الجمعة، 12 أغسطس، 2011

الدكتور فخري الدباغ وإسهاماته في ترسيخ أسس الطب النفسي في العراق

   الدكتور فخري الدباغ وإسهاماته في ترسيخ أسس الطب النفسي في العراق
بقلم :ا. د. إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل


     الأستاذ الدكتور فخري الدباغ (1929-1984 ) ،رمز من رموز الموصل،  وعلم من أعلام العراق  .قدم لوطنه الكثير  ،إن كان ذلك على مستوى الخدمات الطبية ، أو الإدارية، أو الأدبية، أو الفكرية والثقافية .لم يكل ولم يمل ولم يسقط القلم من بين يديه  حتى وفاته بحاث سيارة على الطريق بين بغداد والموصل  سنة 1984 .من منا لايعرف فخري الدباغ طبيبا نفسيا ،وأستاذا  جامعيا ،وعميدا لكلية الطب ،وكاتبا وباحثا وإنسانا .في حياته شغل الناس وملا الدنيا وبعد وفاته  ظلت ذكراه حية خالدة في  الذاكرة العراقية المعاصرة . 
      ولد فخري محمد صالح يحيى محمد عبد الحافظ السيد قاسم  الدباغ في مدينة الموصل سنة  1929 .أكمل دراسته الابتدائية (المدرسة الحمدانية 1935-1941 ) والمتوسطة (المتوسطة الشرقية 1941-1944 )والإعدادية(الإعدادية المركزية 1944-1946 )  .ومنذ أن كان طالبا في الإعدادية  أواسط الأربعينات من القرن الماضي،عرف بالجدية،والمثابرة، وحب العلم ،والشعر، والأدب  .ويذكر الأستاذ الدكتور عمر الطالب في موسوعته : "موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين " أن الأستاذ الدكتور فخري الدباغ أسهم ،منذ كان طالبا في إعدادية الموصل   في تحرير "مجلة الإلهام"  التي كانت تصدرها المدرسة .وتعد المقالة التي كتبها في سنة 1945 أول مقالة ينشرها وكانت بعنوان : " بنسلين الحياة " وفي سنة 1946 أنهى الدراسة الإعدادية ، وسرعان ما استمر في كتابة المقالات والدراسات وتأليف الكتب وإلقاء المحاضرات حتى وفاته رحمه الله .
    سافر إلى بغداد والتحق بكلية الطب –جامعة بغداد، وحصل على البكالوريوس سنة 1953 .وعاد الموصل، والتحق بخدمة الاحتياط ،وصار طبيبا عسكريا برتبة ملازم ثان في حامية عقرة  ولمدة سنة كاملة ثم عين طبيبا في مديرية صحة نينوى،  وسرعان ما عين  رئيسا للصحة فيها سنة 1973  .وسرعان ما تيسرت له الفرصة للحصول على بعثة علمية في بريطانيا  والتحق   بمعهد مودزلي بجامعة لندن لإكمال دراسته العليا والتخصص في ميدان الأمراض النفسية والعصبية وحصل على دبلوم في الطب النفسي سنة 1962 .كما حصل على عضوية كلية الأطباء النفسيين الملكية في انكلترا سنة 1972.
    وبعد تأسيس كلية الطب في الموصل قام بنقل خدماته إليها سنة 1963. وبين سنتي 1974-1979  اختير عميدا للكلية ووكيلا لرئيس الجامعة وكان آنذاك الأستاذ الدكتور محمد صادق المشاط .كما عاد ليعين عميدا لكلية الطب ثانية حتى وافاه الأجل اثر حادث اصطدام سيارته على الطريق بين بغداد والموصل سنة 1984 .
    لم يكن الأستاذ الدكتور فخري الدباغ ، بعيدا عن ما يجري في مدينته ووطنه ،وأمته، والعالم ، وإنما كان منغمرا في كل الأحداث ،وقام بدور كبير في  تنمية الاهتمام بالطب النفسي في العراق وترصين قواعده سواء من خلال دراساته وبحوثه أو من خلال انتمائه إلى التنظيمات المهنية والنقابية والثقافية . فقد كان عضوا في المجمع العلمي العراقي، وفي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق .فضلا عن عضويته ونشاطه في نقابة الأطباء . وقد شارك خلال حياته المهنية في تحرير العديد من المجلات وابتداء من مجلة كلية الطب في جامعة بغداد  أيام كان طالبا فيها والموسومة ب " أخبار الكلية الطبية " وحتى مجلة "علوم " التي كانت تصدرها وزارة الثقافة العراقية ومن المجلات التي أسهم في تحريرها مجلات الجامعة والرازي والشعب والكتاب .
    من مؤلفاته: الأطباء والناس  1959 ، أطفالنا  والثقافة الجنسية 1956 (ترجمة)،   والأطباء والناس 1959 ، والطفولة والمراهقة (مترجم ) ،  والثورة  الجنسية في أميركا 1960 (ترجمة) والموت  اختياراً 1968،وغسل الدماغ 1970 ،وأصول الطب النفساني 1974-1977وجنوح الأحداث 1975 والحرب النفسية 1979، والعلاج النفسي 1981: أنواعه وأساليبه ، وعلم النفس العسكري 1986 وخطوات على قاع المحيط 1979 وفي ضمير الزمن 1981ومقدمة في علم النفس  1982  ، و"اختبار رافن للمصفوفات المتتابعة لقياس الذكاء في العراق "1983 ،  والسلوك الإنساني بين الحقيقة والخيال 1986 ، والأطباء الأدباء 1990 ،وعلم النفس العسكري (بالاشتراك ) 1983 ،وأزمة الطب المعاصر 2009 .
     كما أن له قرابة  مائتي مقالة باللغتين العربية والانكليزية في الصحف والمجلات الموصلية  والعراقية والعربية والأجنبية . وقد حظي بالتكريم من مؤسسات رسمية عليا على مستوى رئاسة الجمهورية وأخرى علمية وشعبية مرات عديدة لجهوده  العلمية والإدارية والثقافية المتميزة. ودخل  اسمه في موسوعة السير العالمية المعروفة ب(من هو في العالم العربي  ؟ )   ،الطبعة السادسة  للسنة 1981-1982  ص 832 – لبنان وحصل على  كتب شكر وتقدير لاتعد ولاتحصى من جهات عديدة ونال شهادة  تخصصية فخرية من الكلية الملكية للأطباء النفسانيين في لندن 1978 .وقد اختير عضوا في مجمع اللغة العربية الأردني –آذار –مارس 1980 .وبعد وفاته سميت إحدى ردهات المستشفى العام في الموصل بأسمه ،وخصصت خزانات  خاصة بكتبه في المكتبة المركزية العامة  في الموصل والمكتبة المركزية لجامعة الموصل وفي كلية الطب . كما  كرم بدرع الصحة النفسية على هامش المؤتمر الوطني الثالث للصحة النفسية الذي انعقد ببغداد بين 17-18 تشرين الأول-أكتوبر  2008 ببغداد هو وبعض الاطباء النفسانيين العراقيين الرواد .
     لقد كان الأستاذ فخري الدباغ واحداً من الأطباء المختصين النابغين إذ  اكتسب ثقة مرضاه لسعة عمله ودفقه الإنساني، هذا فضلا عن  حضوره الدائم على الأصعدة الثقافية داخل مدينة الموصل وخارجها . كان يرى  : " إن الطبيب المثالي هو الذي يمارس الطب كهواية ورسالة لا كمهنة وتجارة ...عليه أن يجمع بين الخلق والعلم ويعيش مع الناس ويتفهم أحاسيسهم وانفعالاتهم فيطلقها ويدونها أدبا أصيلا بالشعر والقصة والرواية وإذا كان الأدب مرآة للناس والحياة فلا بد أن يرتبط الطب مع الأدب ويغذي بعضهما الآخر لاغناء الحضارة والفكر الإنساني" .     شارك في دورات تدريبية  كثيرة ،ومعظمها كانت تدور حول الطب النفسي منها  في السويد والدانمرك وهولندا وانكلترا. كما أسهم  في مشاريع وأعمال استشارية وفنية مهمة منها على سبيل المثال  مشروع أنشاء" وحدة الصحة النفسية " في جامعة الموصل،وعلم النفس ألسريري، وإدارة المستشفيات التعليمية، وتعريب التعليم الجامعي، وكان له طلبة يشرف عليهم في مرحلة الماجستير في الطب النفسي .
    في أوراقه الشخصية التي تحتفظ بها أسرته ونقل منها الأستاذ عماد غانم  الربيعي  في كتابه : " بيوتات موصلية " قوله وهو يتحدث عن نفسه ومفهومه للطب بشكل عام والطب النفسي بشكل خاص :" لو لم أكن طبيبا ...لكنت أديبا ...فالطب بشكل عام والطب النفسي بشكل خاص يسهم كثيرا في فهم الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني ...والعقل ...والأمزجة ...إلى تصور وتفهم الحق ..ومعنى الوجود والخير والشر ... " . لقد وضع لنفسه منذ أن كان شابا بيتا من الشعر يقول : " اذا مر بي يوم ولم اتخذ يدا *** ولم استفد علما فما ذاك من عمري .
    وكان الرجل غزير الإنتاج ويروي أحد أولاده أن مكتبته كانت تعج بالأوراق والكتب والمسودات وقد ألف قرابة 20 كتابا  معظمها لاتزال تدرس في أقسام علم النفس في الجامعات العراقية والعربية .ومعظم كتبه تتراوح  بين الطب والأدب .كما أن له مجموعة كبيرة من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة وبالامكان أن يتفرغ احد الطلبة النابهين لنجاز اطروحة عنه فهو يستحق ذلك فعلا .وتدور بحوثه حول الصحة النفسية، وجنوح الأحداث،  وعلم النفس السريري،  وعن أفضل أسس القبول النفسية في الجامعات  ، والقيم النفسية التي تفرزها الحروب ،وتشريح شخصية الشعوب ،والحروب كظاهرة  نفسية .
    لقد كان الأستاذ الدكتور فخري الدباغ طبيبا ماهرا ،وباحثا دؤوبا ، وإداريا قديرا والاهم من ذلك انه كان إنسانا نبيلا لطيف المعشر ،دمث الأخلاق ، نظيف الكف واللسان، رقيقا ، عطوفا على من يعمل في معيته وقد شهدت فترة إدارته لكلية الطب في جامعة الموصل أزهى أيامها ..أسهم في تطوير الكلية وزودها بكل ماتحتاجه من الأجهزة والمختبرات والكوادر ..ويستحق منا اليوم ان نقف لإحياء ذكراه والتعريف بمنجزاته ويقينا انه ترك بصمة واضحة في جدران البنية العلمية والطبية لبلده .كما خلف من العلم الغزير، والولد الصالح ما يخلده ويذكر به الأجيال القادمة .رحمك الله أستاذنا وزميلنا الدكتور فخري الدباغ  وجزاك خيرا على ماقدمت .


الخميس، 11 أغسطس، 2011

محمود مفتي الشافعية وجريدة نصير الحق !!


محمود مفتي الشافعية وجريدة نصير الحق !!
بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل


حظيت الموصل في تاريخها المعاصر بنخبة من المثقفين الذين عشقوا العمل الصحفي. وقد وقر في ذهن هؤلاء ان الصحافة مرآة المجتمع، وانها وسيلة مهمة للتنوير والتثقيف ونقل مشاكل الناس، والتعبير عن همومهم، ومطامحهم. وفي أوراقنا التاريخية اليوم نقلب صفحات واحد من هؤلاء ذلك هو محمود مفتي الشافعية أو محمود الغلامي صاحب جريدة نصير الحق، والتي صدرت سنة 1941 وتوقفت عن الصدور سنة 1963. فمن هو محمود مفتي الشافعية وما موقع جريدته في خريطة الصحافة الموصلية.. ؟
محمود مفتي الشافعية هو محمود بن جابر بن محمود بن حسن بن علي بن مصطفى بن علي أبي المكارم النجمي التغلبي (مفتي الشافعية). ولد سنة 1911 في الموصل وتلقى علومه الدينية على يد الشيخ عبد السلام الصمدي في مدرسة جامع الباشا، ثم ألتحق بالدراسة الرسمية ودخل مدرسة الوطن الابتدائية ثم أكمل الثانوية وذهب الى بغداد وانتمى الى كلية الامام الاعظم سنة 1927 وبعد تخرجه عمل موظفا في دائرة البريد والبرق، لكنه أحب الصحافة وترك الوظيفة سنة 1929 وكان أول عمل له في جريدة البلاغ التي كان يصدرها متي فتح الله سرسم في الموصل آنذاك.
حصل محمود مفتي الشافعية في آب سنة 1941 على امتياز لاصدار جريدة جديدة باسم (نصير الحق). وقد أشترى مطبعة النصر لهذا الغرض. وقد عرف عن محمود انه كان أديبا، أصدر رواية باسم (فوزية أو شهيدة الغرام) سنة 1941. كما اشتهر بكتابة سلسلة من المقالات التي تقع ضمن ما يدعى بـ (أدب السياحة) حيث راح يتحدث عن رحلاته وانطباعاته عن زياراته لبعض البلدان ومثال ذلك ما كتبه في جريدته سنة 1949 بعنوان:- (أنا مصطاف وعندي لوعة). وقد نقل عبر هذه المقالات مشاهداته وملاحظاته عن أجواء لبنان ومصايفها وأدبائها وشعرائها. كما أصدر قصة باسم (نعمان) وبالاشتراك مع المرحومين اسماعيل حقي فرج ورشيد الخطيب وقد أصدر كراسا حول (الصوم وفوائده الصحية والاخلاقية والاجتماعية) وله كتاب بعنوان (نظرات في الديار السعودية).
أثارت شخصية ومواقف محمود مفتي الشافعية ولا تزال الكثير من الجدل.. والشيء المؤكد ان محمود مفتي الشافعية كان عضوا في حزب الاحرار الذي تزعمه توفيق السويدي 1948. كما انتمى الى حزب الاتحاد الدستوري الذي أسسه نوري السعيد سنة 1949 لدعم معاهدة 1930. وقد تعرض الشافعية وجريدته الى هجوم حاد من الصحف التي كانت تعبر عن الحركة الوطنية، ومنها جريدة النضال لسان حال فرع حزب الاستقلال في الموصل.
كانت نصير الحق جريدة يومية أدبية فكرية تداول على رئاسة تحريرها عدد من المثقفين والمحامين أمثال يونس جودت الرمضاني وكمال توفيق الصائغ ومحمود خاور وسامي عبد الوهاب وأحمد النجم وحلمي عبد الوهاب وحسن الاطرقجي. وقد عطلت الجريدة مرات عديدة لاسباب مختلفة. فعلى سبيل المثال عطلت في 10 آب 1944 بحجة انها ((تنتهج في انتقاداتها الاجتماعية خطة من شأنها تهييج الخواطر)).
ومما يلحظ ان الجريدة شهدت متغيرات عديدة سواء في ترويستها أو خطتها وسياستها. لذلك يمكن القول بأنها ((لم تثبت على خط سياسي واحد)). لكن هذا لم يمنع من انها كانت مع شقيقاتها التي كانت تصدر في الموصل تعكس احداث المدينة ومواقفها ومن ذلك مثلا نقلها أخبار موقف الموصل من وثبة كانون 1948 ومعارضتها لسياسة الاحلاف ودعوتها الى تقوية الجيش ومهاجمة السياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين والسياسة الاستعمارية الفرنسية في المراكش. ولم تتورع الجريدة عن مهاجمة ثورة مايس 1941 الوطنية القومية، وفي الوقت ذاته، فان للجريدة موقف وطني وقومي ابان حركة الموصل 1959 فقد هاجمت الشيوعيين لذلك تعرضت للتعطيل.
لم تكن جريدة نصير الحق جريدة (رأي) بقدر ما كانت جريدة (خبر) وطغت عليها في بعض سني اصدارها الصبغة الدينية الاسلامية.. حتى انها دونت في ترويستها ابتداءا من سنة 1947 انها (جريدة سياسية اسلامية حرة). كانت تنقل من الصحف العربية وخاصة المصرية بعض مقالاتها.. وجعلت في كثير من الاحيان مقالات بعض المثقفين (افتتاحيات لها) ومن ذلك مثلا ما نقلته عن الدكتور عبد اللطيف حمزة مقاله (الصحافة والرأي العام) وجعلته مقالها الافتتاحي للعدد 1990 الصادر في 5 تموز 1963.
اهتمت بتاريخ الاديان، وكتبت عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي (السابق). ودعت الى تطوير مدينة الموصل.. وأكدت أهمية أعادة النظر في قانون المطبوعات لسنة 1950 وحذف كل المواد المقيدة لحرية النشر.. حاربت الالحاد والشيوعية. وكتبت عن الاسلام وانتقدت معاهدة بورتسموث 1948 ودعت الى تطوير طريق الحج وكان لها مواقف ايجابية من الشباب باعتبارهم الطليعة الواعية.. وقد اسهم في تحرير نصير الحق عدد من المثقفين امثال فاروق الدملوجي واسماعيل حقي فرج ومحمد هادي الامين.. وتوقفت عن الصدور في العاشر من تشرين الاول 1963 والغي امتيازها لوفاة صاحبها في حادثة سيارة يوم 20 ايلول سنة 1963 وظلت الجريدة، تمثل صفحة لا يمكن تجاهلها، من صفحات تراث الموصل الصحفي.
*منشورة في الحوار المتمدن 167-5-2009
يرجى زيارة موقعنا "موقع الدكتور ابراهيم العلاف ورابطه التالي :
http://dr-ibrahim-al-allaf.com​/
الصورة من ارشيف الاخ الاستاذ سعود بك الجليلي فشكرا له

أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان


    أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان
   ا.د.إبراهيم خليل العلاف
  أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
     عندما كنت طالبا في المدرسة المتوسطة المركزية أوائل الستينات من القرن الماضي، سمعت بالأستاذ احمد حامد ألشربتي ،ووقر في ذهني بأنه من الأدباء الغيورين على اللغة العربية .وكثيرا ما كنت اقرأ له  - فيما بعد -  بعض مقالاته الجميلة في"مجلة المعلم الجديد" ،التي كانت وزارة التربية تصدرها شهريا . وتعد من المجلات الثقافية والتربوية الرصينة في العراق ولاتزال تصدر حتى يومنا هذا ، واحتفظ بمجاميع طيبة منها .وعندما كتبت عن الأستاذ خيري أمين العمري ذكرت بأن الأستاذ خيري قال بأنه كان معجبا بأستاذه في اللغة العربية الأستاذ احمد حامد الشربتي وقد تعلم منه الكثير .
    احمد حامد الشربتي.. ذكره كثيرون، لكنهم لم يتوسعوا في ذكره والمعلومات التي أعطيت عنه قليلة، وقليلة جدا   لاتتعدى الأسطر الخمسة .ويقينا انه بحاجة إلى من يكتب عنه دراسة موسعة . كتب عنه كوركيس عواد، وباقر امين الورد، ومحمود الجندي ،وحميد المطبعي والأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب . وكل ماكتب عنه انه ولد في مدينة الموصل سنة 1915 ، وفيها أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية وسافر إلى  بغداد ودخل دار المعلمين العالية (المؤسسة منذ سنة 1923 )  ، وهي بمثابة كلية التربية وتخرج فيها سنة 1937 وعاد الموصل ليعين مدرسا ثم أصبح مفتشا (مشرفا تربويا ) .
   احمد حامد ألشربتي من آل ألشربتي وهي أسرة موصلية عريقة اشتهر منهم مكي ألشربتي وهو احد رجالات الحركة العربية القومية قبل الحرب العالمية الأولى، ومن مؤسسي جمعية العلم السرية التي قادت المقاومة ضد الاحتلال البريطاني للموصل 1918 .وكان له دور مهم في تكوين الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وما بعد ذلك .ومن آل ألشربتي العميد سعيد حامد ألشربتي أمر القوة النهرية العراقية الأسبق (1956-1958 ) .
     تولى  الأستاذ احمد حامد ألشربتي وظائف مهمة في وزارة المعارف (التربية ) ،  منها عمله في الإشراف التربوي .كما انغمر في المجال الثقافي العام ، وكانت له صولات وجولات في" مجالس بغداد الأدبية وصالوناتها " . وقد بدأ النشر في الصحافة منذ مطلع الأربعينات من القرن الماضي وله مقالات ودراسات ومتابعات كثيرة .
    من كتبه : " المرشد إلى تمييز الظاء من الضاد " ونشره سنة 1957 وكتاب "المدرسة مركز اجتماعي " ونشره سنة 1962 ، وكتاب " تاريخ الأدب العربي " وهو كتاب مدرسي كان يدرس في الصفوف الثالثة المتوسطة في المدارس العراقية..كما أن له كتاب بعنوان : " الشبيبي في حكمه وأمثاله " وقد نشرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1982. وله كتب مخطوطة سمعنا  - منذ سنوات  - أن ولده زهير  المدرس في كلية الفنون الجميلة ببغداد يعكف على إعدادها للنشر. وقد أشار الأستاذ جمال عبد المجيد العلوجي مدير المكتبة الوطنية العراقية  أن المكتبة الوطنية ببغداد تعتز بأحتوائها على مكتبة الأستاذ احمد حامد الشربتي المهداة .
   كان  الأستاذ ألشربتي عضوا مؤسسا في " جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين " ،وهي الجمعية التي تأسست في الستينات من القرن الماضي وضمت الأدباء والكتاب ذوي الاتجاهات العروبية القومية .
  أشار الكاتب المعروف الأستاذ مشكور الاسدي في  ملحق جريدة المدى بعددها الصادر في 23 آذار سنة 2011 إلى أن الأستاذ احمد حامد الشربتي ابتدأ بمشروع ترجمة بعض المشاهير والأعلام العراقيين وطلب من الاسدي سنة 1964 ان يسجل له بعض الترجمات الأدبية عندما كان يعمل مشرفا تربويا اختصاصيا في وزارة التربية وبأقلام  أصحابها ليعتمدها في تأليف كتاب في هذا الخصوص  .وممن جمع عنهم الأستاذ جعفر الخليلي رائد القصة العراقية المعاصرة والصحفي المعروف .وكلام الاسدي الذي  أعادت نشره المدى يرجع إلى سنة 1971 ومما قاله الاسدي اقلام عابرة، وخطوط رفيعة عن الأستاذ جعفر الخليلي جمعت بعضها من تقييما لما احتفظ به الشربتي  :"  هذه لمحات خاطفة، ورؤوس مذكرات ، والبعض الآخر مما احتفظت بها ذاكرتي، وبعضا من استقصائي حين طلب مني (عام 1964) الأستاذ الجليل احمد حامد الشربتي المفتش الاختصاصي لوزارة التربية سابقا أن أسجلها ليعتمدها في.. ترجمة مشاهير أدباءنا ، وهي مجموعة تراجم انفرد بها أستاذنا ألشربتي بين جميع التراجم لكونها مكتوبة بأقلام أصحابها باستثناء ترجمة الخليلي، ولكون مؤلفها (ألشربتي) بحاثة له في ميدان البحث والأدب أكثر من صولة وجولة، وإذا ما كتب لمجموعته من تراجم أن تخرج الى حيز الطبع فستسد فراغاً جد كبير في عالم البحث والاستقصاء وستنغنينا عن مشقة البحث والتتبع في سير مشاهير رجال الأدب المعاصرين في العراق، ومن باب الاتفاق أن تصبح هذه اللمحات ورؤوس الأقلام عن الأستاذ الخليلي مرجعا لدراسته لدى الباحثين من طلاب الجامعة أو المؤلفين الذين يعنيهم البحث عن تاريخ الصحافة والصحافيين، او تاريخ القصة والقصاصين او تاريخ العتبات المقدسة. او الأدب والشعر في العراق، فاضطررت  لطبع العشرات من هذه النسخ بالطابعة لتسهيل دراسة (الخليلي) على ضوئها. ولما كثر طلابها التجأت لطبع كمية منها بالمطبعة، ثم التجأت لإعادة النظر في بعض فصولها وطبعها من جديد لنفاذ ما طبع منها، وبذلك أكون بسبب استاذنا الشربتي قد وفرت لمن يعنيهم الأمر حاجتهم من هذه اللمحات التي بدأ يزداد الطلب عليها من لدن كتاب التراجم وطلاب الجامعات بقصد الدراسة وليس لدي منها ما يسد الحاجة."  
   أما الأستاذ جعفر الخليلي فقد علق على مشروع ألشربتي بقوله : " يقوم الأديب اللوذعي الكبير الأستاذ احمد حامد ألشربتي المفتش الاختصاصي بوزارة التربية والتعليم ، بجمع عدد من التراجم لعدد من العلماء والشعراء والكتاب، والأستاذ ألشربتي فضلاً عن كونه أدبيا وباحثاً ، وكاتبا لامعاً فان لعاطفته المشبوبة أثرا غير قليل في دنيا المحبة والصداقة، ومن هذه العاطفة وقوع اختياره علي لأكون من ضمن تلك المجموعة التي اختارها من التراجم وبناء على ذلك طلب مني أن أضع بنفسي ترجمة حياتي على غرار ما قدمته أنا في كتابي : (هكذا عرفتهم) من تراجم فاعتذرت، وأصر هو، وأصررت أنا ، لأنني واثق من أني إن فعلت ذلك فلن أنجو مهما بالغت في الحيطة من الأنانية وحب الظهور، ولاحقني هذا الصديق الكريم ولكن دون جدوى حتى وقع على الخبير وتركني مشكوراً.
والخبير هذا هو الكاتب الألمعي المعروف الأستاذ مشكور ألأسدي الذي ولع بجمع طائفة من المذكرات والخواطر، والشذرات، عمن عرف في حياته من رجال الأدب  ،وقد أفاد من دراسته الجامعية وتطوافه بالأقطار العربية والأجنبية، حيوية علمية ، وتجارب فنية ساعدت كثيراً على أن يبدع في جميع ما يكتب من البحوث والمقالات.
وجاءني الأستاذ مشكور يعرض علي مسودة ما كتب عني وطلب مني قراءة هذه الصفحة التي سماها (بلمحات خاطفة) أو الخطوط (الرفيعة) عن جغفر الخليلي كما قال، والتي خططها ليسهل استخراج الخطوط العريضة منها لمن يعنيه أمري كما قال، فقرأتها وليس عندي ما اقوله عن هذه الخطوط (الرفيعة) من حيث الحوادث وتاريخها، ولكني لم انس ان مجرد التفكير في وضع ترجمة عني بخطوط (رفيعة) أو (عريضة) لايخرج عن كونه ضرباً من ضروب العاطفة. "
     وعندما كتبت  أنا عن قاسم محمد الرجب 1917-1974 ومكتبة المثنى ومجلة المكتبة مقالة  قلت بأنني وجدت للشربتي مقالات كثيرة منشورة في" مجلة المكتبة"  .ومن مقالاته التي لازلت اذكرها تلك التي عنونها ب" علام نضيق بالحقائق الدامغة ذرعا ..؟ " وقال فيها :" ماكنت في يوم من الأيام ممن يدينون بالفكرة السلبية  ، فينظرون إلى مساؤئ الأمور ويتركون محاسنها ،ولا كنت ممن يبخسون الناس أشيائهم فيذكرون المثالب ويتعامون عن المناقب .إنني عندما تطرقت في العدد الثامن من مجلة(  المكتبة ) إلى حالة مكتباتنا المدرسية وما بلغت إليه من تدن وانحطاط لم أكن قد وضعت أمام ناظري شخصا معينا أروم النيل منه او الانتقاص من عمله وإنما بحثت المشكلة بحثا موضوعيا لاعوج فيه ولاانحراف .وكنت أتوخى من ذلك تذكير المسؤولين عن تربية النشئ على اختلاف طبقاتهم ان يأخذوا للأمر أهبته، ويشمروا عن ساعد الجد في إعداد هذا النشئ وتوجيهه وإمداده بكل ما تتطلبه الحياة المثلى من ضروب الثقافة الأصيلة والمعرفة الحقة ، وتطهير ذهنه وقلبه من الارجاس ( الثقافية ! ) التي تركها الاستعمار وسماسرته  ، تفتك فتكا ذريعا في العقول والنفوس ..." .ثم أضاف : " بذلك الشعور الصادق كنت أعالج بعض المشاكل التربوية والثقافية ..وبهذه النية السليمة كتبت مقالي ( مكتبات مدارسنا في الميزان ) ...حتى طلع علينا صديقنا وزميلنا المفضال الأستاذ نهاد عبد المجيد مدير المكتبات العامة والمدرسية بمقاله ...وإذا به ينعي علي نقدي لبعض طلابه الذين قال عنهم أنهم خريجو دورة معلمين مكتبيين يتفرغون للعمل المكتبي في المدارس ...لإخفاقهم في انجاز مهتهم ولقيام المسؤولين في وزارة المعارف بإقصائهم وإعادتهم إلى حظيرة التعليم بعد أن ثبت عجزهم عن تحقيق الغرض الذي عينوا من اجله ... " . وفي نهاية المقال يؤكد الأستاذ ألشربتي على أهمية تطوير المكتبات المدرسية وجعلها أداة تربوية حقيقية من خلال تهيئة ما اسماه المعلم المكتبي المتدرب المتفرغ لهذا العمل الجليل .
   كان الأستاذ ألشربتي ، فوق انه مربيا متمكنا يعتقد أن للمعلم رسالة نبيلة  ، فقد كان كاتبا مجدا وباحثا دؤوبا ولم يكن كغيره من المعلمين والمدرسين الذين غادروا الثقافة والفكر والكتاب  . بل ظل - حتى قبيل وفاته بقليل  - ممسكا بقلمه مساهما فعالا في ساحة الثقافة العراقية المعاصرة .لقد كان ذو علاقات متينة مع الوسط الأدبي والثقافي العراقي  . ومما ساعده على ذلك حلمه وصبره وتعاطفه مع الحق ومنهجه التربوي الإنساني الصحيح.. لذلك ظل في ذاكرة الناس  وأعينهم ، مربيا  ،وأديبا وكاتبا  ، وإنسانا .رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه وأمته .
www.dr-ibrahim-al-allaf.com