الخميس، 28 مارس 2013

لنتذكر الفنان الاستاذ بدري حسون فريد

لنتذكر الفنان الاستاذ بدري حسون فريد *
بقلم : سامي عبد الحميد
بدري حسون فريد ركن مهم من أركان المسرح في العراق بل أحد أعمدته التي شيد عليها صرح المسرح العراقي الذي ارتفع بناؤه منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي عندما أدرك (بدري) وزملاؤه من طلبة معهد الفنون الجميلة أن المسرح وسيلة من وسائل التثقيف والتوجيه والنقد وتحسين الذائقة وترويج المحبة والجمال والدعوة لتغيير المجتمع إلى الأفضل،

وبعد تخرجهم في المعهد أسهموا في تأسيس كيانات جديدة للعمل المسرحي كفرقة المسرح الحديث والفرقة الشعبية للتمثيل وفرقة مسرح الطليعة والفرقة القومية للتمثيل، وعندما عاد (بدري) من بعثته الدراسية في معهد غودمان للفن المسرحي في شيكاغو أخذ هو وزملاء مثله وأساتذة له درسوا فن المسرح في خارج البلاد، يعملون بكل جدية وحرص على تطوير وتجديد شكل العرض المسرحي ومضمونه.
أتذكر كيف كنا، أنا وهو، نتنافس على الأولية في التعلم ونحن طلبة فن بل ونتعاون في تقديم عروض مسرحية متقدمة داخل معهد الفنون وخارجه فقدمنا (تضحية معلم) و(الأستاذ كلينوف) وذهبنا أنا وإياه إلى مدينة كربلاء المقدسة لنقدم من تأليفه وإخراجه مسرحية (أمنية) وذلك أوائل الخمسينات، وأتذكر كيف تنافسنا أنا وإياه في تمثيل دورينا الرئيسين في فيلم (نبوخذ نصر) أول فيلم عراقي ملون وبالسينما سكوب أخرجه الراحل (كامل العزاوي)، وأتذكر كيف أسهمنا في تحرير مجلة (السينما) لصاحبها السينمائي الراحل (كاميران حسين) وكيف كنا نتعرض لنظريات المسرح القديمة والحديثة وكيف كنا ننتقذ ما يقدم من أعمال مسرحية في تلك المرحلة.
كانت مسرحية (عدو الشعب) للنرويجي (أبسن) أول عمل له بعد عودته من البعثة وأخرجه لطلبة معهد الفنون الجميلة اثبت فيه (بدري) رؤيته الجديدة وحسه الدرامي العالي ودقته في تفسير محتوى المسرحية وساعده في ذلك الممثل الراحل (طعمة التميمي) والممثلة (فوزية عارف)، وكانت مسرحية (الحصار) للعراقي (عادل كاظم) أول مسرحية يخرجها (بدري) للفرقة القومية للتمثيل فيقدم عرضاً مكتملاً في جميع عناصر إنتاجه والتمثيل بالدرجة الأولى حيث شاركت معه بأحد الأدوار الرئيسة بجانب الراحلين (إبراهيم جلال) و(يعقوب الأمين) و(غازي التكريتي) و(عزيز عبد الصاحب) واخرين من الممثلين البارزين آنذاك.
وراح (بدري) يقدم نتاجات مسرحية ناجحة الواحدة تلو الأخرى مثل (الاشجار تموت واقفة) و(الجرة المحطمة) و(هو راس) واتسمت جميعها بدقة التفاصيل ورصانة البناء وتوافق الشكل مع المضمون.
وتوجهنا جميعا بذلك العرض الأخاذ لمسرحية (جسر آرنا) الذي قدمها في أحد المهرجانات العربية في بغداد ومثلت فيه الدور الرئيس بجانب زوجته ابتسام والمبدعة ازادوهي ومازلت أتذكر حماسة جمهور المشاهدين في استقبالهم لذلك العرض المتفرد وإشادة الجميع بحسن إخراجه وتمثيله وقوة تأثيره في العقول والنفوس، وكان ذلك اخر عمل لبدري قبل ان يترك وطنه مهاجراً الى ليبيا في إحدى جامعاتها، تاركاً وراءه آثار دوره المشهور (إسماعيل جلبي) في المسلسل التلفازي (النسر وعيون المدينة) الذي ظل عالقاً في ذاكرة العراقيين جميعاً وتاركاً وراءه أجيالا من طلبة قسم الفنون المسرحية بكلية فنون بغداد الذين أفنى جزءاً كبيراً من عمره في سبيل تعليمهم وتزويدهم بالمعرفة في مختلف حقول الفن المسرحي وتاركاً وراءه أهم وثيقتين في مجال التعليم الفني وهما الكتابان المنهجيان (فن الالتقاء) و(مبادئ الإخراج المسرحي) واللذان تعاونت معه في تأليفهما، وسيبقى الكتابان مصدرين ينهل منهما الطلبة معلوماتهم، إضافة الى حرصه على تعليم طلبته فقد اثبت قدرته العالية في إدارة قسم الفنون المسرحية بكلية الفنون الجميلة لسنوات قبل إحالته على التقاعد.
تغرب (بدري حسون فريد) واغترب عن بلده وحاول جهده أن يواصل عمله الفني في ليبيا وفي المغرب ولكن أحداً هناك لم يعرف قيمة هذا الرجل، هذا الفنان المضحي ومكانته في بلده وقد أضناه التعب وأتعبه المرض عاد الى بغداد لينزوي ربما احتجاجاً على تنكر الكثيرين لدوره الكبير في التعليم وفي الإبداع وإذ نتذكر بدري حسون فريد ومآثره وقد دخلنا في سنة بغداد عاصمة للثقافة العربية فإنما نتمنى أن يستعيد عافيته وقدرته على مواصلة عطائه الثقافي.
*جريدة المدى

الكاتب العراقي الحر الاستاذ ابراهيم صالح شكر يكتب عن ولده رياض

من ادب الصحافة..ابراهيم صالح شكر يكتب عن ولده

خالد محسن اسماعيل
باحث عراقي راحل
لم تعرف الصحافة العراقية في تاريخها الحافل صحفيا مهاجماً عنيفا دامياً  مثل الكاتب الحر المرحوم ابراهيم صالح شكر. فقد تصدى، وهو فرد لحكومات  واحزاب وزعماء وسياسيين وصحف وكل من تجرأ على حرمة الوطن وقضيته، خل عنك  الاستعمار، رجاله ومخططاته وسياسته ومعاهداته لذلك عاش الرجل، العمر كله،  في ثورة متأججة متصلة اللهب اتت على كل من كان في الساحة يومذاك، وكان اول  من احترق بشواظ هذا اللهب المستمر ابراهيم نفسه!.

كان شهابا لمع بارقه في سماء العراق ثم احترق. إلا ان هذا القلب الحديد الذي لا يرحم اذا هاجم ولا يعفو اذا خاصم، كان اضعف من ورق الورد اذا اتصل الامر بأهل بيته وذويه وبخاصة ولده (رياض). فقد كانت وراء قوته عاطفة مستكنة في الاعماق (والعاطفة ضعف في الانسان كما كان يقول)، ولعل سر قوته كامن في هذه العاطفة الاسرة.
وانك لتعجب كيف (يتصاغر) الانسان لمن يحب فيذوب فيه حتى ليكاد يتلاشى وجداً ورضى، وكيف (يتجبر) على من يخاصم فيتعالى عليه ويتصدى له ويصارعه وان تجمعت في مخالبه شراسة اهل الارض جميعا، والانسان، في الحالمين، هو الانسان: لحم ودم!.
ويبدو لي، من الجانب الاخر، ان ابرز اسباب تعلق (رياض) بابيه بل فنائه فيه ان ابراهيم كان هو (البطل) في حياة رياض، وهكذا عاش الاثنان معا في ظلال ابوة حانية طاغية الحنان. وبنوة بلغت حد الفناء في (البطل) الوالد.. مالي الدنيا وشاغل الناس.
1- ولد (رياض) في ايلول 1924، وهو الابن الكبر لأبيه، ونجد اول ذكر له جرى به قلم ابراهيم فيما كتبه في عدد "الزمان" الصادر في 9 ايلول 1927 لبلوغ ابنه الثالثة من عمره، كتب ابراهيم صالح شكر يقول:
في غد يبلغ ولدي "رياض" السنة الثالثة من عمره، وبعد ظهر غد يتخطى الى السنة الرابعة، فيضع قدميه الصغيرتين على بابها، والافراح ملء طفولته، والوداعة ملء افراحه و"العابه" فلا فكرة تساوره بما اعده له من مستقبل، ولا عناء يخامره بما اسعى اليه من اجله، ولا خطرت لأحلامه "ولاية العهد" في جريدة "الزمان" ولا تمنى علي ان يعقبني في هذه "الجريدة" او يشاطرني شقاء هذه "المهنة". وكل ما يعرفه انني "احنو" عليه وانني اخدم "غايته" وانني احقق "رغباته" وانني طغني" اجود عليه في كل صباح "بآنات" يتبرع ببعضها على اصحابه من اطفال الحي، وينفق البعض الآخر على "شهواته" و"مشتهياته" وانه يعرف ان "مع السلامة" كلمة لطيفة فيشيعني بها عندما اغادره في الصباح! وعندما يجدني مرتاحا اميل الى "مباسطته" يحييني "برفع يده" ثم يصافحني ثم يقبل "لحيتي"، وهذا كل ما يعرفه وليس فيه ما انقم منه، وليس فيه ما لا ارتضيه له، فالسلام "سنة الاسلام" وهو "مسلم"، والمصافحة "شعار المؤمنين" وهو "مؤمن" والتقبيل" – اذا كان في الخدود – حاجة ضرورية "لذوق الانسان" وتنمية إحساسه! واني اريد له "الذوق" الذي لا ينافي الاحساس الفياض بالعواطف، وان كانت العاطفة ضعفا في الانسان!.
اما ما اكرهه فيه فهو "إسرافه" في الانفاق على لذاته واصحابه وشهواته، وقد احرجني هذا الاسراف حتى اصبحت مضطرا لأن احمل في "كيسي الانات من اجله وما تعود "كيسي" عليها!.
ولولا انه في "الثالثة" من عمره، لتوهمت انه يتعمد "تبديد ثروتيط بعد ان وجدها وافرة كثيرة، وبعد ان وجد ارباب "رؤوس الاموال" يعدونني بينهم، ويحسبونني منهم، ولكنه "طفل" لا يعرف عن "الاشتراكية" شيئا حتى اتوهم فيه "مقاومة ثروتي"، او ان انظر اليه نظر "المستر بلدوين" المحافظ القح الى ولده الاشتراكي البحث!.
ولا يدع ابراهيم صالح شكر الفرصة تمر من غير ان يغرز مهمازه في ضلوع الاخرين.
ولو كنت استطيع اقناعه بالمنطق والحجة لاقنعته بان "ثروتي"  إنما اهتم بجمعها وتوفير مقاديرها ليصبح بعد ان يبلغ اشده "رجلا عظيما" ما دامت "العظمةط في الحياة "للمال". ولكنه "طفل" لا تقنعه الحجة، ولا يقيم للمنطق وزنا، وهو معذور على ذلك، "فالشيوخ" هنا ما اقنعتهم حجة، وما جنحوا لمنطق، فكيف به اذا كان "طفلا" لايتجاوز الثالثة من سنيه إلا في ظهر غد؟ هو الان يدرك "اسباب الحياة" في هذا المجتمع الشره الطماع، ولكنه متى اصبح رجلا سوف يدرك ما هيأته له من مقومات الحياة، وسوف يقدم لي الشكر الواجب المحتم على ذلك).
وكأننا بابراهيم صالح شكر وقد اطمأن الى الغد الرغيد، وكأن الايام سالمته فانهمرت عليه الاحلام انهمار زخة مطر ربيعية.
(ففي عام 95 سوف يجد "بناية كبرى" مساحة ارضها "ميل مربع"، عمل في تقسيم غرفها "وصالوناتها" الفن الهندسي فابرزها ضخمة فخمة، والناس يمرون بها ويقولون هذه "إدارة جريدة الزمان"، وفي الجهة الفلانية منها "مكتب صاحبها الشيخ"، وفي تلك الجهة "رئيس التحرير"، وهناك غرفة "المحررين"، وفي ذلك الجناح "مطبعة الزمان" وفيه "مديرها"، وفي الظرف الاخر منه "الجهاز اللاسلكي" الخاص بهذه الجريدة التي اصدرها "الشيخ العصامي" في عام 1927 بحجم صغير، فاوصلها بجهده الى هذا الحجم الكبير وهذه المادة الغزيرة، وهو الان يعد "ولده رياضا" ليخلفه في شؤون هذه الجريدة فهو "ولي عهده" فيها، وفي ذلك الوقت فقط يدرك جهود هذا "الاب الرؤوف" ويقدر ما انا عامل عليه منذ الان. وعندما يرى ذلك كله ويقدر "عظمته" ويشعر "بخطورته" يعلم انني انما "كنزت ثروتي " في المصارف" والبنوك لما كان طفلا واحتفظت بها لاتركها له لامعة رائعة. ان فراستي تدلني على ان "رياضا" سوف يكون من "دهاقين السياسة"، فهو منذ الان يعرف كيف يستهويني اليه، وكيف يحبب نفسه الي، وكيف يصطنع "الصلابة" في مواضعها، وكيف يستعمل الهوادة في محلاتها شأن السياسي الحاذق الماهر، وليس شأن "المبيضة لحاهم" من "المتزعمين".
واذا، فهو جدير بان يتسلم شؤون هذه الجريدة في عام "1950" بعد ان يرجع من اوربة حاملا شهادة "الليسانسية" في العلوم "الدبلوماسية" من معاهد العلم الكبرى. وفي ذلك اليوم اتنحى عن هذه الجريدة وابارك "لولي عهدي" فيها، على ان يبيح لي في كل صباح "تقبيله" لانه حقق املي فيه فكان "نعم الخلف لنعم السلف". والمستقبل كشاف).
كان هذا اول حديث لابراهيم عن "رياض" وهو اطول حديث عنه ايضا، فما تحدث عنه، بعد ذلك، هذا الحديث المتراخي المتداعي المسترسل يفصح عن جملة امور اهمها:
ان "الزمان" تكتسح جرائد العشرينات...
والايام تسير رغدا...
والمستقبل يتلألأ، في افق ابراهيم بهيجا وضاءً..
والاحلام تطوف بالخاطر كأنها الحقائق التي لابد ان تكون!
ترى.. ما الذي ستحققه الايام من حلو الامنيات؟
2- وكتب في عدد "الزمان" الصادر في 1 أيار 1928 (11 ذي القعدة 1346 هـ) كلمة غاضبة في ذكرى مولده هو، استعرض فيها حياته القصيرة (كانت ولادته عام 1892) وما كابد فيها من سجن ونفي واضطهاد، مصرحا بزهده في الحياة ان اقبلت او ادبرت سوى ان يرى (كيف يقوض الاجنبي خيمه من وادي الرافدين... وكيف يعيش العراق ناعما بالاستقلال التام)، ثم لا يذكر في موقفه هذا إلا ابنه (رياضا):
(اما ولدي "رياض" فاني اتركه الى نفسه، فاذا استطاع ان يكون شيئا مذكورا كان، واذا لم يستطع فانه يستحق مني ان لا افكر به).
واقتران "رياض" باستقلال الوطن يصرح بالهموم التي كانت تقلق ابراهيم صالح شكر في دنياه..
3- ويذكره مرة اخرى يوم حققت "الزمان" انتشارها المتألف وعادت عليه بالربح الوفير فملك يومئذ "التامينات القانونية" المطلوبة لاصدار الجريدة بعد ان كان قد دفعها، يوم صدورها، احد اصحابه الوزراء (فكانت اجرة طبعها بالدين، وكان ثمن ورقها بالدين الذي لا فائض له). فكتب في عدد "الزمان" الصادر في 27 اذار 1928 يغيظ اعداده الذين كثيرا ما اغاظوه وافقروه، فأعلن انه اصبح في مقدوره ان يدفع "التأمينات" وقدرها "الفا ربية" هي ملك له لايشاركه فيها احد سوى ولده "رياض".
(وتحرير الخبر ان "المشتركين" الكرام دفعوا "بدل الاشتراك" فلم ابدده ولم اضعه في غير مواضعه، وانما جمعت متفرقاته فكان منها هذه "التأمينات" التي تصدر بها "الزمان" ، واذا مت فلي ما يكفي "الكفن" واسباب "الجنازة" ولولدي "رياض" منها ميراث لا سحت فيه ولا حرام).
4- وحين هاجر ابراهيم صالح شكر مغاضبا في عام 1928 موليا وجهه شطر سوريا ولبنان وشرقي الاردن وفلسطين ومصر، كان يحمل معه "مفكرة" صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم الكف دون فيها – فيما دون – هذه الكلمات ، وكأنه يلتمس اوهى الاسباب ليذكر، على البعد، ولده "رياضا":
(الاثنين 22 تشرين الاول...
اليوم كنت مدعوا من ياسين، ومحمد عبد، وكيل المعتمد النجدي في دمشق على طعام الغداء، وكان معنا نجيب الريس، وفخري البارودي، وعبد اللطيف العلي، ومحمد النحاس، والغريب ان ولد العلي اسمه رياض، وولد نجيب اسمه كذلك، وولدي رياض ايضا.).
5- ومن دمشق والقاهرة كان كثير الكتابة الى اصحابه في بغداد، يصف لهم ما يرى ويسألهم عما ابتعد عنه، ثم يسلم على جميع الاصدقاء واهل قهوة شكر ويقبل "رياضا".
6- وبعد ان ضيق عليه الانكليز واجبروه على مغادرة مصر عاد الى دمشق ليصدر فيها جريدة باسم "الفرات" فمنعه الفرنسيون من اصدارها كما كان يخطط فكتب في 31 كانون الاول 1928 رسالة الى احد اصحابه تتأجج كلماتها ثورة ووعيدا، ولكنها تتلألأ باسم ولده "رياض". ويقف الباحث متأملا طبيعة العلاقة بين حب ابراهيم صالح شكر لوطنه وارتباطه بحبه لولده "رياض":
(وحقك سوف افضح المستور، واهتك المحجوب، بالحق وبالباطل، ولكني الى الحق اميل ما دام بحاله واسعا في العراق المهان بحكومته الذليلة، الذليل باستقلاله الكاذب، واذا ابى القدر الماجن إلا معاندتي فاني اعرف كيف ارجع الى العراق لاعطي الدرس القاسي في الموت الشريف، فلست اريد ان اموت بعيدا عن اهلي وولدي الذي افيض حبا له وحنواً عليه، ولكني من اجل هذا الحب والحنو يجب ان اكون هكذا.).
- وبعد عودة ابراهيم الى بغداد كتب في جريدة "المستقبل في 29 كانون الاول 1929 تحت عنوان "من رحلة محرر" المستقبل "في احياء العرب" يصف ليلة خروجه مهاجرا من بغداد. (وكانت ليلة الاثنين ليلة ملسوع، مهاده حسك الارض، ومضجعه فناد الغبراء، حتى اذا صاح الديك، وانبثق فجر الليل الكئيبة، قمت اودع الاهل والاسى يثير الاشجان، ويصارع الزفرات. وقد ابت عاطفة الابوة الملتهبة الا ان تختلس نظرة من "رياض" وهو في سريره يداعب الافلاك، ويلاعب الكواكب، ويماجن القمر الوضاء في نومه الناعم المطمئن.
ولما اشرقت شمس اليوم الرابع من تشرين الاول عام 1928 كانت السيارة تطوي فجاج الارض الواسعة، وكانت بغداد خيالا ضئيلا يلوح بين باسقات النخل، ورؤوس المآذن الشامخة،فادرت اليها طرف راحل ترك فيها اهله وولده وذويهن ولهفيها ذكريات ذا لم تكن بين ملاعب "رياض" ومسارح طفولته، فهي بين قبور الاباء واحداث الجدود).
8- ويوم استأنف كتابة سلسلة مقالاته عن "حتروش" في مجلة "الوميض" في شباط 1930 بعد ان كان قد بدأها في "الزمان" ثم في "المستقبل"، كتب يقول:
(فان رأيتني اعود اليوم الى حديث "حتروش" فما هي ارادتي، وما انا متطلبها، وانما هي ارادة "الوميض" و"الوميض" صحيفة الشباب المتطلع الى الحياة بعزيمة صادقة، ومضاء قوي.
وللشباب علي دالة هي دالة "رياض" و"رياض" ثمالة الامل، وصبابة الرجاء، ثم انه قطعة من الشهد الحلوة اللذيذة التي وضها القدر في كأس الحياة المريرة، ثم انه "رياض").
ورياض.. قطعة الشهد وثمالة الامل وصبابة الرجاء كان يومئذ في السادسة من عمره.
9- وفي استقالته المشهورة من وظيفة "مدير تحرير لواء بغداد" التي رمى بها وجه "صاحب السعادة المحترم متصرف لواء بغداد" في 23 كانون الثاني 1931 صرح بانصرافه عن الوظيفة وزهده فيها لولا اضطراره اليها اضطراراً:
(ولما عطلت صحفي الواحدة بعد الاخرى، ولما سدوا في وجهي سبل الارتزاق النبيل، ولما لم يبق في يدي من اوراق الحياة إلا ورقة واحدة هي "ورقة التوظيف"، مسكتها لامسح بها جبين الطفل المعصوم، ودمعة الصبية البريئة، والزوجة المخلصة الصبور).
10- وتتوالى الايام على ابراهيم صالح شكر.. بين مد شحيح وجزر مدمر طاغ، فاذا به خارج الوظيفة، واذا به مستخدم في وظيفة متواضعة، واذا بالامراض تنقض عليه، واذا به طريح فراش يخفي تحت وسادته "وصفة" طبية تبحث عن ثمن الدواء.. ولاتجد!.
وفي 6 نيسان 1944 ومن على فراش المرض يملي ابراهيم على ولده "رياض" اخر رسائله مخاطبا بها احد اصحابه خارج العراق:
(وبعد، فان الالام ينبوع عذب، ولكن "ذات الرئة" مرض وبيل، وهو يلازمني منذ سبعة عشر يوما، وقد وصل كتابك الاخير والشمعة تذوب، والذبالة ترتجف، وما ادري اهذه الكلمات هي آخر ما امليها على ولدي رياض ام اني قادر على ان استقبل مشرق الشمس ومشهد الغروب في مستقبلي المكتظ بالمحن والاكدار..). وحين نسامع اصحابه بما انتهى اليه، ادخله صديقه "محمود صبحي الدفتري" في 4 مايس 1944 المستشفى على نفقته الخاصة، و"رياض" معه لا يفارقه ولا يغفل عن رعايته.
ومع غروب شمس الخامس عشر من مايس 1944 وفي مستشفى "العلمين" في "ارخيته" يحس ابراهيم صالح شكر ان شمسه هي الاخرى ان لها ان تسقط في الظلمة التي لا قرار لها.. لقد آن اوان الأوبة، فما بقي، بعد، زيت في السراج!.
ويلتفت ابراهيم الى رياض، فيلبي رياض نظرات ابيه، ثم يفهم منه انه يشير اليه ان: اذهب الى البيت، فسارع رياض الى حيث اشار والده لعل في تلبية ما طلب راحة للجسد المتعب المهدود، وما درى انه الفراق الذي لا وداع معه، وانها الابوة في احلك لحظاتها تؤدي فريضة الحنان كي لا يشهد رياض موت ابيه امامه..!.
وتبحر النفس الابية المعذبة الى حيث يبحر الناس جميعا ولا يعودون..
يقول اهل بيت ابراهيم فيما حدثني به اخي "مليح ابراهيم صالح شكر".
لقد اصاب موت ابراهيم من ابنه رياض مقتلا، فاذهله اول الأمر، ثم اسقطه يوم آمن بالواقعة ، ثم اضناه حين كف عن طعام وشراب، ولكنه كان لا يكف عن النحيب، وكثيرا ما استيقظ الاهل المفجوعون بالوالد وبالولد معا في تلك الليالي المشهودة فلا يجدون "رياضا " في فراشه ولا في البيت.. واذا بباب الدار مفتوح وطريق المقبرة يردد بقايا نشيج مكتوم، ومقبرة الغزالي غارقة في الظلمة الموحشة، ورياض يحتضن قبر أبيه ويبكي.. يتمزق حسرات على الذي رحل بلا وداع!.
وكان فراق بين رياض وحياة الناس بعد رحيل ابيه.. فما رقأ له دمع، ولا كف عن توجع مكبوت، سلوته.. ذكرى تغشاه ليل نار، وزيارات يأنس فيها بالحبيب القريب البعيد، وامل قريب – لا ابعد منه – في ان يسمع الراقد تحت التراب نداءه يوما فيجيب.. حتى كانت ليلة العيد..
ولعله، كان العيد الاول بعد وفاة ابيه، فكتب رياض، بعد زيارة للقبر، هذه السطور بالحبر الاخضر بخطه موقعة بتوقيعه من غير ان يفصح عنها تاريخ او اشارة، ويومها تأكد له ان لا سبيل بعد الى ابيه.. لقد فقده الى الابد:
(اليك.. اليك يا أبي في مثواك العزيز في ليلة العيد، لعلني اراك، ولعلني امسع ذلك الصوت الحنين ابي.. دخلت السور الذي يحيط بمثواك والليل شديد الظلام، فصاح "بواب المقبرة" : من هذا؟ فقلت له: اجعلني اليه الى حيث يرقد الوالد الحبيب، وقفت بجوارك يا ابي بكل خشوع ورهبة لعلني اسمع ذلك الصوت الجميل ولكن.. هيهات. ناديت: يا ابي لقد جئتك الليلة.. ليلة العيد، فاختفت كلماتي وسط النحيب عند قبرك اردد البكاء والنحيب لعلك تسمع توسلات ابنك الحزين ولكن هيهات.
ابتعدت يا ابي عنك ولي العذر في ذلك وسط الرعب الذي ملأ قلبي وتوسلات "البواب"، وتأكدت في هذه اللحظة باني قد فقدتك يا ابي الى الابد، وفقدت كل شيء بفقدك حتى قبلائك في يوم العيد يا والدي الحبيب).
لقد آمن رياض يومذاك انه فقد اباه حقا، وفقد به كل شيء حتى قبلاته الحنونة في يوم عيد.. ليت شعري.. هل علم ابراهيم صالح شكر اي ميراث تركه لرياض – امله الحلو الاخضر – يوم تركه وحيدا ضعيفا كالنبتة الصغيرة في صحراء ضاربة؟
وتتوالى الايام على "رياض" ثقيلة بالهم والجوع الوداء فينوء باه فتى العشرين خريفا.. الذكرى لا تفارقه، والحزن يذيب القلب حسرات، والداء الوبيل ينهش ولا يشرب غير دماء الصدور..
ويسقط صريع السل! فيرسله أهله الى لبنان لعله يجد هناك شيئا يعيد اليه شبابه او عافيته، ولكن.. لا أمل يعشو على اثر من ضياء.. فلم يبق في السراج زيت يضيء.
ويوم عجز حنان الابوة عن ان يجمع الابن الى ابيه كان المرض اقوى وارحم.. لقد جمع بينهما السل على عجل في مصير واحد.
ففي يوم من ايام عام 1946 ابحر رياض.. بقية ذبالة اطفأتها ريح العذاب والغربة..
ابحر رياض الى حيث يبحر الناس جميعا لعله يسعد هناك بلقاء الحبيب الذي رحل بلا وداع!.  

مجلة افاق عربية 
http://www.almadasupplements.com/news.php?action=view&id=48571977

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والصحافة

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والصحافة*

بقلم :الدكتور مليح صالح شكر 

                       
                          
شجعني مقال الدكتور رعد العنبكي عن السلطان عبد الحميد الثاني المنشور في الكاردينيا يوم الثلاثاء, 12 شباط 2013  على العودة الى ما يتضمنه أرشيفي الخاص من بعض المعلومات بشأن السلطان عبد الحميد، والتي اوردت بعضها  في كتابي ( تاريخ الصحافة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري) الصادر ببيروت عام 2010 عن الدار العربية للموسوعات.
وربما يجد القارىء الكثير من المعلومات المثيرة للجدل في حياة السلطان عبد الحميد وأدارته للدولة العثمانية والتي كان أقل ما قيل عنها أنها كانت إدارة إستبدادية. وقد تحدث الكثير من المؤرخين عن حياة السلطان  وتصرفاته، ومنهم كُتاب وبحّاثة عراقيون معروفون، وأخترت من ناحيتي أن اكتب شيئاً عن أسلوب السلطان عبد الحميد في إدارة الصحافة.
ولإلقاء نظرة على أسلوب الدولة العثمانية في التعامل مع الصحافة، نرى أن الدكتور سنان سعيد يشرح مدى قلق السلطان عبد الحميد الثاني والذي تولى السلطنة عام 1876 من الصحافة، ويقول في بحث له (حرية الصحافة حتى 1917) المنشور ضمن السلسلة الاعلامية للدراسات في الصحافة العراقية، الصادر عام 1972 عن وزارة الاعلام ببغداد، أن عبد الحميد  كان( يخشى على حكمه وحياته من خطر الصحافة)، وأصدر أوامره الى الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، (بتكميم أفواه الصحافة، وغلق بعض الجرائد)، وفرض حكماً استبدادياً بتعطيله البرلمان (مجلس المبعوثان)، والدستور، (وشكل عام1877 هيئة رقابة جعلها تابعة لمديرية المطبوعات).
وفي البحث الذي أجريته خلال إعدادي لشهادة الدكتوراه في إنكلترا، إتضح لي أن مديرية المطبوعات هذه التي أشار إليها الدكتور سنان، هي مديرية المطبوعات الداخلية التي كانت إحدى دوائر وزارة الداخلية، سوية مع الإدارة العمومية للنفوس، ولعبت دوراً خطيراً خلال عهد السلطان عبد الحميد الذي اتسم بسفك الدماء. ومارست سلطات استبدادية واسعة النطاق على الصحف والصحفيين، وتولت الرقابة المسبقة على ما ينشر، ودست جواسيسها ومخبريها  الذين يكتبون تقاريرهم التي كانت تسمى ( جرنال)، تصل أغلبها إلى السلطان شخصياً وشغلت حيزاً كبيراً من اهتمامه، بالرغم من عدم دقتها وإفتقارها للمصداقية.

ومن المثير أن  سلطات ما يسمى بالانقلاب الدستوري عام 1908 عثرت في قصر يلدز على الآلاف من هذه التقارير قدرت حمولتها بحمولة عربة ( كارة)، وتضمنت أعمال ألف وأكثر من أولئك الجواسيس، تبين أن بعضها لم تكن له أية علاقة بالصحافة والصحفيين، بل تضمنت بلاغات الى مديرية المطبوعات، بعضها حول العلاقات الغرامية للسفير البريطاني! وهنالك معلومات ضافية أخرى بهذا الخصوص  في كتاب باللغة الانكليزية

Findley , Carter V. Bureaucratic Reform in the Ottoman Empire, 1789-1922 , Princeton University Press , New Jersey
 1980 , pp233-234 &  253-254      
                                      
وعن طريق هذه المديرية كان قصر يلدز يرسل تعليماته إلى أصحاب الصحف، لأنها كانت الجهة الرسمية التي تراقب المواد الصحفية مسبقاً قبل طباعتها ونشرها، لمنع نشر التراجم عن الصحف الأجنبية، ولمنع استخدام الأسماء المستعارة في المقالات، وتملك المديرية قائمة بالممنوعات التي تشمل أنباء تعرض الملوك الأجانب للاغتيال، وأنباء السلطان المخلوع مراد باشا، والتضييق على المطبوعات الفكاهية لأن السلطان لا يحبها. وهو الأمر الذي أشار إليه بوضوح كلا من الدكتور سنان سعيد، و كارتر فندلي، وكذلك الصفحة رقم 200 من المصدر التالي:

Devereus, Robert, The First Ottoman Constitutional Period, Study of the Midhat Constitution and Parliament, Johns Hopkins Press, Baltimore, 1963, P.200


وكذلك في الصفحة السابعة من الجزء الثاني لكتاب: دي فيليب  طرزي، تاريخ الصحافة العربية، المطبعة الأدبية، بيروت، وأعادت  مكتبة المثنى ببغداد طباعته عام 1967.
وينسب كتاب :

Mears, Iliot Grinnell, Modern Turkey, The Macmillan Company, New York, 1924, pp 448-478 

إلى الصحفي التركي أحمد أمين بك ، قوله أن من أكثر تعليمات ذلك السلطان المستبد، غرابة، هي أوامره بتشكيل لجنة رقابة، مهمتها الوحيدة هي التجسس على ( أول من يقرأ الصحف المحلية والأجنبية).

ولم تكن مديرية المطبوعات الداخلية تضم ما يكفي من الموظفين، فكل العاملين فيها هم، مديرها وخمسة مساعدين، وخمسة مميزين( مدققين) وأكثر من 12 مفتشاً يتولون رقابة الصحف والمطابع والمسارح، وقراءة المقالات قبل نشرها.
وأورد روفائيل بطي في الصفحات 138-139  لكتابه ( الصحافة في العراق) الصادر عن معهد الدراسات العربية بالقاهرة عام 1950  تعليمات الرقابة أيام السلطان عبدالحميد الثاني، ونسبها إلى كتاب باللغة التركية، وقال أنها تضمنت ما يلي:
1 /  يجب قبل كل شيء تنوير الشعب عن صحة جلالة مولانا الملك الغالية.
2 / محظور على الصحف نشر أي شيء لم يقترن بمصادقة صاحب الدولة
وزير المعارف.
3 / محظور على الصحف نشر أبحاث طويلة مهما كان نوعها، أدبية كانت أم
فنية، بحيث لا يتسنى للصحيفة أو المجلة نشرها مرة واحدة، ولا يجوز
 مطلقاً استعمال كلمة ( يتبع) أو غيرها من التعابير التي تدل على أن
    للبحث صلة.
4 / لما كان ترك الفراغ أو وضع نقط متتابعة في المقال مما يسبب تقولات        
 وفرضيات لا طائل تحتها فلا يسمح باستعمال ذلك في المقال مطلقاً.

وفي هذه الظروف المظلمة تعذر على العراقيين إصدار الصحف والمجلات، وحين أتيحت لهم الفرصة، أو تراءى لهم ذلك بصدور التغييرات الدستورية العثمانية عام 1908، فصدرت الصحف، وأغلبها من الصحف الأدبية،  لكنها لم تلبث أن تعرضت لذات الإجراءات القمعية التعسفية حين اتضح ان جمعية الاتحاد والترقي التي قادت الانقلاب الدستوري لم تكن بأحسن مما سبقها من حكم السلطان عبد الحميد، وكشفت عن أهدافها بأنه حركة طورانية تضم غلاة الداعين الى سياسة التتريك، ومحاربة العناصر غير التركية في الدولة العثمانية، فقتلت السلطات العثمانية الجديدة تلك الصحف الناشئة، وعطلت في عام 1912 صحفاً  ومطبوعات عراقية لم يكن بعضها قد أصدر بعد عدده الأول، أو انها أصدرت عدداً واحداً فقط.
وأرّخ سنان سعيد وفندلي وأحمد أمين تفاصيل تفوق الاتحاديين في قمع الصحافة على السلطان الذي انقلبوا عليه، وأصبحت الرقابة على الصحف (أكثر قسوة من رقابة عهد عبد الحميد).  وأدمجت في نيسان عام 1913 مديرية المطبوعات بوزارة الخارجية، بمديرية المطبوعات الداخلية، وأسندت لها مهمة تنفيذ أحكام قوانين المطبوعات والمطابع، وأنشأت لها فروع، سمي إحداها (مكتب الاستخبارات العمومية) الذي يتولى نشر الدعاية للحكومة، ونفي التقارير المعادية، التي تنشرها الصحف الأجنبية. وحمل الفرع الآخر اسم (مكتب التدقيقات) الذي انحصرت مهمته بتحليل الصحف المحلية والأجنبية على السواء، وأعداد تقارير بمضمونها تقدم الى الحكومة، وزادت القيود على المطبوعات، وتعرض الصحفيون لمحاولات الاغتيال في شوارع العاصمة العثمانية.

وطال القمع العثماني الاتحادي الصحفيين والكتاب والأدباء العراقيين، وتعرضوا للاعتقال والنفي في عام 1915 ، ومنهم عبد الحسين الأزري وإبراهيم صالح شكر وإبراهيم حلمي العمر وداود صليوة وعبد اللطيف ثنيان، بل أن الوالي جاويد باشا قام شخصياً بجلد إبراهيم حلمي العمر بسبب مقال كتبه العمر ضد الاتحاديين.

وبعد قيام الدولة العراقية، سمحت المادة 113 من القانون الأساسي العراقي(أول دستور) الذي صدر في 21 آذار 1925 لكل القوانين العثمانية المعمول بها عند صدور الدستور، بالبقاء حتى تسمح الظروف باستبدالها، ولذلك يستوجب البحث أن نتعرف على طبيعة القوانين والأنظمة العثمانية ذات الصلة بالمطبوعات والصحافة قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، ومنها سنوات حكم السلطان عبد الحميد الثاني.

وقبل أن تصدر أول صحيفة عراقية ( زوراء) عام 1869 بأربع سنوات، كانت الدولة العثمانية قد اكتشفت أن شؤون المطبوعات بحاجة للتنظيم، فأصدرت عام 1865 أول قانون عثماني للمطبوعات بقي نافذاً ثلاثة عشر عاماً حتى أوقف السلطان عبد الحميد الثاني عام 1878 العمل به، لصالح تعليمات تخول دائرة الرقابة فقط صلاحيات التعامل مع كل الأمور ذات الصلة بالصحف، والمطبوعات الأخرى.
وهكذا كانت (الزوراء) قد صدرت في ظل أول قانون عثماني للمطبوعات، لكن غالبية الباحثين في تاريخ الصحافة العراقية قد أهملوا تقصي آثاره، وفاتهم الاطلاع عليه، وكرسوا حديثهم على تعليمات دائرة الرقابة، وكأن تاريخ التشريع العثماني تجاه الصحافة قد بدأ مع تلك التعليمات،  وكان بينهم المؤرخ عبد الرزاق الحسني، ورفائيل بطي، وفائق بطي، مع أن ( كنز الرغائب في منتخبات الجوانب) قد نشر عام  1878 نص قانون 1865.

وصدر القانون العثماني الأول في 1 كانون الثاني 1865، وتضمن الأحكام الهامة التالية:

- لا يطبع جرنال في الممالك العثمانية من دون إجازة من الدولة.
- على رعية الدولة أن يلتمسوا الإجازة من ناظر المعارف العمومية، وعلى الغرباء من ناظر الأمور الخارجية.
- المادة14: كل صاحب جرنال يطبع ما يغاير الآداب العمومية ومحاسن الأخلاق المليّة، ويحتقر الأديان والمذاهب الجارية، يغرم من ليرة واحدة إلى خمس وعشرين ليرة، أو يحبس من أسبوع إلى ثلاثة أشهر.
- المادة 15: كل صاحب جرنال يستعمل ألفاظاً وتعبيرات غير لائقة بمقام السلطنة السنية، أو بمقام مولانا المعظم، أو يتعرض لحكومته السنية، يغرم من خمس وعشرين ليرة إلى مائة ليرة، أو يحبس من نصف سنة إلى ثلاثة سنين.
-المدة 21 : من طبع ذماً في سفراء الدول الأجنبية ومرخصيها وسائر مأموريها المرسلين إلى الحضرة السنية، يغرم من ليرة إلى ثلاثين، أو يحبس من 8 أيام إلى 8 أشهر.
- المادة 26 : يمنع طبع الحوادث الكاذبة تعمداً وعن سوء نية وقصد، أو نقلها ودرجها، ومن فعل ذلك ، يغرم من عشر  ليرات إلى خمسين ليرة، أو يحبس من شهر واحد إلى سنة تامة.
- المادة 31: المتضرر من مطبوعات الجرنالات ونحوها، له المحاكمة ابتداء ، أما القدح في الذات السلطانية والحكومة السنية ووكلاء الدولة العلية وفي الآداب العمومية ومحاسن الأخلاق ، فالدعوى عليه تقام من جانب الحكومة، وتحقير الأديان والمذاهب من طرف مأموري الأديان بموجب استدعاء الحكومة.
المادة 35 : هذه القوانين تعتبر دستوراً للعمل ابتداء من أول جنواري الإفرنجي سنة 1865.

وألزمت المادة الرابعة صاحب المطبوع(جرنال) الصادر في العاصمة، الأستانة، بإرسال نسخة من مطبوعه إلى مدير المطبوعات. أما من هو خارج العاصمة فيرسلها إلى الوالي.
وكذلك نص الدستور العثماني لعام 1877 في مادته الثانية عشر على أن  (المطبوعات مطلقة في دائرة القانون) لكن تنفيذ هذا النص الدستوري ضاع في دهاليز البيروقراطية العثمانية، فشكلت لتنفيذها لجنة خاصة مهمتها إعداد قانون مطبوعات جديد يتلائم معها، وترأسها Server Pasha ومعه 11 عضواً ، وبعد شهرين من العمل رفعت دراستها  الى الباب العالي الذي أحالها بدوره إلى البرلمان في 21 نيسان 1877، حيث درستها لجنة برلمانية من عشرة أعضاء، وناقشها البرلمان في 7 أيار بمشاركة ممثلي الولايات العثمانية وبينهم الحاج حسين من سوريا ويوسف زيا من فلسطين.
وأعترض النواب بشدة على بنود لائحة قانون المطبوعات الجديد، وأعتبروها بنوداً قاسية، حتى أن أحد نواب الأستانة أشار في مداخلته إلى أنها  لائحة (لا تحمل سوى العقوبات)، وكان صادقاً في رأيه لأن 29 مادة من مجموع 35 مادة كانت مخصصة للعقوبات حصراً، وتعاملت المواد الست الباقية مع شروط صاحب المطبوع، ومديره.
ولأن السلطان عبد الحميد، كما تشير البحوث التاريخية لم يكن يحب الصحف الفكاهية، فقد تضمنت اللائحة مادة تمنع مثل هذه الصحف، حتى أن رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) فرض قيوداً على نشر المطبوعات الفكاهية، وتسببت في إحدى المرات بحبس تيودور كاساب،  صاحب مجلة( Hayal) الفكاهية لمدة ثلاث سنوات لأنه تجرأ على نشر كارتوناً يسخر فيه من مشروع القانون وحرية الصحافة، في وقت كان فيه البرلمان يناقش مشروع القانون الجديد للمطبوعات.
وقد رفض أعضاء البرلمان العثماني هذه المادة المقترحة لمنع الصحف الفكاهية، بالرغم من الدفاع المستميت عنها من قبل مدير المطبوعات، مجيد بيك، ومساعد ناظر الداخلية كوستاكي ، وأصروا أيضاً على إلغاء الكفالة المالية وخفض مدة العقوبات والغرامة المالية ، ثم أرسلوا اللائحة المعدلة إلى مجلس الأعيان ومن ثم الى الباب العالي.

ولأن الباب العالي كان يصر على ما في اللائحة قبل تعديلها في البرلمان فقد أحال التعديلات إلى لجنة حكومية جديدة، أوصت بما ترغب به الحكومة، وبعدم مصادقة السلطان عليها، وهو ما إرتاح له السلطان عبد الحميد، وطلب من  سكرتيره الأول إبلاغ الصدر الأعظم بان على البرلمان إقرار اللائحة بصيغتها الأولى دون تعديل. حتى أن السلطان أشار إليها بنفسه في خطابه أمام دورة الانعقاد الثانية للبرلمان في كانون الأول 1877 ، وقال للنواب أنها ( يجب أن تسن)، فعادت اللائحة مرة أخرى الى البرلمان، لكنها لم تر النور لأن السلطان عبد الحميد أوقف في شباط 1878 العمل بالدستور وعطل البرلمان إلى أجل غير مسمى، وأتجه لممارسة الحكم الاستبدادي.
ويزعم سعيد باشا، الوزير الأعظم عام 1977 في مذكراته أنه ( حاول إقناع السلطان المصادقة على قانون المطبوعات كما عدله البرلمان، لكنه رفض)، دون أن يستذكر اللجنة الحكومية التي أوصت بعدم التصديق عليها، وهو الذي تولى منصب الصدر الأعظم تسع مرات، الثلاث الأولى منها بلقب رئيس الوزراء، في تشرين الأول 1879 وأيلول 1880 وتموز 1882 .
ويرى فيليب طرزي أن السلطان عبد الحميد الثاني كان لا يهتم بأمور الدولة بقدر اهتمامه بسلامته الشخصية والمحافظة على مركزه ، ولا يحب الصحف ، وأصدر ( أوامره بتقييد حريتها، وضيق عليها المراقبة حتى صارت جسماً بلا روح ، فما كانت تنشر سوى ما يطيب للسلطان من ألفاظ التفخيم والتعظيم والتمجيد في مدح عدالته رغم مظالمه واستبداده وسوء إدارته).حتى وصل به سوء الظن عام 1898 الى درجة ( وضع  المطابع تحت إشراف الشرطة).
ونتيجة لتعطيل السلطان العمل بالدستور والقوانين الأخرى، وجدت الدولة العثمانية  نفسها ، بحاجة إلى صيغة رسمية للسيطرة على إدارة شؤون المطبوعات، فأصدرت في 19 كانون الأول 1880 نظاماً للمطبوعات وتضمن الكثير من أحكام القانون المعطل مع تفاصيل دقيقة أخرى حول استبدال أسم المطبوع ومواعيد نشره ومحل طبعه، وتحديد المسؤولية في تحريك الدعوى القضائية ضد المطبوع ،ونصت مادته السابعة على أن صاحب المطبوع هو المسؤول الأول ، ومشتركة بينه وبين كاتب المقال إذا كان موقعاً بأسم كاتبه.
كما استبدل هذا النظام مصطلح( جرنال ) المعمول به منذ قانون 1865 الى مصطلح   ( جريدة)، وتضمنت مواده من تسلسل 10 إلى 33  عقوبات بالغرامة المالية والحبس والتعطيل، وهي المواد السائدة في هذا النظام الذي يكاد أن يكون نظاماً للعقوبات وليس للمطبوعات.
وتحت قيود هذا النظام، لم تعد الصحف قادرة على استخدام حتى جملة( قاتل الملك) إطلاقاً ، ويحظر عليها الإشارة إلى (السلطان المخلوع مراد الخامس) بعد خلعه عام 1876، وهي السنة التي شهدت شهورها تولي ثلاثة سلاطين، حكم الدولة العثمانية وهم عبد العزيز الذي خلع عن العرش ومات منتحراً، ومراد الخامس الذي خلع بعد ثلاثة شهور من توليه، وفي 31 آب 1876 تولى السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة وبقي فيها حتى جرى خلعه عام 1909.
وهكذا نسبت صحف الدولة العثمانية وفاة ملك وملكة صربيا عام 1903 الى( سوء الهضم) بينما الحقيقة أنهما ماتا قتلاً حين ألقى المتمردون بهما من النافذة بعد إطلاق النار عليهما‍، والحال نفسه مع الأميرة النمساوية، اليزابيث التي أماتتها الصحافة العثمانية ( بذات الرئة) وليس قتلاً، وغيرهم ممن مات (بالسكتة الدماغية) أو (الجمرة الخبيثة) وليس قتلاً أو مؤامرة ضدهم، مع تفاصيل أحداث أخرى أوردها الكتاب التالي:

Lewis, Bernard, The Emergence of Modern Turkey, Oxford University Press, 2nd Edition,1968,pp187-188.


ومن القصص الطريفة التي ينقلها لنا عبد الرحمن فوزي في كتابة ( الرقابة على المطبوعات في العراق ) الصادر عن  وزارة الثقافة والاعلام، ببغداد عام 1981  ما يدلل به على غباء رجال الرقابة العثمانية، ويقول، أن ( رجل الكمرك) أيام السلطان عبد الحميد كان ممن يمارسون الرقابة،  وأكتشف أحدهم ذات مرة عند تفتيشه لحقائب أحد الطلبة العائدين، كتاباً  في الكيمياء، وتصفحه فوجد في صفحاته مصطلح  ( H2O) وهو الرمز الكيماوي للماء، فأستشاط الرقيب غضباً، وصرخ في وجه الشاب العائد أنت (ضد الحكومة وضد السلطان) مما أدى إلى إصابة الطالب بالرعب لأن اختصاصه هو الكيمياء وليس السياسة، فرد الرقيب عليه (أني أعرف حيلكم ودسائسكم) فالمقصود ب(H 2 ) هو السلطان عبد الحميد الثاني، لأن الحرف الأول هو الحرف الأول من حميد، والرقم 2 يعني الثاني، أما الرقم O  فيعني أن السلطان يساوى صفراً! وقرر منع دخول الكتاب لتعرضه ( للذات السلطانية العليا).
ولم تكتف دائرة الرقابة على المطبوعات في الدولة العثمانية بتلك القيود الصارمة، بل كانت تصدر التعليمات المتلاحقة بمنع استعمال كلمة(يتبع) للمقالات الطويلة،ومنع نشر الشكاوى، والأخبار ضد ملوك الدول الأجنبية،وبقي الحال على ما هو عليه دون تغيير حتى انقلاب عام 1909 وعزل السلطان عبد الحميد الثاني، والذي سماه المؤرخون ( الانقلاب الدستوري)، وحدث تغيير مؤقت لم تلبث جمعية الاتحاد والترقي بعده وأن عادت الى الأسلوب الحميدي الاستبدادي السابق في قمع الصحافة.
وأصدرت سلطات الانقلاب في البداية سلسلة من القوانين والأنظمة لتكون بديلة عن سابقتها، وأدخلت أحكاماً جديدة لنظام المطبوعات  الصادر في 11 رجب 1327 هجرية، الموافق 29 تموز 1909 ميلادية ، وفسح بعضها المجال لكل من يرغب، بإصدار مطبوع ما دون الحاجة للحصول على الإجازة الرسمية، بل مجرد( إبلاغ نظارة الداخلية ) بتصريح موقع بأسم صاحب المطبوع وأسم مديره المسؤول في الأستانة، وإلى الولاة والمتصرفين في الولايات.أي أن نظام المطبوعات هذا قد ألغى شرط الإجازة المسبقة المعمول به في النظام الحميدي .
ومن المرجح أن هذه المادة هي التي أتاحت لعدد من العراقيين، ومنهم الوالد ، إبراهيم صالح شكر، فرصة إصدار صحف عراقية كثيرة في الفترة ما بين الانقلاب عام 1909 والحرب العالمية الأولى في 1914، لكن هذا التغيير الذي وصفه المؤرخ عبد الرزاق الحسني (بنسيم الحرية)، وغيره وصفها ( بالنهضة الفكرية والثقافية الواسعة) ، لم يستمر طويلاً فأنقلبت عليه السلطات العثمانية التي أصدرته، وهي جمعية الاتحاد والترقي التي تبنت سياسة طورانية تهدف الى تتريك كل ما هو غير تركي في ولايات الدولة العثمانية، وعادت الى استخدام شرط الإجازة لإصدار المطبوع، ومارست القمع والحبس والنفي والإبعاد لصحفيي وكتاب الولايات ، ومن بينهم عدد كبير من العراقيين.
وعدلت حكومة جمعية الاتحاد والترقي قانون المطبوعات لعام 1909 عدة مرات، ثلاثة منها في ثلاث سنوات متتالية، 9 آذار 1910 ،و2 آب 1911، وفي عام 1912 ، ثم تعديل رابع في آب 1914. وأحتفظ بين مقتنياتي التاريخية الخاصة، بنصوص هذه التعديلات كاملة ، ولذلك فأن دراستي لقوانين المطبوعات العثمانية بعد انقلاب عام 1909 تعتمد أساسـاً على هذا القانون والنظام اللذين أصدرتهما حكومة جمعية الاتحاد والترقي، ثم أنقلبت عليهما !
وتضمن نظام المطبوعات لعام 1909 ، 37 مادة رئيسية، ومادة مؤقتة واحدة، جاءت في أربعة فصول، تحت عناوين( كيفية النشر، والعقوبات، والقدح والإهانة، ومواد متفرقة). فألزمت المادتان الأولى والثانية جميع الصحف ، اليومية وغير اليومية، بأن يكون لها ( مديراً مسؤولاً عمره 21 عاماً على الأقل، ويعرف اللغة التي تكتب بها الجريدة) ، بينما ألغت المادة الثالثة شرط الحصول على الإجازة الحكومية لإصدار المطبوع ، ونصت على ما يلي :
( على كل من يريد نشر جريدة أو نشرة يومية أو غير يومية أن يرفع إلى نظارة
الداخلية تصريحا مخطوطاً موقعاً بأسمه وأسم المدير المسؤول في الأستانة،
وإلى الولاة والمتصرفين في الولايات، يتضمن عنوان المطبوع ،ومحل نشره
ونوعه وأوقات صدروه واللغة التي يصدر بها).

وهذه هي المرة الأولى التي يلغى فيها شرط الحصول على موافقة الحكومة لإصدار المطبوعات بعد أن كان قانون 1865 ينص على الحصول على موافقة نظارة المعارف العمومية، أي وزارة المعارف .
وفي الفصل الثاني من نظام 1909 جاءت أحكام العقوبات في 16 مادة، وتتضمن ما هو محظور نشره، وما هو مسموح به، فألزمت المادة الثامنة( إرسال نسختين من كل عدد) وفي يوم الطبع إلى أكبر مسؤول إداري ينتمي إلى نظارة الداخلية، وإلى المدعي العمومي ، وفرضت غرامة قدرها ( نصف ليرة عثمانية) على كل عدد لا يتم إرساله .
وحمّلت المادة الحادية عشر ، المدير المسؤول أولاً ، ثم صاحب المطبوع إذا كان أسمه منشوراً، وبعدهما صاحب المطبعة  ، والبائع ( الموزع) ، مسؤولية ما تنشره الصحيفة، فيما حظرت المادتان الثالثة عشر والخامسة عشر،نشر القوانين والأنظمة قبل إعلانها الرسمي وجلسات المحاكم السرية، تحت طائلة عقوبة الغرامة المالية من ليرتين إلى عشر ليرات، وحجز الصحيفة عند الحاجة.
وتعاملت المواد من تسلسل 16 إلى 20 مع نشر المقالات المعادية للأديان ، وما يحرض على ارتكاب الجرائم، والتهديد للابتزاز المال، والمس بالكرامة والشرف، والأخبار المزورة والمحرفة، والرسوم المخلة بالآداب العامة ، وفرضت عقوبة الحبس من شهر إلى سنة ، أو الغرامة من 20 ليرة إلى مائة على المخالف لما يتعلق بالأديان ، واعتبار المحرض على الجريمة كمرتكب الجريمة نفسه ، وفي حالة عدم وقوع الجريمة بالرغم من التحريض، فيبدل العقاب إلى النفي المؤبد. وفي حالة الابتزاز المالي ، يعاقب المخالف بالحبس ما بين ثلاثة أشهر وثلاث سنين، والغرامة من عشر ليرات الى مائة، وعن نشر الأخبار المزورة بالحبس من ستة أشهر إلى سنة، وعن نشر الصور المخلة بالآداب العامة بالغرامة فقط من ليرتين إلى عشر ليرات.
وحافظت الحكومة بالمادة 23 من نظام 1909 على حقها في تعطيل المطبوع بعد محاكمة المدير المسؤول عن نشر أخبار التحريض على الجريمة، إذا ( ما اقتضت الراحة العمومية ذلك)، لكنها منحت المدير المسؤول حق طلب التعويض عن( الخسارة التي أصابته بسبب التعطيل). وقد غاب حق التعويض عن جميع قوانين المطبوعات العراقية التي صدرت بعد عام 1931 ، بل كانت تلك القوانين تسمح للمحكمة( بحجز التأمينات المالية) حتى يدفع الصحفي المحكوم الغرامة المالية  المفروضة عليه.
ولم تستثن المادة 24 من نظام 1909 في أحكامها الجزائية أية وسيلة من وسائل النشر، بما في ذلك (الصور والمقالات والأوراق المخطوطة أو المطبوعة ، المباعة أو الموزعة في المحلات العمومية وأماكن الاجتماع، والجداول، والإعلانات التي تعرض على أنظار العموم).
وخصص الفصل  الثالث، ست مواد ( للقدح والإهانة) ، ونصت المادة 25 منها على أن القدح هو كل( ما يعزى إلى شخص أو إلى هيئة ما من حادثة معروفة تمس بشرفه أو بسمعته) ، أما (الإهانة) فهي ( ما يعزى إليه بدون الاستشهاد بحادثة معروفة)، ووزعت المواد الخمس الأخرى حالات القدح والإهانة ، الموجهة إلى السلطان ، والملوك ورؤوساء الحكومات الأجنبية، وأسرة السلطان، وأعضاء مجلس الأعيان والنواب، والجيش والبحرية، وقناصل الدول الأجنبية ، والأهالي ، والوزراء ، وفرضت عقوبات تتراوح ما بين ثلاثة اشهر الى ثلاث سنين ،لإهانة السلطان، وشهر إلى سنة لإهانة الملوك الأجانب، و15 يوماً إلى ستة أشهر أو الغرامة من خمس ليرات إلى خمسين لإهانة أعضاء البرلمان والجيش والبحرية والقناصل الأجانب.
وفي تعديل عام 1912، حظر نظام المطبوعات على الصحف نشر كل ما يرسله لها،ضباط الجيش والبحرية والمتقاعدون منهم من آراء سياسية أو انتقاد السلطات العسكرية تحت طائلة عقوبة حبس المدير المسؤول الذي يتكتم على اسم وهوية الضابط الذي أرسل المقال .
ووردت سبع مواد متفرقة في الفصل الرابع تختص بطبيعة المحاكم التي تنظر في المخالفات الصحفية، وطريقة إقامة الدعوى، وهوية المجلات الأدبية والعلمية والمطبوعات الأجنبية. فحصرت بالمحاكم العادية صلاحية النظر في الدعاوى ، ولكن خولت المدعي العام المرافعات ذات الصلة بالقدح والإهانة ضد السلطان وأسرته، والإساءة للأديان، والتحريض على الجريمة ، ونشر الرسوم المخلة بالآداب ، وأن يثير المدعي العام بعد تلقيه مذكرة من وزارة الخارجية ، الدعاوى التي تتعلق بالملوك والقناصل الأجانب ، بينما تجري المحاكمات في قضايا إهانة النواب والهيئات الرسمية والجيش والبحرية وفقا لشكوى تحريرية توجه إلى وزارة العدلية ، من رؤوساء هذه الدوائر، ومن قادة الجيش . ومنع نظام 1909 إقامة الدعوى بعد مضي ثلاثة أشهر على تاريخ النشر ، كما منعت المادة 33 نشر حركات الجيش في البر والبحر إذا كانت الحرب وشيكة إلا بإذن خاص من الصدر الأعظم ، ومعاقبة المخالف بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، أو بالغرامة من خمسين إلى 200 ليرة ، أو بكلتا العقوبتين معاً.
وأعتبرت المادة 34 المجلات الأدبية والعلمية، كل ( الكتب) ، وخولت المادة 35 مجلس الوزراء منع الصحف والمجلات الأجنبية من التوزيع في الدولة العثمانية، بينما ألغت المادة 36 قانون المطبوعات الصادر في 2 شعبان سنة 1281 هجرية، الموافق 4 كانون الثاني عام 1865 ميلادية، والذي سبق للسلطان عبد الحميد وأن عطل العمل به ، ومنح نظام المطبوعات لعام 1909 المعدل ، أصحاب الصحف والمجلات القائمة فترة شهر واحد لمراعاة أحكامه.
وخضع نظام 1909 وفي أوقات متقاربة جداً لعدة تعديلات، وكما يلي:
-القانون المؤقت في 16 فبراير 1328(1912)
- القانون المؤقت في 3 مارس 1328 ( 1912 أيضاً)
- القانون المؤقت في 9 مارت 1329 ( 1913)
- القانون المؤقت في 9 نوفمبر 1329( 1913 أيضاً)
- القانون المؤقت في 25 أغسطس 1330 (1914) .

وقد لجأت الحكومة الانقلابية العثمانية الى هذه التعديلات المتتابعة لأنها لم تكن تتحمل ما تكتبه صحف تلك الأيام ، فشددت القيود وبطريقة أدت إلى أحياء القيود الاستبدادية التي مارسها السلطان السابق عبد الحميد الثاني.
وعندما وجد بعض أعضاء مجلس المبعوثان بالأستانة أن تلك القيود قد خنقت الصحافة ، أثاروا التعديلات في مناقشات حادة شارك فيها نائب البصرة سليمان فيضي ، وقال ( أننا نقتل أذكى كتابنا ونخرس الأقلام ونسلب الناس حرية الكلام، ثم ندعي أننا نعيش في بلاد دستورية حرة ... فلماذا لا تشدد الحكومة هذا التشديد على المجرمين والقتلة بدلاً عن الكتاب القديرين وأرباب الأقلام الحرة) ، بينما قال نائب بغداد، الشاعر جميل صدقي الزهاوي أن أحكام نظام المطبوعات أصبحت ( ترمي إلى محاكمة الكتاب والمفكرين قبل المجرمين واللصوص)، كما يؤكد رفائيل بطي.
ويبدو أن تعديل 9 مارت 1329( 1913) كان أكثر التعديلات التي تركت آثارها على الصحافة العراقية لاحقاً ، واستخدمت الدولة العراقية أحكامه باستمرار والتي ألزمت صاحب المطبوع( أن يؤدي على وجه التأمين عن الجريدة والنشرة السياسية خمسمائة ليرة من الذهب في العاصمة، ومائة ليرة في الولايات ، وعن المجلات مائتي ليرة في العاصمة، وخمسين ليرة في الولايات) مع استثناء المطبوعات السياسية القائمة عند نفاذ هذا التعديل ، وبالتالي ألزم المطبوعات السياسية الجديدة فقط. كما ألزم التعديل المذكور أية صحيفة أن يكون لها ( مدير مسؤول مأذون من المكاتب العالية أو مجازاً بالدرس أو حائزاً الشهادة من المكاتب الإعدادية التي جعلت التدريس سبع سنوات)، وحظرت فقرة جديدة أدخلت على المادة الثالثة ، على أعضاء مجلس الأعيان والنواب وموظفي الدولة تولي منصب المدير المسؤول لأي مطبوع .
وفي التعديل  في 3 آذار 1912 منح نظام المطبوعات ( حق التأليف ) لكل ما ينشر في الصحافة   ( لصاحبه أو لورثته من بعده) .
مع تحيات: الدكتور مليح صالح شكر
malihss@yahoo.com
*http://www.algardenia.com/maqalat/3246-2013-02-23-19-29-31.html

عطا عبد الوهاب :دبلوماسي عراقي مخضرم

قاموس في كلمات :
****************ابتدأته في جريدة فتى العراق (الموصلية ) سنة 2003 بعنوان :"قاموس فتى العراق " وبدون ذكر اسمي الصريح واكمله هنا في صفحتي على الفيسبوك ...ابراهيم العلاف
..................................................................................
عطا عبد الوهاب :دبلوماسي عراقي مخضرم خدم في السلك الدبلوماسي العراقي في العهد الملكي والعهود التالية وبعد الاحتلال الاميركي -البريطاني للعراق 2003 عين سفيرا للعراق في الاردن ليحل محل السفير الاسبق الدكتور صباح ياسين الذي يعمل حاليا استاذا في احدى الجامعات الاردنية .من مواليد عام 1924 تخرج من كلية الحقوق في بغداد عام 1944. زاول اولاً العمل في القضاء ثم في وزارة الخارجية عام 1950.كان عضواً في مكتب العراق الدائم في الامم المتحدة في نيويورك.كما مثل العراق في لجان الجمعية العامة المختلطة ولا سيما في اللجنة السادسه المسماه اللجنة القانونية.
في عام 1955 انتقل الى السفارة العراقية في بيروت بدرجة سكرتير اول .في عام 1957 نقل الى الديوان الملكي في بغداد بمنصب السكرتير الخاص للملك فيصل الثاني والأمير عبدالأله .
من مؤلفاته :
سلالة الطين
هوامش على السلالة
الترجمات وأهمها :-
احتلال حضاره , أعوام الرمادة , سيرة عمل سياسي , الامير عبد الاله صوره قلمية
ربح الحرب وخسارة السلام
ازمة الحضاره الاسلامية
ترجم عدة روايات عالمية
لديه العديد من القصائد الشعرية
حصل على وسام الاستقلال من الدرجة الاولى من جلالة الملك عبدلله بن الحسين

حزب الفضيلة الاسلامي : تأسس بعد التاسع من نيسان 2004

قاموس في كلمات :
****************ابتدأته في جريدة فتى العراق (الموصلية ) سنة 2003 بعنوان :"قاموس فتى العراق " وبدون ذكر اسمي الصريح واكمله هنا في صفحتي على الفيسبوك ...ابراهيم العلاف
.....................................................................................
حزب الفضيلة الاسلامي : تأسس بعد التاسع من نيسان 2004 في العراق وأمينه العام الدكتور نديم عيسى الجابري وهو مؤلف كتاب :"الفكر السياسي لثورة 1920 في العراق " الكتاب بالاصل رسالته للماجستير .شارك الحزب في المؤتمر الذي دعت الامم المتحدة الى انعقاده في بغداد لتقديم الاستشارة للحكومة العراقية المؤقتة .يعتمد الحزب مبدأ الانتخاب اساسا ويسقط مبدأ التعيين الذي اعتمد طويلا في العراق قبل 2003 .ابراهيم العلاف

ادوارد سعيد :كاتب عربي فلسطيني امريكي الجنسية

قاموس في كلمات :
****************ابتدأته في جريدة فتى العراق (الموصلية ) سنة 2003 بعنوان :"قاموس فتى العراق " وبدون ذكر اسمي الصريح واكمله هنا في صفحتي على الفيسبوك ...ابراهيم العلاف
.........................................................................................
ادوارد سعيد :كاتب عربي فلسطيني امريكي الجنسية 1935-2003 .في ايلول 2003 رحل عن دنيانا بعد ان نال شهرة عالمية من خلال كتبه ودراساته التي اثارت الكثير من الجدل وقد ترجمت الى لغات متعددة لعل ابرز ما كتب "الاستشراق 1978 ،القضية الفلسطينية 1979 ، تغطية الاسلام 1981 ،الثقافة والامبريالية 1993 ،السلطة ،السياسة ، الثقافة 2003 .خسر العرب برحيله واحدا من اهم المدافعين عن الحق الفلسطيني ...متنوع الاهتمامات لكن القضية الفلسطينية ظلت البؤرة المركزية في تفكيره واعماله .ابراهيم العلاف

الفن المفاهيمي بقلم : حكم ناطق الكاتب

الفن المفاهيمي
بقلم : حكم ناطق الكاتب

المفهــوم :
يشير (أمهز ) إلى أن نشاة الفن المفاهيمي ـ على نطاق واسع ـ ترتبط بالمعرض الذي أقيم في متحف ليفركوزن (Leverkusen) في ألمانيا عام 1969،" وأطلق عليه اسم مفهوم conception"(2009:483). ويذكر (أمهز )أن عبارة فن مفهومي صارت:"مدلولاً أو معادلة لمادة مدونة معقدة، أو رسالة غامضة من الفنان،...،...، حيث تصبح الفكرة الهدف الفعلي بدلاً من العمل الفني نفسه، أي أن الفن المفهومي يمثل من هذه الزاوية مرحلة من النشاط مابين الفكرة والنتاج النهائي، تشكل الجزء الأهم في عملية صناعة الفن"(2009:484). ويذكر آل وادي أن الفن المفاهيمي هو:" حال تحويل فكرة ما وجعلها ملموسة "( 2011:335). وقد أحدث الفن المفاهيمي تحولات نوعية في مفهوم الفن الذي يعتمد على المهارة الفنية، ويهدف إلى إنتاج شيء جميل، وفي مفهوم العمل الفني الاستهلاكي، ووسائل التعبير الفني، فضلاً عن دور الفنان. كما سعى رواد المفاهيمية إلى التنكر للتقاليد الفنية، ومحاولة التحرر من القيود الاجتماعية والثقافية، وإعادة الاعتبار للمضمون، فضلاً عن "دمج الفن بالحياة"(أمهز،2009:483).
فالفن المفهومي كما يراه أتباعه ـ وفق تعبير أمهز ـ هو:" المفهوم فن، وينظر إليه من حيث هو مبدأ موضوعي، وهو لا يدل إلا على استقصاء هذا التصور لكلمة فن خارج أي اعتبار قصصي أو تعبيري، فالشيء ـ الشيء الفني ـ يزول كليا ليأخذ مكانه تحليله: ماهو الفن؟ ، وإذ يعتبر الشيء الحسي بديهيًّا، فلأنه لا يحتفظ سوى بالإدراك المفهومي لهذا الشيء" (أمهز،2009:486).
النشــأة :
نشأ الفن المفاهيمي بفعل عوامل عدة أبرزها: ردة الفعل النفسية على الحربين الكونيتين الأولى والثانية، والتطور العلمي والتكنولوجي، وكذلك التأثر بالحركات الفنية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين مثل السريالية، والتعبيرية التجريدية، ومحاولات مارسيل دوشامب في العقد الثاني من القرن المنصرم على أخص، والحركة الدادية الجديدة، والفنانين الفرنسي ايف كلين، والإيطالي مانزوني اللذين اعتبر نشاطهما بمثابة حلقة الوصل" مابين الدادية في مختلف مراحلها والفن المفهومي"(أمهز،2009:483). وسعى هذا الفن إلى لفت الانتباه تجاه عالم اليوم"وما يشهده من تفكك واسع النطاق"(آل وادي، والحسيني،2011:337). ويشير أمهز إلى أن النماذج الأولى للفن المفهومي (conceptual art) ظهرت حوالي مابين (1965ـ1966) ، وقد جاءت هذه النماذج " كأعمال فنية لا وظيفة لها، أو رسالة سوى تحديد نفسها"(2009:482)، وتمثل لوحة الفنان كوزت (Kosuth) المسماة تصوير واحدة من تلك النماذج، وهي عبارة عن صورة فوتوغرافية مكبّرة لتفسير كلمة Painting)) كما وردت في القاموس (أمهز،2009). كما يشير أمهز إلى أن التيارات الفنية الجديدة تمثلت " للمرة الأولى على نطاق واسع في المعرض الذي أقيم سنة 1969 في متحف ليفركوزن (Leverkusen) في ألمانيا عام 1969، وأطلق عليه اسم مفهوم conception"(2009:482). وتلا ذلك تنظيم معارض أخرى في عدد من المدن الأوروبية، والأمريكية " شارك فيها فنانون من مختلف أنحاء العالم يمثلون تيارا فنيا طليعيا كان قد مهد له مارسيل دوشامب"(2009:483). ومن رواد المراحل المبكرة للفن المفاهيمي الأكثر شهرة : جوزف كوست Joseph Kosuth, ، روبرت موريس Robert Morris، جوزيف بويس Joseph Beuys، ورامسدن ميل Mel Ramsden (Schellekens,2007).
الأساليب أوالاتجاهات المفاهيمية : يذكر آل وادي أن الفن المفاهيمي يتضمن العديد من الممارسات والاتجاهات الفنية مثل" فن الجسد، فن الأرض، الفن لغة" (2011:338)، وجميعها تذهب إلى قطع الصلة مع الموروث، والتخلص من اشكال الفن التقليدية، وطرق استهلاكه، مع"إبراز الواقع كما هو كقيمة جمالية"(آل وادي، والحسيني،2011:338). وقد سعت هذه الاتجاهات إلى الابتعاد عن العمل الفني التقليدي، واستبدل الفنان اللوحة والتمثال "بالأفكار والمفاهيم والمعلومات التي تمس الفن"(آل وادي، وعبادي،2011:181). وشملت أدوات هذا الفن" المقترحات المكتوبة، والصور الفوتوغرافية، والوثائق، والخرائط، والرسوم البيانية، والفيلم، والفيديو، وأجسام الفنانين أنفسهم، واستخراج اللغة نفسها"(آل وادي، وعبادي، 2011:181). وأصبح الفنان"يتمتع بفضاء واسع من الحرية جراء التعبير بأشكال ومواد يبتكرها لنفسه تمثل أشياء هي من نتاج الحياة اليومية المعاصرة"(آل وادي، والحسيني،2011:335). كما بدأ العمل الفني" يرتهن تماماً لتقنيات الحياة الحديثة"(آل وادي، والحسيني،2011:335).
1ـ فن ولغة :
يشير أمهز إلى أن العمل الفني في نظر أحد ابرز ممثلي هذا الاتجاه جوزف كوزت Kosuth ، وفي نظر جماعة فن ولغة أيضاً يمثل" نقطة التقاء بين عدة مناهج اتصالية: الصورة واللغة تلتقيان في الكتابة، الوسيلة التي تجعل الكلمة مرئية،...،...، واعتبروا أن التقويم الجمالي ليس غريباً عن وظيفة الشيء فحسب، بل يبعده عن مبررات تمثيله، فهم يعتقدون أن محور الفن قد انتقل منذ مارسيل دوشامب من شكل اللغة إلى اللغة نفسها"(2009:486). و يذكر أمهز أن جماعة فن ولغة أسست مجلة في إنجلترا سنة 1969 تحمل ذات المسمى، غير أن الجمع بين كلمتي( فن)، و(لغة) لا يشير إلى " ممارسة الكلام باعتباره فنًّا، بل إلى تطبيق اللغة على تحليل الفن"(2009:486).
2ـ النقـاش فـن :
بهدف توضيح أهدافهم استخدم الفنانين المنضوين تحت عباءة الفن المفاهيمي"الصور الفوتوغرافية، والميكروفيلم، والنصوص المدونة"(أمهز،2009:488)، واستخدموا أيضاً" مجموعة كبيرة من الكتيبات، والأشرطة المسجلة، ووثائق أخرى تتعامل كلها مع طريقة النقاش حول الفن”(أمهز،2009:488). كما عمد بعضهم إلى " إدخال الأبحاث اللغوية ، والفلسفية، والاجتماعية في نصوصهم المدونة شعوراً منهم بأن دور الفنان قد بات هامشيًّا، وأنه لابد من تخطي هذا الدور باللجوء إلى لغة جديدة متخصصة"(أمهز،2009:488).
3ـ فـن الأرض :
انعكس الفن المفاهيمي على بعض الأنشطة التي يحتل فيها التوثيق دوراً كبيراً، وتوظف فيه الصور الفوتوغرافية، وشرائط الفيديو، وغيرها من الوسائل التي تساهم في تحويل " مفهوم الفن بصفته شيئا مجسداً ماديّا إلى مفهوم يجعل الفن وسيلة استعلام فيزول العمل الفني، ولا يبقى منه سوى الذكرى، ويحل الاتصال محل الملكية"(أمهز،2009:488). وقد امتد تأثير هذا الاتجاه على ما يعرف بفن الأرض(Land Art) حيث بات فن النحت يمارس مباشرة في الطبيعة نفسها، كما اقتصر النشاط الفني لبعض الفنانين على التجول بين أحضان الطبيعة، وتأملها، والتقاط الصور الفوتوغرافية. وهكذا تخطى العمل الفني قاعة العرض، و" لم يعد يرتبط، أو يتمثل بأي أثر تزييني، أو نظام معماري، بات تساؤلاً ذا أبعاد فكرية، ونفسانية جديدة على علاقة بالتجربة المباشرة"(أمهز،2009:489). وأصبح فن الأرض يعبر عن" التداخل مع الطبيعة بعد أن تجدد مفهوم الفنان لها"(أمهز،2009:488). غير أن الفنان انتقل بعد ذلك لمواجهة الطبيعة للتعبير من خلال العمل عن " سلوك ضروري لمواجهة هذا المدى الأولي، والمتوحش الذي أبعدتنا عنه حضارتنا روحيا، وجسديا"(أمهز،2009:490).
4ـ علم آثار الحاضر:
يذكر أمهز أن نطاق التوثيق الفوتوغرافي اتسع ليشمل "تسجيل مظاهر مختلفة من حياة المجتمعات المعاصرة،...،...، وهو إذ يلجأ إلى علم آثار الحاضر، وإلى دراسة الأجناس البشرية للحياة اليومية، وإلى جمع العاديات الحديثة ،المبتذل منها والتافه، والزائل، والفريد،إنما ليٌعبر عن مأساة الإنسان المعاصر، ويطرح تساؤلات مُقلقة حول مصيره"(2009:491). ويضيف (أمهز )أن الفنان المفاهيمي ربما كان يهدف إلى إعادة " بناء داخل محرر من أي قيود انطلاقاً من التحليل المنهجي للعالم الخارجي، بحيث يتحول العمل الفني إلى مرآة يمكن للفنان المبعد عن الواقع أن يرى نفسه فيها"(2009:492).
5ـ فن الجسـد: يؤكد فن الجسد(Body Art) " فكرة الحياة التي تتحول إلى عمل فني"(آل وادي، والحسيني،2011:344)، وترافق ظهور هذا الفن "مع ظهور مجموعة من التوجهات التشكيلية التي قدمت الفن كفكرة،...،...، كمحاولة للاحتفال إبداعيا بالجسد وجعله مكونا تكميليا للعمل الفني"(آل وادي، والحسيني،2011:342). حيث شكل الجسد مادة العمل الفني الأساسية، ومحور"اهتمامات الفنان المفهومي بعد أن تخلى عن كل المقاييس الجمالية، أوالأخلاقية، واقترب من الحدوثية"(أمهز،2009:493).
6ـ الفن الحركي:
يذكر آل وادي أن الفن الحركي ارتبط بمجال" النحت الحركي الذي يحتوي على أجزاء متحركة مطعمة بمحركات تشتغل بالهواء، أو بطريقة يدوية، ويعود أصل الفن الحركي إلى عجلة للدراجة لمارسيل دوشامب،...،...، بالإضافة إلى ألكسندر كالدر"(آل وادي، والحسيني،2011:372). اتجه الفن الحركي ـ كما يذكر آل وادي ـ نحو" نمطين من التعبير تربط بينهما منهجية واحدة: هما البنية المبرمجة، والصورة المتبدلة حركيا"(آل وادي، والحسيني،2011:373). و يشير آل وادي إلى أن " التحول الذي شهده الفن في إدخال خامات ومواد مهمشة متمثلة،...،...، كان لها الشغل الأكبر في تمثل الحركة بآلية اشتغال صناعية في فن مابعد الحداثة"(آل وادي، والحسيني،2011:376). كما يشير آل وادي إلى أن " تعدد التقنيات المستخدمة، واختلاف الآليات المتبعة في نتاجات الفن الحركي جاء نتيجة الرغبة في مواكبة التطور العام، وما رافقه من تحول في مفاهيم الإنسان، وعلاقته بالعالم، ومفهومه للكون، والسرعة، والزمن"(آل وادي، والحسيني،2011:378).
7ـ النحت التجميعي:
يشير آل وادي إلى بدء التحول" الذي أحدثه استخدام المادة في النحت المعاصر، مع استخدام الأشكال الجاهزة الذي جاء مع أعمال مارسيل دوشامب،...،...، وفيه تحرر النحات من الخامات التقليدية، حيث استخدم طرقا، وأساليب جديدة في استخدام مخلفات الصناعة لصياغة قوالب فنية تميزت بالإبداع، والتجديد"(آل وادي، والحسيني،2011:379). كما يشير آل وادي إلى " تحول التعبير البيئي في عصر التجميع من مهارة حرفية للفنان في استخدام المواد التقليدية،...،...، إلى استخدام أي شيء يمكن أن يحقق ذاتية، وخلق جديد، ويعطي تعبيراً عن صيغة مبتكرة في استخدام المستهلك، والمستعمل من النفايات، والمواد اليومية"(آل وادي، والحسيني،2011:380)

#إسهامات الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد في كتابة التاريخ العباسي..رسالة ماجستير بقسم التاريخ - كلية التربية - جامعة الموصل

#إسهامات الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد في كتابة التاريخ العباسي..رسالة ماجستير بقسم التاريخ - كلية التربية - جامعة الموصل ناقش قسم التاري...