حين كتب سالم عبد الرزاق عن حسن البزاز وشعره
الصوفي !
ا.د.ابراهيم خليل العلاف*
وابتداء ،
أقول ان الأستاذ سالم عبد الرزاق الطائي 1929-2009 ، كاتب ، وباحث ، وصحفي ،
ومفهرس .يحمل دبلوما في الصحافة من كلية الصحافة -القاهرة 1956 .عمل مديرا لإوقاف
الموصل ، وكان أستاذا في علم التجويد أجاز عددا من التلاميذ ، وله مؤلفات منها
كتابه المعجمي ( فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة في الموصل) ، ويقع في تسعة
مجلدات ، وصدر سنة 1975 .كان اخي وصديقي رحمه الله ، وكان نشيطا ، وفاعلا ، وله حضور طاغٍ في المشهد الثقافي العراقي
المعاصر وخاصة في الموصل .
مرة ؛ قرأت له مقالا جميلا عن الشاعر الكبير
الملا حسن البزاز 1845-1887 ميلادية في جريدة (نينوى ) الموصلية عدد 12 أيار - مايو
سنة 2000 أي قبل اكثر من ربع قرن ، واعجبني جدا وما زلت محتفظا به ، فقد اوفى
الشاعر المتصوف الزاهد الموصلي الكبير الملا حسن البزاز حقه ، ووقف عند شعره ، وتصوفه
، وزهده وقال انه تعرف على شعره ، وهو لما يزل في مطلع شبابه ، وكثيرا ما كان يترنم
به لانه كان يتميز بالعذوبة ، والرقة ، والخاصية الموسيقية .فضلا عن ما كان فيه من
وجدانيات ، ومعاناة ، وتعلق بالله وبالحب وبالصدق الإنساني .
ويقول هذا ليس غريبا على الملا حسن البزاز ؛ فهو
بنسبه يرجع الى اسرة خزرجية ترجع الى الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه . ومن
شيوخه الشيخ صالح بن طه الخطيب .كان حسن البزاز متصوفا . وظهر هذا في شعره ومواقفه
.زهد في الدنيا ، وخلد الى المناجاة ، فجاء شعره "دقيق الحس ، رقيق النفس"
، فذاع إسمه ، وانتشر شعره ليس في الموصل
والعراق بل وفي كثير من المدن العربية .
قال في مناجاته الإلهية :
الى بابك العالي رفعتُ حوائجي * وجئت بطه
المصطفى أتشفعُ
سألتك بالفضل الذي انت أهله * وان لم أكن
اهلا لما فيه أطمعُ
أذقني شراب العفو عني فإن يكن * قد اتسع
المطلوب فالفضل اوسع
فمن يسمع المضطر غيرك ان دعا * ومن يكشف
البلوى سواك ويرفع
أجرني من الكرب العظيم فإنني *لبابك ربي جئت
بالذل أضرع
كان يحسن اعتماد مجازات اللغة العربية ، ويعرف
إمكاناتها البلاغية في التعبير يقول :
هذا الغرام وهذه الاشواق * فلتقتدري بصبابة العُشاقِ
ما لاح من نحو الاجنة بارق * إلا وقلبي في
الحشى خفاق ُ
ومن قوله من قصيدة نظمها والموصل الخضراء
تتحول الى بيضاء بعد سقوط الثلج سنة سبع وسبعين بعد المائتين والالف للهجرة (1860)
ميلادية :
تجلى علينا عارض غير ماطر * ولكنه بالثلج عم
النواحيا
فأصبحت الخضراء بيضاء قد زهتْ * وعادت رباها
والبطاح كواسيا
يقول المرحوم الأستاذ سالم عبد الرزاق ان معاناة
شاعرنا البزاز كانت على قدر كبير من الكثافة ، والثقل حتى انها ساقته الى الشيخوخة
وهو بعد في عز شبابه ، فكانت كلمات الشيب والمشيب والكهولة تترى في قصائده . وثمة
نصوص تؤكد على المستوى النفسي لهذا الإحساس بفعل الزمن في الانسان اذا ما ابتلي
بالعشق والمعاناة :
وما انا والهوى العذري لو لا * عذارى في
الحمى تسبي القلوبا
وما انكرت اذا عرضنا عني* غداة المنحنى الا
المشيبا
وما ان شبت من كبر ولكن * هو هم يجعل الولدان
شيبا
ويقول :
ألا
لامني الاصحاب يوم سويقة * وما عرف الاصحاب فيمن غراميا
الا ليت شعري ساعة النفر بالحمى * فقدت حبيبي
أم فقدت فؤاديا
الفت الهوى طفلا فشابت عوارضي * لعشرين من
عمري فأين شبابي ؟!
قسوة الظروف ، وظلم الزمان ، وتعثر الحظ ، وسوء الحال كل هذا عبر عنه في شعره
. ومن ذلك قوله وفي قوله حكمة :
كم جاهل يحظى بكل منى * وعاقل غافل مازال
محروما
هذا الذي زاد اهل العلم معرفة * والزم المسلم
الاداب تسليما
وعن مهنته البزازة يقول :
وقعت من البزازة في خمول * اطال علي الزمان
به عتابي
ايسلبني الزمان ثياب عزي * واكسو اهله ُجدد
الثيابِ
كان حسن البزاز ، وقد توفي وعمره لايزيد عن
ال 44 سنة ، شاعرا عالما اديبا ؛ لهذا كانت وماتزال قصائده ترددها منائر الموصل ومنتدياتها ، ومناسباتها الدينية والاجتماعية حتى أصبحت تجري على الالسنة مجرى الامثال
والحكمة . رحم الله البزاز حسن ، وطيب ثراه
*كاتب وصحفي واستاذ التاريخ الحديث والمتمرس –
جامعة الموصل


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق