الخميس، 19 فبراير 2015

آثارنا المنهوبة بقلم : الاستاذ سامي مهدي

ذكريات (59)

آثارنا المنهوبة


بقلم : الاستاذ سامي مهدي 

شهدت عدة متاحف كبرى في العالم ، ورأيت فيها ما رأيت من آثار العراق المنهوبة التي استأثرت بها ، وتقاعس أهلونا في المطالبة بها واستردادها ، ومنها المتحف البريطاني في لندن حيث جدارية صيد الأسود ، ومتحف اللوفر في باريس حيث مسلة حمورابي ، ومتحف برغامون في برلين حيث بوابة عشتار .
حين نقلت 1977 إلى العمل مستشاراً صحفياً ومديراً للمركز الثقافي العراقي في باريس زرت متحف اللوفر مراراً ، بمفردي أو بصحبة آخرين ، ورأيت في المتحف أكثر من صالة تكتظ بالآثار العراقية  ، وكنت في كل مرة أزور فيها المتحف أزور هذه الآثار ، وأقف أمام مسلة حمورابي وتماثيل غوديا المتعددة باعتزاز ، وأتطلع في وجوه بقية الزوار ، وأهم ، أو أكاد ، أن أقول لمن حولي من الأجانب : هذه آثارنا !
كنت أتألم ، وأكثر ما كان يؤلمني أن الإسم الذي يتصدر هذه الصالات هو اسم العراق التاريخي ، ميزوبوتاميا ، وليس اسمه الحالي . وذات يوم من أيام عام 1978 زرت المتحف فخطر لي في أثناء الزيارة خاطر نفذته في اليوم التالي ، فقمت بتوجيه كتاب إلى إدارة المتحف طالبت فيه أن يوضع اسم العراق في صدر الصالات المعنية وليس اسم العراق التاريخي وحده . ذلك لأن كثيراً من زوار المتحف لا يعرفون أن ميزوبوتاميا هي العراق ، والعراق هو ميزوبوتاميا .
أعترف أنني لم أستشر أحداً حين وجهت هذا الكتاب ، فما استشرت السفير ، ولا وزارة الثقافة والإعلام ، ولا أية جهة ، وهذا أمر كان يحسن أن أفعله ، ولكنني خشيت أن أستشير أحداً فيطلب مني ألا أفعل . بعد نحو أسبوعين جاءني جواب من المتحف ، وهو جواب لئيم على طريقة السياسيين الفرنسيين حين يستلئمون ، وفحوى الجواب أن العراق لا يشمل كل أراضي ميزوبوتاميا بل هو جزء منها ، وهناك جزء في سورية وآخر في تركيا ، فأحبط مسعاي .
ذكرني بهذا منشور قرأته قبل أيام عن عمليات صيانة تجري في متحف البرغامون في برلين لبوابة عشتار والجدران المجاورة لها . والغريب أن صاحب المنشور كتب تعليقاً سوغ فيه للمتحف أن يحتفظ بهذا الأثر العظيم بذريعة أنه تراث إنساني ، وأنه أجدر منا في حفظه وصيانته وعرضه وبذلك أباح للصوص الآثار لصوصيتهم ، من حيث يدري أو لا يدري !
إن آثار العراق هي ملك الشعب العراقي ، والعراق أحق بها من غيره ، لأنها رموز هويته الحضارية ، وهي ليست ملكاً لأحد حتى يهبها لمن يشاء على وفق مزاجه . والمعروف أن الدول العريقة تبذل جهوداً وأموالاً كبيرة وتعقد اتفاقيات من أجل استعادة آثارها من متاحف الدول التي استحوذت عليها . هذا ما تفعله مصر واليونان مثلاً . وأظن أن هناك قرارات دولية بشأن إعادة الممتلكات الثقافية المستحوذ عليها ، وفي مقدمتها الاثار ، إلى أهلها . ومنظمة اليونسكو هي المعنية بهذا الأمر على المستوى الدولي .
وحسب علمي أن متحف اللوفر كان يملك نسختين من مسلة حمورابي ، إحداهما سليمة والأخرى متضررة ، وحين طالب العراق فرنسا بإعادة المسلة أعادت إليه النسخة المتضررة بعد صيانتها ، وظل اللوفر محتفظاً بالنسخة السليمة .
إنني أتساءل إذا كان هناك من يتحدث بهذا المنطق الإنساني المصطنع ، فكيف سنتمكن من استعادة آثارنا التي نهبت تحت سمع المحتلين الأمريكيين وبصرهم ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سفر خالد في حياة الاستاذ المتمرس الدكتور وديع ياسين التكريتي ا.د.ابراهيم خليل العلاف

سفر خالد في حياة الاستاذ المتمرس الدكتور وديع ياسين التكريتي ا.د.ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل وفضضت بريدي ...