الأربعاء، 21 سبتمبر، 2011

الدكتور غانم عبد الله خلف واسهاماته في دراسة الحياة العلمية العربية




                       الدكتور غانم عبد الله خلف واسهاماته في دراسة الحياة العلمية العربية
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل 

    من الأساتذة الأصدقاء الذين اعتز بهم ،فهو يتمتع بأخلاق عالية، وأدب جم ،وتواضع محمود، وبوفاء كبير .كان من الطلبة المتفوقين في قسم التاريخ بكلية الآداب حيث تخرج سنة 1975 وهي السنة ذاتها التي التحقت فيها عضوا في هيئة التدريس بقسم التاريخ .وأتذكر بأنه كان  الأول على دفعته لهذا عين معيدا (مساعد باحث ) في الأول من أيلول –سبتمبر 1977 .
    ولد في الموصل سنة 1951 ، ودرس في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية.  وبعد حصوله على البكالوريوس ، وتعيينه معيدا التحق بالدراسات العليا في كلية الآداب –جامعة الموصل ، ونال شهادة الماجستير عن رسالته : " دور الحكمة :دراسة في تاريخ العلوم عند العرب " بتاريخ 27 شباط –فبراير 1983 .وكان المشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور خضر جاسم الدوري –رحمه الله .أما لجنة المناقشة فقد ضمت فضلا عن المشرف أستاذين كبيرين هما الأستاذ محمد توفيق حسن والأستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد رحمهما الله  . وبعد تخرجه  واصل عمله في قسم التاريخ ورقي إلى مرتبة مدرس في 17 أيلول 1988 .
    شغل منصب معاون عميد كلية الآداب للشؤون الإدارية وللمدة من 26 كانون الأول –ديسمبر 1983  ولغاية 14 كانون الأول –ديسمبر 1985  . ولم يقف عند حد الحصول على الماجستير بل أكمل دراسته العليا ، وحصل على شهادة الدكتوراه في 12 تشرين الثاني –نوفمبر 1995 وبتقدير جيد جدا عن أطروحته الموسومة : " الحياة العلمية في بلاد الشام على عهد الأيوبيين " من قسم التاريخ بكلية آداب جامعة الموصل .وفي الأول من تموز –يوليو سنة 1996 ، حصل على لقب أستاذ مساعد ، واختير ثانية ليشغل منصب معاون عميد كلية الآداب-جامعة الموصل  للشؤون الإدارية والطلبة للمدة من 10 تشرين الأول –أكتوبر 1998 ولغاية 15 حزيران-يونيو  2003 .
   الدكتور غانم عبد الله خلف –كأقرانه –من مؤرخي الموصل منتم إلى جمعية المؤرخين والاثاريين –فرع نينوى ،  واتحاد المؤرخين العرب ونقابة المعلمين والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق .كما انه عضو في لجنة إحياء التراث العربي الإسلامي التابعة لمؤسسة بيت الحكمة .
   له بحوث كثيرة منشورة في المجلات العلمية منها على سبيل المثال :
*"جوانب من تأثيرات الفكر العربي في الفكر الأوربي" –مجلة المؤرخ العربي ، العدد 34 لسنة 1988
*" الصحة العامة في صدر الإسلام : دراسة لواقع السنة النبوية المطهرة " مجلة المؤرخ العربي ، العدد 35 لسنة 1983
*" الطبيب علي بن رضوان المصري وإسهاماته في خدمة الطب العربي " ، مجلة المؤرخ العربي ،العدد 52 لسنة 1995
* " بيت الحكمة في بغداد وأثره في الحياة العلمية والثقافية العربية" ، مجلة التربية والعلم ، العدد 7 لسنة 1989
*" مهذب الدين الدفوار رئيس الأطباء في عهد الأيوبيين "،مجلة آداب الرافدين ، العدد 27 لسنة 1995 .
*" ملامح من تعليم المرأة المسلمة في المشرق والمغرب " مجلة آداب الرافدين العدد 30 لسنة 2000
* " موفق الدين عبد الله بن احمد المقدسي :حياته وإسهاماته العلمية"  مجلة آداب الرافدين العدد 33 لسنة 2000
    أسهم في تحرير موسوعة "أعلام العرب والمسلمين " التي تضطلع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بانجازها بعدد من المواد منها مواد عن " العالم الابشيطي القاهري "، و" العالم ابن بدر " ، و " المحدث عز الدين محمد بن عبد الغني المقدسي " ، و " الفقيه قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري "، و" المقرئ النحوي صائن الدين مكي بن ريان الماكسيني " ،و" المحدث تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي " ،و" الواعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم الحنبلي " ،و" المحدث محمد بن عبد الواحد المقدسي "
  أشرف على عدد من رسائل الماجستير و أطروحات الدكتوراه . ولايزال حتى كتابة هذه السطور، يمارس عمله في التدريس والإشراف، والكتابة ،والمناقشات العلمية ، ويسهم في تقويم عدد من البحوث والدراسات والرسائل الجامعية في جامعة الموصل والجامعات العراقية الأخرى بكل همة ، ودقة ، وموضوعية .هذا فضلا عن أن له مشاركات في كتابة المقالات ، ونشرها في عدد من الصحف والمجلات ، والتي تدور حول موضوعات في التربية ، والتعليم ، والتاريخ، وتاريخ الفكر، ودور الحكمة ، وقنوات الاتصال الثقافي العربي والإسلامي .كما انه قدم آراءه بصدد تشجيع دراسة تاريخ العلوم عند العرب ، ويرى بأن هذا الموضوع لم ينل  حقه من الاهتمام ، مع انه يعكس المديات الكبيرة التي أنجزها العلماء العرب والمسلمون في رفد الحضارة البشرية ليس بالمؤلفات والتصانيف ، وإنما في الاكتشافات والابتكارات العلمية .ويذهب إلى أن مكنونات الحضارة العربية تظهر بأجلى معانيها في تاريخ العلم ، ويدعو إلى الاهتمام بأحياء دور الحكمة ،وتطوير دورها العلمي لهذا فان الدكتور غانم عبد الله خلف ، قد حظي بالتقدير والتكريم من جهات علمية ، ورسمية لإسهاماته في خدمة الجوانب العلمية ، والتعليمية،  والإدارية،  والتربوية .
  

الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف والعراق العثماني








       الدكتور عماد عبد السلام رؤوف والتاريخ العثماني
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
منذ الستينات من القرن الماضي، وأنا اعرف الصديق الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف  ،وذلك عندما كنت أقرأ له ، وعنه في" مجلة المكتبة" التي كان يصدرها الأستاذ قاسم محمد الرجب صاحب مكتبة المثنى العامرة .وكانت اغلب مقالاته، وأخباره في المجلة تتعلق بما كان ينجزه الكتاب والباحثون العراقيون المهتمون بالتاريخ العثماني، وبتراث العراق ومنجزات مؤرخيه في هذا العصر المزدحم بالأحداث والوقائع والأفكار والمؤلفات والمصادر .وبعد التحاقي بالدراسات العليا في كلية الآداب –جامعة بغداد مطلع السبعينات ، توثقت علاقتي معه، وبعدها عملنا سوية في مشاريع وزارة الثقافة العراقية ذات الطابع التاريخي ومنها : موسوعة" حضارة العراق "و"العراق في مواجهة التحديات" .كما اشتركنا سوية ولأكثر من مرة في الندوات والمؤتمرات التاريخية ومناقشات رسائل وأطروحات الماجستير والدكتوراه .وأكاد اجزم أن العلاقة بيني وبينه كانت قوية، وحميمة، وقائمة على الإعجاب والاحترام المتبادل . وقد فرحت كثيرا قبل مدة عندما قرأت له إطراءا على منهجي التاريخي الذي وصفه بالقول انه منهج يعتمد التوازن  بين المبدأ والمنهج معا وقال : " تميز المؤرخ الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف بمزايا شخصية وعلمية كثيرة عرفها طلابه وزملاؤه وكل من كانت له فرصة اللقاء به، وفي تقديري فإن أهم تلك المزايا هو الجمع المبدع بين الإخلاص لمبادئه الوطنية والقومية والإسلامية، والإخلاص لقواعد المنهج العلمي في كتابة التاريخ" .
      الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، مؤرخ من الموصل ينتمي إلى آل العطار ،وهي أسرة عباسية سكنت في محلة باب النبي جرجيس . ولد في  سنة 1948 ..جده الأستاذ محمد رؤوف العطار(1878-1965 ) من رواد التربية والتعليم في العراق .. كان مديرا لأقدم وأبرز ثانوية موصلية  هي "ثانوية الموصل" .كما عمل في سنة 1927 مديرا لمعارف (تربية ) البصرة .درس الدكتور عماد عبد السلام رؤوف  في مدارس الموصل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية .وبعد حصوله على الشهادة الثانوية سافر إلى بغداد حيث لم تكن في الموصل جامعة ودخل كلية الآداب –قسم التاريخ وتخرج سنة 1970. ولم يقف عند هذا الحد وإنما قرر إكمال دراسته العليا  ، فالتحق بجامعة القاهرة ونال الماجستير سنة 1972 عن رسالته الموسومة : " ولاية الموصل في عهد آل ألجليلي 1726-1834 " .  وقد نشرت في النجف الاشرف سنة 1975 بعنوان: "الموصل في العهد العثماني :فترة الحكم المحلي الحكم المحلي " .كما حصل  على الدكتوراه سنة 1976 عن أطروحته الموسومة : " الحياة الاجتماعية في العراق أبان عهد المماليك 1749-1831" .عمل رئيسا لمركز إحياء التراث العلمي في جامعة بغداد.. ودرس في كلية التربية بجامعة بغداد .. ثم نقل خدماته إلى كلية الآداب بجامعة صلاح الدين بأربيل- ولايزال هناك حتى كتابة هذه السطور .
    ألف عددا  كبيرا من الكتب أبرزها كتبه : " "مدارس بغداد في العصر العباسي" 1966 ،و"الآثار الخطية في المكتبة القادرية "بخمسة أجزاء 1974-1980 و"التاريخ والمؤرخون في العصر العثماني" 1983و"فهرست مكاتب بغداد الموقوفة" 1985 و"كتابة العرب لتاريخهم في العصر العثماني " 1989و"الأصول التاريخية لأسماء محلات بغداد"1994 و"صفاء الدين عيسى البندنيجي : حياته وآثاره"  و" مراكز ثقافية مغمورة في كردستان " و"ضياء جعفر.. سيرة وذكريات" و"العراق في وثائق محمد علي باشا " و"معالم بغداد في القرون المتأخرة " و "من رواد التربية والتعليم في العراق محمد رؤوف العطار" 1988 و"المدرسة العلية في بغداد "1988 ولمحات من تاريخ العراق الحديث " 1983 و"معالم بغداد في القرون المتأخرة "2000.كما حقق مجموعة طيبة من كتب المؤرخين الأوائل منها كتاب" زبدة الآثار الجلية في الحوادث الأرضية"لياسين العمري 1975، و"الدرر المنظومة والصور المختومة " لخليل بن علي البصير1974 ،و"تاريخ حوادث بغداد والبصرة من 1186-1192 هجرية"  لعبد الرحمن السويدي والجواهر وصفاتها ليحيى بن ماسويه و" تذكرة الشعراء " لعبد القادر الشرباني و" التحفة المسكية في الرحلة المكية"  لعبد الله السويدي و" تاريخ الزبير والبصرة"  لعبد الله بن الغملاس و " مطالع السعود : تاريخ العراق من سنة 1188 إلى سنة 1242 هجرية -1774-1826 ميلادية تأليف عثمان بن سند " 1991 و " معركة عين جالوت / رمضان 655 هجرية –أيلول-سبتمبر 1260 ميلادية " 1986 و" المملكة العربية السعودية بين الحربين في ضوء تقارير المفوضية العراقية في جدة " و" العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع"  لعبد الحميد بن عبادة  .وقدم لكتبا كثير آخرها تقديمه لكتاب "الشيخ عبد القادر الكيلاني :رؤية تاريخية معاصرة"  لمؤلفه السيد جمال الدين فالح الكيلاني  2011 .
     وللدكتور رؤوف كم كبير من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في المجلات ليس من السهولة حصرا ويحتاج  ذلك إلى وقت وجهد كبيرين . لكن مما لابد من الإشارة إليه أن معظمها يدور حول تاريخ وتراث العراق في العصر العثماني . فثمة دراسات عن مساجد بغداد ،وسجلات المحكمة الشرعية ،وتاريخ مشاريع مياه الشرب القديمة في بغداد، ونظم المدارس العثمانية ،ومؤرخي الكوفة ،وصفحات مجهولة من تاريخ النجف الاشرف في القرن الثالث عشر الهجري ، وصمود البصرة أثناء حصار نادرشاه، والعلاقات الزراعية في العراق إبان القرن الثامن عشر، وعبد الرحمن حلمي ومخطوطته في تاريخ بغداد في القرن التاسع عشر ،ومن تاريخ الخدمات النسوية العامة في الموصل ،وأضواء على انتفاضة الموصل المنسية سنة 1839 ،وعن العملات المستعملة في الموصل وأقيامها في العصر العثماني" ونشأة التنظيمات السياسية في أواخر العصر العثماني" و"الأصناف والتنظيمات المهنية " . وهنا لابد من الاشادة بما قدمه الزميل  الدكتور احمد ناجي الغريري حينما ألف كتابا عن  أستاذه الدكتور رؤوف مؤخرا بعنوان : "الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ..أربعون سنة في دراسة التاريخ وكتابته "، وفيه ركز على سيرته ومنهجه ، ومؤلفاته واهتماماته بتوثيق البنية الاجتماعية للعراق وتطور العلاقات بين شرائح المجتمع وانعكاس ذلك على التحولات السياسية .
    أجرى الأستاذ طارق كاريزي حوارا مع الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف نشر في مجلة الصوت الآخر (الاربيلية ) وفي عددها 303 الصادر في 23 تموز 2007 جاء فيه :إن أهمية التاريخ تتأكد في حياة الشعوب من خلال تقديمه صورة الجذور التي ينتمي اليها ذلك الشعب فالتاريخ يمثل الهوية لكل شعب وليس بالضرورة ان يمثل التاريخ حافزا للأمة   لكي تنهض بواقعها، ربما كان العكس صحيحاً ايضاً، فيكون التأريخ عبئاً على هذه الأمة، يعيق حركتها ويضيق عليها سبلها في التقدم.
 لكن التأريخ إذا وظف توظيفاً جيداً فأنه يعد  قوة دافعة وهوية ثابتة تدفع الأمة إلى الأمام..
وحول فيما إذا كانت الأمة العربية قد أسلمت حياتها ومستقبلها للتاريخ قال الأستاذ  الدكتور عماد عبد السلام رؤوف : هذا صحيح الى حد ما، وغير صحيح الى حد ما، كيف؟ لقد انبعثت النهضة العربية في القرن التاسع عشر من خلال محاولة النُخب المثقفة الاقتداء بالقمم البارزة من أعلام الأمة في العهود السابقة. ويمكننا القول أنه في القرن التاسع عشر كان التأريخ حافزاً، وتالياً تحول إلى محراب توقد فيه البخور، ففقد الإنسان القدرة على التفاعل  مع الماضي .
 وحول الفرق بين الإنسان الغربي والإنسان العربي في النظرة إلى التاريخ قال : أن الإنسان الغربي يرى  
حلمه في أفق المستقبل، بينما الإنسان العربي لايرى الا الماضي ..ونحن نقول أن التأريخ هو ابن التفاعل، حيث لا تفاعل لا تأريخ  .. والتفاعل لا يجري بين كيانات متشابهة، والتمايز ضروري لاستمرار ذلك كله. وهذا التنوع أساس لاستمرار التأريخ والحياة. وعن العلة في التأخر قال : "العلة في العمل، هم عملوا فصنعوا حاضرهم ومستقبلهم، أفادوا من ماضيهم وتفاعلوا معه وصنعوا حاضرهم، وهم الآن يبنون لمستقبلهم، ونحن لا نعمل، ولا فرق بيننا وبينهم سوى العمل، وحتى لا نندثر علينا أن نعمل، لأننا في حال اندثارنا سيخسر العالم نفسه، لأنه سيفقد عنصراً يمكن أن يؤدي دورا في استمرار التاريخ.
  تمنياتنا للدكتور عماد عبد السلام رؤوف بالموفقية والاستمرارية في  ترسيخ أسس المدرسة التاريخية العراقية والعربية التي تستند إلى المنهجية العلمية الصارمة ، وتقدم كل ماهو مفيد لإقالة الأمة من عثراتها ، وتوضيح طرق التقدم والتنمية  اللازمة بالاستناد إلى الدرس التاريخي والاستفادة من تجارب الأمم في البناء والإسهام في منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة .













       
       





الأحد، 4 سبتمبر، 2011

احمد سامي الجلبي ..الصحافة رسالة



                   احمد سامي الجلبي ..الصحافة رسالة *
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ العربي الحديث
مستشار جريدة فتى العراق (الموصلية )

            افتقدنا جميعا يوم 26 من شباط الماضي2009 ، أخا عزيزا ، وإنسانا فاضلا ، وصحفيا متمرسا ، وإعلاميا من الطراز الأول :  بل هو شيخ الصحفيين الموصليين ورائدا من روادها الكبار .. انه استاذنا احمد سامي ألجلبي رحمه الله.. ويقينا أن فقدانه ورحيله الى الدار الآخرة ، دار البقاء .. كان خسارة كبيرة للأسرة الصحفية وللمثقفين ولأبناء الموصل : ولكن .. ونحن أناس مؤمنون .. ندرك بان الموت حق والذكر للإنسان حياة ثانية له .. وها نحن اليوم نقف لتعداد مناقب هذا الإنسان .. لنترحم عليه ولنستذكر أيامنا معه.. والاهم من ذلك لكي نؤكد استمرارية بقاءه معنا .. بروحه الطيبة ، وبأريحيته المعتادة، وبذكائه الوقاد ، وبدقته المتناهية ، وبوطنيته الصادقة ، وبشعوره بالمسؤولية الملقاة على عاتقه كصاحب رسالة .. لقد عرفته منذ نصف قرن لم يتغير يوما ، ولم يحد عن المبادئ والثوابت المهنية والوطنية.. لم يكل ولم يمل .. كان يأتي الجريدة صباحا ويغادرها مساءا ، وهو بكامل نشاطه وطاقاته وحيويته وحتى وهو في البيت ليلا كان يقرأ ما يأخذه معه من مقالات ودراسات وأخبار يختار منها مايصلح للنشر .. لقد عرضت عليه مغريات مادية كبيرة ، ويعلم الله انه رفضها لأنها يمكن أن تكون ثمنا لمبدأ.. وسعرا لحاجة من حاجات وطنه وأمته .. وكثيرا ماكنت شاهدا على ذلك .
     كان يعرف الرجال .. ويعرف موازينهم وإثقالهم .. وظل أمينا على أن يمنحهم شهادته حتى وأن اختلفوا معه في الرأي. كان يرى بأن الصحافة رسالة أكثر مما هي مهنة لهذا كان لابد أن تؤدى هذه الرسالة بكل ما تتطلبه من تقدير واحترام وحرص وحيوية .  
       كان يخطط لكل عدد، وكنا نتناقش معه حول أدق التفاصيل : وقد حرص  على أن تكون كل كلمة في الجريدة (موزونة ) بميزاني المهنية والوطنية، والحمد لله لقد أصدرنا مئات الإعداد وكنا نسمع ولا نزال كلمات المديح والإطراء والاستمرارية على النهج الذي انتهجتاه وهي أن تحمل جريدة فتى العراق بل وتظل تحمل النكهة الموصلية ..
      كان همه وهمنا في الجريدة أن نوثق للموصل لتاريخها، ولرجالها، ولنسائها،  ولمبانيها، ولمساجدها، ولجامعتها،  ولخاناتها ،ولقيصرياتها، ولأسواقها،ولشوارعها، ولحاراتها، ولأماكنها الاثارية والتاريخية .. وفي كل ذلك كنا ننطلق من أن مانكتبه سوف يقع بين أيدي  أبناءنا وأحفادنا .. فيخلق ذلك بينهم شعورا بالانتماء لهذه المدينة، والانتماء لهذا الوطن، والانتماء لهذه الأمة  .. شعورا بالانتماء المقرون بالاعتزاز والسير باتجاه كل ماهو نظيف وسليم وجيد .
      لااريد أن أطيل  عليكم، ولكن لابد لي أن أحقق رغبة عدد من الأخوة والأصدقاء الذين حملوني رسالة اليكم .. رسالة من لم يستطع الحضور بينكم رسالة فحواها أنهم يشاركونكم عزائكم .. ويشاركونكم مصابكم .. ويشاركونكم استذكاركم لهذا الرجل- الإنسان .. واخص بالذكر منهم الأستاذ نزار المختار والدكتور احمد عبد الله الحسو والأستاذ خالص خليل عزمي .
     الرحمة لفقيدنا العزيز والشكر لكم .. والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته *
* كلمة أ. د. إبراهيم خليل العلاف في الحفل التأبيني للأستاذ احمد سامي  ألجلبي شيخ الصحفيين الموصليين رحمه الله والمقام من قبل مركز دراسات الموصل يوم السابع من نيسان 2009على قاعة المرحوم الأستاذ سعيد الديوه جي وبحضور الأستاذ الدكتور أبي سعيد الديوه جي رئيس جامعة الموصل والأستاذ فوزي القاسم نقيب الصحفيين في نينوى وجمع غفير من الاخوة والاخوات .



رحيل المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011






 المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011

ا.د.إبراهيم خليل العلاف

أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

    لعل الكثيرين منا  يتذكر ما أحدثه صدور كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" للدكتور كمال سليمان الصليبي من ضجة في الساحة الثقافية والسياسية العربية في سنة 1985 . فالكتاب صار مثار جدل وحوار استمر لسنوات ،وذلك لأنه قلب مفاهيما ومعلومات ظلت راسخة في الذهن العربي والإنساني ردحا من الزمن . وممن تصدى له وخالفه الرأي الأستاذ حمد الجاسر مؤرخ الجزيرة العربية الراحل رحمه الله وذلك في مقال عنونه ب"أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية " وقد قال : "

الدكتور كمال سليمان الصليبي باحث لبناني معروف، وهو أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية ورئيس قسم التاريخ فيها، وقد ألف كتاباً حاول فيه أن يطبق النصوص التي وردت في التوراة على مواضع في بلادنا في جنوب الجزيرة.
ولقد كانت آراؤه لما فيها من الطرافة والخرافة ذات أصداء واسعة، وتناولتها كثير من الصحف العربية بأكثر مما تستحق.
وقديماً كانت الخرافة ولا تزال مبعث تكرار وترداد

. ولهذا فإن استناد الدكتور الصليبي على التوراة المعروفة الآن استناداً على غير أساس.
ثم الاستدلال بما فيها من الأسماء مع ما هو معروف من أسماء المواضع تتشابه وتتكرر مع اختلاف مواقعها – استدلال غير صحيح، وهذا من الأمور البدهية.
و مما فات الدكتور الصليبي – أثناء استنتاجاته لآرائه تلك الربط الزمني  بين مواضع ورد ذكرها قبل ثلاثة آلاف من السنين، وبين مواضع قائمة في زمننا، أكثرها نشأ في عصور متأخرة، فهو لَمْ يحاول عند إيراد اسم من أسماء المواضع التي ذكرها البحث عن نشوء ذلك الاسم ومتى كان؟ وما هو معناه! ولماذا سمي الموضع بهذا الاسم؟
ولو بحث هذا الأمر بتعمق لأدرك أنه يسير – فيما استنتج على غير هدى.
كما أن أسماء المواضع التي أوردها محاولاً الربط بينها وبين ما ورد في التوراة لا نجد لها ذكراً في الكتب القديمة باستثناء اسم فرع حديث لإحدى القبائل، ظنه اسم موضع، فكيف يصح له أن يستنتج فكرة بدون أن يستكمل قواعد استنتاجها؟

كما انه لم يفرق بين أسماء المواضع وأسماء أفخاذ العشائر.

لكن الاستاذ زياد مني وهو من طلبة الدكتور الصليبي يدافع عن استاذه ويقول ان الموسوعة البريطانية عدته عندما نشر كتابه عن جزيرة العرب المرجع المهم عن الموضوع وعبقريته لم تكمن فقط في تقديم موضوعته عن جغرافية وتاريخ بني اسرائيل في عسير وانما في كونه اول من قدم من العرب اسهاما في علم الدراسات الكتابية Biblical Studies .

   لم يكن الرجل مؤرخا تقليديا  ،بل كان معروفا بحضوره العلمي كمؤرخ وصاحب نظريات ناقضت مفاهيم شائعة  وراسخة على مستوى المنطقة والعالم .

   عرفته مؤرخا ثبتا، وهادئا ،ومنصفا ،وذو مروءة كما كان إنسانا عروبيا مخلصا لوطنه لبنان وأمته العربية اكتسب ثقة طلابه وزملائه لما كان يتمتع به من دماثة في الخلق، وطيبة في القلب ،وأريحية في التعامل .ألف في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر . كما كتب  عددا كبيرا من الدراسات والبحوث والمقالات باللغتين العربية والانكليزية عن الشام والأردن والدولة العثمانية وانصرف فترة من الزمن للكتابة عن اليهود والعهدين القديم والحديث ولعل مذكراته التي كتبها بعنوان : "طائر على سنديانة " هي آخر ما اصدر رحمه الله .وقيل انه كان منشغلا بتأليف كتاب عن الرئيس رياض الصلح .

    ولد في بلدة بحمدون اللبنانية  يوم 2 أيار –مايو سنة 1929 وتوفي يوم الخميس 1 أيلول –سبتمبر سنة 2011  .وبين هذين التاريخيين كانت حياته حافلة بالأحداث والمنجزات على مستوى الفكر والثقافة .كمال سليمان الصليبي أكمل دراسته الثانوية في الكلية الثانوية العامة وكانت جزءا من الجامعة الأميركية ودخل الجامعة الأميركية  سنة 1945ونال البكالوريوس سنة 1949  والدكتوراه وبعدها سافر إلى لندن وحصل على الدكتوراه سنة 1953  كذلك بأشراف الأستاذ الدكتور برنارد لويس المؤرخ البريطاني –الأميركي المعروف والمهتم بقضايا الإسلام والشرق الأوسط  وكان عنوان أطروحته : "  المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في القرون الوسطى "    " وتخصص الصليبي  في شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا . وقد عمل في التدريس ضمن دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية، وتدرج في المراتب العلمية ورقي الى مرتبة أستاذ سنة 1965 ثم تولى رئاسة دائرة التاريخ وعلم الآثار .ويعد أحد مؤسسي المعهد الملكي للدراسات الدينية الذي افتتح في عمان بالأردن برعاية الأمير الحسن بن طلال وأصبح مديره للمدة من 1994 وحتى 2004  .كما أصبح لفترة مستشارا لمؤسسة التراث الدرزي .

     كتب عددا من المؤلفات منها كتبه:"المؤرخون الموارنة خلال العصر الوسيط "1959 " ،و"تاريخ لبنان الحديث "بالانكليزية 1965 ،و"لبنان:ملتقى طرق حرب أهلية 1958-1976 " ،و"بلاد الشام في العصور الوسطى "1979  ،و"تاريخ الجزيرة العربية "1980 و"التوراة جاءت من جزيرة العرب " 1985 ، "و" خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل " 1988 و "البحث عن يسوع :قراءة جديدة في الأناجيل " 1988 و" بيت بمنازل كثيرة " 1988 و" حروب داؤود " 1991 ، و "تاريخ الأردن الحديث " 1993 ، و" طائر على سنديانة " 2002 .

 كتب عنه الأستاذ الدكتور رضوان السيد، فعده واحدا من رواد المنهج العلمي التاريخي العربي الحديث وقال في مقالة كتبها  في "الحياة " اللندنية بعد يوم من رحيله (2 أيلول –سبتمبر 2011 ) :رحل أمس عن 82 عاما المؤرخ كمال سليمان الصليبي، وما اشتغل أحدٌ من المؤرخين العرب المُحدثين على التأويل التاريخي والتحول التاريخي كما اشتغل الراحل الكبير طوال أكثر من خمسين عاماً. وهو لهذه الناحية مختلفٌ في الرؤية والمنهج عن أعلام مدرسة الحوليات الفرنسية، والتي سيطرت رؤاها لأكثر من خمسة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت ولا تزال تعتمد الحِقَب الطويلة سبيلاً للتأمل والتأويل والفهم أو إدراك طبيعة المرحلة، بحسب التعبير الماركسي. أمّا كمال الصليبي فهو منذ أُطروحته للدكتوراه ... مُغرَمٌ بإدراك حركة التاريخ و «نبضها الحقيقي»، والذي يحدث في الأصل في وعي النخبة الثقافية – الدينية أو الاجتماعية – الاقتصادية في أمةٍ معينةٍ في عصرٍ ما، وتكون نتيجة ذلك حدوث «تغيير ثوري» يعيد بناء الذات القومية – الثقافية أو الذات السياسية، فيصنع مجتمعاً جديداً بفكرٍ جديدٍ، ويفيض بصورةٍ توليفيةٍ أو تنافرية. وقد حدث ذلك في التاريخ العربي القديم أو ما قبل التاريخي، بظهور المسيح العربي بنواحي الطائف، وقبل ذلك إبراهيم العربي بمكة، وبعد هذا وذاك محمد العربي، وهو الأمر نفسه الذي لاحظه الصليبي الرؤيوي والدؤوب في الوقت نفسه في ظهور التُرك في تاريخ المشرق والعالم، ومن السلاجقة والمماليك والمغول والتتار والى العثمانيين، كما رآه في ظهور الدولة السعودية وفي عمل النخبة أو النُخب المسيحية من أجل إقامة لبنان، ومن أجل إحداث النهوض العربي.وتساءل الدكتور السيد قائلا :".

من أين أتى هذا التركيز في الرؤية والوعي وبالتالي في المنهج التأويلي الشاسع الاتساع والغُلُو أحياناً؟ ... الصليبي لا يقول مثل ابن خلدون بالدعوة الدينية بوصفها شرطاً ثانياً في التحول التاريخي أو تبلور القوميات والدول. بل أن النخبة عنده قد يحدوها تفكير ديني جديد، أو تكون الإثنية الذاتية أو مصارعة السيطرة الأجنبية، أو نشر السطوة الاقتصادية، هي مناطُ هذا الوعي. ووجهةُ نظره أن التحول العربي التاريخي بظهور الإسلام، إنما يستند إلى وعيٍ مُشابهٍ بالذات، وليس كما يقصد ابن خلدون.

والواقع ان كمال الصليبي إن لم يكن خلدونياً بسبب ما رآه من رتابةٍ ودائرية في الحركة التاريخية عند ابن خلدون، فهو فيبري، نسبة لماكس فيبر1864-1920 والذي رأى أن التطورات التاريخية الكبرى مثل الظهور الرأسمالي في أوروبا، إنما حدثت نتيجة ظهور وعي جديد، عبر البروتستانتية الكالفينية التي غيّرت من رؤية العالم في المسيحية الكاثوليكية، وأنتجت وعياً جديداً ويبقى الفرق بين تفكير الصليبي وتفكير ماكس فيبر، أن الصليبي راقب تحولات الوعي والعمل في المشرق من أقدم عصوره وحتى اليوم، في حين راقب ماكس فيبر ذلك في الغرب الأوروبي والآسيوي، وأن فيبر اشتغل مثل أهل الحوليات في ما بعد على الحقب الطويلة في حين كانت التحولات في نظر الصليبي أسرع حدوثاً وان جرت على سطح ثوابت باقية. لكن الرجلين يلتقيان على أهمية العنصر الإيديولوجي في التحول، وان ذلك يقترن في الغالب ... بتطوراتٍ مادية الطابع في الواقع.

وقد عمل الصليبي في نطاق وسياق هذا المنهج الذي عده البعض نخبوياً، وذا خصوصيةٍ، لأنه لا يهتم بالحركات الجماهيرية الضخمة، ولا بالتاريخ الحضاري أو الثقافي الكبير والعريض للأمة، بل بالتحول العنيف والمفاجئ وذي الطابع المُدهش، دونما عنايةٍ ظاهرةٍ بالسوسيولوجيا، وإنما ببعض التطورات الاقتصادية الطارئة.

لكنه في تطوير عمله من حيث الموضوع والاهتمام مرّ بمرحلتين كبيرتين:

الأولى: الاهتمام بالخصوصية اللبنانية، وقد امتدت عنايته تلك على مدى حوالي العقدين من الزمان. وقد كان واضحاً إن اهتمامه هذا لا يستند إلى خلفيةٍ مسيحيةٍ، بل إلى وعيٍ بأن القلّة المسيحية إنما تملك وعياً رسالياً ضمن الكثرة الغالبة وذلك لتأثره بكتاب ألبرت حوراني بشأن رسالة النخبة المسيحية الإيجابية في المشرق العربي في عصر النهضة. وما انصرف عن التأسيس على حوراني إلا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وبروز «الوعي»القومي لدى النخب المارونية أو المارونية السياسية على الخصوص، بالانفصال عن العرب أو عن المنطقة إن أمكن. لقد صار الوعي الماروني، والى حدٍ ما المسيحي، فصامياً أو انفصالياً، ولذا فإنه فقد رسالتيه، وما عادت له وظيفةٌ تجاه الذات أو تجاه الآخر العربي المسلم.

أما المرحلة الثانية، فإنها تمتد منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي  والى مطالع القرن الواحد والعشرين. وقد امتلأت بأعمال العروبة والعربية المطلقة، ومن الجهات والأصول الدينية والثقافية والجغرافية. ولعل هذه هي الفرصة لإضافة بُعدٍ مهمٍ إلى منهج استكشاف التحولات التاريخية لدى الصليبي، هو البُعد التأويلي الشاسع أحياناً، فقد أعاد تفسير وتعريب اليهودية والمسيحية عبر العهدين القديم والجديد لتظهر فيهما خصوصيةٌ عربيةٌ منذ القرن السابع أو السادس قبل الميلاد، والى ظهور الدول العربية الحديثة. وقد أثارت هذه التأويلية الهائلة في قراءة النصوص، تأكيداً على الظهورية العربية الخالدة، سخط أكثر الباحثين في التاريخين اليهودي والمسيحي، لكنها أكسبت الراحل شعبيةً واسعةً في أوساط العروبيين والمسلمين.

كمال الصليبي صاحب شخصيةٍ متفردةٍ بين المؤرخين والمفكرين العرب. وهو أيضاً صاحب منهجٍ متفردٍ في كتابة التاريخ في المحيط العربي، ما وافقه عليه اليساريون، ولا اقتنع به القوميون، وأثار في العقود الأخيرة سُخط النُخب الدينية المسيحية. لكنه يبقى إنساناً وكاتباً شديد النزاهة، وبالغ الدقة، وسيبقى له أنه رائدٌ من رواد النهوض بالمنهج التاريخي العربي بأدواتٍ معرفيةً واسعة

 نعته الجامعة الأميركية ببيان جاء فيه أن الأستاذ الدكتور الصليبي كان باحثا مؤلفا مرجعيا وانه ألهم أجيالا من المؤرخين الشباب الذين درسوا على يديه .كما ألقى محاضرات عديدة اختصرت ابحاثه منها محاضرته في "مؤتمر الديموقراطية اللبنانية" في جامعة شيكاغو أيار 1963، ومحاضرته عن فخر الدين المعني الكبير في جامعة الروح القدس في الكسليك آذار-مارس 1970.

 وقد نال الدكتور الصليبي تكريمات عديدة، منها وسام المؤرّخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب أيار-مايو  1993، مع كوكبة من المؤرخين اللبنانيين  البارزين ضمّت قسطنطين زريق  ونقولا زيادة  وزاهية قدّورة وسامي مكارم وعادل إسماعيل وياسين سويد وحسّان حلاق . كما كان من ضمن كوكبة من الأساتذة الباحثين كرّمتهم الجامعة الأميركية  في حزيران-يونيو 2000، وعيّن في 2009 زميلاً فخرياً في" جمعية الدراسات الشرق أوسطية" ، وكانت أبواب بيته مفتوحة لطلبته وزملائه وأصدقائه وكثيرا ما كان يتحفهم بعزفه على البيانو . ومن الطريف انه كان كاتبا مسرحيا فعلى سبيل المثال عرضت في حزيران 1977 مسرحية ساخرة من تأليفه ...

   يقول الأستاذ زياد مني أن الدكتور الصليبي  من العلماء النادرين الذين أثبتوا صحة وجود علاقة طردية بين العلم والتواضع. كان يشعر بأن العلماء الغربيين عارضوه ووقفوا ضده لكونه عربياً. كان يقول: «لقد وقفوا ضد موضوعتي لأني عربيّ» كان شديد الاعتزاز بهويته العربية وقد تعرض لفترة الى الانتقاد والهجوم لكن ذلك لم يفت في عضده ولم تتأثر قناعاته مع انه كان يتألم .
نشر العديد من الأبحاث في مجلات إنكليزية متخصصة، لذا لم يطلع القارئ العربي عليها. وقد وافق، بلا تردد، على أن يقوم تلميذه زياد مني بترجمتها ونشرها ومنها كتابه الموسوم : " ، كتبه باللغة الإنكليزية The Historicity of Biblical Israel وصدر عن «المعهد الملكي» في عمان. وكان يتردد في نشره بالعربية ويقول: «لا أريد مشاكل إضافية». فانتظر. وبعد مرور سنوات عدة سمح لي بترجمته إلى العربية، على ألا أنشره إلا بعد موافقته.

في الفترة الأخيرة، عانى من مشاكل صحية حدت من مقدرته على المشي والقراءة، لكن عقله وذهنه  - كغيره من المفكرين –ظلا متوقدين حتى آخر لحظة من وفاته .وفي يوم الخميس 2 من أيلول –سبتمبر 2011 رحل الصليبي عن عمر ناهز أل 82  .ويقينا أن ما تركه من ارث سيبقى قادرا على تذكير الأجيال القادمة به .