إبراهيم العلاف........................ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
بقلم :الاستاذ الدكتور إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 07:09
الحديث عن إبراهيم خليل أحمد العلاف ليس حديثًا عن رجلٍ عبر صفحات الجامعة ثم انصرف، ولا عن أستاذٍ ملأ رفوف المكتبات بالمجلدات ثم سكت، بل هو حديث عن سيرة عقلٍ جعل من التاريخ بيتًا، ومن الموصل نافذةً يُطل منها العراق على ماضيه القريب والبعيد. ذلك أن بعض المؤرخين يكتبون الحوادث، وبعضهم يفسرون الوقائع، أما العلاف فقد مضى أبعد من ذلك، فصار شاهدًا على الأزمنة، وحارسًا لذاكرة مدينةٍ عرفت كيف تنجب العلماء كما تنجب الأنهارُ خصبها. وُلد الرجل أصلحك الله في سنة 1945 في الموصل، في بيئةٍ ما زال فيها للعلم مهابةُ الكتّاب، وللقرآن أثره الأول في تهذيب اللسان والوجدان. نشأ في محلة رأس الكور، وهي من أحياء الموصل التي تتجاور فيها الذاكرة الشعبية مع صرامة التقاليد العلمية، فدخل الكتّاب صغيرًا، وتعلم القرآن، فكأن الحرف الأول الذي سكن روحه لم يكن إلا وعدًا مبكرًا بمصيرٍ أكاديمي كبير. وما أكثر ما تصنع البدايات الصغيرة رجالًا كبارًا، إذا صادفت نفسًا مولعةً بالمعرفة، وعينًا لا تكتفي بسطح الأشياء. ثم مضى يا صاح في دراسته الأولى في مدارس الموصل، حتى إذا أتم مرحلتيه الابتدائية والإعدادية، حمله الشغف إلى جامعة بغداد سنة 1964، فالتحق بكلية التربية، وهناك بدأت الملامح الأولى للمؤرخ تتشكل. لم يكن التاريخ عنده سردًا جامدًا للأسماء والتواريخ، بل كان سؤالًا عن المصير العربي، وعن تشكل الدولة الحديثة، وعن الصلات الخفية بين التعليم والسياسة والمجتمع. لذلك لم يكن غريبًا أن يتجه في دراساته العليا إلى موضوعاتٍ تمس صميم تكوّن العراق الحديث.
و هكذا كانت رسالته للماجستير سنة 1975 بعنوان "ولاية الموصل: دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922"، وكأن اختياره للموصل لم يكن اختيار موضوعٍ فحسب، بل اختيار هويةٍ فكرية. ثم مضى إلى الدكتوراه سنة 1980 في جامعة الموصل، ليكتب أطروحته الموسومة "تطور السياسة التعليمية في العراق 1914-1932"، وفي هذا العنوان وحده تنكشف شخصية المؤرخ: اهتمامٌ بالدولة، وبالتعليم، وبالتاريخ الحديث، وبالبنية العميقة التي تصوغ الأمم. أيها اللبيب، إن العلاف حين دخل جامعة الموصل مدرسًا في 15 أيلول 1975 لم يكن موظفًا يؤدي واجبًا، بل كان صاحب مشروعٍ معرفي طويل النفس. تنقل بين كلية الآداب وكلية التربية، وشغل مقرر قسم التاريخ، ثم أصبح رئيسًا لقسم التاريخ بين 1980 و1995، وهي سنوات ليست قليلة في عمر مؤسسة جامعية. في تلك المرحلة أسهم في تكوين أجيالٍ كاملة من الباحثين، حتى غدا اسمه عند كثير من طلبة العراق مرادفًا للصرامة المنهجية، والدقة في قراءة المصادر، والقدرة على ربط المحلي بالقومي. ونال أصلحك الباري لقب الأستاذية سنة 1991، وهو لقبٌ لا يأتي في الجامعات الرصينة إلا ثمرة جهدٍ متصل وإنتاجٍ علمي راسخ. غير أن الأستاذية عند العلاف لم تكن لقبًا إداريًا، بل كانت سلطةً أخلاقية في الوسط الأكاديمي، إذ عرفه طلابه وزملاؤه بحرصه على البحث الرصين، وتشبثه بفضيلة التوثيق، وإيمانه بأن المؤرخ لا يكتب لكي يملأ الصفحات، بل لكي يضيء العتمات.
لقد كان من أبرز أعماله المؤسسية الإسهام في تأسيس مركز الدراسات الإقليمية التركية بجامعة الموصل سنة 1985، ثم إدارته للمركز لاحقًا. وهذا يكشف بعدًا آخر في مشروعه، إذ لم يقف عند التاريخ العراقي وحده، بل وسع النظر إلى الإقليم بوصفه سياقًا حيويًا لفهم العراق والموصل والشرق الأوسط. فالموصل عنده ليست جزيرةً منفصلة، بل عقدة وصلٍ بين العرب والترك، بين المشرق والأناضول، بين التاريخ المحلي وحركة الإقليم. وأوقفني يا هذا عند أثره في تربية الباحثين، فإذا الرجل قد أشرف على قرابة خمسين رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه، وناقش مئات الرسائل في الجامعات العراقية. وهنا لا يقاس أثر العالم بعدد كتبه وحدها، بل بعدد العقول التي أيقظها، وعدد المناهج التي رسخها، وعدد التقاليد البحثية التي أورثها لمن بعده. فكم من أستاذٍ يكتب ثم يمضي، وكم من أستاذٍ يترك وراءه مدرسةً فكرية، والعلاف من الصنف الثاني. أما مؤلفاته هداك الله، فهي نهرٌ واسع، تجاوزت أربعين كتابًا وأكثر من ألف مقالة ودراسة وبحث، وهو رقمٌ لا يدل على كثرةٍ كمية فقط، بل على تنوعٍ في الحقول واتساعٍ في الرؤية. كتب في التاريخ العثماني، والصحافة، والتعليم، والقومية العربية، والعراق المعاصر، والمياه، وتركيا، وتاريخ الجامعات، وتاريخ المدن. ومن هنا تتجلى قيمة مشروعه: إنه لا يكتب التاريخ بوصفه زمنًا منقطعًا، بل بوصفه شبكةً من العلاقات بين الدولة والثقافة والتعليم والمجتمع.
تأمل عناوينه: "تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني"، "نشأة الصحافة العربية في الموصل"، "تطور التعليم الوطني في العراق"، "تاريخ الفكر القومي العربي"، "تاريخ العراق المعاصر"، ثم كتابه المهم "خمسون عامًا من تاريخ جامعة الموصل 1967-2017". كل عنوانٍ منها يكشف بابًا من أبواب اهتمامه، لكن الخيط الجامع بينها هو الإيمان بأن التاريخ ليس ماضيًا ميتًا، بل بنية حية لفهم الحاضر وصناعة المستقبل. قف في الموصل، فإن المدينة تسكن بعض رجالها كما يسكنونها. ولعل أجمل ما في مشروع العلاف أنه ظل وفيًا لمدينته، لا بمعنى العصبية المحلية، بل بمعنى تحويل المدينة إلى موضوعٍ علمي يضيء العراق كله. فحين كتب عن الموصل، كتب عن الصحافة فيها، وعن ولايتها، وعن جامعتها، وعن مؤرخي مدن العراق، كأنه يريد أن يقول إن المدينة ليست جغرافيا، بل ذاكرةٌ ومخيالٌ ومصيرٌ ثقافي. وقد نال الرجل ، وسام المؤرخ العربي سنة 1986 من اتحاد المؤرخين العرب، وهو تكريمٌ لا يمنح إلا لمن ثبت حضوره في خدمة التاريخ العربي والإنساني. ثم توالت عليه الجوائز والشهادات التقديرية من جهاتٍ أكاديمية وثقافية عديدة، حتى كُرّم سنة 2007 من قبل الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب ضمن العلماء الأعلام. وهذه الأوسمة ليست زينةً خارجية، بل شواهد على اعتراف الوسط الثقافي العربي بأن العلاف صار اسمًا مؤسسًا في حقل التاريخ الحديث والمعاصر.
إن قيمة إبراهيم العلاف يا من يلتمس الحكمة، لا تكمن في غزارة إنتاجه فقط، بل في نوعية نظرته إلى التاريخ. فهو من المؤرخين الذين أدركوا أن الحدث السياسي لا يُفهم إلا من خلال التعليم، وأن التحول الثقافي لا ينفصل عن الصحافة، وأن تاريخ المدن ليس هامشًا على تاريخ الدول، بل قلبه النابض. لذلك جاءت كتاباته متحررةً من ضيق السرد إلى رحابة التحليل، ومن حدود الواقعة إلى أفق البنية. وأوقفني يا هذا، في معنى الأثر، فإذا المؤرخ الحق ليس من يحفظ الماضي، بل من يجعل الماضي أداةً لفهم ما نحن فيه. من هنا ظل العلاف حاضرًا في الوعي الثقافي العراقي، لا بوصفه أستاذًا جامعيًا فقط، بل بوصفه مرجعًا في كتابة العراق الحديث، وضميرًا معرفيًا لمدينة الموصل التي قاومت النسيان بالحرف. وفي خاتمة القراءة أصلحك الله، أقول إن إبراهيم العلاف لم يكن مجرد مؤرخٍ للعراق، بل كان تجليًا لذاكرة العراق وهي تكتب نفسها بوعيٍ ومنهجٍ ومحبة. فإذا تحول الاسم إلى رمز، والمدينة إلى معنى، والكتاب إلى شاهد، علمت أن الرجل قد تجاوز حدود السيرة الشخصية إلى حضرة الأثر الباقي. هناك، في ذلك المقام العرفاني، لا يعود التاريخ أوراقًا وأرشيفًا، بل يصير نورًا يتجلى في العقول التي تعلمت منه كيف ترى الزمن. تلك هي سيرة العلاف: موصليُّ المنشأ، عراقيُّ الأفق، عربيُّ الهم، إنسانيُّ الرسالة. وما أكثر من يكتبون التاريخ، وما أقل من يصبحون هم أنفسهم جزءًا من تاريخه.
*https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=913914
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين يسعدني أنا (الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف )أن ارحب بكم في مدونتي الثانية مدونة الدكتور ابراهيم خليل العلاف ..واود القول بانني سأخصص هذه المدونة لكتاباتي التاريخية والثقافية العراقية والعربية عملا بالقول المأثور : " من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار " .
الجمعة، 17 أبريل 2026
إبراهيم العلاف........................ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
المؤرخ ابراهيم العلاف والمؤرخ اسماعيل الربيعي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
إبراهيم العلاف........................ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
المؤرخ ابراهيم العلاف والمؤرخ اسماعيل الربيعي إبراهيم العلاف........................ مؤ...
-
مجلة (العربي) الكويتية الان بين يديك كل اعدادها PDF ومنذ صدورها سنة 1958الى سنة 1990 وعبر الرابط التالي : https://www.docdroid.net/.../aa...
-
(السسي) من جرزات الموصل المشهورة - ابراهيم العلاف * وعندما تحدثت عن جرزات او كرزات الموصل وقفت عند السسي ويبدو ان هناك من يحب السسي وسأل...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق