لحظة من وفاته .وفي يوم الخميس 2 من أيلول –سبتمبر 2011 رحل الصليبي عن عمر ناهز أل 82  .ويقينا أن ما تركه من ارث سيبقى قادرا على تذكير الأجيال القادمة به .
















الخميس، 1 سبتمبر 2011

الدكتور حاتم الكعبي والمدرسة العراقية في علم الاجتماع



 الدكتور حاتم الكعبي والمدرسة العراقية في علم الاجتماع
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

     منذ السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي ،وعندما كنت طالبا بقسم التاريخ –كلية التربية (دار المعلمين العالية سابقا ) بجامعة بغداد ،عرفت الأستاذ الدكتور حاتم عبد الصاحب الكعبي عندما درسني مادة علم النفس الاجتماعي .وقد ركز على موضوعين خصص الفصل الأول من السنة لدراسة كارل ماركس. وكرس الفصل الثاني لدراسة سيغموند فرويد. وكان يعتمد كذلك على كتاب البروفسور برجس وكتابه الشهير : " العائلة " وهو باللغة الانكليزية وقد حظيت بفضل صديقي الدكتور دانييل وولك بنسخة جيدة من الكتاب مؤخرا .وعندما سألنا الدكتور الكعبي عن السبب الذي جعله يدرسنا ماركس وفرويد قال إن الاقتصاد والجنس هما من يسيطر على حضارتنا اليوم .ولازلت اعتز بمحاضرات الدكتور الكعبي، وأتلمس كل ما يكتب عنه مع أن ما كتب ويكتب عنه يعد قليلا جدا بالقياس إلى ما قدمه الرجل من إبداعات أسهمت في ترسيخ مدرسة عراقية متميزة في علم الاجتماع وباعتقادي، وأرجو  وان لايزعل احد ،انه كان أكثر علمية ورصانة وأكاديمية منهجية من الأستاذ الدكتور علي الوردي لكن الدكتور الوردي كان اقرب إلى الناس بسبب أسلوبه التلغرافي السهل وارتباطه بما  كان عليه المجتمع في العراق من قضايا واشكالات نفسية وسسيولوجية ، فنال  وكتبه  ،  الشهرة الكبيرة مع أهمية انجازاته العلمية الكبيرة .
    وللأمانة أقول أن عددا قليلا من الكتاب والباحثين كتبوا عن الدكتور الكعبي وحتى ما كتب عنه  لم يحظ كثيرا بالشيوع واذكر ممن كتب عنه صديقي الأستاذ الدكتور معن خليل عمر في كتابه عن " رواد علم الاجتماع في العراق " 1990 ،والدكتور هادي صالح محمد في أطروحته للدكتوراه الموسومة : " آفاق علم الاجتماع في الوطن العربي"، والتي نوقشت في قسم علم الاجتماع بكلية الآداب –جامعة بغداد سنة 1990 .كما كرست الزميلة الدكتورة ناهدة عبد الكريم حافظ دراسة موسعة لها لتناول بعض جوانب اهتمامات الدكتور الكعبي في مجال دراسة السلوك الجمعي وقد نشرت الدراسة في مجلة "دراسات اجتماعية"التي  يتولى قسم الدراسات الاجتماعية في بيت الحكمة اصدارها2002 .وقد عنونت دراستها ب" الدكتور حاتم الكعبي بين رؤية الشاعر ومنهجية الباحث في السلوك الجمعي " .

     الأستاذ الدكتور حاتم عبد الصاحب الكعبي ولد في مدينة الحلة  ( محافظة بابل  ) *سنة 1917، وتوفي ببغداد سنة 1979 وبين 1917 و1979 ، عاش الدكتور الكعبي حياة حافلة بالأحداث والمنجزات والإسهامات العلمية فعدا عن دراسته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية فأنه دخل دار المعلمين العالية ببغداد ونال الليسانس في العلوم الاجتماعية . وقد حظي ببعثة علمية  في الولايات المتحدة الأميركية، ونال الدكتوراه من جامعة شيكاغو سنة 1954 وكان عنوان أطروحته : " الحركة القومية العربية في العراق " .
     ومن الطريف أن الكعبي وقبل أن يحصل على الدكتوراه ترجم عن بتريم سوروكن  كتابين أو قل كراسين أولهما بعنوان : " المدرسة الميكانيكية في علم الاجتماع " .وثانيهما : " المدرسة الاقتصادية في علم الاجتماع " ونشر الكراسين سنة 1948 .وبعد قيام ثورة 14 تموز –يوليو 1958 وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق ظهر الدكتور الكعبي مناصرا للثوار مؤيدا للثورة  وخاصة في تحطيمها أسس النظام الملكي الإقطاعي الرجعي وذلك من خلال إصداره كتابه المهم الموسوم : " علم اجتماع الثورة " . ومما تضمنه الكتاب دعوته إلى خلخلة بنيان النظام السابق، وبناء مجتمع عراقي جديد والطلب  من المثقفين الإسهام في ذلك مع ضرورة إبعاد "المثقفين الأذناب" الذين ارتبطوا بالنظام السابق وأسهموا في خدمة مصالحه الطبقية .
      أعجبت بكتابه الصغير "نمو الفكر الاجتماعي " ولازلت ارجع إليه والاستفادة منه ،وهو كتاب رائع يدرس تطور الفكر الاجتماعي عبر العصور، واعتقد انه لم يترك مفكرا أو حركة أسهمت في ترسيخ أسس الفكر الاجتماعي العالمي إلا وتناوله مما يدل على عمق ثقافته وموسوعيته واطلاعه على إبداعات الإنسان في هذا العلم  الفتي اقصد علم الاجتماع وخاصة في صيغته الحديثة. .
    اهتم الدكتور الكعبي بدراسة"واقع حال الزعامة " ،وكتب في هذا المجال .كما قدم دراسة أكاديمية رائعة عن "مصادر فكر كارل ماركس وموقفه من الطبقية الاجتماعية"، واحتفظ بنسخة من هذه الدراسة القيمة التي نشرت في مجلة "الأستاذ" التي كانت تصدرها كلية التربية 1964 .
    وتنقل الدكتورة حافظ عن الدكتور هادي صالح محمد قوله أن كتابات الدكتور الكعبي تصنف إلى اتجاهين الأول هو التفاعل ألتوليفي، والثاني التفاعل الرمزي. وهو يرى أن مؤلفاته مثل" علم اجتماع الثورة" 1959 ودراسته عن "الطبقية الاجتماعية وكارل ماركس " 1964 وكتابه "نمو الفكر الاجتماعي " 1964 وكتابه "مبادئ علم الاجتماع " 1965 ودراسته " الحركات التي تدور حول منقذ منتظر " 1966 وكتابيه : " حركات المودة " 1971 و" السلوك الجمعي " 1972 تعد من الاتجاه الأول .أما الاتجاه الثاني فيتمثل في دراسته : " دراسة حال زعامة " وفي هذه الدراسة يبرز فكره الاجتماعي المتأثر بأنجازات علم النفس .ويقينا أن الدكتور الكعبي كان فضلا عن انه ابن بيئته العراقية ،متأثرا بمدرسة شيكاغو الاجتماعية المتمثلة بعدد من الأساتذة أمثال بارك وكليفورد وبرجس وهربرت ميد وشلز وبارسونز وبلومر  .
    إن مما ساعد الدكتور الكعبي على الغور في أعماق المجتمعات انه كان شاعرا وناقدا لاذعا وكنا كطلبة نحس بنقده اللاذع .
وأكاد اجزم بأن  أعمال الدكتور الكعبي اليوم ينبغي أن تحتل مكانتها في الدراسة، فمعظمها تهتم بدور"الجماهير" ، فعصره كان عصر الجماهير واليوم وبعد 50 عاما من التسلط والاستبداد والدكتاتورية  تعود الجماهير لتأخذ المبادرة ..
     إن أعمال الدكتور الكعبي وخاصة تلك التي كرسها لدراسة حالات الرعب والغوغاء والرأي العام والمودة والحركات الاجتماعية مهمة اليوم وتتطلب منا الدراسة وقد كتب الدكتور الكعبي عنها بشكل دقيق .ومما يؤكد ذلك أن الأفراد يتبادلون التأثير وتقف اليوم وسائل الاتصال الجماهيري كالفيسبوك والتويتر في مقدمة انجازات العقل البشريوهي مما لم تكن معروفة في زمنه . وكما هو معروف فأن الفعل أي كان ، لايمكن ان يتم في فراغ ولابد من فهم الفرد للموقف وتفسيره له وهذا –بحق- هو أساس التلاحم بين توجهين هما التفاعلية الرمزية والامبريقية التجريبية  المنهجية .
    وتذهب الدكتورة ناهدة عبد الكريم حافظ إلى أن الدكتور الكعبي كان إلى جانب كونه شاعرا  ،مفكرا تفاعليا رمزيا ويتضح هذا في أسلوب الدكتور الكعبي ، سواء في كتبه أو محاضراته ،الذي يغلب عليه الطابع الأدبي الجميل .
    ولم يكن الدكتور الكعبي ملتزما بما كانت تؤمن به المدارس الاجتماعية وإنما كان ملتزما بقضايا شعبه وانحيازاته نحو الجماهير والثورة ودور هذه الجماهير في إحداث  التغيير الاجتماعي social change .
    لم ينظر الدكتور الكعبي إلى الجماهير كما نظر بعض علماء الاجتماع الغربيين نظرة شك ، وإنما توصل إلى حقيقة ثابتة وهي أن الثورات وحركات الجماهير هي مصدر التغير في المجتمع .ويرفض الدكتور الكعبي فكرة البطل ويبالغ في فهمه للوظيفة الاجتماعية والتاريخية للجماهير ويقول مثلا : " أن التراث الاجتماعي في كل مجتمع ينطوي على رواسب ومخلفات ومتحجرات ومقدسات وشعائر وطقوس ومراسيم وطوائف دينية وعقائد ومشاعر ومااليها ،هي من خلق الجماهير في الأعم الأغلب ".
   مما يؤلم  حقا أن الدكتور الكعبي ترك مايقارب ال40 كتابا ودراسة غير منشورة معظمها يدور حول الحركات الثورية، والطبقات الاجتماعية، ومذاهب علم النفس الاجتماعي ،والفكر الطوبائي، والفكر الماركسي، والطوائف الاجتماعية، والجماهير، والتعصب، والدعاية، وعلم اجتماع الإجرام، والتحليل الاجتماعي والشخصي، والحركات الطوعية .وحبذا لو تضطلع مؤسسة بيت الحكمة  في العراق بطبعها ونشرها . وللدكتور الكعبي مؤلفات مخطوطة عن تجربته الشعرية وله ديوانه  الخاص به .كما انه اعد معجما باللغتين العربية والانكليزية لمصطلحات ومفاهيم علم الاجتماع. ومهما يكن من أمر فالدكتور الكعبي صاحب مدرسة في علم الاجتماع وقد أسهم إسهاما فاعلا في ترسيخ أسس علم الاجتماع في الدوائر العلمية العراقية والعربية الحديثة .
*شكرا للسيدة نسرين حاتم الكعبي التي صححت المعلومة  واتي كنت قد ذكرتها سابقا وهي ان الكعبي رحمه الله من مواليد العمارة .وقالت انه من مواليد الحلة وليس العمارة  .كما اشكرها على تزويدي ببعض المعلومات عن والدتها السيدة زهرة باقر جعفر الجلبي 1920-2011 وكانت استاذة في كلية العلوم -جامعة بغداد حتى تقاعدها سنة 1978 .








الدكتور طلعت الشيباني مفكرا اقتصاديا وقانونيا وأول وزير للتخطيط في العراق

 


  الدكتور طلعت الشيباني مفكرا اقتصاديا وقانونيا وأول وزير للتخطيط في العراق
أ‌.      د.إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
   الأستاذ الدكتور طلعت الشيباني ، أستاذ عراقي متميز لم يقبع في برجه العاجي بعد حصوله على الدكتوراه ،وإنما انغمر في نشاط اقتصادي وقانوني وعلمي خدم به وطنه العراق فأستحق منا أن نذكره ونذكر به أولادنا وأحفادنا ..عرفته عن كثب منذ أواخر الستينات من القرن الماضي ،وأعجبت بكتاباته ولازلت أقدر آراءه، واعتز بما قدم  وافتخر بأن مكتبتي تضم بعض نتاجه ومنه دراسته المنشورة بعنوان : " القوى المؤثرة في الدستور العراقي " والتي نشرها سنة 1954 ، وكانت مثار نقاشات ومداخلات أساتذة القانون الدستوري .
   الأستاذ الدكتور طلعت الشيباني أول وزير للتخطيط في الدولة العراقية الحديثة التي يرجع تشكيلها إلى سنة 1921. وقد استحدثت وزارة التخطيط بموجب قانون السلطة التنفيذية رقم 74 لسنة 1959  . وعين الدكتور طلعت الشيباني استنادا إلى المرسوم الجمهوري رقم 480 لسنة 1959 في 22 تموز –يوليو سنة 1959 واستمر في منصبه حتى سقوط نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم (1958-1963 ) في 8 شباط –فبراير 1963 .
    يفخر أبناء ناحية الهويدر بمحافظة ديالى بأن الأستاذ الدكتور طلعت الشيباني من أهل الهويدر . ويقول اليساريون في العراق أن الشيباني من أساطين حركة اليسار العراقي المعاصر(من الحزب الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه الأستاذ كامل الجادرجي )  ،وكان عضوا في المجلس العراقي للسلم والتضامن (حركة أنصار السلام ) وحضر مؤتمره التأسيسي في 14 تموز 1954 ببغداد   إلى جانب (130) مندوباً من مختلف المدن العراقية منهم  الشيخ عبد الكريم الماشطة , المحامي توفيق منير ,الدكتور  صفاء الحافظ , الدكتورة  نزيهة الدليمي , الفنان يوسف العاني ,  الاستاذ عامر عبد الله ,السيدة نظيمة عبد الباقي ،وفيه انتخب الأستاذ عزيز شريف سكرتيراً عاماً لحركة أنصار السلم .. ويعرفه رجال القانون على انه يمتلك عقلا اقتصاديا تخطيطيا واسعا . ويضعه المؤرخون في مكان يستحقه في  التاريخ العراقي المعاصر إذ ترك بصمة كبيرة في جدار الحياة الاقتصادية والسياسية العراقية .
   كتب عنه الأستاذ حميد المطبعي في موسوعته: " موسوعة  أعلام وعلماء العراق " الجزء الأول والذي أصدرته مؤسسة الزمان للصحافة والنشر 2011 ببغداد . وقال أن الأستاذ الدكتور طلعت الشيباني وزير تخطيط سابق ،وباحث قانوني واقتصادي ولد في سنة 1917 وأكمل الدراسة الثانوية في بغداد ودخل كلية الحقوق بجامعة بغداد وتخرج فيها سنة 1941 وواصل دراسته في جامعة القاهرة وحصل على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي سنة 1945 ، ودبلوم الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية سنة 1946 .ولم يكتف بهذا بل حصل على فرصة للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية ضمن بعثة علمية عراقية فألتحق بجامعة أنديانا وحصل على الدكتوراه بالقانون سنة 1951  .
   عاد إلى الوطن ،وعمل في التدريس الثانوي  مدة من الزمن وبعدها نسب للعمل في وزارة المعارف (التربية )ثم في وزارة الأعمار .ولنشاطه السياسي المعارض لنظام الحكم الملكي (1921-1958 ) فصل من الوظيفة لمدة ثلاث سنوات أي انه فصل سنة 1956 اثر التظاهرات الشعبية لنصرة مصر في مواجهتها للعدوان الثلاثي .وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي أعيد إلى الوظيفة وعين مديرا عاما لاتحاد الصناعات ثم اختاره الزعيم عبد الكريم قاسم وزيرا للاعمار في تموز 1959 ثم وزيرا للتخطيط ووزيرا للنفط كذلك .
    ألف العديد من الكتب منها كتابه : "من التاريخ الاقتصادي : التغيرات الاقتصادية في أوربا الحديثة " 1953 وكتاب " القوى المؤثرة في الدساتير وتفسير الدستور العراقي " 1954 وكتاب " واقع الملكية الزراعية في العراق " 1958 وكتابه : " دراسة في اقتصاديات القطن العراقي " 1958 وكتابه : " أهمية الانتخابات في النظام الديمقراطي " .هذا فضلا عن كم كبير من البحوث والدراسات والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية .
    كان الدكتور طلعت الشيباني يرى أن الحرب العالمية الثانية لم تكن إلا نتيجة لنضوج احتمال تحول في القوى الاقتصادية الدولية والمحلية .وكان وقوع الحرب سببا مباشرا في تطور كثير من المفاهيم السياسية والقيم الاجتماعية . وهذا السبب هو الذي دعا كثيرا من الشعوب والحكومات لان تفكر جديا وتعمل لإعادة تنظيم علاقاتها ببعضها على أسس جديدة .ولم يقتصر اثر هذا السبب على المجال الدولي حسب بل شمل علاقات الحكومات بشعوبها وذلك عن طريق مناقشة إمكان ملائمة الأنظمة القانونية القائمة في ضوء الواقع الاقتصادي الذي أفرزته الحرب ولعل أهم مجال ظهر به التغيير هو الدساتير وذلك من خلال تفسيرها وتعديلها وتبديلها .ويظهر الدكتور الشيباني هنا مفكرا مؤمنا بفكرتي "التغيير" و"التقدم "استجابة للتحولات التي ينبغي إجرائها ليس في بنية المجتمع وقاعدته الاقتصادية التحتية وحسب بل في البنية الفوقية المتمثلة بالتراكيب القانونية والإدارية والفنية والفكرية وحتى القيمية والأخلاقية .
   لقد كرس الدكتور الشيباني جانبا من جهده الفكري لدراسة قضايا كانت تقلق المجتمع العراقي منها "قضية تركز الملكية الزراعية "في العهد الملكي بأيدي بضعه اسر وعوائل متنفذة منها العائلة المالكة نفسها .كما اهتم بقضية "الانتخابات "ومقدار ما تمثله من حجم في العملية الديمقراطية فكتب عن الانتخابات التي كثيرا ما كانت تزور ويتم التلاعب بها إلى درجة أن نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي الأسبق تحدى النواب في ان يثبت احدهم انه جاء مجلس النواب بجهده الشخصي .ومن اجل الرغبة في إقامة دولة مدنية حديثة في العراق كان يحلم بها الوطنيون المخلصون اهتم الدكتور الشيباني بالدستور وأجرى حوله دراسة تاريخية – تحليلية للقوى السياسية التي أثرت في تكوينه والاتجاهات التي سارت بها منذ نفاذه سنة 1925 حتى تاريخ تأليف كتابه عن " القوى المؤثرة في الدساتير " سنة 1954 .ومن يقف عند الآراء التي تطرق إليها الشيباني في تناوله هذا الموضوع  يظهر له تأكيده أن  الأساس الذي بنيت عليه فكرة القانون هو المحافظة على وضع قائم لكن التعارض القائم بين جمود القانون وحركة الحقيقة الاقتصادية يؤدي إلى تأزم في النظام القائم .ويرى الدكتور الشيباني أن الوسيلة  المهمة إلى حل هذا التأزم تكمن في الثورة مع أن الثورة طريق غير دستورية لكنها تعبر عن مصالح اقتصادية جديدة لايعترف النظام القانوني السابق بمشروعيتها .ونقرر هنا  مسألة غاية في الخطورة وهي أن الدكتور الشيباني بشر بالثورة في العراق قبل وقوعها بأربع سنوات حين قال في كتابه انف الذكر أن الثورة تعبر عن تبدل نوعي وإعادة لتنظيم الروابط القانونية حين يتعذر على القوالب القانونية القائمة أن تتطور بالسرعة التي تتطور بها الحقيقة الاقتصادية فتنفرج هوة سحيقة بين النصوص القانوني وبين الوقائع . ويقينا أن الثورة كما يقول الشيباني تحدث عندما تكون هناك حاجة إلى حل التأزم والتناقض بين الحقائق الاقتصادية الجديدة والقوالب القانونية القديمة والهدف هو إعادة تنظيم الروابط القانونية في المجتمع . والدكتور الشيباني يقصد بالثورة  هنا أنها التحول في العلاقات الاجتماعية بين الطبقات الاجتماعية نتيجة تبدل الأسس الاقتصادية في ذلك المجتمع وليس بالضرورة ان تفهم الثورة مقترنة بالدماء وإنما قد تكون الثورة عملية سلسة لتبلور المجتمع على أسس جديدة .
    توفي الدكتور الشيباني سنة 1992 بعد أن ترك لنا ما يجعلنا نتذكره كمفكر اقتصادي وقانوني خدم مجتمعه بكل جدية وإخلاص رحمه الله وجزاه خير.
*صورة تخطيطية للدكتور طلعت الشيباني
**صورة تجمع بين الاستاذ الدكتور ابراهيم كبة زير الاقتصاد بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 (في الامام من الصورة ) والاستاذ الدكتور طلعت الشيباني (في الخلف )
*** صورة للزعيم الركن عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة (1958-1963 ) وهو يفتتح أحد المشاريع ووراءه الدكتور طلعت الشيباني وزير التخطيط .ويظهر في الصورة من اليمين اللواء الركن احمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام ومن اليسار العقيد وصفي طاهر مرافق الزعيم الركن عبد الكريم قاسم .







الجمعة، 12 أغسطس 2011

الدكتور فخري الدباغ وإسهاماته في ترسيخ أسس الطب النفسي في العراق

   الدكتور فخري الدباغ وإسهاماته في ترسيخ أسس الطب النفسي في العراق
بقلم :ا. د. إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل


     الأستاذ الدكتور فخري الدباغ (1929-1984 ) ،رمز من رموز الموصل،  وعلم من أعلام العراق  .قدم لوطنه الكثير  ،إن كان ذلك على مستوى الخدمات الطبية ، أو الإدارية، أو الأدبية، أو الفكرية والثقافية .لم يكل ولم يمل ولم يسقط القلم من بين يديه  حتى وفاته بحاث سيارة على الطريق بين بغداد والموصل  سنة 1984 .من منا لايعرف فخري الدباغ طبيبا نفسيا ،وأستاذا  جامعيا ،وعميدا لكلية الطب ،وكاتبا وباحثا وإنسانا .في حياته شغل الناس وملا الدنيا وبعد وفاته  ظلت ذكراه حية خالدة في  الذاكرة العراقية المعاصرة . 
      ولد فخري محمد صالح يحيى محمد عبد الحافظ السيد قاسم  الدباغ في مدينة الموصل سنة  1929 .أكمل دراسته الابتدائية (المدرسة الحمدانية 1935-1941 ) والمتوسطة (المتوسطة الشرقية 1941-1944 )والإعدادية(الإعدادية المركزية 1944-1946 )  .ومنذ أن كان طالبا في الإعدادية  أواسط الأربعينات من القرن الماضي،عرف بالجدية،والمثابرة، وحب العلم ،والشعر، والأدب  .ويذكر الأستاذ الدكتور عمر الطالب في موسوعته : "موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين " أن الأستاذ الدكتور فخري الدباغ أسهم ،منذ كان طالبا في إعدادية الموصل   في تحرير "مجلة الإلهام"  التي كانت تصدرها المدرسة .وتعد المقالة التي كتبها في سنة 1945 أول مقالة ينشرها وكانت بعنوان : " بنسلين الحياة " وفي سنة 1946 أنهى الدراسة الإعدادية ، وسرعان ما استمر في كتابة المقالات والدراسات وتأليف الكتب وإلقاء المحاضرات حتى وفاته رحمه الله .
    سافر إلى بغداد والتحق بكلية الطب –جامعة بغداد، وحصل على البكالوريوس سنة 1953 .وعاد الموصل، والتحق بخدمة الاحتياط ،وصار طبيبا عسكريا برتبة ملازم ثان في حامية عقرة  ولمدة سنة كاملة ثم عين طبيبا في مديرية صحة نينوى،  وسرعان ما عين  رئيسا للصحة فيها سنة 1973  .وسرعان ما تيسرت له الفرصة للحصول على بعثة علمية في بريطانيا  والتحق   بمعهد مودزلي بجامعة لندن لإكمال دراسته العليا والتخصص في ميدان الأمراض النفسية والعصبية وحصل على دبلوم في الطب النفسي سنة 1962 .كما حصل على عضوية كلية الأطباء النفسيين الملكية في انكلترا سنة 1972.
    وبعد تأسيس كلية الطب في الموصل قام بنقل خدماته إليها سنة 1963. وبين سنتي 1974-1979  اختير عميدا للكلية ووكيلا لرئيس الجامعة وكان آنذاك الأستاذ الدكتور محمد صادق المشاط .كما عاد ليعين عميدا لكلية الطب ثانية حتى وافاه الأجل اثر حادث اصطدام سيارته على الطريق بين بغداد والموصل سنة 1984 .
    لم يكن الأستاذ الدكتور فخري الدباغ ، بعيدا عن ما يجري في مدينته ووطنه ،وأمته، والعالم ، وإنما كان منغمرا في كل الأحداث ،وقام بدور كبير في  تنمية الاهتمام بالطب النفسي في العراق وترصين قواعده سواء من خلال دراساته وبحوثه أو من خلال انتمائه إلى التنظيمات المهنية والنقابية والثقافية . فقد كان عضوا في المجمع العلمي العراقي، وفي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق .فضلا عن عضويته ونشاطه في نقابة الأطباء . وقد شارك خلال حياته المهنية في تحرير العديد من المجلات وابتداء من مجلة كلية الطب في جامعة بغداد  أيام كان طالبا فيها والموسومة ب " أخبار الكلية الطبية " وحتى مجلة "علوم " التي كانت تصدرها وزارة الثقافة العراقية ومن المجلات التي أسهم في تحريرها مجلات الجامعة والرازي والشعب والكتاب .
    من مؤلفاته: الأطباء والناس  1959 ، أطفالنا  والثقافة الجنسية 1956 (ترجمة)،   والأطباء والناس 1959 ، والطفولة والمراهقة (مترجم ) ،  والثورة  الجنسية في أميركا 1960 (ترجمة) والموت  اختياراً 1968،وغسل الدماغ 1970 ،وأصول الطب النفساني 1974-1977وجنوح الأحداث 1975 والحرب النفسية 1979، والعلاج النفسي 1981: أنواعه وأساليبه ، وعلم النفس العسكري 1986 وخطوات على قاع المحيط 1979 وفي ضمير الزمن 1981ومقدمة في علم النفس  1982  ، و"اختبار رافن للمصفوفات المتتابعة لقياس الذكاء في العراق "1983 ،  والسلوك الإنساني بين الحقيقة والخيال 1986 ، والأطباء الأدباء 1990 ،وعلم النفس العسكري (بالاشتراك ) 1983 ،وأزمة الطب المعاصر 2009 .
     كما أن له قرابة  مائتي مقالة باللغتين العربية والانكليزية في الصحف والمجلات الموصلية  والعراقية والعربية والأجنبية . وقد حظي بالتكريم من مؤسسات رسمية عليا على مستوى رئاسة الجمهورية وأخرى علمية وشعبية مرات عديدة لجهوده  العلمية والإدارية والثقافية المتميزة. ودخل  اسمه في موسوعة السير العالمية المعروفة ب(من هو في العالم العربي  ؟ )   ،الطبعة السادسة  للسنة 1981-1982  ص 832 – لبنان وحصل على  كتب شكر وتقدير لاتعد ولاتحصى من جهات عديدة ونال شهادة  تخصصية فخرية من الكلية الملكية للأطباء النفسانيين في لندن 1978 .وقد اختير عضوا في مجمع اللغة العربية الأردني –آذار –مارس 1980 .وبعد وفاته سميت إحدى ردهات المستشفى العام في الموصل بأسمه ،وخصصت خزانات  خاصة بكتبه في المكتبة المركزية العامة  في الموصل والمكتبة المركزية لجامعة الموصل وفي كلية الطب . كما  كرم بدرع الصحة النفسية على هامش المؤتمر الوطني الثالث للصحة النفسية الذي انعقد ببغداد بين 17-18 تشرين الأول-أكتوبر  2008 ببغداد هو وبعض الاطباء النفسانيين العراقيين الرواد .
     لقد كان الأستاذ فخري الدباغ واحداً من الأطباء المختصين النابغين إذ  اكتسب ثقة مرضاه لسعة عمله ودفقه الإنساني، هذا فضلا عن  حضوره الدائم على الأصعدة الثقافية داخل مدينة الموصل وخارجها . كان يرى  : " إن الطبيب المثالي هو الذي يمارس الطب كهواية ورسالة لا كمهنة وتجارة ...عليه أن يجمع بين الخلق والعلم ويعيش مع الناس ويتفهم أحاسيسهم وانفعالاتهم فيطلقها ويدونها أدبا أصيلا بالشعر والقصة والرواية وإذا كان الأدب مرآة للناس والحياة فلا بد أن يرتبط الطب مع الأدب ويغذي بعضهما الآخر لاغناء الحضارة والفكر الإنساني" .     شارك في دورات تدريبية  كثيرة ،ومعظمها كانت تدور حول الطب النفسي منها  في السويد والدانمرك وهولندا وانكلترا. كما أسهم  في مشاريع وأعمال استشارية وفنية مهمة منها على سبيل المثال  مشروع أنشاء" وحدة الصحة النفسية " في جامعة الموصل،وعلم النفس ألسريري، وإدارة المستشفيات التعليمية، وتعريب التعليم الجامعي، وكان له طلبة يشرف عليهم في مرحلة الماجستير في الطب النفسي .
    في أوراقه الشخصية التي تحتفظ بها أسرته ونقل منها الأستاذ عماد غانم  الربيعي  في كتابه : " بيوتات موصلية " قوله وهو يتحدث عن نفسه ومفهومه للطب بشكل عام والطب النفسي بشكل خاص :" لو لم أكن طبيبا ...لكنت أديبا ...فالطب بشكل عام والطب النفسي بشكل خاص يسهم كثيرا في فهم الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني ...والعقل ...والأمزجة ...إلى تصور وتفهم الحق ..ومعنى الوجود والخير والشر ... " . لقد وضع لنفسه منذ أن كان شابا بيتا من الشعر يقول : " اذا مر بي يوم ولم اتخذ يدا *** ولم استفد علما فما ذاك من عمري .
    وكان الرجل غزير الإنتاج ويروي أحد أولاده أن مكتبته كانت تعج بالأوراق والكتب والمسودات وقد ألف قرابة 20 كتابا  معظمها لاتزال تدرس في أقسام علم النفس في الجامعات العراقية والعربية .ومعظم كتبه تتراوح  بين الطب والأدب .كما أن له مجموعة كبيرة من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة وبالامكان أن يتفرغ احد الطلبة النابهين لنجاز اطروحة عنه فهو يستحق ذلك فعلا .وتدور بحوثه حول الصحة النفسية، وجنوح الأحداث،  وعلم النفس السريري،  وعن أفضل أسس القبول النفسية في الجامعات  ، والقيم النفسية التي تفرزها الحروب ،وتشريح شخصية الشعوب ،والحروب كظاهرة  نفسية .
    لقد كان الأستاذ الدكتور فخري الدباغ طبيبا ماهرا ،وباحثا دؤوبا ، وإداريا قديرا والاهم من ذلك انه كان إنسانا نبيلا لطيف المعشر ،دمث الأخلاق ، نظيف الكف واللسان، رقيقا ، عطوفا على من يعمل في معيته وقد شهدت فترة إدارته لكلية الطب في جامعة الموصل أزهى أيامها ..أسهم في تطوير الكلية وزودها بكل ماتحتاجه من الأجهزة والمختبرات والكوادر ..ويستحق منا اليوم ان نقف لإحياء ذكراه والتعريف بمنجزاته ويقينا انه ترك بصمة واضحة في جدران البنية العلمية والطبية لبلده .كما خلف من العلم الغزير، والولد الصالح ما يخلده ويذكر به الأجيال القادمة .رحمك الله أستاذنا وزميلنا الدكتور فخري الدباغ  وجزاك خيرا على ماقدمت .


الخميس، 11 أغسطس 2011

محمود مفتي الشافعية وجريدة نصير الحق !!


محمود مفتي الشافعية وجريدة نصير الحق !!
بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل


حظيت الموصل في تاريخها المعاصر بنخبة من المثقفين الذين عشقوا العمل الصحفي. وقد وقر في ذهن هؤلاء ان الصحافة مرآة المجتمع، وانها وسيلة مهمة للتنوير والتثقيف ونقل مشاكل الناس، والتعبير عن همومهم، ومطامحهم. وفي أوراقنا التاريخية اليوم نقلب صفحات واحد من هؤلاء ذلك هو محمود مفتي الشافعية أو محمود الغلامي صاحب جريدة نصير الحق، والتي صدرت سنة 1941 وتوقفت عن الصدور سنة 1963. فمن هو محمود مفتي الشافعية وما موقع جريدته في خريطة الصحافة الموصلية.. ؟
محمود مفتي الشافعية هو محمود بن جابر بن محمود بن حسن بن علي بن مصطفى بن علي أبي المكارم النجمي التغلبي (مفتي الشافعية). ولد سنة 1911 في الموصل وتلقى علومه الدينية على يد الشيخ عبد السلام الصمدي في مدرسة جامع الباشا، ثم ألتحق بالدراسة الرسمية ودخل مدرسة الوطن الابتدائية ثم أكمل الثانوية وذهب الى بغداد وانتمى الى كلية الامام الاعظم سنة 1927 وبعد تخرجه عمل موظفا في دائرة البريد والبرق، لكنه أحب الصحافة وترك الوظيفة سنة 1929 وكان أول عمل له في جريدة البلاغ التي كان يصدرها متي فتح الله سرسم في الموصل آنذاك.
حصل محمود مفتي الشافعية في آب سنة 1941 على امتياز لاصدار جريدة جديدة باسم (نصير الحق). وقد أشترى مطبعة النصر لهذا الغرض. وقد عرف عن محمود انه كان أديبا، أصدر رواية باسم (فوزية أو شهيدة الغرام) سنة 1941. كما اشتهر بكتابة سلسلة من المقالات التي تقع ضمن ما يدعى بـ (أدب السياحة) حيث راح يتحدث عن رحلاته وانطباعاته عن زياراته لبعض البلدان ومثال ذلك ما كتبه في جريدته سنة 1949 بعنوان:- (أنا مصطاف وعندي لوعة). وقد نقل عبر هذه المقالات مشاهداته وملاحظاته عن أجواء لبنان ومصايفها وأدبائها وشعرائها. كما أصدر قصة باسم (نعمان) وبالاشتراك مع المرحومين اسماعيل حقي فرج ورشيد الخطيب وقد أصدر كراسا حول (الصوم وفوائده الصحية والاخلاقية والاجتماعية) وله كتاب بعنوان (نظرات في الديار السعودية).
أثارت شخصية ومواقف محمود مفتي الشافعية ولا تزال الكثير من الجدل.. والشيء المؤكد ان محمود مفتي الشافعية كان عضوا في حزب الاحرار الذي تزعمه توفيق السويدي 1948. كما انتمى الى حزب الاتحاد الدستوري الذي أسسه نوري السعيد سنة 1949 لدعم معاهدة 1930. وقد تعرض الشافعية وجريدته الى هجوم حاد من الصحف التي كانت تعبر عن الحركة الوطنية، ومنها جريدة النضال لسان حال فرع حزب الاستقلال في الموصل.
كانت نصير الحق جريدة يومية أدبية فكرية تداول على رئاسة تحريرها عدد من المثقفين والمحامين أمثال يونس جودت الرمضاني وكمال توفيق الصائغ ومحمود خاور وسامي عبد الوهاب وأحمد النجم وحلمي عبد الوهاب وحسن الاطرقجي. وقد عطلت الجريدة مرات عديدة لاسباب مختلفة. فعلى سبيل المثال عطلت في 10 آب 1944 بحجة انها ((تنتهج في انتقاداتها الاجتماعية خطة من شأنها تهييج الخواطر)).
ومما يلحظ ان الجريدة شهدت متغيرات عديدة سواء في ترويستها أو خطتها وسياستها. لذلك يمكن القول بأنها ((لم تثبت على خط سياسي واحد)). لكن هذا لم يمنع من انها كانت مع شقيقاتها التي كانت تصدر في الموصل تعكس احداث المدينة ومواقفها ومن ذلك مثلا نقلها أخبار موقف الموصل من وثبة كانون 1948 ومعارضتها لسياسة الاحلاف ودعوتها الى تقوية الجيش ومهاجمة السياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين والسياسة الاستعمارية الفرنسية في المراكش. ولم تتورع الجريدة عن مهاجمة ثورة مايس 1941 الوطنية القومية، وفي الوقت ذاته، فان للجريدة موقف وطني وقومي ابان حركة الموصل 1959 فقد هاجمت الشيوعيين لذلك تعرضت للتعطيل.
لم تكن جريدة نصير الحق جريدة (رأي) بقدر ما كانت جريدة (خبر) وطغت عليها في بعض سني اصدارها الصبغة الدينية الاسلامية.. حتى انها دونت في ترويستها ابتداءا من سنة 1947 انها (جريدة سياسية اسلامية حرة). كانت تنقل من الصحف العربية وخاصة المصرية بعض مقالاتها.. وجعلت في كثير من الاحيان مقالات بعض المثقفين (افتتاحيات لها) ومن ذلك مثلا ما نقلته عن الدكتور عبد اللطيف حمزة مقاله (الصحافة والرأي العام) وجعلته مقالها الافتتاحي للعدد 1990 الصادر في 5 تموز 1963.
اهتمت بتاريخ الاديان، وكتبت عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي (السابق). ودعت الى تطوير مدينة الموصل.. وأكدت أهمية أعادة النظر في قانون المطبوعات لسنة 1950 وحذف كل المواد المقيدة لحرية النشر.. حاربت الالحاد والشيوعية. وكتبت عن الاسلام وانتقدت معاهدة بورتسموث 1948 ودعت الى تطوير طريق الحج وكان لها مواقف ايجابية من الشباب باعتبارهم الطليعة الواعية.. وقد اسهم في تحرير نصير الحق عدد من المثقفين امثال فاروق الدملوجي واسماعيل حقي فرج ومحمد هادي الامين.. وتوقفت عن الصدور في العاشر من تشرين الاول 1963 والغي امتيازها لوفاة صاحبها في حادثة سيارة يوم 20 ايلول سنة 1963 وظلت الجريدة، تمثل صفحة لا يمكن تجاهلها، من صفحات تراث الموصل الصحفي.
*منشورة في الحوار المتمدن 167-5-2009
يرجى زيارة موقعنا "موقع الدكتور ابراهيم العلاف ورابطه التالي :
http://dr-ibrahim-al-allaf.com​/
الصورة من ارشيف الاخ الاستاذ سعود بك الجليلي فشكرا له

أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان


    أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان
   ا.د.إبراهيم خليل العلاف
  أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
     عندما كنت طالبا في المدرسة المتوسطة المركزية أوائل الستينات من القرن الماضي، سمعت بالأستاذ احمد حامد ألشربتي ،ووقر في ذهني بأنه من الأدباء الغيورين على اللغة العربية .وكثيرا ما كنت اقرأ له  - فيما بعد -  بعض مقالاته الجميلة في"مجلة المعلم الجديد" ،التي كانت وزارة التربية تصدرها شهريا . وتعد من المجلات الثقافية والتربوية الرصينة في العراق ولاتزال تصدر حتى يومنا هذا ، واحتفظ بمجاميع طيبة منها .وعندما كتبت عن الأستاذ خيري أمين العمري ذكرت بأن الأستاذ خيري قال بأنه كان معجبا بأستاذه في اللغة العربية الأستاذ احمد حامد الشربتي وقد تعلم منه الكثير .
    احمد حامد الشربتي.. ذكره كثيرون، لكنهم لم يتوسعوا في ذكره والمعلومات التي أعطيت عنه قليلة، وقليلة جدا   لاتتعدى الأسطر الخمسة .ويقينا انه بحاجة إلى من يكتب عنه دراسة موسعة . كتب عنه كوركيس عواد، وباقر امين الورد، ومحمود الجندي ،وحميد المطبعي والأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب . وكل ماكتب عنه انه ولد في مدينة الموصل سنة 1915 ، وفيها أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية وسافر إلى  بغداد ودخل دار المعلمين العالية (المؤسسة منذ سنة 1923 )  ، وهي بمثابة كلية التربية وتخرج فيها سنة 1937 وعاد الموصل ليعين مدرسا ثم أصبح مفتشا (مشرفا تربويا ) .
   احمد حامد ألشربتي من آل ألشربتي وهي أسرة موصلية عريقة اشتهر منهم مكي ألشربتي وهو احد رجالات الحركة العربية القومية قبل الحرب العالمية الأولى، ومن مؤسسي جمعية العلم السرية التي قادت المقاومة ضد الاحتلال البريطاني للموصل 1918 .وكان له دور مهم في تكوين الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وما بعد ذلك .ومن آل ألشربتي العميد سعيد حامد ألشربتي أمر القوة النهرية العراقية الأسبق (1956-1958 ) .
     تولى  الأستاذ احمد حامد ألشربتي وظائف مهمة في وزارة المعارف (التربية ) ،  منها عمله في الإشراف التربوي .كما انغمر في المجال الثقافي العام ، وكانت له صولات وجولات في" مجالس بغداد الأدبية وصالوناتها " . وقد بدأ النشر في الصحافة منذ مطلع الأربعينات من القرن الماضي وله مقالات ودراسات ومتابعات كثيرة .
    من كتبه : " المرشد إلى تمييز الظاء من الضاد " ونشره سنة 1957 وكتاب "المدرسة مركز اجتماعي " ونشره سنة 1962 ، وكتاب " تاريخ الأدب العربي " وهو كتاب مدرسي كان يدرس في الصفوف الثالثة المتوسطة في المدارس العراقية..كما أن له كتاب بعنوان : " الشبيبي في حكمه وأمثاله " وقد نشرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1982. وله كتب مخطوطة سمعنا  - منذ سنوات  - أن ولده زهير  المدرس في كلية الفنون الجميلة ببغداد يعكف على إعدادها للنشر. وقد أشار الأستاذ جمال عبد المجيد العلوجي مدير المكتبة الوطنية العراقية  أن المكتبة الوطنية ببغداد تعتز بأحتوائها على مكتبة الأستاذ احمد حامد الشربتي المهداة .
   كان  الأستاذ ألشربتي عضوا مؤسسا في " جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين " ،وهي الجمعية التي تأسست في الستينات من القرن الماضي وضمت الأدباء والكتاب ذوي الاتجاهات العروبية القومية .
  أشار الكاتب المعروف الأستاذ مشكور الاسدي في  ملحق جريدة المدى بعددها الصادر في 23 آذار سنة 2011 إلى أن الأستاذ احمد حامد الشربتي ابتدأ بمشروع ترجمة بعض المشاهير والأعلام العراقيين وطلب من الاسدي سنة 1964 ان يسجل له بعض الترجمات الأدبية عندما كان يعمل مشرفا تربويا اختصاصيا في وزارة التربية وبأقلام  أصحابها ليعتمدها في تأليف كتاب في هذا الخصوص  .وممن جمع عنهم الأستاذ جعفر الخليلي رائد القصة العراقية المعاصرة والصحفي المعروف .وكلام الاسدي الذي  أعادت نشره المدى يرجع إلى سنة 1971 ومما قاله الاسدي اقلام عابرة، وخطوط رفيعة عن الأستاذ جعفر الخليلي جمعت بعضها من تقييما لما احتفظ به الشربتي  :"  هذه لمحات خاطفة، ورؤوس مذكرات ، والبعض الآخر مما احتفظت بها ذاكرتي، وبعضا من استقصائي حين طلب مني (عام 1964) الأستاذ الجليل احمد حامد الشربتي المفتش الاختصاصي لوزارة التربية سابقا أن أسجلها ليعتمدها في.. ترجمة مشاهير أدباءنا ، وهي مجموعة تراجم انفرد بها أستاذنا ألشربتي بين جميع التراجم لكونها مكتوبة بأقلام أصحابها باستثناء ترجمة الخليلي، ولكون مؤلفها (ألشربتي) بحاثة له في ميدان البحث والأدب أكثر من صولة وجولة، وإذا ما كتب لمجموعته من تراجم أن تخرج الى حيز الطبع فستسد فراغاً جد كبير في عالم البحث والاستقصاء وستنغنينا عن مشقة البحث والتتبع في سير مشاهير رجال الأدب المعاصرين في العراق، ومن باب الاتفاق أن تصبح هذه اللمحات ورؤوس الأقلام عن الأستاذ الخليلي مرجعا لدراسته لدى الباحثين من طلاب الجامعة أو المؤلفين الذين يعنيهم البحث عن تاريخ الصحافة والصحافيين، او تاريخ القصة والقصاصين او تاريخ العتبات المقدسة. او الأدب والشعر في العراق، فاضطررت  لطبع العشرات من هذه النسخ بالطابعة لتسهيل دراسة (الخليلي) على ضوئها. ولما كثر طلابها التجأت لطبع كمية منها بالمطبعة، ثم التجأت لإعادة النظر في بعض فصولها وطبعها من جديد لنفاذ ما طبع منها، وبذلك أكون بسبب استاذنا الشربتي قد وفرت لمن يعنيهم الأمر حاجتهم من هذه اللمحات التي بدأ يزداد الطلب عليها من لدن كتاب التراجم وطلاب الجامعات بقصد الدراسة وليس لدي منها ما يسد الحاجة."  
   أما الأستاذ جعفر الخليلي فقد علق على مشروع ألشربتي بقوله : " يقوم الأديب اللوذعي الكبير الأستاذ احمد حامد ألشربتي المفتش الاختصاصي بوزارة التربية والتعليم ، بجمع عدد من التراجم لعدد من العلماء والشعراء والكتاب، والأستاذ ألشربتي فضلاً عن كونه أدبيا وباحثاً ، وكاتبا لامعاً فان لعاطفته المشبوبة أثرا غير قليل في دنيا المحبة والصداقة، ومن هذه العاطفة وقوع اختياره علي لأكون من ضمن تلك المجموعة التي اختارها من التراجم وبناء على ذلك طلب مني أن أضع بنفسي ترجمة حياتي على غرار ما قدمته أنا في كتابي : (هكذا عرفتهم) من تراجم فاعتذرت، وأصر هو، وأصررت أنا ، لأنني واثق من أني إن فعلت ذلك فلن أنجو مهما بالغت في الحيطة من الأنانية وحب الظهور، ولاحقني هذا الصديق الكريم ولكن دون جدوى حتى وقع على الخبير وتركني مشكوراً.
والخبير هذا هو الكاتب الألمعي المعروف الأستاذ مشكور ألأسدي الذي ولع بجمع طائفة من المذكرات والخواطر، والشذرات، عمن عرف في حياته من رجال الأدب  ،وقد أفاد من دراسته الجامعية وتطوافه بالأقطار العربية والأجنبية، حيوية علمية ، وتجارب فنية ساعدت كثيراً على أن يبدع في جميع ما يكتب من البحوث والمقالات.
وجاءني الأستاذ مشكور يعرض علي مسودة ما كتب عني وطلب مني قراءة هذه الصفحة التي سماها (بلمحات خاطفة) أو الخطوط (الرفيعة) عن جغفر الخليلي كما قال، والتي خططها ليسهل استخراج الخطوط العريضة منها لمن يعنيه أمري كما قال، فقرأتها وليس عندي ما اقوله عن هذه الخطوط (الرفيعة) من حيث الحوادث وتاريخها، ولكني لم انس ان مجرد التفكير في وضع ترجمة عني بخطوط (رفيعة) أو (عريضة) لايخرج عن كونه ضرباً من ضروب العاطفة. "
     وعندما كتبت  أنا عن قاسم محمد الرجب 1917-1974 ومكتبة المثنى ومجلة المكتبة مقالة  قلت بأنني وجدت للشربتي مقالات كثيرة منشورة في" مجلة المكتبة"  .ومن مقالاته التي لازلت اذكرها تلك التي عنونها ب" علام نضيق بالحقائق الدامغة ذرعا ..؟ " وقال فيها :" ماكنت في يوم من الأيام ممن يدينون بالفكرة السلبية  ، فينظرون إلى مساؤئ الأمور ويتركون محاسنها ،ولا كنت ممن يبخسون الناس أشيائهم فيذكرون المثالب ويتعامون عن المناقب .إنني عندما تطرقت في العدد الثامن من مجلة(  المكتبة ) إلى حالة مكتباتنا المدرسية وما بلغت إليه من تدن وانحطاط لم أكن قد وضعت أمام ناظري شخصا معينا أروم النيل منه او الانتقاص من عمله وإنما بحثت المشكلة بحثا موضوعيا لاعوج فيه ولاانحراف .وكنت أتوخى من ذلك تذكير المسؤولين عن تربية النشئ على اختلاف طبقاتهم ان يأخذوا للأمر أهبته، ويشمروا عن ساعد الجد في إعداد هذا النشئ وتوجيهه وإمداده بكل ما تتطلبه الحياة المثلى من ضروب الثقافة الأصيلة والمعرفة الحقة ، وتطهير ذهنه وقلبه من الارجاس ( الثقافية ! ) التي تركها الاستعمار وسماسرته  ، تفتك فتكا ذريعا في العقول والنفوس ..." .ثم أضاف : " بذلك الشعور الصادق كنت أعالج بعض المشاكل التربوية والثقافية ..وبهذه النية السليمة كتبت مقالي ( مكتبات مدارسنا في الميزان ) ...حتى طلع علينا صديقنا وزميلنا المفضال الأستاذ نهاد عبد المجيد مدير المكتبات العامة والمدرسية بمقاله ...وإذا به ينعي علي نقدي لبعض طلابه الذين قال عنهم أنهم خريجو دورة معلمين مكتبيين يتفرغون للعمل المكتبي في المدارس ...لإخفاقهم في انجاز مهتهم ولقيام المسؤولين في وزارة المعارف بإقصائهم وإعادتهم إلى حظيرة التعليم بعد أن ثبت عجزهم عن تحقيق الغرض الذي عينوا من اجله ... " . وفي نهاية المقال يؤكد الأستاذ ألشربتي على أهمية تطوير المكتبات المدرسية وجعلها أداة تربوية حقيقية من خلال تهيئة ما اسماه المعلم المكتبي المتدرب المتفرغ لهذا العمل الجليل .
   كان الأستاذ ألشربتي ، فوق انه مربيا متمكنا يعتقد أن للمعلم رسالة نبيلة  ، فقد كان كاتبا مجدا وباحثا دؤوبا ولم يكن كغيره من المعلمين والمدرسين الذين غادروا الثقافة والفكر والكتاب  . بل ظل - حتى قبيل وفاته بقليل  - ممسكا بقلمه مساهما فعالا في ساحة الثقافة العراقية المعاصرة .لقد كان ذو علاقات متينة مع الوسط الأدبي والثقافي العراقي  . ومما ساعده على ذلك حلمه وصبره وتعاطفه مع الحق ومنهجه التربوي الإنساني الصحيح.. لذلك ظل في ذاكرة الناس  وأعينهم ، مربيا  ،وأديبا وكاتبا  ، وإنسانا .رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه وأمته .
www.dr-ibrahim-al-allaf.com




محمد الاطرقجي - جزيل الجومرد - جواد البيضاني - ابراهيم العلاف وصورة التقطت عصر يوم 15 ايلول -سبتمبر 2026

محمد الاطرقجي - جزيل الجومرد - جواد البيضاني - ابراهيم العلاف وصورة التقطت عصر يوم 15 ايلول -سبتمبر 2026 التقطها المصور الصحفي الاستاذ مؤيد ...