الخميس، 31 ديسمبر 2009

الشيخ والشاعر محمد عبد الله الحسو وقصيدته الحنين الى شهر سوق !!



الشيخ والشاعر محمد عبد الله الحسو وقصيدته الحنين إلى شهر سوق
ا.د.إبراهيم خليل العلاف

رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين

محمد عبد الله الحسو ،الشيخ، والأستاذ، والشاعر الموصلي الراحل والذي لم ينل حظه من الاهتمام ،مع انه كان علما، ورائدا من رواد الشعر العربي- الإسلامي الملتزم خاصة إبان سنوات الخمسينيات من القرن الماضي .تصدى بشعره لكل من حاول إيذاء الوطن، والأمة، وجهر بآرائه الوطنية، وانتقد من لايسعى للبناء وتقدم العراق .له ديوان مخطوط يحترز عليه شقيقه الأصغر الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله الحسو أستاذ التاريخ الإسلامي، والأمين العام للمكتبة المركزية، ومساعد رئيس جامعة الموصل الأسبق .كتب عن شعر الشيخ محمد عبد الله الحسو الأستاذ الدكتور ذو النون الاطرقجي في موسوعة الموصل الحضارية، الجزء الخامس 1992 .
كان محمد عبد الله الحسو أحد أعضاء البعثة العلمية التي أرسلها الوجيه الموصلي الكبير المرحوم مصطفى محمد الصابونجي سنة 1943، وكان زملائه في البعثة الطلبة انذاك والشيوخ بعدئذ : محمد محمود الصواف ، صالح احمد المتيوتي ، عبد الله عمر والشيخ محمد علي الياس العدواني ، عبد الرزاق مصطفى الكمالي وقد أكملت البعثة مهمتها ونال أعضاؤها( شهادة العالمية من الأزهر) وأشاد شيوخ الأزهر بأعضاء البعثة وبحبهم للعلم وللوطن وللأمة وتبؤاوا مواقع مهمة في المشهد العلمي والديني والثقافي والسياسي العراقي فيما بعد .
وقصيدة الأستاذ الراحل محمد عبد الله الحسو : ((ذكريات الطفولة )) و (( الحنين إلى شهر سوق )) ،قصيدة رائعة وجميلة وفيها يبث الشاعر حنينه إلى ملاعب صباه في محلة شهر سوق (جهار سوق )وهي محلة موصلية عريقة فيها جامع الشيخ عمر الأسود الذي اعتاد الشيخ عبد الله الحسو الرجل الإصلاحي، وعالم الدين المعروف وولديه محمد واحمد اعتلاء منبره. ومما زاد في قيمة القصيدة وتأثيرها أنها قرئت بصوت الدكتور احمد الحسو العذب (وهي متوفرة على الموقع ). ويسعدنا أن نقدم القصيدة لقرائنا الأعزاء وأرجو من الأخ الدكتور احمد أن يكتب ،عن شقيقه ،دراسة وافية تعرف الأجيال به أو أن يرسل لنا ما يتوفر لديه من المصادر، ليتسنى لنا القيام بالواجب وتوثيق حياة وسيرة شاعرنا (أبا مازن ) رحمه الله واسكنه فسيح جناته انه نعم المولى ونعم النصير .وأدناه القصيدة :
ذكريات الطفولة( والحنين إلى شهر سوق) !!
للشاعر الموصلي الراحل الأستاذ محمد عبد الله الحسو
يا دارنا في شَهر سوق تكلمني
يا مهجتي هلاّ عرفت فتاكِ؟
هل تذكرين ملاعبي؟
هل تذكرين طفولتي وملاعبي؟
هل تذكرين مساربي بحِماكِ؟
أيام ألهو في الحمى بطفولتي
والقلب نشوانُّ بنفحِ شَذاكِ
والغيدُ تمرحُ في الدروبِ طَلِيقةً
من كل ساحرةٍ كطيفِ مَلاكِ
هل كان يعلم طفلنا أقداره
ومصيره من بَعدِ عيش زاكِ
يا دارنا.. لو تعلمين ببعض ما
كتب الزمانُ له مِن الأشواكِ
لوهبتِهِ دَفقَ الحَنان تلطفاً
ولكانَ ما قد مَسَّه
أبكاكِ
عبرتْ به غِيَرُ الزمان عصوفةً
فإذا به يبكي على ذكراكِ
وإذا ذكرتك في الخيال تصدعت
كبد تنزى لوعة بهواك
لم يبقَ لي إلاّ صداك مُرجَّعا
برحاب قلبٍ عَالقٍ برؤاكِ
أهفو إلى حُلوُ التراب بدارنا
في السطح..
في الغرفات..
في الشباك..
أين الزهور تفتحت بذُراك؟
يا زهرة نبتت على درب الهوى
وتناثرت
في غمرة الأشواك
يا دارنا في شَهر سوقْ
تحدثي..
يا حلوتي
هل تذكرين فتاكِ؟
أمسى ضباباً فوقَ بحرٍ صَاخب
أو كالسحابِ بذروةِ الأفلاكِ
يا دهرُ..
يا أفلاكُ
أين طفولتي؟
صَمَتَ الزمانُ
وذاب
صوتُ الشاكي

تاريخ العراق الثقافي المعاصر اصدار جديد للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف


تاريخ العراق الثقافي المعاصر ... إصدار جديد

بقلم الدكتور ذنون الطائي

العراق بلد يعد موئلاً للثقافة والفكر وشهدت سوحه الثقافية والفنية نهضة عارمة منذ أوائل القرن العشرين وتجذرت وتعمقت منذ منتصف ذلك القرن من خلال نخب من المثقفين والمفكرين والفنانين الذين أثروا المشهدين الثقافي والفني بفيض إبداعاتهم وعطائهم الثر ،
فلا جدال أن العراق قد تميز وبز غيره من الدول العربية متقدماً عليها في إطار علو مسيرة الإبداع الأدبي والثقافي والفني ، وقد مثل تلك المسيرة نخب من المبدعين العراقيين وهم كثر ، فحين يذكر الفن التشكيلي يرد اسم الفنانين الكبيرين الراحلين جواد سليم ونجيب يونس وفي الفن المعماري تذكر المهندسة المعمارية العالمية زها حديد وفي عالم الصحافة نذكر الرواد فائق بطي وسامي الجلبي وعبد الوهاب النعيمي وفي الطب والتراث والفلسفة نذكر د. عادل البكري وفي الشعر الحر يذكر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ود. يوسف الصائغ وغيرهم من المبدعين الذين مثلوا باتجاهاتهم ومشاربهم الفكرية والفنية والأدبية ثراء المدرسة العراقية بعطائها وامتزاجها وانفتاحها على المدارس الأخرى كما كانوا خير من مثل مرحلتهم ومعاناة وآمال وتطلعات شعبهم وناسهم فهم حقاً عناوين للحياة .

أقول ذلك وأنا أتصفح ( تاريخ العراق الثقافي المعاصر ، دراسات ومقالات ) الإصدار الجديد للأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف المؤرخ العراقي المعروف ومدير مركز الدراسات الإقليمية ، الذي جمع عدداً من الدراسات والمقالات بلغ مجموعها ( 43 ) عنواناً يؤرخ من خلالها الحركة الثقافية العراقية بمعطياتها وأنديتها وروادها مبيناً مجالات الخصب العراقي في التدفق والعطاء في أدق المراحل الفكرية التي مر بها العراق منذ منتصف القرن العشرين وعلى مدى أكثر من خمسة عقود ، إذ شهدت الساحة العراقية تلاقحاً فكرياً واحتداماً ثقافية صعد من خلاله الخطاب المعرفي العراقي بوتائره الأصيلة في المهرجانات والمعارض والمسارح والإصدارات والحلقات النقاشية والمنتديات الأدبية .

ثقتي أكيدة بان القارئ الكريم سيجد فائدة كبرى ومتعة القراءة في هذا المؤلف للمؤرخ العراقي الحصيف أ.د. إبراهيم خليل العلاف الذي أتحفنا بهذا الجهد العلمي والثقافي الذي يحمل (43) عنواناً في 331 صفحة مبتدأً بجماعة الصحيفة 1924 – 1932 ومنتهياً بجماعة أصدقاء القصة في الموصل و ضم الكتاب حشد كبير من مبدعي العراق ممن أثروا المشهد الثقافي حتى الأمس . وهو حتماً عملاً مضافاً للمكتبة العراقية والعربية .

أمنياتنا للدكتور العلاف بمديد العمر والصحة ومزيداً من العطاء المعرفي خدمةً لتاريخنا وعراقنا العظ
يم .

الأربعاء، 30 ديسمبر 2009

الاستاذ الكبير الدكتور عبد الاله الصائغ يرتجل ابياتا من الشعر بحق الدكتور ابراهيم خليل العلاف



العلم والمحتد والانصاف
ثلاثة خليلها العلاف
أكرم بإبراهيم فذا واهبا
مِن عبقِ الموصل ما يستاف
طوقني بالفضل هذا شأوُ مَنْ
تزهو به اسلافُنا الاشراف
وهكذا غنّتِ له الألطاف
لا رغبة في عارض زائل

أو رهبة ديدنها الإخلاف
أم الربيعين وفرسانها
من غير سيف الله لا تخاف
أخي البروف العلاف كتبت لك هذه الابيات ارتجالا ولكن معانيها علم الله محفورة في يقيني
اشكرك
عبد الإله الصائغ
ميشيغان –الولايات المتحدة الاميركية
30 -
12-2009

استاذ التاريخ الحديث ..مدير مركز الدراسات الاقليمية في جامعة الموصل الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف في حوار شامل




أستاذ التاريخ الحديث ..مدير الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف في حوار شامل
:العراق بلد الإبداع، وفيه من المبدعين ما لا يعد ولا يحصى .. لابد من ترسيخ فكرة المواطنة ..طالما هناك احتلال فأن من حق كل شعب المقاومة والمواجهة بشتى الأساليب ..في العراق رجال قادرون على إنجاز مهام التحرر والبناء والتقدم ..المثقفون العرب مطالبون بالمزج بين الأصالة والحداثة



كتابة وحوار : موفق العساف

مؤرخ متفرد، يرى أن الثقافة جملة معارف وتحصيل معرفي لأنماط السلوك ،وثوابت العقل العملي ، استحوذ على ما استله من التاريخ الاجتماعي والنفسي بعضا من خصاله، ومن التاريخ السياسي كذلك ليرتكز إلى مستويات من تحققات منجز ثقافي دمج فيه ما استقر من حياة ودمار مادي وروحي من متاهات القرون السالفة وصولا إلى التاريخ الحديث بعيدا عن ثقافة الاستنساخ، وثقافة السلطة يقدم فيها مشاهد بدلالة الشهود من رماد الذاكرة ومن اتقادها إذن نحن إزاء مروج للانطلاق من مأزق الحياة الضيقة لشخوص وأزمنة إلى آفاق شاسعة ضمن اطر الحياة اليومية بتأثيرات الهموم الذاتية بما أحاطها من حرب وسلام ومسرة وألم دأب على البحث فيها عن القيم الثابتة، وما احتوته من وقائع لحياة مرعبة تجاوزت المسرات والآلام ، إذن نحن مع رحلة لمؤرخ أكثر ما عنى به هو التاريخ من كل جوانبه ،فالأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف ،أستاذ التاريخ الحديث ومدير مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل ، هذه الجامعة العريقة والمؤسسة العلمية التي تؤاخي بين الحاضر والمستقبل في خضم بناء سليم ينهض على الماضي العريق المشرق للعراق ، والذي يعد مهدا مرموقا في ابتكار العلوم والمعارف.. وقد برز العلاف ،عبر عمله الأسبق رئيسا لقسم التاريخ، وعمله الحالي مديرا لمركز الدراسات الإقليمية ونشاطاته الواسعة شاهدا على حقائق وقف إزاءها متجردا من كل المؤثرات التي يمكن أن تغير مسار الحقيقة أو تشوهها . فكانت وقفة شجاعة تصدى لذكر الحقائق دون الالتفات إلى النتائج مهما كانت ومن هنا كان مؤرخا وكان كل شيء بالنسبة للتاريخ وآلا كيف يكون التاريخ من دون مؤرخ ،والتاريخ- كما يقول ادوار كار- حوار متصل بين الماضي والحاضر، كما انه حوار بين المؤرخ ووقائعه .
إن ما تناوله في كتبه القيمة سواء كانت في تاريخ شخصيات أو وقائع أو ما هو متداول بين الصحافة بوصفها صحافة وثقافة الصحافة فإنما سعى إلى دعم ومساندة مادية ومعنوية اثر بشكل كبير في عمله كعين يرصد بها حركة المتغيرات ولم يكن رصده تحت ضغط ما،سوى تلك الرغبة .
هذه رحلة مع رجل أرسى دعائم البحث المعرفي التاريخي بشكل علمي، وأضاء مع من أضاء من النخبة الخيرة للشباب الطريق نحو فضاءات الجامعة العريقة في الموصل هذه المدينة المحيرة التي يتحول فيها الرمز إلى سحر غريب .
في سؤال توجهت به الجريدة الموصلية الرائدة (فتى العراق) إلى الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف : لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ أجاب أن هذا السؤال الأسطوري قد كانت إجابتي عليه قبل ربع قرن في كتابي (تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516 – 1916 ) . اليوم بعد سيادة العولمة والاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003 ، يقف الدكتور العلاف إزاء إعادة تأسيس (الخطاب الخلدوني) . والأستاذ الدكتور الذي ولد وترعرع في الموصل، لم يكن حاطب ليل، ولم يكن وراقاً في حضرة السلاطين، ولا باحثاً مدرسياً مكلف بمنهج مقرر، ولا مزايد بشعارات رخيصة، بل خرج من جلباب العراق والوطن العربي، مفكراً مهموما بهاجسه في التقدم، وجاعلا هذا التقدم مشغوليته.. لذلك جاءت نصوصه قابضة على كل صلاحياته التاريخية وإذا كان ابن خلدون قد نشر ظله على ما جاء بعده إلا أن (العلاف) ما زال مسكونا بمفاهيمه والهوية العربية لديه خارج التشكيلات العرقية وهي من عمق الإسلام، والتي تبرز لتبلغ التناقضات، وقد تحسسها عندما رأى في أمته كل شيء محذرا جراء صراع التناقضات ذاتها بين أن يكون وأن لا يكون، ومن هنا جاء منجزه استحقاقات صعبة . وترجع أهميته انه لم يعسر علينا فهمه، أو سحبه من خانة الكتب الفاعلة ، ليس لكونه طرح أسئلة ربما لا تزال تشغل الحياة والفكر في العراق والوطن العربي والعالم الإسلامي ، وهنا قد أجاب فيها عن كل شيء وأوضح أشياءها وتساؤلاتها فكتب / نشأة الصحافة العربية في الموصل 1982 ، تطور التعليم الوطني في العراق 1982 / تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1983 ، تاريخ الوطن العربي الحديث المعاصر 1987 / تاريخ العراق المعاصر 1989 / قضايا عربية معاصرة (دراسة مشتركة) / تاريخ تركيا وإيران الحديث والمعاصر مع د. خليل علي مراد / دراسات في تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية (بحث مشترك) / القدرات النووية في الشرق الأوسط 2006 / العراق والولايات المتحدة الأمريكية 2006 / خارطة التوجهات الإسلامية في تركيا المعاصرة 2004 / الخليج العربي دراسات في التاريخ والسياسة والتعليم 2007 / شخصيات موصلية 2007 / تاريخ الموصل الحديث 2007 –نحن وتركيا 2008 ،وأخيرا تاريخ العراق الثقافي المعاصر 2009 .
والأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف مواليد 1945 – الموصل أستاذ التاريخ العربي الحديث ومدير مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل – العراق له نشاطات كثيرة ومهمة ، رئيس جمعية المؤرخين الاثاريين-فرع نينوى الأسبق،عضو اتحاد المؤرخين العرب حيث منح وسام المؤرخ العربي في 15/7/1989، وحاصل على امتياز رعاية الملاكات العلمية / عضو مجلس جامعة الموصل،ورئيس تحرير موسوعة الموصل الحضارية / مستشار في جريدة فتى العراق ، عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب ،نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين.. كتب الكثير عن نواة المؤسسات الحكومية في الاتصالات والمحاكم والتربية والصحة ، والمجموعة الثقافية كمؤسسة تربوية وعن شخصيات موصلية وعراقية ، سياسيون وأدباء وفنانون ووجوه اجتماعية أسهمت في تاريخ مدينة الموصل العربية وعن الحركة الصحفية والرياضية والثقافية والفنية ، ونشر اغلب المواضيع والمقالات والسير تلك ، في صحف ورقية والكترونية موصلية وعراقية وعربية .
إن رحلتنا السريعة مع هذه المفخرة العراقية الذي أرسى دعائم العلم والمعرفة وأضاء طريق الفكر والموسوعية في جامعة الموصل العريقة عبر ثراء كتاباته وعبر نشاطاته وظل عطاؤه لم ينضب وما زال جذوة متقدة.. ومعلما من معالم مدينة الموصل شامخا كدجلتها وكمنارتها الحدباء وآثارها واصالتها ولزاما علينا أن نشير انه أعلن عن جائزة هبة العلاف إحياء لذكرى ابنته الراحلة في عز شبابها وتتعلق ببحوث التاريخ الحديث تشجيعا للطلبة على إنجاز البحوث الأكاديمية الجادة وقيمتها مليون دينار . كذلك انه كشف عن وثيقة مهمة بين السياب وشاذل طاقة وهي رسالة عن الشعر وأحواله وتتبقى المسألة الأهم التي يدعو إليها الدكتور العلاف وهي إمكانية تطور الصحافة بشتى مستوياتها والحرص على ديمومتها مثلما هو يؤكد أن الموصل أول مدينة عراقية شهدت الصدارة في الصحافة . التقينا الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف وكان هذا الحوار :
س) ما هي مهام ونشاطات مركز الدراسات الإقليمية ومتى تأسس المركز؟
ج‌) مركز الدراسات الإقليمية ، مركز بحثي تأسس باسم مركز الدراسات التركية في 25 كانون الأول 1985 ، ثم تغير اسمه في 17ايلول 2003 إلى مركز الدراسات الإقليمية .. يهتم المركز بإنجاز بحوث استراتيجية حول شؤون العراق وجيرانه وبعض دول الشرق الأوسط بهدف تطوير العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ويوجد في المركز حاليا (25) باحثاً متخصصاً يتوزعون على ثلاثة أقسام هي قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية ،وقسم الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وقسم الدراسات التاريخية والثقافية .. أنجز المركز منذ تأسيسه المئات من الدراسات والبحوث كما أصدر (40) كتابا وعقد (6) مؤتمرات علمية و (30) ندوة علمية .. ويصدر مجلة محلية باسم دراسات إقليمية.. ونشرات شهرية منها الأمن الإقليمي ومتابعات إقليمية وتحليلات استراتيجية وترجمات إقليمية، كما يصدر سلسلة كتب بعنوان (شؤون إقليمية) وهو يغذ السير ليصبح من المراكز العلمية المرموقة في العالم ولا سيما وانه أصدر تقريره الاستراتيجي الأول منذ سنة2000 .

س) جائزة هبة العلاف ، هل هي لموسم واحد أم مستمرة ، وما هي أهدافها ؟
ج) جائزة هبة العلاف مستمرة وتقدم فيها بحوث في التاريخ الحديث وللشباب الذين لم يصلوا السن (40) والهدف تشجيعهم على البحث العلمي . واحياء لذكرى ابنتنا المهندسة هبة التي توفيت اثر مرضها بالسرطان .
س) الحداثة العربية ، هل هي منهج لفهم مقارن أم مصطلح نقدي؟
ج) الحداثة العربية هي حركة ثقافية القصد منها اللحاق بالحداثة العالمية وتطوير البنية الاجتماعية والثقافية العربية ، ويسعى الحداثيون العرب لان يوفقوا بين الحداثة والاصالة .. وهذا جهد ليس بالجديد إذ مارسه المفكرون العرب منذ أواخر القرن 19 وكل جهدهم انصبّ على الإجابة عن سؤال تقليدي (لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا ) وما الرؤى والاجتهادات التي نراها اليوم على الساحة العربية إلا نتاج تلك الحركة .
س) الاستشراق ، هل بات نظرية أم ضمن المفاهيم الغربية التي دخلت العالم الإسلامي والعربي ؟كيف نفهمه والتعامل معه؟
الاستشراق حركة غربية لسبر غور الثقافة العربية والإسلامية .. والاستشراق فيه جانب ايجابي وجانب سلبي وهو ليس صداما للحضارات بل تعارف وانفتاح .. ولا بد من الوقوف عند الاستشراق والاعتراف بأنه درس تراثنا بمنهجية عقلانية تحليلية نحن اليوم أحوج إليها أكثر من أي وقت مضى .
س) بعد الاحتلال الامريكي ، برزت حيثيات البحث عن الهوية الوطنية ، ثم أصبحت أزمة بعد التناحر والتوجه نحو الطائفية وتكريس التقسيم ، هل هناك جذور تاريخية للهوية ؟ وهل فقدنا الهوية؟
ج) الهوية الوطنية العراقية لم تضع ولن تضيع يوما فهناك من يحرص على ترسيخها ،وترسيخ فكرة الوطن وفكرة المواطنة والشمس في بلادي أجمل من سواها والظلام حتى الظلام فهو أجمل .. هكذا يقول شاعرنا السياب .. والعراقي مثل طائر العنقاء كلما احترق له جناح تسامى في الارتفاع .. الملك فيصل الأول قدم مذكرة قال انه سعى من اجل أن يكون هناك شعب عراقي وليس كتلا منفصلة، ونوري السعيد كان يصر على أن يلفظ العراق بالعُراق وعندما يسأل يقول انه لا يريد أن تكون (عين العراق) مكسورة ..النصوص تقرأ ضمن ظروفها.. ونوري السعيد مثلا عمل من اجل العراق ولكن برؤية خاطئة وهي الاعتماد على بريطانيا باعتبار أن العراق كان بلدا ضعيفا ولا بد له من الاستناد إلى دولة كبرى .. وبريطانيا كانت في عهده دولة عظمى .
س) ضاع مفهوم المقاومة والجهاد في تداعيات الاحتلال وسط أمور وملابسات كثيرة ، كيف تنظرون إلى مفهوم المقاومة وجدوى مقارعة المحتل عبرها ؟
ج) الاحتلال هو احتلال وبكل المقاييس لا بد للشعب العراقي من المقاومة والمقاومة أنواع وللمقاومة أساليب ووسائل .. ولكل فعل رد فعل مساو له في القوة معاكس في الاتجاه .. وللأسف نحن بحاجة إلى استراتيجية تعيننا في الخروج من مأزق الاحتلال.. وهذا يتطلب (رجال دولة) يعملون من اجل الوطن ويضعون الوطن في حدقات عيونهم وتكون مصلحة (الوطن) في مقدمة أهدافهم لا (سياسيين ) يتعاملون مع الواقع بشكل آني .
س) منذ 9نيسان 2003 ولغاية تاريخ اليوم حقق الاحتلال حالة اللاتوازن والانكسار التي كانت ضمن أجندته ، كيف الخروج من مأزق الاحتلال ؟
ج‌) أسئلة لا تزال تشغل الحياة والفكر في العراق ، أبرزها كيف نخرج من مأزق الاحتلال ؟ وكيف ننهض ؟ وكيف نتقدم ؟ وكيف نسعد شعبنا؟ وكيف نكون في مصاف الناس المتمدنين ؟ وكيف وكيف.. وفي العراق منذ عصر النهضة في القرن 19 رجال عملوا من اجل النهوض .. سواء في الشعر أو الأدب أو الفلسفة أو الدين أو السياسة أو التعليم أو الاقتصاد .. العراق بلد الإبداع وفيه من المبدعين ما لا يعد ولا يحصى واعتقد أنهم قادرين على إنجاز مهام التحرر والبناء والتقدم .
س) المشاريع القومية التي دخلت في منطق العنصرية ، هل سببت الشرخ في المشروع القومي النهضوي ، كيف التصدي لهذا؟
ج) النهضة كانت وراءها القومية وكان وراءها الدين وكان وراءها الاقتصاد وكان وراءها الحرية . الثقافة العربية ثقافة أصيلة ، وثقافة علمية، وثقافة عصرية ،وثقافة عقلية والعيب هو في المثقفين أو في بعضهم .. وكما يقول الشاعر :
يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا وما فسد الزمان
الزمان هو الزمان والفساد في الأشخاص .. الثقافة تحتاج الخصوصية، وتحتاج السلفية، وتحتاج الحداثة .. والثقافة إذا لم تستند على السلف لا جذور لها والأمة بدون تاريخ ليس لها ذاكرة .. والتبعية أكذوبة، فالمثقف لا يمكن أن لا يكون إلا تقدميا ، ولا يسمى المثقف مثقفا إلا إذا كان ذو حس تقدمي، ونظرة متطورة إلى الحياة والكون والمجتمع لأنه مسكون بروح التغيير والتغيير لا يمكن إن يكون إلى الوراء ..!!
س) المعاناة التي برزت هي الأمراض المستعصية التي تعلق بها الوضع السياسي والمجتمع العراقي وهذا موقف سلبي ضد واقع الثقافة ، ما هو مشروعكم الثقافي وأين وصلتم به خاصة وانتم تمارسون التوثيق والتدوين وكتابة التاريخ ؟
ج) مشروعي الثقافي الحالي هو التاريخ للثقافة في العراق وتياراتها ورموزها وأبعادها وطبيعتها، فلقد أهمل هذا الموضوع من قبل الآخرين وبدأت الآن أركز عليه ولدي كتاب طبع في دار ابن الاثير للطباعة والنشر – جامعة الموصل صدر مؤخرا بعنوان : (تاريخ العراق الثقافي المعاصر) .. الثقافة هي روح الحياة ،وروح التاريخ ولا نستطيع أن نفهم الحياة ونفهم التاريخ إلا بسبر غور الثقافة قصة، ومقالة، وشعرا، ونقدا، وتحقيقا .. والمثقفون هم القوة الديناميكية في المجتمع .. وضمن ما يعرف بالطبقة الوسطى..هم قاطرة التاريخ .
س) العراق منارة الشرق وكان سباقا نحو الانفتاح سواء العربي أم الغربي بما يمتلكه من حضارة وارث تاريخي ، هل تحقق هذا وفق مفهوم العولمة ؟
ج) نعم الانفتاح في كل ألازمان على الآخرين مكسبا،والعرب -في عز عطائهم الحضاري- كانوا منفتحين على الغير وعلى الآخر مثلما يقال واللغة العربية لغة منفتحة تأخذ وتعطي، والانغلاق لا ينسجم مع طبائع العمران بلغة ابن خلدون الفيلسوف والمفكر الاجتماعي العربي الكبير ..
س) الحضارة العربية والمستوى التي حققته إزاء التاريخ ، هل تعثرت وسط التشرذم العربي ؟
ج‌) نعم التطور الحضاري العربي في أزمة وهناك استبداد وهناك استعباد وهناك ظلم وهناك تشبث بالكراسي وهناك محاولات للتوريث وهناك قمع للحريات .. فكيف يكون التطور وعلى يد من ؟ حتى المثقفين تجري اليوم محاولات لتدجينهم وجعلهم وعاظا للسلاطين .. والسعي وراء المادة هو ما يهم الكثيرين منهم .. مثقف اليوم ،على الأغلب ، مثقف سلطة يسبح ويحمد باسم الحاكم لذلك فهو ليس بمثقف عضوي كما يقول غرامشي ليقرأ المثقفون ما كان يفعله جون بول سارتر .. كان منارة وكان شمعة وكان قائدا وعلى مثقفينا أن ينتبهوا إلى حالهم ويتداركوا ما هم عليه قبل فوات الأوان.. والنهوض لا يكون إلا ذاتيا والتدخل الخارجي لا يساعد على النهضة .. لنحلق رؤوسنا قبل أن يحلقها لنا الآخرون ..
س) التنظير مفردة ضمن الموسوعة الثقافية لها مدلول فلسفي وسياسي ما مدى الحاجة إليها ضمن منطق التاريخ وفهمه ؟
ج‌) نحن بحاجة إلى كل شيء .. بحاجة إلى التنظير كما أننا بحاجة إلى الفعل .. والفعل بدون تنظير ليس له قيمة .. والتنظير بدون فعل ليس له تأثير .
س) كثر الحديث عن حوار الحضارات بعد الصراع المرير ومن ثم جاءت العولمة لردم الحضارات ، أين وصل هذا الحوار أم هناك مشاريع حداثة أخرى؟
ج) حوار الحضارات ليس جديدا .. الحضارات منذ أن وجدت تتحاور وتتعامل مع بعضها كما يتعامل المرء مع صديقه .. نأخذ ونعطي والمهم هو كيف نعمل من اجل الحفاظ على مصالحنا .. وكيف نسعى في الحفاظ على هويتنا .. والآخرون لا يحترموننا إذا كنا منقادين بل لا بد من إشعارهم بأهميتنا .. بتمسكنا بتقاليدنا وخصوصياتنا وبتعاملنا معهم الند للند .. وبشرط أن نعالج نحن عيوبنا .. وكما يقول الشاعر نزار قباني فان اليهود ما دخلوا من حدودنا بل دخلوا من عيوبنا .. ولا بد من سد الثغرات ومعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية قبل أن نقدم على أي شيء .. وحوار الحضارات وحوار الثقافات وحوار الأديان وحوار المصالح مطلوب .. الحوار أو الجدل مطلوب ومهم والأمم لا تتقدم إلا عندما تحتك مع بعضها وتتحاور وتقتبس وتستفيد من منجزات الآخرين .. وتقارن بين وضعها ووضع غيرها.. هكذا نبدأ النهضة .
س) تركيا من الدول المجاورة للعراق والمتشاطئة معه كذلك هناك قواسم مشتركة ، كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقة معها؟
ج‌) توجهات تركيا نحو العرب اليوم جيدة وممتازة في ظل وجود حكم حزب العدالة والتنمية .. فقادته ورموزه منفتحين على العرب .. لكن العيب هو إننا لازلنا نتوجس من الأتراك .. ولا زلنا نخاف من طرح المشاكل أمام الآخرين .. ولا زلنا غير قادرين على تحديد ما الذي نريده .. هناك إشكاليات مزمنة .. المياه .. الحدود مثلا.. لنجلس مع الأتراك .. ولنتلاحم معهم ، ولنطبع العلاقات ولنسمح لكل الشرائح في المجتمع سواء في العراق أو تركيا أن تتعامل مع بعضها لتفهم بعضها وبهذا نضمن تطوير المصالح ولفائدة الطرفين .
س) جرى الحديث عن اجتهادات في تحديث الإسلام أو حركة التجديد وفق المنظور الحضاري والتطور ألمعلوماتي ، ترى ما هي ظاهرة الإسلام السياسي ، وهل تنجح؟
ج‌) الإسلام السياسي وقواه ليس جديدا على الساحة العربية ، فمنذ أواخر القرن الثامن عشر كانت هناك حركات دينية سياسية حاولت الإجابة على سؤال لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا .. والدين هو احد محركات المجتمع ولا يمكن تجاوز دوره .. ولكن هناك قوى أخرى .. المشكلة هي في ادعاء كل طرف احتكار الحقيقة .. ونحن نقول أن على كل قوى المجتمع وتشكيلاته أن تعمل من اجل الصالح العام .. وإذا ما قامت بذلك فليس ثمة مشكلة .. كما أن على هذه القوى أن تحصن نفسها من أن تتسرب إليها نزعات التشدد والتطرف .. فالإسلام دين الوسطية ..ودين الرحمة.. ودين المحبة.. ودين السلام .. ولا يمكن إن يكون الإسلام الا ثورة .. ثورة على الظلم ،وثورة على الاستبداد، وثورة على التخلف، ودعوة إلى العدل والمساواة والخير والسلام والقوة والمحبة.
شكرا للأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف على إتاحته هذه الفرص
ة لنا للحوار والحديث عن أمور كثيرة نرى أنها تشغل بال قارئنا العزيز .

التعليم العالي الاهلي في العراق ..تاريخه ،واقعه ،مستقبله




التعليم العالي الاهلي في العراق ..تاريخه ،واقعه ،مستقبله
أ.د. إبراهيم خليل العلاّف
مركز الدراسات الإقليمية-جامعة الموصل


تعود جذور التعليم العالي الأهلي في العراق إلى سنة 1963، حين تأسست( الكلية الجامعة) بمبادرة من نقابة المعلمين. وفي سنة 1968 أُلغي اسم الكلية الجامعة ليحل محله اسم (الجامعة المستنصرية). وفي سنة 1974 صدر القرار المرقم 102 الخاص بإعادة تنظيم الجامعات في العراق لتصبح الجامعة المستنصرية مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي الرسمي.ولم يشهد التعليم الأهلي العالي في العراق اهتماماً كافياً إلا في سنة 1988، إذ تأسست بعض الكليات الأهلية، وفي 21 من آب سنة 1996 صدر قانون الجامعات والكليات الأهلية، المرقم (13). وكان عدد الكليات الأهلية آنذاك (9) وهي :: كلية المنصور الجامعة (بغداد)، وكلية التراث الجامعة (بغداد)، وكلية الرافدين الجامعة (بغداد)، وكلية المعارف الجامعة (الأنبار)، وكلية الحدباء الجامعة (الموصل)، وكلية شط العرب الجامعة (البصرة)، وكلية اليرموك الجامعة (ديالى)، وكلية المأمون الجامعة(بغداد)، وكلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة (بغداد).أما في الوقت الحاضر وعند كتابة هذه السطور فعددها (17 ) كلية وجامعة .
في مطلع العام الدراسي 2006 -2007 حثت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الطلبة الراغبين بالتقديم إلى الكليات أو الجامعات الأهلية، ، التأكد من كونها مجازة ومعترف بها من قبل الوزارة.
وقال مصدر في جهاز الإشراف والتقويم العلمي في الوزارة، أن عدد الكليات أو الجامعات الأهلية المستوفية للشروط والضوابط التي تعتمدها الوزارة للاعتراف بهذه الكليات، على وفق قانون التعليم الأهلي، هو (16) فضلاً عن جامعة واحدة (جامعة أهل البيت في مدينة كربلاء)، وأضاف المصدر أن شروط استحداث الكليات الأهلية حددت بموجب المادة الخامسة من قانون التعليم الأهلي، الذي يمنح مجلس الوزراء صلاحية الموافقة على استحداث الكليات الأهلية، بناء على اقتراح مسبب من قبل وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
وعن الشروط الواجب توفرها للموافقة على الاستحداث، أوضح المصدر، بان للنقابات المهنية المعنية بالعلم والتربية والثقافة، والجمعيات العلمية، والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، المعروفة باهتمامها العلمي أو الثقافي أو التربوي، حق تأسيس كليات أو جامعات أهلية، شريطة أن يكون قد مضى على تأسيسها مدة لا تقل عن خمس سنوات، ولها نشاط ملحوظ في مجال النشر والتأليف في مستوى ثقافي مقبول، وإسهامات واضحة وايجابية في الحياة الوطنية وفي تطوير التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال مشاركتها الجادة والمستمرة في المؤتمرات والندوات العلمية والتربوية، وفضلاً عن قدرة مالية على تهيئة مستلزمات الجامعة أو الكلية والصرف عليها، وعدم جواز إجراء أي اتفاق مع الغير يكون من شأنه أيلولة أية أرباح ناجمة عن هذا التأسيس إلى غيرها.
وأضاف أنه يجوز أيضاً لأعضاء الهيئة التدريسية من المتقاعدين من حملة شهادة الدكتوراه أو ممن هم بمرتبة أستاذ مساعد في الأقل من المختصين والمهتمين بشؤون التربية والتعليم الذين لا يقل عددهم عن (9) تسعة، تقديم طلب تأسيس الجامعة أو الكلية الأهلية.
واستطرد قائلاً، أنه على الراغبين بتأسيس كلية أو جامعة أهلية، تقدم طلب التأسيس إلى الوزير مشفوعا بتقرير يتعهد فيه طالبوا التأسيس بتوفير المستلزمات المادية والبشرية والعلمية بما فيها البناية والمكتبات والمختبرات وغيرها من المستلزمات الأخرى، وإعداد نظام داخلي يتضمن، اسم الجامعة (أو الكلية) ومقرها وأهدافها والموارد المالية لها، والهيكل التنظيمي لها والفروع العلمية فيها وعدد أعضاء الهيئة التدريسية على الملاك الدائم في كل كلية وقسم أو فرع وشهاداتهم ومؤهلاتهم وخدماتهم السابقة وهيكل عمل عضو الهيئة التدريسية، وأية أمور أخرى تنظم عمل الجامعة أو الكلية.
ومضى قائلاً، أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، يحيل طلب التأسيس مشفوعا برأيه إلى مجلس الوزراء خلال تسعين يوما لاتخاذ القرار بقبول الطلب أو رفضه، وإذا رفض المجلس الطلب فيتم ذلك بقرار مسبب ويكون القرار باتا ويلتزم طالبو التأسيس بتوفير جميع المستلزمات المطلوبة لإنشاء الجامعة أو الكلية.
وبشأن قيام البعض باستحداث كليات أو جامعات أهلية دون موافقة الوزارة، بين المصدر أن هذه الحالة موجودة إنما بنحو محدود، إذ يعمد البعض إلى مثل هذا الإجراء برغم وضوح الضوابط الخاصة بالاستحداث، لافتاً إلى أن الوزارة تدرس سبل الحد من هذه الظاهرة السلبية بما ينسجم مع سمو أهداف التعليم العالي، ويحقق المصلحة العامة.. مؤكداً أن الوزارة لا تعترف بالشهادات أو الوثائق التي تمنحها مثل هذه الجهات.


وحث المصدر الطلبة الذين يرومون الدراسة في كلية أهلية، وأولياء أمورهم، التأكد من كونها مجازة من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومعترف بشهادتها، ضماناً لمستقبلهم، وحرصاً على رصانة دراستهم وعدم ضياع جهدهم وأموالهم سدى.


وفي أدناه قائمة بأسماء الكليات الأهلية المعترف بها من قبل الوزارة:


الكليــــات/ الجامعات الأهليـــــة للعام الدراســـي 2006 -2007


ت الجــامعة / الكليـــة ســنة التأسـيس العنــــوان
1 كلية التراث الجامعة 1988 العراق - بغداد / المنصور - شارع النقابات .
2 كلية المنصور الجامعة 1988 العراق - بغداد - ساحة الأندلس .
3 كلية الرافدين الجامعة 1988 العراق - بغداد - حي المستنصرية - محلة 506 - زقاق 75 .
4 كلية المأمون الجامعة 1990 العراق - بغداد - شارع 14 رمضان .
5 كلية شط العرب الجامعة 1993 العراق - البصرة - حي الأندلس .
6 كلية المعارف الجامعة 1993 العراق - الانبار ( الرمادي )
7 كلية الحدباء الجامعة 1994 العراق - الموصل - بريد آثار نينوى .
8 كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة 1996 العراق - بغداد - حي رمضان ( الإسكان ) . محلة (625 )- زقاق (21 )- دار (32) .
9 كلية اليرموك الجامعة 1996 العراق - ديالى - مقابل المعهد الفني . وحالياً في بغداد - ساحة عقبة بن نافع مقابل الشركة التجارية الالكترونية
10 كلية بغداد للصيدلة 2000 العراق - بغداد - باب المعظم - بناية وزارة الأوقاف سابقاً.
11 جامعة أهل البيت 2004 العراق - كربلاء - شارع فاطمة الزهراء .
12 الكلية الإسلامية الجامعة 2004 العراق - النجف الاشرف - حي الحنانة - قرب مسجد الحنانة .
13 كلية دجلة الجامعة 2004 العراق / بغــداد - بداية جسر الجادرية من جهة السيدية
14 كلية الشيخ محمد الكسنزان الجامعة 2005 العراق / بغداد -حي الجهاد( حي الحسين) قرب جسر العامرية - محلة (881) - دار (28)
15 كلية الدراسات الإنسانية الجامعة 2005 العراق / النجــف الاشــرف - شــارع الإمام علي (عليه السلام ) .
16 كلية مدينة العلم الجامعة 2005 العراق / بغداد - الكاظمية - بناية جامعة مدينة العلم لللامام الخالصي الكبير .
17 كليــــة الشيخ الطوسي الجامعــة 2006 النجف الاشرف - حي المثنى - مقابل مستشفى الزهراء( عليها السلام )
وفي جلسة مجلس الوزراء 45 المنعقدة يوم 22 كانون الاول 2009 وافق المجلس على مقترح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حول منح إجازات تأسيس للكليات الأهلية الآتية (الرشيد الجامعة، دجلة الجامعة، صدر العراق الجامعة، الحكمة الجامعة، القلم الجامعة، المستقبل الجامعة، أهل البيت (ع) الجامعة) وذلك لاستيفائها المتطلبات الأساسية المنصوص عليها في المادة (6/ البند أولاً) من قانون الجامعات والكليات الأهلية رقم 13 لسنة 1996 المعدل والموافقة على استحداث الكليات والجامعات المدرجة أعلاه مع إشراك القطاعات المستفيدة في التأكد من الرصانة العلمية.
لقد حددت المادة الثانية من قانون الجامعات والكليات الأهلية رقم 13 لسنة 1996 أهداف الجامعة أو الكلية الأهلية وذلك "بالإسهام في أحداث تطورات كمية ونوعية في الحركة العلمية والثقافية والتربوية، وفي البحث العلمي بمختلف نواحي المعرفة النظرية والتطبيقية مستنيرة بالتراث العربي والإسلامي والتربية الوطنية والقومية الأصيلة، وتلتزم بالخط الوطني المستند الى وحدة الشعب..." وقد ألقت هذه المادة مسؤولية كبيرة على الكليات الأهلية، ومعنى هذا ان الكليات الأهلية يمكن أن لاتكون رديفاً للكليات الرسمية للكليات الرسمية وحسب، وإنما تكون قدوة وحافزاً فهل نجحت هذه الكليات في تحمل هذه المسؤولية؟! .
تواجه مؤسسات التعليم الجامعي الأهلي مشكلات عديدة، ففيما يتعلق بالكادر التدريسي الموجود في هذه المؤسسات، يمكن القول أن معظم العاملين من التدريسيين في هذه المؤسسات هم من مراتب علمية ليست متقدمة كثيرا فضلا عن أن عددا منهم لايمتلكون الخبرة التعليمية والتربوية اللازمة ، ولاشك أن ذلك ينعكس على المستوى العلمي للطلبة في هذه الكليات. وقد أثبتت تجربة الامتحانات المركزية التي جرت في بعض السنوات السابقة على سنة 2003 ، وإسهام طلبة الكليات الأهلية فيها، أن هناك ضعفاً شديداً في مستوى طلبتها العلمي. كما إن معظم الكليات الأهلية تُعاني من ضعف واضح في مستلزماتها المادية، ومن ذلك أنها تفتقر إلى بنايات خاصة بها، والى مكتبات متطورة. وثمة ملاحظة مهمة وهي أن الكليات الأهلية لاتُعطي العلوم الصرف والطبية والصيدلانية والهندسية اهتماماً يذكر.ويبدو أن ذلك يرجع إلى صعوبة استحداث مثل هذه التخصصات لما تتطلبه من مستلزمات مختبرية وبشرية. وتكاد اختصاصات العلوم المالية والإدارية والقانونية، تشكل القاسم المشترك بين الكليات الأهلية. هذا فضلاً عن اهتمام الكليات الأهلية بعلوم الحاسبات وهندسة البرامجيات وبحوث العمليات ويأتي هذا انسجاماً مع الثورة المعلوماتية التي يشهدها العالم والتي ابتدأت قبل سنوات قليلة.
ومن حيث التوزيع الجغرافي للكليات الأهلية نلحظ أن أكثر من 50% منها تتركز في بغداد في حين أن حسن التوزيع يتطلب أن تؤسس في المحافظات التي تفتقر إلى التعليم الجامعي.
فقد أدى الطلب على التعليم الجامعي الأهلي، إلى تطور أعداد الدارسين في الكليات الأهلية، فلقد وصل عدد الأقسام العلمية التي تضمها الكليات التسع المشار إليها أعلاه والتي تمثل الكليات الأساس في التعليم العالي الأهلي (48) قسماً علمياً، أما عدد الطلبة المقبولين في تلك الكليات فقد أخذ بالازدياد فوصل خلال العام الدراسي 1999– 2000 إلى (20674) طالباً وطالبة، وهناك إحصائية أخرى تتعلق بأعداد التدريسيين، ففي العام 1988 – 1989 لم يكن العدد يزيد عن (53) تدريسياً في حين وصل سنة 1999 – 2000 إلى (394) تدريسياً.
إن التصور المستقبلي الذي يمكن أن يقف عنده أي باحث في شؤون التعليم العالي لابد أن يؤكد حقيقة بارزة وهي ضرورة إبراز (التعاون) و(التكامل) بين التعليم العالي الرسمي والتعليم العالي الأهلي في مجال ترصين العملية التعليمية والتربوية وتحقيق قفزة نوعية في أدائها، والسعي باستمرار لتنشيط مفاصلها ومعالجة مشاكلها. كما أن الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والفكرية المعاصرة تلقي على عاتق التعليم العالي الأهلي مسؤوليات واسعة في مجال عدم تكرار العيوب والنواقص التي يعاني منها التعليم العالي الرسمي، والبحث باستمرار عما هو جديد ومتطور سواء كان ذلك على صعيد المناهج الدراسية، أو الاستعداد لتلبية احتياجات المجتمع وسوق العمل.
ان التعليم العالي الأهلي ينبغي أن لايكون نسخة مكرر من التعليم العالي الرسمي، والكليات الأهلية مدعوة للتميز في المناهج والكتب والاختصاصات، وقد تتطلب الحاجة إلى إيجاد هيكل إداري يضمن إبقاء مؤسسات التعليم الأهلي تحت إشراف الدولة ضمانا لتنمية المصالح العلمية والوطنية العليا، ولكن هذا الإشراف يجب أن لايمتد إلى الأمور الإدارية والعلمية الأخرى وينسجم هذا مع توجيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بشأن مؤسسات التعليم العالي الأهلي، وفي ضوء هذا التوجيه، نرى ضرورة أن تتكفل الدولة بتوفير بعض المستلزمات المادية للتعليم العالي الأهلي وخاصة مايتعلق بالأبنية والأجهزة والمستلزمات، ويمكن كذلك تقديم القروض والمنح التي تسددها الكليات الأهلية على أقساط وشمول المؤسسات التعليمية الأهلية بمبدأ الإعفاء الضريبي وما شابه، فضلاً عن شمول التدريسيين والعاملين في مؤسسات التعليم العالي الأهلي بالامتيازات والحقوق التي يتمتع بها أقرانهم في مؤسسات التعليم العالي الرسمي وإذا ماتحقق ذلك كله، فان التعليم العالي الأهلي يمكن أن يقوم بدوره الفاعل، مع نظيرة التعليم العالي الرسمي، في نقل المجتمع العراقي، ليواكب تطور العالم في القرن الحادي والعشرين.

مقاهي نجيب محفوظ


مقاهي نجيب محفوظ!!
أ.د. إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل
لعل أبرز ما ميز حياة نجيب محفوظ الأديب والروائي العربي الكبير ، والحائز على جائزة نوبل للآداب، هذا الارتباط الوثيق بالمقهى ، فلقد قضى حياته وقرابة 70 عاما يرتاد مقاه متعددة، وتحدث عن هذه المقاهي في بعض أحاديثه الصحفية ،مؤكدا أهميتها في حياته، وتكوينه، وإنتاجه القصصي والروائي والثقافي عموما.
ولعل الأستاذ احمد عباس صالح الكاتب المصري المعروف من أبرز الذين كتبوا عن دور مقاهي القاهرة في حياة مصر السياسية والثقافية وخاصة إبان سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي .. كتب يقول : كان المقهى في حياة جيلي من المصريين أساسيا ، ولم يكن مكانا للتسلية أو للقاء مع الصحاب من الأدباء والمفكرين الجدد فحسب ،وإنما كان بمثابة منتدى ومكانا للتجمع ، وقد يكون من المناسب الإشارة إلى أن ما ينطبق على مقاهي القاهرة، ينطبق على مقاه أخرى في مدن عربية عريقة مثل دمشق وبغداد والموصل وبيروت. وفي القاهرة تعددت المقاهي فكان هناك مثلما في بغداد بين مقهى ومقهى مقهى ، وكان في بعضها شئ من التخصص فهناك مقهى للسياسيين ومقهى للحرفيين، ومقهى للكتاب والمفكرين. ومن هذه المقاهي :مقهى متاتيا، ومقهى ريش، ومقهى الفيشاوي، ومقاه أخرى ارتبطت بحياة المثقفين المصريين وفي مقدمتهم نجيب محفوظ.. جمال الدين الأفغاني كان مثلا يجلس في مقهى ريش.. ويروي نجيب محفوظ لصديقه محمد سلماوي علاقته بمقهى الفيشاوي قائلا :ً(( كان جلوسي في مقهى الفيشاوي يوحى لي بالتفكير)). المؤرخ التونسي الأستاذ الدكتور الحبيب الجنحاني كتب مقالة في مجلة العربي (الكويتية)، تشرين الثاني 2008 بعنوان: ((نجيب محفوظ نموذج الالتحام بين كاتب ومدينة)) قال فيه أن التحام نجيب محفوظ بمدينته يعد من ابرز ميزاته مبدعا ،وإنسانا، الأديب التونسي والكاتب رشيد الذوادي كان يحضر مجلس نجيب محفوظ في كازينو قصر النيل يقول أن نجيب محفوظ كان رجلاً متواضعا يتحلق حوله عدد من الأدباء الشبان للإفادة من تجاربه وملاحظاته وقد اصدر الذوادي كتابا بعنوان : (( مقاهي نجيب محفوظ في مرفأ الذاكرة)) تناول فيه علاقة نجيب محفوظ بالأدب العربي وموقفه من التجربة الناصرية .. وأنا شخصيا كاتب هذه السطور رأيت نجيب محفوظ في شباط 1990 عند زيارتي للقاهرة وهو في طريقه إلى مقهى كروبي واقفا أمام (بسطة )كتب مكتبة مدبولي في شارع سليمان يتأمل الجديد من الإصدارات ببدلته (السفاري ) ذات اللون العسلي . ومن الطريف أن نجيب محفوظ خلد المقاهي التي كان يجلس فيها في قصصه ورواياته لكنه ظل يعد مقهى الفيشاوي من ابرز المقاهي التي كان يحبها، فهي- بدون شك -معلم بارز من معالم حي الحسين الذي كان له اثر بعيد المدى في حياته وفي نصوصه الإبداعية.
*المصدر :ميدل ايست أون لاين 30-12-2009

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

التجربة الناصرية وتأثيرها في العراق حتى 1970





التجربة الناصرية وتأثيرها في العراق حتى سنة 1970

أ . د . إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ العربي الحديث ومدير مركز الدراسات الإقليمية –جامعة الموصل -العراق




أولا : التجربة الناصرية
ليس من السهل على الباحث ، أن يتعرف على الأبعاد الحقيقة لتجربة جمال عبد الناصر في مصر (1952 ـ1970) ولمشروعه النهضوي القومي ، وذلك لأسباب عديدة لعل من أبرزها هذا الكم الهائل من الحقائق والمعلومات المتوفرة عنه وعن عصره من جهة ، ولان عبد الناصر نفسه وحياته السياسية لاتزال عرضة للجدل والحوار . فالمؤرخون والكتاب الغربيون والمعادون لمشروعه ، وبدوافع مختلفة معظمها ينطلق من العداء والحقد ، أسهموا في تشويه صورته ودوره الحضاري وذلك لتعارض ، ما كان يدعو إليه من أهداف ومباديء مع مطامع الغرب الاستعمارية في المنطقة العربية الزاخرة بالثروات والإمكانات الاقتصادية والإستراتيجية .
ولم يكن عبد الناصر ليجهل طبيعة النظرة الغربية المملوءة بالحقد والريبة إيمانا منه بان تلك النظرة ليست إلا امتداد لتصورات استعمارية راسخة تطلق على كل من يقف أمام مشاريع الغرب ويعمل من اجل الحيلولة دون نجاحها ليس في مصر وحدها ، وإنما في الوطن العربي كله .
لقد عرف تاريخ العرب المعاصر دورا قياديا لمصر بدأ منذ منتصف الخمسينات تقريبا، وقد بني هذا الدور على مشروع قومي نهضوي ، بدأ بالتحرر من الاستعمار ثم أضيف إليه بعد ذلك هدفا ((الوحدة العربية )) و ((الاشتراكية العربية)) او العدالة الاجتماعية ، وان كان الهدف الأخير بالذات قد تراوح بين البروز والاختفاء حسب تطور علاقات مصر العربية . ويتفق معظم المؤرخين على ان ((القوى المحركة)) لذلك المشروع ، لم تكن سوى العلاقة الفردية التي نمت بين قيادة جمال عبد الناصر والجماهير العربية .
إن جمال عبد الناصر حسين ، وهذا هو اسمه الكامل لم يكن بعيدا عن هموم تلك الجماهير وتطلعاتها ، فلقد ولد في 15 كانون الثاني 1918 ، في عائلة عربية قروية تسكن صعيد مصر ، وتنتمي إلى عشيرة بني مر ، ولم يكن والده سوى موظفا حكوميا بسيطا في البريد . إلا انه كان معروفا ومحترما بين أبناء وسطه الاجتماعي ذي الطبيعة الفلاحية المحافظة المتدينة مع ميل شديد نحو الأفكار الوطنية والرغبة المتنامية في التخلص من حكم الأجنبي ومن هنا فقد استهوت المظاهرات السياسية التي شهدتها مصر في ثورة 1919 جمال عبد الناصر ، فاندفع نحوها وتعرض للضرب والاعتقال مع نخبة من زملائه الشباب ، يقول في كتابه ((فلسفة الثورة)) : ((وأنا اذكر فيما يتعلق بنفسي إن طلائع الوعي بدأت تتسلل إلى تفكيري وأنا طالب في المدرسة الثانوية اخرج مع زملائي ... احتجاجا على وعد بلفور الذي منحته بريطانيا اليهود ومنحتهم به وطنا قوميا في فلسطين اغتصبته من أصحابه الشرعيين )) .
ثم يقول كان يسير مع زملائه في الشوارع ويهتف بحياة الوحدة ، وبسقوط فرنسا المستعمرة لسوريا ولبنان .
وحين دخل الكلية العسكرية سنة 1937 وتخرج منها برتبة ملازم ثان في سلاح المشاة ، تبلور وعيه السياسي ، وبدأ يرسم لنفسه هدفا يقوم على البحث عن اية وسيلة يستطيع فيها خدمة وطنه . ويبدو ان حادثة 4 فبراير / شباط 1942 ، حين اجبر الإنكليز الملك فاروق بالدبابات التي حاصرت قصر عابدين على الإتيان برئيس وزراء يستطيع ضبط الشعور الوطني المتزايد ضد الانكليز ، ويعمل من اجل تعبئة المصريين لخدمة الأهداف البريطانية في تلك المرحلة من الحرب العالمية الثانية ، اثر كبير في نفس جمال عبد الناصر ، الذي اعتبر تلك الحادثة اكبر إهانة لحقت بكرامة بلاده واستقلالها ومن هنا فقد انعكست على توجهاته وفكره المعادية للمستعمرين . ثم جاءت هزيمة الجيوش العربية في فلسطين سنة 1948 ، ومنها الجيش المصري الذي حوصر آنذاك في الفالوجة ، وكان عبد الناصر يعمل ضمن تلك القوة المحاصرة ، لتجعله يدرك بان الانكليز هم العدو الرئيس للأمة العربية ، ولولاهم لما استطاع الصهاينة ان ينجحوا في مخططاتهم ، لذلك فقد قرر مع نفسه ومع قلة من زملائه ان طريق الخلاص ، لايبدأ إلا بتحرير مصر أولا .
كان عبد الناصر معجبا ببعض القادة والمفكرين العرب الذين عاصرهم ومنهم عزيز علي المصري وساطع ألحصري ، كان عزيز علي المصري أستاذه في الكلية العسكرية وقد ظل على اتصال به بعد تخرجه منها وعندما سأله مراسل جريدة نيويورك تايمس سنة 1961 عن الشخصية المعاصرة التي تأثر بها أجاب ((اعتقد أن أكثرهم تأثيرا علي كان الفريق عزيز علي المصري لقد أعجبت به عندما كنت ضابطا صغيرا . فلقد كافح في سبيل الاستقلال وأصر عليه .. )). أما فكريا فقد تأثر عبد الناصر واستفاد كثيرا من قراءته لعدد من المفكرين القوميين العرب ، وأبرزهم المفكر القومي والمربي المعروف ساطع ألحصري . ولقد أتاحت له دراسته في الكلية العسكرية ثم في كلية اركان الحرب ، الفرصة لدراسة كتابات كبار المفكرين العسكريين وفي مقدمتهم كلاوفتز وليدا ، هارث ولندسل وفولر كما اطلع على سير بعض القادة والزعماء أمثال بسمارك ونابليون وكمال أتاتورك وغيرهم .
نجح عبد الناصر في العمل مع بعض زملائه في تأسيس منظمة الضباط الأحرار ومع انه اتصل بالعديد من الأحزاب والقوى السياسية التي كانت تعمل على الساحة المصرية في مطلع الخمسينات ، للوقوف على أفكارها وآرائها . لكنه لم يحاول التفريط باستقلالية وسرية التنظيم الذي أقامه . وفي صبيحة يوم 23 يوليو ( تموز) 1952 ، استولى عبد الناصر على الحكم في مصر بالثورة . وقد حاول تحقيق أهدافه بالأساليب السلمية والعملية ، او كما قال ، عن طريق ((التجربة والخطأ )) .
كان هدف عبد الناصر الأول ، تحقيق استقلال مصر حيث كان يجثم على أرضها قرابة (85) ألف جندي بريطاني ، فسعى إلى إجلاء هذه القوات ...
وحرص على اقامة نظام جمهوري جديد محل النظام الملكي المندثر وفي سبيل تحقيق هذا الهدف ، اخذ يضغط على بريطانيا لإجلاء قواتها عن منطقة قناة السويس ثم إلغاء المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي كانت تكبل مصر بالقيود منذ زمن وتحد من استقلالها . وشعر عبد الناصر ان ذلك لن يتحقق إلا بتعبئة الشعب المصري وراءه فراح يؤكد على مبدأ ((العزة)) و((الكرامة)) الوطنية ، ورفع شعار ((ارفع رأسك يا أخي ، فقد مضى عهد الاستعباد)) . وكان موفقا في ذلك أيما توفيق .
أما الهدف الثاني فكان يتعلق بمشروعه العربي النهضوي لذلك اخذ عبد الناصر يضع أسسا لهذا المشروع الذي يرمي الى تحقيق النهوض والاستقلال الحضاري للأمة العربية .. وكان يدرك ان ذلك يتطلب ثورة شاملة وعميقة تتناول كل جوانب الحياة وتأخذ بنظر الاعتبار العمل على التحرر من السيطرة الأجنبية بكل أشكالها ، انطلاقا من أن المعيار الرئيسي للتقدم والتخلف ، هو الاستقلال وعدم التبعية ، والأمر في كل ذلك يتطلب تنمية اقتصادية اجتماعية تستهدف تحقيق الرفاه والتقدم لأوسع قطاعات الشعب وطبيعي ، يأتي هدف التمسك والاعتزاز بالهوية الحضارية العربية الإسلامية في مقدمة الأمور التي ينبغي النضال من اجله ، ذلك ان تفوق الغرب علميا وتكنولوجيا ، قد بني على استعباد الشعوب ونهب ثرواتهم وما زال يستمد تفوقه من تكريس تخلف وفقر هذه الشعوب ، ثم يأتي المطلب الإستراتيجي والمهم وهو تحقيق الوحدة القومية للأمة العربية ، وهذا شرط جوهري لاستكمال المشروع الحضاري العربي المستقل .
ومجمل القول في هذا المشروع انه يستند على دعامتين أساسيتين هما :
أولا :
الحفاظ على الجوهر الايجابي لتراثنا الحضاري المحدد لهويتنا القومية
والإنسانية المستقلة امتدادا تاريخيا متجددا لمعطيات الحضارة العربية
الإسلامية التي بناها أبناء هذه الأمة والقائمة على التوازن والتكامل
بين الجوانب المادية والروحية .
ثانيا :
التنمية المستقلة المركبة ، بكل مقوماتها الثقافية والسياسية
والاقتصادية المتمركزة حول الذات المستندة أساسا الى قدرة التجدد
الذاتي لامتنا العربية الملبية لاحتياجاتها والمجسدة لاستقلالية إرادتها
وقرارها .
عند ذلك شعر الغرب أن عبد الناصر وبحكم موقع مصر الإستراتيجي والتزاماتها نحو العرب ، لم يكن يكتفي بتحقيق سيادة مصر الخاصة بعد ان اكتشف مصادر القوة في الأمة العربية وهي : رباط معنوي هو الدين الإسلامي ورباط مادي هو الأرض والقوة الاقتصادية وهي النفط ، ولقد كان عبد الناصر يسعى للعمل من اجل المطالبة بتحرير كل العرب من ربقة الاستغلال والتسلط . ولم تقف دعوته عند هذا الحد ، بل خلفت تأثيرا فاعلا في دول العالم الثالث المتطلعة إلى توطيد استقلالها وإعلان رفضها الانحياز لأية قوة عظمى .
بدأ الغرب يضع العراقيل أمام نهوض مصر ويحول دون نجاح مشروعها القومي النهضوي ، وقد اتضح ذلك في البدء ، بعد حصول عبد الناصر على مصدر جديد للسلاح ، غير الغرب ، ثم خطا عبد الناصر خطوة أخرى ، باتجاه تأكيد الاستقلال في القرار السياسي وإزالة التوتر في المنطقة العربية وذلك برفضه أية محاولة لربط العرب بأية مشاريع وأحلاف دفاعية غربية . لكن سعيه هذا اكسبه عداء دول غربية وخاصة بريطانيا وفرنسا ، هاتان الدولتان ، اللتان خططتا مع إسرائيل للعدوان على مصر سنة 1956 احتجاجا على تأميمه قناة السويس .
لكن غبار العدوان ورصاصه سرعان ما انجلى عن ازدياد في شعبية عبد الناصر ليس في مصر وحدها وإنما في الوطن العربي كله . فبدأ اسمه يتردد على كل لسان ، وانعكس الصدى في اكثر من مدينة وقرية عربية ، مثلما تنعكس صور الألعاب النارية في الفضاء الواسع وازداد الحماس الشعبي العربي باتجاه الوحدة ، والتي بدأت بوحدة مصر وسوريا في شباط 1958 وقيام الجمهورية العربية المتحدة . لقد كان طموح العرب أن يروا ردا على الغرب من عبد الناصر ، وكان قيام الوحدة قمة قراراته الثورية والقومية في آن واحد وكان لحزب البعث العربي الاشتراكي دورا كبيرا في قيام هذه الوحدة . وهكذا استطاع جمال عبد الناصر وبتأييد من أبناء الشعب العربي أن ينقل الفكرة القومية العربية من النظرية الى التطبيق ومن الكتب إلى الواقع الحي .
ورددت القوى الغربية ، إن الغوغائية عماد الناصرية ، وهذا خطأ فادح .. فعبد الناصر بتنفيذه سلسلة من الإجراءات ، استطاع أن يعكس أماني العرب وطموحهم ويدافع عن حقوقهم القومية دفاعا حقيقيا ، لذلك تحول بسرعة كبيرة إلى رمز للحركة القومية والنهوض العربي المعاصر . ومما ساعد على ذلك ان عبد الناصر خصص جزءا كبيرا من وقته وجهده وأموال بلده في تثقيف الجماهير بالكتب والمجلات الشعبية الرخيصة الثمن والصحف والإذاعة ، وبتوسيع المدارس وفتح المصانع وإشراك الناس في مناقشة قضاياهم بكل صراحة ووضوح ، وباختصار سعى إلى كل ما يمكن فعله في محاولة تركيز الوعي في النفوس وتعميق وتنظيم الجماهير تنظيما فكريا . ولقد لخصت سياسية عبد الناصر العربية ما كان يحلم به كل عربي : الحيلولة دون التسلط والاحتكار وسيطرة رأس المال ، التأميم ، حياد في الصراع الدولي ، مناصرة المظلومين ، تعاون ايجابي مع الآخرين ، التزام بالأهداف القومية العربية ، مناهضة المستعمرين ، كشف العملاء والخونة والجواسيس ، تعرية الرجعيين ، تبني القضية الفلسطينية ، مؤازرة حركة الثورة العربية ، تأكيد عروبة مصر ، وكان لكل تلك الإجراءات خصوم فظهرت معارضة قوية لعبد الناصر ، وجاءت المعارضة القوية ليست من قبل الحكام الرجعيين والمتخلفين فحسب ، بل ومن الغرب الامبريالي ومن الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلت لتحبط نهوض العرب وتحول دون نجاحهم في امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا .
لقد أتت تلك المعارضة ، بسبب تضارب أفكار عبد الناصر ، ومفهومه لأمن مصر القومي مع الخطط الدفاعية الغربية ، ومن أمن ( إسرائيل) ومع الأطماع الأجنبية في نفط العرب ، وكان هو الدافع لاتهام الغرب لعبد الناصر بأنه يعمل انطلاقا من مطامحه الشخصية ، وانه يرمي إلى إقامة إمبراطورية له وانه دكتاتور وانه ينشر الإرهاب ويحرض الشعوب على حكامها ويسعى للاستحواذ على النفط العربي ونلك اتهامات تعرض لها ويتعرض لها كل يوم ، من يقف أمام أطماع الغرب وحقدهم الدفين على العرب والإسلام .
لقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ، تقود العالم الغربي في احتواء مشروع عبد الناصر ومحاصرته من خلال دعمها للكيان الصهيوني وللرجعية العربية وتتميز السنوات الواقعة بين 1961 و1970 بأهمية خاصة في التاريخ العربي المعاصر . ففي تلك السنوات نجح الغرب في تحقيق الانفصال بين مصر وسوريا وفي استعداء كثير من الحكام العرب على عبد الناصر ، وأكثر من ذلك إيقاع هزيمة فادحة من خلال عدوان صهيوني في 5 حزيران 1967 بمصر والعرب ، فشمت الكثيرون بعبد الناصر ، وتشفى الكثيرون وتآمر عليه اقرب الناس إليه ، وأعلن واحد منهم أن عبد الناصر ، قد انتهى في الهزيمة ، وهلل زعيم القوى الامبريالية الرئيس الأمريكي آنذاك ليندون جونسون وقال :
((لقد انتهت القضية ... والرجل )) ولكن عبد الناصر سرعان ما قام ، قومة برومثيوس بعدما اثخنته الجراح وعصفت به الآلام ، فاسترد قوته واستجمع طاقته ، واستمر بإصراره العنيد ضد أعدائه من الامبرياليين والرجعيين . ولم يمل النضال يوما ، وما تبدلت سماء الصمود فيه ، ولم يسلك يوما طريق الخداع والتضليل ، ظل شجاعا وصريحا وصارما ، محبا للعمل الجاد مضحيا بنفسه وبصحته في سبيل مصر وكرامتها وكرامة العرب .
وكان عبد الناصر يدرك أن هدف العدوان الغربي -الإسرائيلي هو فرض الإرادة الاستعمارية على العرب ، فبعد هزيمة 1967 قال: ((بان الولايات المتحدة تزود إسرائيل بكل الوسائل التكنولوجية والمعلومات الكاملة عن مصر . وهي تعمل كما قال دائما ، على خداعنا ، لذلك فإما ان نستسلم لأمريكا ونخضع للاستعمار العالمي أو نقاتل ونناضل )) . وأضاف إن سر العدوان على مصر هو سياستها المستقلة والأمريكان يعرفون ذلك جيدا ، وكانوا يريدون أن يخضعوا مصر لإرادتهم ، لكن مصر رفضت لأنها تعرف أهدافهم الخبيثة لذلك لايمكن ان تترك العرب عدوهم الأساسي فإما أن يسلم العرب إلى أمريكا ليحصلوا على مساعدات اقتصادية بشرط خضوعهم . او ان يقاتلوا ويناضلوا وختم كلامه بالقول: إن أمام أمريكا إما إن تهاجم مصر مباشرة تحت أي مبرر ، أو أن تدعم إسرائيل وتدفعها للقيام بهجوم على مصر .
وبعد 1967 اخذ عبد الناصر يعيد بناء مصر وقوتها المسلحة ويستعد للقتال وطرد إسرائيل من سيناء وقد شهدت السنة 1969 خطوات جادة على طريق الإعداد للمعركة ، لكن قلب عبد الناصر ، ما لبث أن توقف عن الخفقان ، بعد انتهاء مؤتمر القمة العربي الذي عقد من اجل فلسطين في أيلول-سبتمبر 1970 ، وإذا كان الجيش المصري قد عبر قناة السويس في أكتوبر ( تشرين الأول 1973) وحدث ما حدث من وجود ثغرة الدفرسوار ، وفك الارتباط وانحياز أنور السادات ، رئيس مصر بعد الناصر إلى الحلول الأمريكية والرضوخ لها وعقد معاهدة كامب ديفيد ، فان صرخة عبد الناصر لازالت في أذان كل مصري وكل عربي وهي تعلن : ((بأننا لن نستسلم وليأت غيرنا ليحكم ويستسلم .. فأمريكا لن تتركنا إلا مقابل سياسة يمينية كاملة .. والاعتقاد بان أمريكا تملك الحل ، ما هو إلا كلام فارغ .. نعم كلام فارغ )) .
لقد اشرأبت روح عبد الناصر بحب أمته ، وكانت عبقريته تكمن في إدراكه لحقيقة مصر العربية .
ولئن كان عبد الناصر قد واجه أعداء كبار لأقبل له بمواجهتهم .. فانه ظل جبلا من الإباء والكرامة ، فقيادات الشعوب، كما قال مرة ،ليست قيادة انتصارات فقط ، وإنما قيادة انتصارات وقيادة أزمات ونكسات أيضا . وهي كما تقبل تصفيق الجماهير أثناء النصر ، عليها أن تقبل طعنات الجماهير عند الهزيمة ، وهذه هي سنة الحياة . والمهم بعد هذا كله ان عبد الناصر مثل الإرادة العربية الصلبة في تلك المرحلة من مراحل تاريخنا العربي المعاصر .

ثانيا : التجربة الناصرية في العراق
حينما قاد البكباشي أركان حرب (المقدم الركن ) جمال عبد الناصر (1918 ـ 1970) ، حركة التغيير العسكري في مصر يوم 23 يوليو / تموز 1952 والتي نجم عنها فيما بعد إسقاط النظام الملكي وإقامة الجمهورية ، وتحول الحركة إلى ثورة شملت كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مصر المعاصرة ، قابل العراقيون ، ما حدث في مصر بكثير من المشاعر الجياشة التي اختلطت فيها حالات التوجس والخوف والقلق من ان ما حدث لايعدو ان يكون واحدا من الانقلابات العسكرية التي بدأ العالم العربي يشهدها في اعقاب نكبة العرب في فلسطين سنة 1948 . وقد أشار الأستاذ الدكتور فاضل حسين رحمه الله إلى ذلك في كتابه ( الحزب الوطني الديموقراطي 1946 ـ 1958 )) والذي طبع في مطبعة الشعب ببغداد سنة 1963 عندما قال انه يوم 23 تموز 1952 حدثت الثورة المصرية فقلبت الأوضاع السياسية في المشرق العربي منذ ذلك التاريخ راسا على عقب . وقد استقبل قادة الحزب الوطني الديموقراطي تلك الثورة بالتوجس والترقب والمعارضة للحكم العسكري حتى ان زعيم الحزب المرحوم الأستاذ كامل الجاد رجي كتب مقالا بعنوان : ((الأزمة الفكرية التي أحدثها الانقلاب المصري في الأوساط العراقية )) ، وقد خشي الجاد رجي من أن تؤدي (الشعوب )العربية ثمنا باهظا للإصلاحات التي تدعو إليها الدكتاتوريات الجديدة !!.
لم يبق الأمر على هذا المنوال ، إذ سرعان ما أعلن قادة الثورة في مصر مبادئهم الستة ومنها القضاء على الإقطاع والوقوف ضد الأحلاف والتكتلات الاستعمارية وإعلان مبدأ الحياد الايجابي وعدم الانحياز لأي من الكتلتين الرأسمالية الغربية والاشتراكية الشرقية . وقد رحبت جريدة الأهالي بكل تلك المبادئ وأكدت في مقال نشرته جريدة الأهالي بعددها الصادر في 13 تشرين الأول-اكتوبر 1952 على أن ((قانون تحديد الملكية الزراعية في مصر )) ليس إلا ((بداية النهاية للإقطاع في مصر والبلاد العربية)) . لكنها لم تنتظر كثيرا لتذكر بحقيقة مهمة وهي أن الإقطاع وآثاره لايمكن أن يقضى عليه إلا من خلال
(( حكم ديموقراطي شعبي)) .
يعقب الأستاذ الدكتور فاضل حسين على موقف الحزب الوطني الديموقراطي بقوله وعلى الصفحة 293 من كتابه آنف الذكر أن الثورة المصرية كانت نقطة انطلاق للشعب العراقي ولأحزابه . وقد أراد الجميع تغيير الأوضاع السياسية في العراق تغييرا جذريا ومحاسبة المسؤولين عن ضياع فلسطين . وأضاف إلى ذلك قوله : بان الأحزاب العراقية ومنها حزب الاستقلال وحزب الجبهة الشعبية المتحدة وحتى حزب الأمة الاشتراكي ، قد تشجعت وتحفزت للمطالبة بالإصلاح الجذري الشامل لنظلم الحكم نتيجة ما حدث في مصر . وعلى سبيل المثال قدم الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الجبهة الشعبية المتحدة وحزب الاستقلال قدمت في 28 تشرين الأول 1952 مذكرات الى الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله ، شاجبة الأوضاع القائمة ومطالبة بالتغيير الجوهري ، كما قدم حزب الأمة الاشتراكي مذكرة مماثلة إلى رئيس الوزراء العراقي آنذاك . وتعد مذكرة الحزب الوطني العراقي اشد تلك المذكرات إذ ورد فيها ما يؤكد على وجود غليان شعبي ضد النظام الملكي والنفوذ البريطاني المتنامي منذ فشل ثورة 1941 القومية ومما جاء في المذكرة ان الشعب العراقي يطالب بتغيير الأوضاع السيئة القائمة التي بلغت حدا لايطاق من الفساد .. كما ان تفشي الفقر والبطالة وقلة الاجور وتدهور الحالة الاقتصادية ، كل ذلك يتطلب إصلاحا جذريا .. ورد الوصي على المذكرات قائلا : انه يتفق مع الأحزاب على ان حالة البلاد بحاجة الى التحسين لكن شيئا من هذا لم يقم ، واستمر التدهور في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي أدى إلى تداعي الضباط الذين سموا أنفسهم بالضباط الأحرار ، وهي التسمية ذاتها التي استخدمها زملائهم الضباط في مصر عندما قاموا بالثورة ، وقد نجم عن ذلك التداعي ، تأسيس تنظيم سري باسم ((تنظيم الضباط الأحرار)) وعلى الصعيد السياسي المدني ، اتفقت بعض الأحزاب السياسية العراقية السرية والعلنية ومنها حزب الاستقلال والحزب الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي على إقامة جبهة سياسية ضد النظام الحاكم سنة 1957 دعيت بـ (جبهة الاتحاد الوطني) .. وقد تعاون تنظيم الضباط الاحرارمع قادة جبهة الاتحاد الوطني في إسقاط النظام الملكي صبيحة يوم 14 تموز / يوليو سنة 1958 .
ويتفق كثير من المؤرخين العراقيين والعرب والأجانب على أن قادة ثورة 1958 في العراق تأثروا بتوجهات وأساليب قادة ثورة 1952 في مصر .
بعد نجاح الثورة ، وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق ظهر صراع سياسي بين الكتل والأحزاب السياسية العراقية وتوزعت خارطة الحياة السياسية في العراق إلى مجموعتين رئيسيتين ، المجموعة الأولى ويمكن تسميتها بالمجموعة العربية القومية والمجموعة الثانية ويمكن تسميتها بالمجموعة العراقية التقدمية .. وقد التفت المجموعة الأولى التي تمثلت بحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب وبعض القيادات الدينية الإسلامية حول العقيد الركن عبد السلام محمد عارف نائب رئيس الوزراء ونائب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية .. اما المجموعة الثانية والتي تمثلت بالحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الكردستاني فقد التفت حول الزعيم ( العميد) الركن عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع .. وقد تبنت المجموعة الاولى مبدأ ( الوحدة العربية) مع الجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا بعدد الوحدة في شباط 1958) في حين رفعت المجموعة الثانية شعار ( الاتحاد الفدرالي) و ( الصداقة) مع الاتحاد السوفييتي .
وقد كان لحركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف آمر موقع الموصل في الموصل يوم 8 آذار / مارس 1959 والتي كانت ضد عبد الكريم قاسم والشيوعيين الذين كانوا يسعون للسيطرة على الحكم .. اثر كبير في اتساع حركة الاستقطابات السياسية وبروز خارطة جديدة خاصة بعد لن اتهم الشيوعيون وقاسم عبد الناصر بانه كان وراء حركة الشواف بعد ان علموا بان السلطات المصرية زودت الانقلابيين في الموصل بمحطة إذاعة وبكميات من السلاح فضلا عن الدعم الإعلامي والسياسي ، حرص الزعيم عبد الكريم قاسم على تأييد حركة انفصال سوريا عن مصر وعندما تحقق الانفصال في 28 ايلول 1960 التقى عبد الكريم قاسم في الرطبة مع ناظم القدسي رئيس الجمهورية السورية بعد الانفصال واتفقا على تنسيق المواقف ـ وقد ظل قاسم حتى آخر لحظة من حياته يعتقد ان ما حصل في العراق من اضطرابات في حقل الأمن سببه تشجيع الرئيس جمال عبد الناصر وتدخل الجمهورية العربية المتحدة في شؤون العراق الداخلية .. وهذا يفسر لنا ، كما يقول الأستاذ شامل عبد القادر في مقال له نشرت في جريدة المشرق البغدادية يوم 24 آذار 2007 ، مرور قاسم ولقاءه السريع بالقدسي في الرطبة بعد الاحتلال .. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل أن قاسم أطلق وسائله الإعلامية ضد الرئيس جمال عبد الناصر منذ ان اختلف مع عبد السلام عارف وقد تفاقم الأمر عندما جرت محاولة اغتيال قاسم في 7 تشرين الأول 1959 التي قام بها شبان من حزب البعث العربي الاشتراكي وقد أكد ذلك كله قناعات عبد الكريم قاسم بان (( أصابع عبد الناصر)) وراء محاولة الاغتيال مع انه يدرك بان عبد الناصر وقف مع الثورة وأيدها قبل وقوعها وبعده .
ومن الطرف الآخر ، يقول شامل عبد القادر ان عبد الناصر كان محقا في مخاوفه آنذاك من استفحال نوافذ الشيوعية المحلية في العراق خاصة وان عبد الكريم قاسم قد خذل التيار القومي الذي شكل الأغلبية الكبيرة في طاقم قيادة الثورة ، ولكن وبسبب تفاقم نفوذ الانتهازيين بعد الثورة اخذ التيار القومي يتعثر بل ويحاصر وان حربا ضروسا يتهيأ لها التيار الانتهازي لسحق التيار القومي العربي ورموزه في العراق وهكذا أرسل عبد الناصر نجداته الى الشواف في آذار 1959 عندما قام بحركته في الموصل ، إلا أنها لم تحقق الغرض .. حيث فشلت الحركة وسيطر الشيوعيون على الاوضاع في الموصل وغيرها وبدأوا بعملية إقصاء العناصر القومية في مؤسسات الدولة والتنظيمات النقابية والشعبية والطلابية وابتدأت اكبر حملة إعلامية عراقية ضد الرئيس جمال عبد الناصر اسهم فيها الحزب الشيوعي العراقي بشكل فاعل ، ولم يكتف الشيوعيون بذلك بل بدأوا برفع شعار المطالبة بالاشتراك في الحكم ، إلا أن قاسم استغل فرصة حدوث مجزرة كركوك بعد أربعة أشهر من حركة الشواف والتي أسهم فيها الشيوعيين لإقصاء الشيوعيين وإضعافهم واستمر في ذلك حتى سقوطه في حركة 8 شباط 1963 مع العلم ان الشيوعيين ظلوا يؤيدونه ويدعون الى تقوية حكمه والدفاع عنه .
فالقوى العربية القومية انقسمت على نفسها فظهر هناك ( قوميون عرب ) و ( قوميون ناصريون) و( قوميون اشتراكيون) ..وقد توزعت خارطة الاحزاب القومية العربية في العراق على النحو التالي :
أولا : حركة القوميين العرب وقد نشأت الحركة في لبنان بعد اعلان تقسم فلسطين سنة 1947 وكان يطلق على التنظيم اسم ( كتائب الفداء العربي) ومن قادة هذه الكتائب جورج حبش ووديع حداد واحمد الخطيب وهاني الهندي ومعظمهم كانوا من طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت .. وقد انضم عدد من هؤلاء الى جمعية العروة الوثقى التي أسسها الدكتور قسطنطين زريق وفاضل الجمالي وإسماعيل الأزهري وسيطروا على لجنتها الإدارية وفي عام 1953 أطلقوا تسمية ( القوميين العرب) على تنظيمهم ورفعوا شعار ( وحدة ، تحرر ، ثأر) وقد ارتبطت هذه الحركة بالزعامة الناصرية واستمر ذلك حتى الخامس من حزيران 1967 . وفي حزيران-يونيو 1968 اجرت الحركة نقدا ذاتيا على فكرها السياسي وتخلت عن معظم منطلقاتها الفكرية والسياسية وتبنت النظرة الماركسية اللينينية . عرف العراق تنظيم حركة القوميين العرب في اواخر الخمسينات وحمل عدد من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت بعد عودتهم الى وطنهم فكر هذه الحركة وبرز نشاطهم بعد ثورة 14 تموز 1957 مقرونا بعداء لحزب البعث العربي الاشتراكي وكان ابرز خلافهم مع البعث معاداتهم للنهج الاشتراكي ويشير الأستاذ فوزي شهاب احمد الشريدة في كتابه تاريخ الاحزاب السياسية في القطر العراقي) المنشور سنة 1975 ببغداد بطبعة محدودة إلى أن جل مؤسسي الحركة هم من أبناء العائلات الإقطاعية والبرجوازية ذات الاتجاه اليميني .
وبعد حركة 8 شباط 1963 اتخذت حركة القوميين العرب موقفا سلبيا من التغيير قم بعد حركة تشرين 1963 قام عبد السلام محمد عارف بتقريب حركة عناصر القوميين القياديين وخاصة العسكريين منهم لدورهم بدعم وإسناد حركته .
و في 14 تموز 1964 انضمت حركة القوميين العرب الى الاتحاد الاشتراكي في العراق ، لكن فشل تجربة الاتحاد أدت إلى خروج الحركة منه وقد التفت بعض العناصر التي خرجت من حزب البعث العربي الاشتراكي ومجموعة فؤاد الركابي التي يطلق عليها ( الوحدويون الاشتراكيون) وانبثقت حركة جديدة اطلق عليها اسم الحركة الاشتراكية العربية وكان ذلك اواخر عام 1965 .
ثانيا : الحركة الاشتراكية العربية .
وتعد امتدادا لحركة القوميين العرب إذ أنها جماعة القوميين العرب وحركة الوحدويين الاشتراكين وعناصر ناصرية مستقلة وذلك بعد فشل حركة عارف عبد الرزاق ومجموعة الضباط الناصريين الاولى التي وقعت في 15 أيلول-سبتمبر 1965 للإطاحة بحكم عبد السلام عارف واتفقت هذه الفئات على تشكيل تنظيم سياسي باسم الحركة الاشتراكية العربية وأصدروا بيانا في أواخر سنة 1965 يتضمن مولد الحركة ورفع شعار لهم هو ( حرية ، اشتراكية ، وحدة) .
وسرعان ما بدأت الصراعات والخلافات بين القوى التي شاركت في هذا التنظيم وحصلت انشقاقات داخل الحركة الاشتراكية العربية وخاصة اثر المؤتمر القومي الأول الذي انعقد في تموز 1968 . ولعل جزب الوحدة الاشتراكي الذي أسسه عدد من الضباط الناصريين مع مجموعة من المدنيين في حزيران 1967 ابرز تنظيم ينبثق عن الحركة الاشتراكية العربية وقد تزعم حزب الوحدة الاشتراكي العقيد الركن صبحي عبد الحميد ومعه خالد علي الصالح ويدعو هذا الحزب الى الوحدة الفورية مع مصر تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر . وكان عارف عبد الرزاق من مؤيدي هذا الحزب ويرتبط مع صبحي عبد الحميد بصلة وثيقة .
أما الحزب الاشتراكي فقد تأسس في 5 حزيران 1968 وتزعمه رشيد محسن وكان يضم في قيادته فاروق صبري معاون مدير الاستخبارات العسكرية الأسبق والعقيد المتقاعد حيدر سلمان وهاشم جعفر ألحبوبي و شريف ألفضلي ومعاذ عبد الرحيم وناصر ألفلاحي وشاكر الطبقجلي . وقد تبنى الحزب آراء واتجاهات جمال عبد الناصر . وبعد حركة 17 تموز 1968 ، أبدى الحزب معارضته للحركة لذلك اضطر عدد من قادته الى الإقامة في مصر كلاجئين سياسيين . وقد طرح الحزب في بداية تأسيسه مجموعة من المبادئ أبرزها مكافحة الرجعية والاستعمار والوقوف ضد الأفكار الانفصالية .
وبعد فصل أياد سعيد ثابت ونظمي شاكر اوجي ودريد سعيد ثابت من حزب البعث العربي الاشتراكي دعوا كافة الفئات والأحزاب الناصرية في العراق لعقد مؤتمر سياسي يجمع هذه الفئات بهدف التوصل الى اتفاق تعمل الأحزاب ضمن إطاره وقد تشكل على اثر ذلك المؤتمر تنظيم جديد أطلق عليه اسم: ( مؤتمر القوميين الاشتراكيين) ودعا هذا التنظيم إلى تبني الأفكار الناصرية الوحدوية ومقاومة اتجاهات حزب البعث العربي الاشتراكي وخاصة بعد وصوله الى السلطة في 17 تموز 1968 .
وكان هناك ، ضمن التنظيمات الناصرية ، ( الحزب العربي الاشتراكي ) ، وقد تشكل من الأعضاء السابقين في حزب الاستقلال أمثال عبد الرزاق شبيب نقيب المحامين الأسبق واحمد هادي ألحبوبي والدكتور مالك دوهان الحسن وغربي الحاج احمد المحامي والدكتور عبد العال الصكبان وتوفيق المؤمن وقد بدأوا عملهم الحزبي ، كما يقول شريدة ، برفع شعار وحدة ـ كفاح ـ اشتراكية لكنهم استبدلوه بشعار آخر هو ، حرية ـ اشتراكية ـ وحدة .
وقد اشترك هذا الحزب في ( الجبهة القومية ) التي تشكلت لمقاومة حكم عبد الكريم قاسم وبعد حركة تشرين 1963 اندمج هذه الحزب بالاتحاد الاشتراكي ، لكنه خرج منه أواخر 1966 وحصل انشقاق قاده الدكتور مالك دوهان الحسن الذي أطلق على تنظيمه اسم ( اللجنة المركزية للحزب العربي الاشتراكي) .. أما التنظيم الثاني فقد حمل اسم ( المكتب السياسي للحزب العربي الاشتراكي ).. وحمل التنظيم الثاني اسم ( المكتب السياسي للحزب العربي الاشتراكي )وتزعمه عبد الرزاق شبيب وقد توارى هذه الحزب عن الأنظار بعد حركة 17 تموز 1968 ..
أما ( الرابطة القومية) فقد نشأت لتضم مجموعة من العناصر الناصرية وذلك بعد ثورة 14 تموز 19548 وكان من مؤسسيها الدكتور هشام ابراهيم الشاوي وعدنان الراوي الشاعر المعروف وفوزي عبد الواحد وفارس ناصر الحسن وعاد تكليف آل فرعون . وبعد حركة تشرين سنة 1963 اندمجت الرابطة بالاتحاد الاشتراكي ولما وقف عمل الاتحاد انشطرت الرابطة إلى شطرين أطلق على الشطر الأول اسم ( المؤتمر القومي) وقاده كل من عدنان الراوي ورمزي العمري . أما الشطر الآخر فقد ظل يعرف باسم ( الرابطة القومية) وكان شعار الرابطة ( شعب عربي واحد ـ دولة عربية واحدة )
وبعد حركة تشرين 1963 ظهرت حركة سياسية ناصرية ضمت عناصر قد فصلت من حزب البعث العربي الاشتراكي ، أبرزهم عبد الاله ألبياتي وقيس كامل عبد الكريم الذي انضم فيما بعد الى الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين مع زوجته هناء محمد علي الشيباني التي استشهدت في احدى العمليات الفدائية سنة 1970 ولايزال قيس كامل عبد الكريم يعيش في غزة حتى كتابة هذه السطور وكان من عناصر الحركة كذلك طارق صاحب الدليمي العضو السابق في القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي .
وقد ظهر حزب قومي ناصري باسم ( حزب العمال العربي الاشتراكي ) ، لكنه تبنى الماركسية بعد انعقاد مؤتمره الأول نهاية سنة 1969 وكان معظم مؤسسيه أعضاء مفصولين من حزب البعث العربي الاشتراكي منهم علي صالح السعدي ومحسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وحميد خلخال وأبو طالب عبد المطلب الهاشمي وحميد عبد المجيد . وقد انشق التنظيم بعد المؤتمر الأول إلى جماعتين ، تزعم الأولى مهدي صالح عبد المجيد في حين تزعم المجموعة الثانية على صالح السعدي والدكتور سعدي محمد صالح السعدي وقد تبنت هذه المجموعة الفكر الماركسي بينما بقيت المجموعة الأولى تؤيد التعاون مع البرجوازية العربية وأحزابها من اجل تحقيق المهام العربية القومية .
لقد خاض القوميون الناصريون ، ومنهم ضباط ناصريون تأثروا بأفكار الرئيس جمال عبد الناصر ، صراعا مع البعثيين ومع عبد السلام محمد عارف الذي أصبح رئيسا للجمهورية بعد حركة قادها ضباط بعثيون وقوميون ضد نظام حكم عبد الكريم قاسم يوم 8 شباط 1963 .. وبعد اقل من سبعة اشهر استطاع المشير الركن عبد السلام عارف من طرد البعثيين في 18 تشرين الاول 1963 والسيطرة على السلطة بمساعدة عدد من الضباط الناصريين أمثال صبحي عبد الحميد وناجي طالب وعبد الكريم فرحان وعرفان عبد القادر وجدي وسعيد صليبي وعارف عبد الرزاق وطاهر يحيى ..
في 20 تشرين الثاني 1963 كلف عبد السلام عارف الفريق طاهر يحيى بتشكيل وزارة جديدة ضمت عددا كبيرا من الضباط الناصريين امثال صبحي عبد الحميد وزير الخارجية ،وعبد الستار عبد اللطيف وزير الموصلات وعارف عبد الرزاق وزير الزراعة وعبد الكريم فرحان وزير الإرشاد وبدا الأمر وكأن الناصريين هم الذين سيطروا على السلطة وانتظر الجميع مزيدا من التنسيق مع الجمهورية العربية المتحدة ومع الرئيس جمال عبد الناصر .. وقد أعلن طاهر يحيى رئيس الوزراء الجديد عن تعهد حكومته بتنفيذ ميثاق 17 نيسان 1963 وفي 24 كانون الأول-ديسمبر 1963 أعلن منهاج وزارته وتضمن تفصيلات كثيرة تتعلق بتبني أساسيات التجربة الناصرية في مجال تطبيق الاشتراكية العربية وإصدار قرارات التأميم ((وتأكيد النظام على قضية الوحدة مع مصر )) . وخصص المنهاج بابا خاصا عنوانه : (( السياسة العربية )) تم التشديد فيه بصورة خاصة على علاقات التعاون بين العراق والدول العربية الأخرى .. وأشار إلى ان ميثاق 17 نيسان-ابريل 1963 الذي وقعه العراق مع مصر و سوريا هو نقطة الانطلاق الى الوحدة .
وفي 3 أيار-مايو 1964 أعلن دستور مؤقت جديد .. وقام عبد السلام عارف بالتوقيع على اتفاق تمهيدي مع الرئيس جمال عبد الناصر في يوم 28 أيار-مايو 1964 . وقد تضمن نص الاتفاق ، على تأليف ( مجلس رئاسة مشترك ) تكون مهمته دراسة وتنفيذ الخطوات الضرورية لإقامة الوحدة بلين مصر والعراق .
تعرضت سياسة عبد السلام عارف إلى انتقاد من القوى السياسية العراقية ، فعلى سبيل المثال رفع كامل الجاد رجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي مذكرة إلى رئيس الجمهورية أول حزيران-يونيو 1964 انتقد فيها النظام وتعرض الى الدستور وقال انه قد أعلن دون الرجوع إلى الحزب وعرج على اتفاق الرئيس عبد السلام عارف مع الرئيس جمال عبد الناصر في 28 أيار-مايو 1964 وقال إن هذا الاتفاق اعد وابرم ، شأنه في ذلك شأن الدستور المؤقت دون الرجوع إلى الشعب ، ودعا الجاد رجي الى اعتماد مباديْ الديمقراطية وأصر على منح الأحزاب السياسية الحرية التامة وعلى إجراء انتخابات عامة في اقرب وقت ممكن وقال أيضا انه يجب أن تقوم الوحدة على أساس ( اتحادي) وأعرب عن أسفه لعدم استشاره زعماء الأحزاب السياسية في العراق بمثل هذه الإجراءات المهمة التي اتخذت بالنيابة عن البلاد .
اعلن عبد السلام عارف في 14 تموز 1964 عن قيام ( الاتحاد العربي الاشتراكي) على غرار الاتحاد الاشتراكي الذي أقامه الرئيس جمال عبد الناصر في مصر .. وقد اصدر الاتحاد ميثاقا وطنيا ، كان الى حد كبير نسخة مشابهة للميثاق الوطني ( المصري) .
تلقى الكثير من زعماء الأحزاب والتنظيمات السياسية في العراق الاتحاد الاشتراكي العربي ببرود واضح واعتبروه بداية لتدمير الحياة الحزبية والشروع بإقامة الحزب الواحد بيد ان ((الشبان الذين عرفوا بتأييدهم لنموذج الاشتراكية التي كانت تطبق في مصر )) هم وحدهم الذين أيدوا الاتحاد الاشتراكي ، وأقدموا على حل تنظيماتهم السياسية ودخولهم الى الاتحاد ، وهذه التنظيمات هي :
• حركة القوميين العرب
• الحزب العربي الاشتراكي
• حركة الوحدويين الاشتراكيين
• الوحدويون الاشتراكيون الديموقراطيون
والغريب ان الحزب الشيوعي العراقي رحب بالاتحاد الاشتراكي في 14 آب 1964 وقال في بيان أصدره بان الاتحاد الاشتراكي ((خطوة استهدفت توحيد جانب هام من القوى الوطنية )) .. وأضاف ان الحزب ((يرسيم التدابير الضرورية للتعاون معه يهدف السعي لتعزيز الجانب التقدمي في سياسته وتطوير ايدولوجيته )) .. ولايمكن تفسير هذا الموقف الا في ضوء العلاقات الجيدة التي ربطت الرئيس جمال عبد الناصر بالقيادة السوفيتية آنذاك ، إلى درجة ان الكومنترنو هو التنظيم العالمي للأحزاب الشيوعية ، طلب من الأحزاب الشيوعية العربية ومنها الحزب الشيوعي العراقي تأييد إجراءات عبد الناصر على صعيد إقامة ما كان يسمى: ( المجتمع الاشتراكي الديمقراطي الموحد) .
وفي الوقت نفسه ، اصدرت الحكومة العراقية خمسة قرارات تقضي بتأميم المصارف والشركات وتنظيم مجالس الصناعات وإنشاء مؤسسة اقتصادية . وقد وضع على راس هذه المؤسسة احد المثقفين ا لأكاديميين الناصريين من الذين عملوا مع الحركة الاشتراكية العربية وهو الدكتور خير الدين حسيب .. كما وضع على رأس الاتحاد الاشتراكي ضباط ناصريون منهم صبحي عبد الحميد .
استقال طاهر يحيى في تشرين الثاني 1964 بعد ان واجه انتقادات شديدة لفشله في معالجة الأوضاع الاقتصادية التي تدهورت بعد التأميم فضلا عن الإجراءات القاسية التي واجه بها القوى السياسية المعارضة لكن عارف كلف ثانية في 14 تشرين الثاني 1964 بتشكيل وزارة جديدة وضعت في 18 كانون الثاني 1965 خطة تنمية شاملة للمدة 1965 ـ1969 تهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة فضلا عن إيجاد حل للمشكلة الكردية . وقد بدأت بعض الإجراءات كمحاولة لكسب الرأي العام ومن ذلك الإعلان في نهاية كانون الثاني 1965 عن إلغاء الأحكام العرفية ، لكن الإجراءات لم تساعد في تهدئة الاوضاع ، واستمرت الحركة العسكرية المسلحة في الشمال الامر الذي ضاعف من القلق على مستقبل البلد . مما ساعد على ذلك ، ان ( الضباط الناصريين ) ومنهم صبحي عبد الحميد وعبد الكريم فرحان ، بدأوا في مقاومة توجه عبد السلام عارف في السيطرة على الجيش واخذوا يقولون بأنه (يكثر الحديث عن الوحدة العربية دون أن يعمل لها بإيمان الواثق بها ))
وسرعان ما تغيرت نظرتهم إلى عبد السلام عارف فأصبح في نظرهم ((ضابطا مغامرا يسعى إلى تثبيت حكمه الشخصي . وقد اتضح ذلك حينما اخذ يتدخل في شؤون الوزراء ويعمل على تعيين الموالين له من الضباط في مناصب رئيسية وينقل الضباط الناصريين إلى مناصب ثانوية ، وهو في ذلك كان يحاكي اللواء الركن عبد الكريم قاسم (1958-1963 ) في توجهاته المناؤءة للرئيس عبد الناصر وسياسته .
وفوق هذا وذاك ، اعترض أولئك الضباط على مفاوضات النفط ووجدوا أنها لم تكن لصالح البلاد ، فازدادت الخلافات بينهم وبين عارف حتى بلغت ذروتها في 10 تموز 1965 حين أقدموا على الاستقالة من الوزارة .. وقد حل محلهم ستة وزراء ممن عرفوا بتأييدهم لعارف . وقد شعر عارف بعد هذه الاستقالة ، بضرورة التخلص من طاهر يحيى نفسه ، فقدم هذا على استقالته في 3 ايلول /سبتمبر 1965 وشكل عارف عبد الرزاق ، وكان يعمل قائدا للقوة الجوية ، وزارة جديدة في 6 أيلول-سبتمبر 1965 . وفي 12 أيلول 1965 غادر عبد السلام عارف بغداد إلى الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة ، وفي أثناء وجوده هناك قام رئيس الوزراء الجديد ، وهو معروف بكونه ناصري ، بمحاولة للانقلاب ، إلا أن أنصار عبد السلام عارف أحبطوه وقد اتهم عبد السلام عارف ( مصر) بانها كانت وراء الانقلاب فتوترت العلاقات معها آنذاك ، وأصبح عبد السلام عارف يكثر من انتقاد عبد الناصر وأنصاره في العراق .
وفي 21 أيلول 1965 كلف عبد السلام عارف ، عبد الرحمن البزاز ،وهو أستاذ جامعي متخصص في القانون بتشكيل وزارة جديدة استمرت في الحكم حتى 18 نيسان 1966 وقد تعهد البزاز بإقامة نظام حكم دستوري وتحقيق الازدهار للشعب في ظل ما أطلق عليه (( اشتراكية عربية رشيدة)) تزيد الإنتاج وتحقق عدالة التوزيع عن طريق بذل العناية بالقطاعين العام والخاص .. وهاجم البزاز ظاهرة (الانقلابات العسكرية) ووعد بإنشاء ( جهاز حكومي منتظم) وأيد استمرار (الاتحاد الاشتراكي العربي) على أن يعاد النظر في تركيبته.
في 13 نيسان قتل عبد السلام عارف في حادث تحطم طائرته في البصرة ، حيث كان يقوم بجولة في المحافظات الجنوبية .. وفي مساء 16 نيسان 1966 عقد اجتماع مشترك بين مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني الذي كان يتألف من ( 20) عضوا هم اثنا عشر ضابطا وثمانية وزراء جلسا لانتخاب رئيس الجمهورية وقد أيد الضباط ترشيح عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف وكان يشغل منصب رئيس أركان الجيش آنذاك فحصل على الأكثرية وقد قدم البزاز استقالته ليكلف من جديد في 18 نيسان 1977 بتشكيل وزارة جديدة كان من ابرز انجازاتها إصدار بيان 29 حزيران 1966 لتسوية المسألة الكردية ، من خلال الاعتراف بالقومية الكردية بشكل قاطع في الدستور واعتماد اللغة الكردية لغة رسمية مع اللغة العربية في المناطق التي تسكنها غالبية كردية ..
واجه الحكم الجديد محاولة انقلابية قام بها عارف عبد الرزاق في 30 حزيران بالتعاون مع عدد من الضباط المعروفين باتجاهاتهم الناصرية ، لكن عبد الرحمن عارف استطاع قمع الحركة والاستفادة من ذلك في تثبيت مركزه ..
وقد اضطر البزاز لإعلان استقالته من رئاسة الوزراء في 6 آب 1966 عندما شعر بانعدام التعاون بينه وبين عبد الرحمن عارف وقد كلف عارف ناجي طالب وهو من قادتة ثورة 14 تموز 1958 بتأليف الوزارة في اليوم ذاته ( 6 آب 1966) واستمر ناجي طالب في الحكم حتى 10 ايار 1967 وقد تعرض ناجي طالب لكثير من الضغوط من بعض الضباط المنافسين ، فاستقال وقد ألف عبد الرحمن عارف نفسه الوزارة في 10 ايار 1967 وعين له أربعة نواب منهم طاهر يحيى وقد واجهت هذه الوزارة ظروف مشاركة العراق في حرب 1967 ثم تداعيات الهزيمة وبعد الحرب أدرك عارف صعوبة الجمع بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فتخلى في 19 تموز 1967 عن سلطاته كرئيس للوزراء الى طاهر يحيى ولم يستطع طاهر يحيى معالجة مشكلات العراق الداخلية المتفاقمة وازدياد المعارضة لحكم عبد الرحمن عارف وقاد الشيوعيون حركة للكفاح المسلح في جنوب العراق وازدادت نقمة المواطنين بعد قرار الحكومة زيادة الضرائب المواجهة النفقات المتزايدة واستمرت الخلافات بين أعضاء وزارة طاهر يحيى ، واستقالة ثلاثة منهم الأمر الذي اضعف الوزارة وقلل من هيبتها وبدأت أوضاع البلاد تنحدر وعم الفساد والفوضى الاقتصاد والإدارة ووصلت البلاد إلى حالة شبيهة بما كان عليه العراق قبل ثورة 1958 وقد استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي القيام بحركة انقلابية يوم 17 تموز 1968 ، كان من نتائجها إعفاء عبد الرحمن عارف من مناصبه وإحالته على التقاعد، وإعفاء حكومة طاهر يحيى وتشكيل ( مجلس قيادة ثورة ) يتولى إدارة شؤون الجمهورية .. وفي بيان الحركة الأول اتضح بان السياسيين الجدد غير ميالين الى التعاون مع عبد الناصر حتى أنهم أعلنوا التزامهم بميثاق جامعة الدول العربية وإقامة علاقات وثيقة مع الدول العربية والإسلامية .. وقد ظهرت بعض المشاكل بين العراق ومصر خلال المدة من 1968 وحتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ، ومنها ان السلطة الجديدة اعتقلت عددا كبيرا من الناصريين ، مدنيين وعسكريين وحرمت العمل السياسي الناصري وبدأت وسائل الإعلام تنتقد سياسة عبد الناصر الخارجية وخاصة بعد قبوله بمبدأ روجرز لحل القضية الفلسطينية وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي . واضطرت الأحزاب والقوى الناصرية إلى التوجه نحو السرية في نشاطاتها وعندما توفي عبد الناصر منعت السلطة قيام تظاهرات حزن في بغداد والمدن العراقية الأخرى ، حتى أنها تصدت لبعضها ومنعت استمرارها بقوة السلاح .. وبدأت حركة لتثقيف الناس في مصر بعيدا عن المبادئ والأفكار الناصرية .
خـــــلاصة :
كان للتجربة الناصرية تأثير كبير في حياة العراق السياسية ، سواء على صعيد الأحزاب والقوى السياسية او على صعيد الإجراءات السياسية والاقتصادية والثقافية التي شهدها العراق طيلة السنوات الواقعة بين 1952 و 1970 . واتضح هذا من خلال تنامي نشاط التنظيمات الحزبية التي اتخذت من الناصرية ايدولوجية لها .. وخاصة من حيث تركيزها على مبادئ التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري ومحاربة الاستعمار والإقطاع والرجعية والتمسك بسياسية الحياد الايجابي وبان على الإنسان العربي إن يفخر بكونه عربي ويرتبط بأقرانه الذي يعيشون على الأرض الواقعة بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي بروابط اللغة والدين والتاريخ المشترك والآمال والآلام الواحدة .. ومن أن مبادئ الثورة العربية واحدة في كل الأرض العربية ولابد من تلاحم الكفاح بين المناضلين وخاصة من خلال إقامة ما أطلق عليه في حينه ( الحركة العربية الواحدة ) ولا تزال آثار هذه التجربة في العراق ماثلة للعيان




هذا الموضوع منشور بنادي الفرسان - قسم جمال عبد الناصر.
*صورة الرئيس جمال عبد الناصر 1918-1970
**جمال مع والده عبد الناصر حسين
***الرئيس جمال عبد الناصر بين الاستاذ محمد صديق شنشل وزير الارشاد (الثقافة والاعلام )العراقي من اليمين والاستاذ خالد النقشبندي عضو مجلس السيادة العراقي من اليسار وخلفهما فؤاد الركابي وزير الاعمار بع نجاح ثورة 14 تموز 1958





--------------------------------------------------------------------------------




ا

مع عبد الحميد العلوجي وحديث حول حكايات الموصل الشعبية



مع عبدالحميد العلوجي
وحديث حول حكايات الموصل الشعبية
أ.دابراهيم خليل العلاف

 رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين

ارتبطت مع الباحث التراثي الموسوعي الأستاذ عبدالحميد العلوجي (1924_1995) بعلاقة صداقة امتدت لأكثر من ربع قرن .. وكان رحمه الله يعبر باستمرار عن إعجابه بكتابتي وقد أعرب مرة عن آسفة لانتقال مكتبة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي رحمه الله إلى بغداد بعد تبرع ابنه بها وقال لي بالحرف الواحد (إن الموصل هي المكان الطبيعي لهذه المكتبة).
و عبدالحميد العلوجي، ولد ببغداد سنة 1924، وعمل في التعليم وتخرج في كلية الحقوق، ولكنه انصرف إلى الصحافة والكتابة، وكان له دور فاعل في إصدار (مجلة المورد) وفي كل الموسوعات التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام في الثمانينات من القرن الماضي ومنها حضارة العراق (13) مجلدا ، والعراق في مواجهة التحديات (3) مجلدات، والجيش والسلاح في العراق (4) مجلدات ، وألف كتبا عديدة لعل من أبرزها كتابه (تاريخ الطب الرياضي) وقد اهتم بالتراث الشعبي العراقي وكتب عنه وحرر الكثير من المقالات في هذا الميدان..

كتب عنه الاستاذ حميد المطبعي في "موسوعة أعلام وعلماء العراق " فقال : بأنه باحث موسوعي وان مؤلفاته بلغت 41 كتابا منها :"مؤتمر الموسيقى العربية 1964 " ووالمد الصهيوني والهجرة المضادة " 1970 و "الاصول التاريخية للنفط العراقي " 1973 الفه بالاشتراك وهو كتاب وثائقي كتب عنه المستشرق البريطاني بيرسون وقد حصل على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب .
 في 28 آب 1991 أجرت معه الصحفية هدى جاسم حواراً حول (الحكايات الشعبية العراقية) نشر في جريدة الجمهورية . وقد ذكر في الحوار أن الأب انستاس الكرملي أول من جمع الحكايات الشعبية من أفواه النساء في بغداد سنة 1911، وان الليدي دراور ليست أول من قام بجمع هذه الحكايات، واستطرد العلوجي للحديث عن مجهودات من قام بتوثيق هذا اللون من الأدب العراقي، وللأسف، فانه لم يتطرق إلى جهود أستاذنا المؤرخ والكاتب الموصلي المرحوم احمد علي الصوفي (1897_1982) في مجال توثيق عدد كبير من حكايات الموصل الشعبية في كتابه الذي ألفه سنة 1953 عندما كان يعمل مدرسا للتاريخ في متوسطة المثنى في الموصل، ولم يتح لهذا الكتاب الظهور إلا في سنة 1962 وقد صدر بعنوان : (حكايات الموصل الشعبية) وفي هذا الكتاب جمع الصوفي (22) حكاية من الحكايات المتداولة وهي حكايات ذات بعد أخلاقي وتربوي بالدرجة الأولى، كما أنها تتناول شتى مناحي الحياة ومن ابرز هذه الحكايات: حكاية المطلقات السبع، وحكاية ابن الملك والبنات الثلاث، وحكاية الخنفساء، حكاية حديدان مع الدامية، حكاية السعلوة وابنها مع النساجين، وتعالج بعض هذه الحكايات مواضيع فساد نظام الحكم، وسيادة الرشوة، وعاقبة الظلم والجور، وخيانة العهد، ونبذ الكسل، والدعوة إلى العمل والتأكيد على الإخلاص والشجاعة.
كتبت مقالة في جريدة الجمهورية في عددها الصادر يوم 14 أيلول 1991 وقلت أن أستاذنا العلوجي اغفل، كمعظم من ارخ للحكايات الشعبية، جهود الأستاذ احمد الصوفي ، وفي عدد الجمهورية الصادر يوم 24 أيلول 1991 بعث الأستاذ عبدالحميد العلوجي برسالة الى محرر جريدة الجمهورية قال فيها بالحرف ((قرأـ صباح يوم 14 أيلول.. جريدتنا الجمهورية ، ما يستقيم عقوقا جارحا في رسالة الصديق المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل احمد من جامعة الموصل .. وقد أسعدني أن أجد رسالته تضج بالعتاب على أمثالي ممن اساغوا لأنفسهم العقوق وحجب الريادة في مواجهة الجهد اللامع الذي غرسه المرحوم احمد علي الصوفي
في مضمار الحكايات الشعبية )). وأضاف العلوجي يقول: (والدكتور إبراهيم في هذا العتاب معه الحق، ولايزعجني الاعتراف بجدارة المرحوم الصوفي على ذلكم الصعيد، وأنا أعجب لقلمي يجتاز الصوفي بصمت على الرغم من الروابط التي كانت تشدني به يوم يغادر الموصل إلى بغداد ليبثني همومه التراثية).
وختم العلوجي رسالته وهو يردد ((دفعا لعقوقي غير المقصود سأقدم لمؤرخي الحكاية الشعبية مااحسبه كفارة قادرة على تشريد الغبن وعقيدتي أن هذه الكفارة تستق ان تكون المعلومة كما للباحثين في الموروث الشعبي)). وكانت المعلومة كما ألخصها الآن تتضمن خبرا عن كتاب صدر في السويد سنة 1965 الفته امرأة مستشرقة دانماركية دخلت الإسلام واطلقت على نفسها (سامية الأزهرية) بعنوان Arab Rakonti وفي هذا الكتاب حللت بعض الحكايات التي ذكرها الصوفي في كتابه وهي حكاية حديدان وهذا يدل على أن المرحوم الصوفي اقتحم العالم الأرحب وقال العلوجي ((إنني بعد ذلك أجدني في غاية القناعة بأنني عاقبت ضميري بما يدين الغفلة التي صرفته عن التغني بريادة احمد علي الصوفي أسوة بالأب انستاس الكرملي)).
سردت هذه الواقعة لأذكر بان أخلاق العلماء والمبدعين ينبغي أن تكون هكذا.. فالعلوجي كان بحق عالما جليلاً، وباحثا متميزا، وإنسانا فاضلاً يعترف بجهود الآخرين ويعتذر عندما يغفل عن ذكر ذوي الفضل وخاصة أولئك الذين خدموا التراث الشعبي العراقي من اجل إحيائه وفي مقدمتهم الأستاذ احمد علي الصوفي.
http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2009/12/blog-post_27.html
*المصدر

الاثنين، 28 ديسمبر 2009

عبد الرزاق السنهوري ..رجل القانون المدني


عبد الرزاق السنهوري.. رجل القانون المدني
أ.د. إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الإقليمية_جامعة الموصل
قلة من الناس يعرفون أن المرحوم الأستاذ عبد الرزاق السنهوري، رجل القانون المصري العربي قد وضع نصوص الكثير من القوانين المدنية في الوطن العربي، ومنها (القانون المدني العراقي)، وكان ذلك سنة 1939، ويعد القانون المدني العراقي من أرصن القوانين المدنية في العالم وأدقها وقد تم التوفيق فيه بين الشريعة الإسلامية والقوانين الحديثة.
ولد السنهوري في مدينة الإسكندرية سنة 1895 وتوفى سنة 1971. وحصل على شهادة الحقوق وعمل وكيلاً للنائب العام في المنصورة سنة 1917، أسهم في ثورة 1919 ضد الانكليز وانتمى إلى حزب الوفد وكان بزعامة سعد زغلول. وسافر إلى فرنسا وحصل على الدكتوراه في العلوم القانونية وعاد إلى القاهرة سنة 1926 وكان عنوان رسالته للدكتوراه (الخلافة الإسلامية). ودرس في كلية الحقوق لكنه فصل بسبب نشاطه السياسي وأعيد ثانية لينصرف إلى تأليف الكتب وإعداد الدراسات حتى إن الأستاذ ياسين الحسيني في موسوعة إعلام العرب (بغداد ،2000) قال إن عدد صفحات مؤلفاته بلغ خمسة عشر إلف صفحة، ومن كتبه (نظرية العقد)، وقد انتدبته الحكومة العراقية في عهد وزارة ياسين الهاشمي (آذار 1935_ 29 تشرين الأول 1936) ليكون عميداً لكلية الحقوق ولعل من ابرز انجازاته إن شرع نظاما حديثا للكلية سنة 1936، كما اصدر مجلة (القضاء) على أسس جديدة.
في سوريا كان للسنهوري دوره الفاعل في إصدار القانون المدني السوري، وفي سنة 1944 عين وكيلاً لوزارة العدل ثم وزيرا للمعارف (التربية) لأكثر من مرة (1945، 1946، 1948)، وكان له نشاط دبلوماسي وقد عمل ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية في الأمم المتحدة 1947_1948. ولدوره المتميز اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة ثم رئيسا لمجلس الدولة حتى قيام ثورة 1952.. وبعد الثورة حظي بتكريم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وله تلاميذ عراقيون برزوا في مجال القضاء والقانون.

نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق




نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العراقيين


ليس ثمة من يستطيع أن يحدد تاريخا واضحا لنشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق ولكن مما لا يمكن تجاهله أن مؤرخي هذا اللون من ألوان الفن والثقافة ، يؤكدون بان البواكير الأولى لدخول التصوير الفوتوغرافي في العراق ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر ، وفي الموصل تحديدا .


وقد ورد في الدليل الرسمي العراقي لسنة 1936 الذي وضعه الياهو دنكور ومحمود فهمي درويش وطبع ببغداد سنة 1937 ، ما يفيد أن (( صناعة التصوير اقتصرت في العهد العثماني على جماعة في بغداد ، وفي زمن الاحتلال البريطاني 1914 ـ1918 ، امتدت صناعته إلى المدن العراقية المهمة كالبصرة والعمارة وكربلاء وكركوك والموصل ، وقد ظهر فيه غواة ، ولكنهم غير بارزين حتى أتيح لبعض المصورين العراقيين العودة إلى وطنهم بعد جولة طويلة في تركيا وروسيا وأوربا .. يتمرنون على هذا الفن فتقدمت صناعة التصوير على أيديهم تقدما امتد أثرها على تلامذة المدارس فشاع بينهم هذا الفن .


وقد أورد الدليل بعض الحقائق عن من كان وراء استيراد ( الأفلام الخام ) المستعملة في التصوير الفوتوغرافي ، أو التصوير السينمائي فقال أن ( التاجر العراقي المعروف حافظ القاضي) منذ العشرينات من القرن الماضي استطاع ان يخطو خطوة مهمة بهذا الاتجاه لذلك نال عطف صاحب الجلالة الملك غازي


( 1933 ـ1939) . وممن برع بالتصوير الفوتوغرافي وكان يسمى آنذاك


التصوير الشمسي في بغداد ، وبلغ فيه الدرجة الممتازة المصور عبوش ... فهو يحمل من الأوسمة والشهادات الناطقة من الأمم المختلفة شيئا كثيرا .. وقد امتهن فن التصوير في روسيا والأستانة( استانبول) مدة ثمان سنوات وزار أهم معاهد التصوير في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وقد اكتسبت تصاويره في المعرض الدولي في روما سنة 1935 الدرجة الممتازة ، ونال عليها شهادة الديبلوما والاستحقاق ، وقد دفع هذا الملك غازي لان يجعله يحملا لقب مصوره الخاص.


إن هذه المقدمة المهمة تدعونا لان نلج أعتاب التاريخ لنتعرف على البدايات الأولى لنشأة فن التصوير الفوتوغرافي خاصة بعد أن تيسرت لنا روايتان ، احدهما تقول أن (نعوم الصائغ) ، وهو أول من ادخل فن التصوير الفوتوغرافي إلى العراق . وثانيهما تقول أن يوسف الياس سنبل وهو جد والدة الفنان الفوتوغرافي الراحل حازم باك هو الذي ادخل التصوير الفوتوغرافي الى العراق .. المهم إن كلا الروايتين تؤكدان أن الموصل هي منشأ هذا الفن ، وقد شهدت بداياته الأولى .. ومع أنني أشرفت على رسالة السيد حيدر جاسم عبد عبيس الرويعي التي قدمها بعنوان : ((الدومنيكان في الموصل : دراسة في نشاطاتهم الطبية والثقافية والاجتماعية 1750 ـ1974 وحصل بموجبها على شهادة الماجستير من كلية التربية بجامعة الموصل بتقدير امتياز سنة 2001 إلا أنني والطالب لم نعثر على الكثير من المعلومات حول زمن وكيفية وأسلوب دخول التصوير الفوتوغرافي إلى الموصل ، مع أنني كنت اسمع أن دخول هذا اللون من الفن ثم على يد الآباء الدومنيكان ، الذين جاؤوا إلى الموصل سنة 1750م بقصد التبشير ، وتقديم خدمات تعليمية وطبية ، وبعد البحث وجدنا ان هناك معلومات تقول أن من الآباء الدومنيكان من قام بتدريب بعض الشبان على التصوير الفوتوغرافي وقد اطلعت في كنيسة اللاتين بمنطقة الساعة في الموصل على ( البومات ) عديدة تضم صورا التقطت لجوانب من حياة الموصل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية . ومنها على سبيل المثال صورة لحفلة زواج عائلة توفيق داؤد قندلا كان نعوم داؤد الصائغ قد التقطها بكاميرته . وقد اعتبرت نعوم الصائغ في مقال نشرته في جريدة الحدباء (الموصلية) يوم 30 نيسان 2002 من ابرز رواد التصوير الفوتوغرافي ليس في الموصل فحسب بل وفي العراق كله .


بدأ نعوم الصائغ عمله ( مصورا) أواخر القرن التاسع عشر ، ومن صوره المهمة صورة التقطها لنفسه وهي منشورة الى جنب هذه السطور . ونعوم هو والد الأديب والكاتب والشاعر الراحل يوسف الصائغ .. وقد اخبرني الأستاذ بهنام حبابة ، الكاتب والباحث الموصلي المعروف ، أن نعوم تزوج مرتين وزوجته الثانية هي اخت يوسف نمرود رسام وقد عمل نعوم الصائغ فترة من الزمن مصححا لمجلة ( النجم ) الموصلية التي كان يصدرها ( المطران ـ المؤرخ سليمان صائغ) صاحب كتاب ( تاريخ الموصل) ويقع في ثلاثة أجزاء ، في بداية الثلاثينات من القرن الماضي . وقد تدرب نعوم على التصوير عند الدومنيكان ، وهو من بيت دلال ، وكان شماسا في الكنيسة وانه كان مثقفا ، وله ابن من زوجته الأولى اسمه (سام) وابنة اسمها( جانيت) وقد سجل بعدسته الكثير من الصور المهمة عن الموصل وتوفي سنة 1948 . وقين بنا وبالباحثين والمصورين الفوتوغرافيين العمل على جمع صوره ونشرها والاحتفاء بصاحبها واستذكار جميله وفضله وريادته .


وفيما يتعلق بريادة يوسف الياس سنبل ، فان الفنان الفوتوغرافي حازم باك كان قد استجاب لطلب من الحاج أمري سليم ، وهو من المصورين الفوتوغرافيين العراقيين الرواد المعروفين فكتب بضعة صفحات عن نشأة التصوير الفوتوغرافي في العراق ، أعاد الأستاذ فؤاد شاكر نشر ملخصها في جريدة الصباح البغدادية (العدد 1929 في 28 كانون الثاني 2007) ويبدو أن الحاج أمري كلفه بذلك أوائل الخمسينات من القرن الماضي وبعد مجيء حازم باك إلى بغداد من مدينة الموصل مباشرة . ومما قاله حازم باك ((ان جده لوالدته المرحوم يوسف الياس سنبل كان في ظني أول من احترف التصوير في العراق .. وعلى التأكيد في الموصل قبل بداية القرن الماضي بفترة )) أي قبل بداية القرن العشرين وبالتحديد أواخر القرن التاسع عشر . وقد احترف سنبل التصوير .وقد خلد في صوره الأحداث المهمة والاجتماعات العامة والأفراد البارزين ومعالم العمران ، بالإضافة إلى تشجيعه المطرد للرواد الآخرين بتيسير المواد والأدوات والمكائن اللازمة لهم عن طريق تعاطيه التجارة واستيراد المعدات من مصادرها البعيدة )) .


كان يوسف ابن ألخوري الياس بن ججو سنبل وعقيلته السيدة فريدة ابنة الشماس جرجس بن حجو خياط قد ولد في عائلة عريقة متمرسة بالتجارة والعلم والدين في الموصل بدار أسلافه آل سنبل في سوق الشعارين شارع النبي جرجيس وفي محلة القليعات في الربع الثالث من القرن التاسع عشر وتلقى تعليما بيتيا ومحليا ، وبعد أن شب على الطوق بدأ يقرأ عن علوم الكيمياء والطب والصيدلة وقد مارس التجارة على غرار ما فعل والده وقد عقد النية على إكمال دراسته والذهاب الى استانبول ، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك بهدف الحصول شهادة عالية في الصيدلة ، لكن والده لم يوافق على ذلك لأنه كان الولد الوحيد له فاضطر الى العدول عن السفر وانصرف للعمل التجاري والزراعي ، لكن ذلك لم يمنعه من التركيز على اهتماماته الأساسية في الكيمياء والصيدلة والطب . ويقول حازم باك انه اخذ يغتني من مكتبة الأسرة العامرة بالكتب والمصادر والتي كانت تضم مصادر مهمة عن التصوير الفوتوغرافي باللغة الفرنسية . ويضيف حازم باك انه يحتفظ بأدلة تشير إلى أن يوسف سنبل قد احتفظ من ( دار لوميرفي باريس) بسوالب(نيكتيف) زجاجية ذات طبقة جيلاتينية من الفضة بعد عام 1889 إن لم يكن قبل ذلك وورقا فوتوغرافيا من ( دار ماريون) التي اندثرت فيما بعد وفي الحقبة نفسها . ولم يطل الأمر حتى ذاعت شهرة سنبل حتى أصبح يسمى ( يوسف سنبل فوطوغرافجي الشمسي بالموصل) أي المصور الفوتوغرافي الشمسي .


وقد أصبح مصور الطبقة الاجتماعية الأولى فضلا عن كونه مصور الدوائر الحكومية المحيطة بالوالي وحاشية ولاية الموصل آنذاك .. وهناك بعض الصور التي لابد أنها كانت تلتقط بقصد توثيق الحدث كزيارة ضيف أو عقاب مجرم أو تخليد اثر ما . وقد كان يوسف سنبل يجيد الطباعة بالألوان المتباينة غير الأسود والأبيض كالأزرق والبني والرمادي ، ويستخدم في عمله مركبات الذهب وغيره من المواد . كما استعمل سنبل المناظر الخلفية المختلفة من لوحات ورسوم وآيات وحكم وأمثال وملصقات جداريه ومفروشات وستائر خاصة مستوردة لإغراض التصوير الشخصي والجماعي فضلا عن دمجه اطر مزوقة مع الصور المطبوعة او من الورق المنقوش المحفور والمخرم وكل هذه الأنواع تجعل منه رائدا من الرواد الأوائل الذين ادخلوا التصوير الفوتوغرافي إلى العراق .. ولم تقتصر استفادة سنبل من ضوء الشمس في التصوير او الطباعة ، يقول حازم باك ، بل انه استفاد أيضا من ضوء شعلة المغنسيوم في إنتاج أعماله فهو أول من استخدم تلك المواد والأدوات البدائية حتى قبل تطوير التصوير .


ومن الطريف الإشارة إلى أن الياس سنبل اخذ يعمل في مجال تسويق الأفلام مع أوراق الطباعة التصويرية منذ سنة 1922 ونجد اليوم من بين ارشيفه صورة تذكارية للملك فيصل الأول (1921 ـ1933) مطبوعة بثماني نسخ مكبرة ، وقد استلم عنها مكافأة نقدية مقدارها مئة روبية ( الروبية آنذاك 75 فلسا) .. كما أن من بين أرشيفه صورا لكثيرين من أبناء الموصل ( ونجد إلى جانب هذه السطور نموذج منها ) . وقد بلغت واردات سنبل من ريع بيع الصور في سنة 1922 على سبيل المثال (4/عانة و2801روبية) وازداد ريعه في سنة 1924 ليصل إلى (2 عانة ، و3574روبية) .


وعندما اتسعت حلقة المصورين الفوتوغرافيين في الموصل ، تخلى الياس سنبل عن المهنة سنة 1928 . ويذكر حازم باك ان صور سنبل الوثائقية وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وايطاليا وتركيا وسوريا ولبنان والهند وبعض بلاد ا لمشرق العربي الأخرى .


إن الأرشيف التاريخي العراقي يكشف في ضوء ريادة نعوم الصائغ والياس سنبل لفن التصوير الفوتوغرافي في العراق ، ان هذا الفن سرعان ما وجد طريقه للتطور فظهر مصورون فوتوغرافيون مشهورون في العشرينات من القرن الماضي وما بعدها ، ولعلنا نورد أسماء بعضهم من الذين كان لهم شأن عظيم في هذا المجال ومن أبرزهم (ارشاك) و(اكوب) و(الحاج أمري سليم) و(مراد الداغستاني) , و( كوفاديس ) و( يحيى المختار) و (كاكا) وغيرهم وكل أولئك يذكرهم التاريخ بكل احترام تقديرا واعتزازا بما قدموه لبلدهم من خدمة كبيرة تمثلت في أنهم كانوا بمثابة المرآة التي عكست الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العراقية المعاصرة بكل دقة ووضوح .